الخميس، 13 نوفمبر 2014

Picnic at Hanging Rock

كتب : عماد العذري

بطولة : آن لامبرت ، ريتشل روبرتس
إخراج :  بيتر وير

من أجمل ما حدث للسينما هو بروز الموجة الأسترالية مطلع السبعينيات من القرن الماضي ، عندما حدث ذلك كان أشبه بمن يفتح أعين الناس على أمرٍ لم يخطر ببالهم حدوثه : القارة الصغيرة و آخر مكتشفات الجغرافيا الكبرى أصبحت تقدم للعالم سينما حقيقية ، اليوم عندما تذكر تلك الموجة ، يذكر بيتر وير كواحدٍ من أهم رموزها .

كان هذا الفيلم - إلى جوار The Last Wave ثالث أعمال وير الروائية الطويلة – واحداً من أهم إنجازات الموجة التي تحققت بفضل سياسة الدعم الحكومي التي قامت عليها لتمويل عددٍ من صناع السينما الشباب في القارة الجديدة ، كان لإنتاجات الموجة علاوةً على الدعم الحكومي ملامح مشتركةٌ واضحةٌ مكتملة تمثلت بشكلٍ رئيسي في تحري العلاقة بين البيئة المادية و البشرية لأستراليا ، بين طبيعة الأرض البكر للبلد القارة و طبيعة الرجل الأبيض الذي غزاها و رأى فيها جنة الله على الأرض ، موضوعٌ بقي الخلفية الرئيسية لنخبة أعمال الموجة بالرغم من تعدد المعالجات والحكايات التي تناولته .

القصة التي يحكيها علينا وير هنا كتبها كليف غرين عن روايةٍ حملت الإسم ذاته لجوان لينزاي ، تأملٌ في حكايةٍ ما تزال حتى يومنا هذا مثار شكوكٍ في حقيقة حدوثها أو على الأقل في الجزء الحقيقي منها ، مديرة مدرسة آبليارد الداخلية تقرر إرسال طالباتها في نزهةٍ إلى الجبال المعلقة رفقة الآنسة ماكرو ومدرستين أخريين ، تُفتن الفتيات بالقرار الذي يجيء متزامنا مع الفالانتاين ليحررهم ربما من الجو الخانق الذي يعيشونه في المدرسة ، عند الجبال المعلقة تختفي ثلاث فتياتٍ منهن ، و لن يعلم أحدٌ عن اختفائهن شيئاً .

الصورة التي لطالما ارتبطت بهذا الفيلم هي صورة (الفيلم الغامض) ، الصورة التقليدية للفيلم الذي يستفز خيال المشاهد ويجعله يطارد تطورات حكايته لاهثاً مجنداً كل ذرةٍ من دماغه من أجل العثور على مفتاحٍ يفسر ما جرى ، وفي الواقع وبعد ثلاث مشاهداتٍ لهذا الفيلم لا أجد في ذلك التسويق الذي يحظى به الفيلم على الدوام أي شيءٍ حقيقي ، فيلم بيتر وير هذا ليس (فيلماً غامضاً) ، و إنما هو (فيلمٌ عن الغموض) ، و الفرق بين المعنيين شاسعٌ جداً ، الفيلم الذي يخبر مشاهديه منذ اللحظة الأولى أن بطلاته سيختفين ، ولن يتم العثور عليهن ، ولن يعلم أحدٌ عن اختفائهن شيئاً ، هو بالتأكيد ليس فيلماً عن الحبكة كما يفترض بأي (فيلمٍ غامض) ، الفيلم يريحنا من التوقع و الترقب باكراً ، لا يحاول أن يستمد اهتمام مشاهده به من حادثة الإختفاء ذاتها لأنه يحدّثنا عن خلاصتها منذ اللحظة الأولى فيه ، هو يذهب برأيي أبعد بكثير من الشكل التقليدي لفيلم الغموض مقدّماً دراسةً إستثنائية في (طبيعة الغموض) و (كينونة الحدث الغامض) ، أي حدث ، الطريقة التي تتآلف فيها كل التفاصيل التي تحيط به لتصب في بوتقة غموضه ، و الطريقة التي يتفاعل بها المتلقي مع تلك التفاصيل مشكلاً – كلٌ على طريقته – الطبيعة الغامضة لها .

من أجل أن يتحقق ذلك لبيتر وير يعمل نص كليف غرين على أربع مستويات سردية يخدمهن وير بحنكة مخرجٍ من مستوى النخبة ، يفتتح على بطلاته يوم عيد الحب من عام 1900 ، صورةٌ حالمةٌ و شاعريةٌ جداً لفتياتٍ أشبه بالأسيرات يقرأن الأشعار و يحضّرن بطاقات الفالانتاين استعداداً لمصيرٍ قدمه لنا النص مبكراً ، يغمر صورتهن الأولى بصبغةٍ ملائكيةٍ لا يمكن للعين أن تخطئها : صورهم في الأسرّة ، أحاديثهن ، الكلام الشاعري الذي يترنمن به ابتهاجاً بعيد الحب ، نظرات الوله التي تطغى على وجوههن ، بيتر وير باكراً جداً و منذ عبارة (حلم داخل حلم) مع موسيقى الروماني جورجي زامفير و إضاءة مدير التصوير راسل بويد يعزل فتياته بصورةٍ واضحةٍ عن عالمهن ، تبدو حجرهن قطعةً مستقلةً عن العالم الذي نلتقيهم فيه لاحقاً ، يمنحهم من خلال عزلتهم البصرية صورة المخلوقات السماوية التي جاءت إلى هذا المكان و استقرت فيها قبل أن ترحل عنه عندما تحين ساعتها ، في المستوى الثاني من الحكاية يخرج وير فتياته من عزلتهم (بصرياً) دون أن يسلبهم الشاعرية المفرطة التي قدمهم بها في المستوى الأول ، يكثف غرين ووير عملهما في المستوى الثاني على أمورٍ بعينها ، أولاً جمال ميراندا الذي يبقى معنا طويلاً بعد المشاهدة في كاستنغ عظيم لآن لامبرت يجعلها أيقونة الفيلم في أقصر وقتٍ متاح ويعزز في جاذبية حضورها وقربه من القلب النفَس الإيحائي لتلك الرحلة ، وثانياً تزامن الحادثة مع عيد الحب - و الذي توليه الصورة عنايةً خاصة - يمنح الحادثة شيئاً من ملامح طقسٍ وثني (وربما جنسي) حدث في النزهة ، النص – كحال الموجة كلها – يستفيد من حادثته المحور فيقرن صورة (حسناواته الأسيرات) بـ (الطبيعة البكر) ، يمزجهن بها ، يجعل من الصورة الملائكية لهن مطلع الفيلم ثم صعودهن الغريب نحو الأعلى شيئاً أشبه بالمتنفس العاطفي في يوم الفالانتاين ، التحرر والإنعتاق من صرامة الواقع الذي يعيشونه في المستوى الأول ، شيءٌ أشبه بالإستدعاء من قبل قوةٍ علوية ، قوةٍ طبيعيةٍ تشكل الجبال المعلقة الشكل المحسوس منها ، وير يركز هنا بوضوح على الشكل البشري للصخور المعلقة التي يفتتح الفيلم بلقطةٍ ضبابيةٍ لها ، يتعمد التقاطها من زوايا تظهر ملامحها البشرية الجامدة ، أشياء أشبه بكائناتٍ حجريةٍ أسطوريةٍ تقبع هناك تراقب كل شيء ، تبدو الصخور من خلال كاميرا راسل بويد وكأنما هي تعي ما جرى ، وكأنما هي تدرك جريمتها ، التفصيل الذي يؤكد وير استهدافه لاحقاً من خلال الحديث العابر لبستاني المدرسة مع أحد العاملين فيها (هل تعلم يا فتى أن هناك بعض النباتات يمكن أن تتحرك ؟) ، وير – من خلال نهج الموجة في التعامل مع الطبيعة – يحاول أن يمنح بعض الملامح البشرية للطبيعة التي أحاطت بـ (الحدث الغامض) ، الطبيعة التي قست على تلك المخلوقات النورانية ، أمرٌ لا يمكن أن نخطيء التكثيف عليه عندما نستمع مطلع الرحلة للآنسة ماكرو تتحدث عن الجبال و عمرها و عن الأرض /الأم العتيقة حيث (الحمم تندفع من أعماقها) مانحةً تلك اللوحة الجامدة معنى (الرحم) و (الولادة) ، ثم الجمل المسرحية التي تسيطر على المشهد (انتظرت مليون عام فقط من أجلنا) و (الشيطان كان هنا منذ الأبد) و (كل شيءٍ يبدأ و ينتهي في الوقت المناسب) ، هذه الخلطة تمنح ما حدث مذاقاً أشبه بالسحر ، أشبه بالصعود نحو الجنة ، تماماً كما يسعى التمازج الحاصل بين كاميرا راسل بويد التي ترنو نحو الأعلى في مشهد الصعود و الموسيقى العظيمة للأسترالي بروس سميتن أن يمنحنا حس الإرتقاء المتدفق مع حركة الفتيات نحو الأعلى و نعومة الصورة التي تلتقط ذلك الطقس المهيب الذي يشبه الغيبوبة ، (كل ما نراه ، و كل ما يبدو لنا ، هو مجرد حلم ، حلمٌ داخل حلم) كما تقول بطلته في عبارة الفيلم الأشهر ، وير يعزز المعنى الإيحائي لذلك الإستدعاء من خلال الصورة الفاتنة لميراندا تقود صديقاتها في ملابسهن الفيكتورية نحو مصيرهن الغامض ممتزجاً مع عبارة الآنسة ماكرو (ميراندا هي ملاك بوتشيللي) ثم يستثمر لاحقاً رمزية البجعة (الجمال و العجز و الأسطورة) ليعزز عمق هذا المستوى عن الشكل (الخوارقي / الإيحائي / المجازي) لهالة الغموض التي أحاطت بعملية الإختفاء فنشاهد البجعة في البحيرة تتلاشى على صورة ميراندا كما نشاهد مجسمها قرب سرير سارة بجوار صورةٍ لميراندا ، كل ذلك يخلق - في المستوى الثاني من الحكاية - المقاربة الشاعرية المثالية لشخصياته الملائكية التي عادت إلى حيث تنتمي ، و لصورة (الحلم) الذي – كأي حلم – نحن من نصوغ بقيته و نرتبه و نحاول جعله مكتملاً و قابلاً للتفسير كما يروق لنا أن نراه ، ليس لغايةٍ تفسيرية – فالفيلم يبقى عاجزاً حتى الختام أمام غموض ما جرى – و إنما لغايةٍ دراميةٍ سيعززها من خلال مستويات السرد التالية لرسم الصورة التي يتحراها في (طبيعة الغموض) و (كينونة الحدث الغامض) .

في مستوى أعمق من السرد بعد مستوىً أول أطل فيه على (ملائكية) بطلاته و مستوىً ثانٍ تعامل فيه مع روحانية (ارتقائهم) و (تماسهم مع الطبيعة) يكثف النص في المرحلة التالية دراسة إنعكاسات المستويين على شخصيات الفيلم المتبقية من خلال التفاصيل التي أعقبت حادثة اختفاء الفتيات و هي تفاصيل بديهيةٌ ومنطقيةٌ جداً لو ارتدّ المرء للوراء قليلاً لرؤيتها بتجردٍ بعيداً عن (الطبيعة الغامضة) التي نراها في الحدث ، نستمع لتفاصيل عودة إيرما دون مشد وعن الملابس الداخلية للفتيات (في تأكيدٍ للإشارة الجنسية التي المح لها المستوى السابق) ، ثم نشهد صمت إيرما (الشاهد الوحيد على ما جرى) ونراقب عجزها عن تذكّر شيء ، ثم نشاهد تحولها إلى كائنٍ شيطاني في نظر زميلاتها بسبب ذلك العجز ، نعيش كآبة المدرسة ، نستمع للقرائن و الأدلة المتوفرة ، يخبرنا بحكاية الآنسة ماكرو التي ركضت عاريةً في الجبل ليزيد ذلك المعنى ، قبل أن نشاهد السيدة آبليارد بكل جمودها و صرامتها ترتدي ثياب الحداد ، ثم نرى التأثر البالغ لسارة بما جرى بصورةٍ قد تفتح مجالاً لتفسير علاقتها بميراندا بصورةٍ جنسية خصوصاً مع الحوار الذي نشهده بينهما قبل انطلاق ميراندا في رحلتها وصولاً إلى العثور على سارة ميتة بعد ذلك ، ثم العبارات الختامية التي يمنحنا إياها النص عن العثور على السيدة آبليارد ميتةً بعدما ذهبت تبحث عن فتياتها في تلك الجبال المعلقة ، في هذا المستوى يتعامل وير بتأنٍ مع التفاصيل التي يمكن أن تفسَّر بـ (الصورة الأبسط) لكنها (وفقاً للسياق الغامض للحدث) تفسَّر بـ (صورةٍ أكثر تعقيداً) ، هذه هي سيكولوجية التعامل مع (الحدث الغامض) ، العبارات التي سمعناها على لسان الآنسة ماكرو و طالباتها في بداية الرحلة هي عباراتٌ تجسد الرهبة الطبيعية لدى العامة تجاه تلك الصخور ، لكن وير من خلال الكلوز آب وطريقة نطق تلك العبارات يجعلها منفذاً للشك بالرغم من امكانية وضعها في سياقها المنطقي ، مشد إيرما قد يُفقد لأي سبب نتيجة صدمتها بما جرى ، صدمتها التي قد تفقدها (بشكلٍ منطقي) قدرتها على التذكر ، حالة النبذ (الطبيعية) التي تمارسها فتيات آبليارد عقب اختفاء ثلاثٍ منهن ، صورة الآنسة ماكرو تجري شبه عارية و التي تحتمل عشرات التفسيرات وفقاً لسياق الكارثة التي أصابت الفتيات في الجبل و المسؤولية الملقاة على عاتقها في الحفاظ عليهن ، حالة الإعياء الشديدة التي أصابت الشاب فيتزوبرت عند عثوره على إيرما والتي ستزيد من غموض ما يجري بالرغم من سهولة تفسيرها في سياق الإنهاك الذي أصابه من البحث المطوّل في جبالٍ معلقة خصوصاً وأنه هو ذاته لا يعزو ذلك لأي شيءٍ آخر ، ثم صورة الحداد المنطقية جداً التي نشهدها مع السيدة آبليارد و حالة الكآبة الشديدة – المنطقية جداً أيضاً - التي تطغى على مُدرّسةٍ فقدت للتو ثلاثةً من طالباتها ، و في الأخير موت السيدة آبليارد عند الجبال المعلقة والذي يحتمل أيضاً عشرات التفسيرات المنطقية جداً بالنسبة لمنطقةٍ بتلك الطبيعة الصعبة ، النص – بعبقرية – ينظر في هذا المستوى من السرد في التبعات المباشرة لإختفاء الفتيات من خلال التقاط التفاصيل التي تُذكي (الطبيعة الغامضة للحدث) ، أي حدث ، والصورة التي تلتقطها بها حواسنا و تعزز من خلالها غموض الحدث بالنسبة لنا كرد فعلٍ تجاه عجزنا عن فك عقدته البدائية الأولى .

في المستوى الرابع من السرد يتجاوز وير التبعات المباشرة لحادثة الإختفاء إلى التقاط تفاصيل لا تمت للحادثة بصلة ولكن وضعها في سياق تتابعاته يجعلنا نحن من نمنحها تلك الصلة ، محاولته فتح بابين لحل غموض الحادثة ، أحدهما عقلاني منطقي والآخر روحاني خوارقي وبقاء كلا البابين مفتوحاً أمامنا منذ الحادثة هو ما يجعل تلك التفاصيل تحتل تلك المساحة لدينا ، فيتشكل لدينا بالنظر - لمنعكسات الحادثة – الشعور بنهاية المنظومة الاجتماعية التي كانت تحيط بتلك الفتيات ، شيءٌ أشبه بـ (الخراب) يصيب مدرسة آبليارد من رأس هرمها و حتى أقل طالباتها قيمة ، تمنحنا تبعات اختفاء تلك الفتيات شعوراً بـ(الكنز) الذي كان في أيدينا و فقد ، احساسٌ يغذيه وير بشدة بصرياً فنشعر بذلك الخراب يسيطر على المدرسة التي كانت تمتلىء حيويةً مطلع الفيلم قبل أن يختمه بالصورة الفاتنة بالسلوموشن لميراندا – على انغام بيانو بروس سيمتن - تلقي نظرتها الوداعية علينا ملوحةً بيديها قبل أن تصعد في رحلتها الأخيرة ، وهي صورةٌ عاديةٌ جداً – لو نظرنا لها بتجرد – لفتاةٍ ذاهبةٍ في نزهة تودع صديقاتها بكل بساطة ! ، غرين ووير في هذا المستوى من السرد يستفزان مشاهدهما ويتحديان خياله من خلال نثر الكثير من التفاصيل واتاحة الفرصة له لوضعها في السياق الذي يحب ، تأمل مثلاً في المشهد الشهير الذي تُربط فيه سارة من أجل تعديل وضعية ظهرها ، هذا المشهد يتحول إلى كابوس حقيقي عندما يترافق مع تعنيف الطالبات – هزلي المظهر – لإيرما في المكان ذاته ، ولو دخلت الآنسة دي بواتييه إلى المكان لتجد سارة على وضعيتها تلك لما اندهشت فما يحصل لسارة هو أمرٌ روتيني لكن ما يحصل لإيرما في المشهد مدعوماً بكاميرا راسل بويد العبقرية تمنح لوضعية سارة قيمةً كابوسيةً مختلفةً تماماً تُغني هالة الغموض التي تلف كل شيء والتي تتزامن الآن مع الإضطهاد الذي تتعرض له سارة في المدرسة نتيجةً – بكل بساطة – لعجزها عن سداد أقساطها ! ،  سنشاهد قبل ذلك توقف ساعة السيد هاسي قبل حادثة الصعود مباشرةً وسيروق لنا تفسير ذلك بالطريقة (الخوارقية) الأصعب رغم أنها من الممكن أن تتوقف لأسبابٍ منطقية ، سنكتشف أن سارة هي شقيقة بيرتي التي انفصلت عنه وسنعيش شعوراً يفتك بالرأس عن توقيت الكشف عن هذا التفصيل رغم إمكانية حدوثه جداً لو تأملناه بتجرد : شقيقان يعيشان في المنطقة ذاتها بعدما افترقا لسنوات طوال و بقيا يحلمان ببعضهما البعض ، نحن حتى لن نشاهدهما سويةً ولن يلتقيا مجدداً ، كلُّ ما في الأمر أننا استمعنا (هذه المرة تحديداً) لكلامهما – المتكرر منذ الأزل و حتى الأبد – عن بعضهما ، تفصيلٌ عابرٌ من تفاصيل الحياة تزامن مع مسار حكايةٍ غامضة وستجعلنا مخيلتنا نفكر فيه في سعينا نحو فك غموض تلك الحكاية ، في الواقع هذا هو جوهر (الطبيعة الأزلية للغموض) ، السعي نحو كل ما يبدو (واضحاً) من أجل تفسير ما يبدو (غامضاً) دون منح المتلقي الفرصة لإلتقاط انفاسه وإدراك أن الوضوح و الغموض هي طرقٌ لوصف ما يجرى قد تختلف نسبتها من شخصٍ لآخر ، يترك غرين ووير مشاهدهما يسأل الأسئلة التي يحب و يجيب عنها بالطريقة التي يحب لأنهما أخبراه منذ البداية أن الفتيات سيختفين و لن يعلم أحدٌ عن اختفائهن شيئاً ، يتيحون له فرصة اختبار ذات الشعور الذي عايشه الأخرون إبان الحادثة ، شعور الحيرة والتشويش والعجز أمام محدودية الإجابة ، لذلك هو يسال ولذلك هو يجيب ، وفي الأخير (هناك أسئلةٌ يتم الإجابة عليها و أسئلةٌ لا) كما يقول البستاني في الفيلم ، لا يقدم النص أي منبعٍ للشك بأي شخصية ولا يميل قدر شعرة بإتجاه تبني وجهةٍ نظرٍ تناسبه لحل اللغز ، هذا عظيمٌ برأيي ، لا وجود لشخصيةٍ نشك بها ، لا وجود لشعورٍ سلبي تجاه شخصٍ بعينه ، لا وجود لتصرفٍ يجعلنا نعتقد أنه كان وراء ما جرى ، نحن فقط نوزع شعورنا السلبي تجاه الحادثة على كل شيءٍ نشاهده مهما بلغت بساطته ، نشاهد فقط ما شاهده الذين عايشوا تلك الحادثة ، ويغيب عنا ما غاب عنهم ، نلتقط التفاصيل بمقدار ما التقطوا ، ونفسّر كما فسّروا ، ثم نعجز تماماً كما عجزوا ، نقف في المستوى الأعمق من السرد مستذكرين كل تفصيل صغير ، ابتداءاً بالصورة الملائكية للبجع في ملابسهن الفيكتورية مطلع الفيلم وصولاً إلى العثور على السيدة آبليارد ميتةً في ختامه مروراً بالصخور البشرية والشكوك الجنسية وعاطفة الحب التي تضرب فيتزوبرت تجاه فتاةٍ شاهدها مرةً واحدة ، كل ذلك يتمازج في نهر من التفاصيل المتدفقة لصنع صورةٍ كبيرةٍ لحادثةٍ غامضة منحنا الفيلم هالة غموضها كما هي دون أن يعبأ بكشف ذلك الغموض – ببساطة - لأن ذلك لم يحدث ، الفيلم – مجدداً – ليس فيلماً غامضاً بل هو فيلم عن (الغموض) ، عن (طبيعة الغموض) ، عن (الكيفية التي يصبح بها الحدث الغامض : غامضاً) .

طريقة التعاطي العظيمة مع (الحدث الغامض) التي يقدمها غرين و وير هنا أصبحت أشبه بقالبٍ قابلٍ للإستلهام من بعدهم بالرغم من محدودية التجارب التي قاربتهم ونجحت في ذلك ، أذكر منها فيلم بيتر جاكسن Heavenly Creatures و فيلم صوفيا كوبولا The Virgin Suicide ، وير ذاته أعاد الإلتقاء مجدداً بـ (الجزء الروحاني من المأساة) لكن من خلال حكايةٍ مختلفةٍ و معالجةٍ مختلفة في Fearless ، كان ظهور الموجة الأسترالية شيئاً عظيماً أتاح لعددٍ من صناع السينما الأستراليين أن ينطلقوا للعالم ، أهم هؤلاء كان بيتر وير ، و أهم ما قدمه برأيي يبقى هذا الفيلم الذي أقرُّ الآن بعد مشاهداتٍ كثيرةٍ لأفلامٍ جاءت من هذا البلد بأنه المنجز السينمائي الأفضل التي قدمته لي أستراليا إلى جوار رائعتي Walkabout و Wake-in Fright .

التقييم من 10 : 10