الجمعة، 8 يوليو 2016

Lost in Translation

كتب : عماد العذري

بطولة : بيل ميري ، سكارلت جوهانسون
إخراج : صوفيا كوبولا (2003)

إحدى متع السينما تكمن في إعادة الالتقاء بأعمالٍ كهذه فتنتنا في مشاهدتها الأولى قبل سنوات ، شاهدت هذا الفيلم أربع مرات ، اثنتان منها خلال الفترة المبكرة لإطلاقه عام 2003 ، وواحدة بعد ذلك ببضعة أعوام ، ثم شاهدته مجدداً يوم أمس ، في المشاهدات الأربع لا توجد مشاعر عميقةٌ تبدلت .

قررت صوفيا كوبولا كتابة وإخراج هذا الفيلم – الذي حقق نجاحاً نقدياً وتجارياً لم تكن تتوقعه - كرد فعلٍ لزياراتها المتعددة لطوكيو منذ مطلع العشرينيات من عمرها ، أحبت هذه المدينة ووثقت من خلال الصور الفوتوغرافية الكثير من اللحظات الحميمية التي عاشتها معها ، وبعد بضعة أعوامٍ على نجاح باكورة أعمالها الإخراجية The Virgin Suicides قررت كوبولا أن تحول ذاكرتها تجاه المدينة إلى عملٍ سينمائي أقل كآبة وأخف ظلاً من عملها الأول ، كتبته وهي تضع بيل ميري بطلاً للعمل ، لم تكن ترى أحداً سواه في الدور وجاهدت كثيراً كي تحصل على اهتمامه قبل أن تستعين بصديقها ويس آندرسن للحصول على مقابلةٍ معه.

بوب هاريس الذي يؤديه بيل ميري في الفيلم ممثلٌ خمسينيٌ تراجعت مسيرته المهنية مؤخراً و يجد في القيام ببعض الإعلانات التليفزيونية فرصةً جيدةً لكسب بعض المال ، يسافر إلى طوكيو من أجل تصوير إعلانٍ تليفزيوني لويسكي سانتوري ، في طوكيو يشعر هاريس بالكثير من العزلة في بيئةٍ وثقافةٍ مختلفة ، خلال إقامته في الفندق يلتقي بشارلوت ، شابةٌ عشرينيةٌ تزور طوكيو في مهمة عمل لزوجها المصور الفوتوغرافي ، بالرغم من إشراقها وصغر سنها إلا أن شارلوت لا تختلف عنه كثيراً .

في هذه الحكاية تستلهم كوبولا الكثير من تجربتها الشخصية ، زواجها المتعثر من سبايك جونز ، رحلاتها المتكررة إلى طوكيو وحالة العزلة التي عاشتها هناك ، الأماكن التي زارتها والنشاطات التي قامت بها ، شريط الصوت – الشخصي جداً – الذي تعاونت فيه مع برايان ريتزل ، وبالطبع إعلان ويسكي سانتوري الذي استلهمته من إعلانٍ مماثلٍ لذات المنتج قام ببطولته والدها فرانسيس فورد كوبولا رفقة أكيرا كوراساوا وتم تصويره في منزلهم في سان فرانسيسكو ، من هذه الذاتية تفتتح صوفيا كوبولا فيلمها بلقطة تعرضت للكثير من التأويل الذي لا تحتمله كما تقول كوبولا نفسها ، لقطةٌ خلفيةٌ لبطلتها شارلوت تنام في سريرها بملابسها الداخلية ، كوبولا المولعة في أفلامها بنثر إشاراتٍ ومرجعياتٍ لأعمالٍ فنيةٍ تحبها تفتتح فيلمها هنا على أبطالها الثلاثة : شارلوت ثم بوب ثم طوكيو وهم في حالة (نوم) ، شارلوت النائمة في سريرها بملابسها الداخلية في محاكاةٍ كاملة للوحةJutta  للرسام التجريدي الأميركي جون كايسر التي شاهدتها كوبولا ذات مرة في فندق حياة طوكيو الذي أقامت فيه مراراً في رحلاتها إلى هناك والذي قررت أن تصور فيلمها فيه ، تنتقل منها كوبولا إلى بطلها بوب هاريس النائم في سيارة التاكسي التي أحضرته من المطار ، ثم منه إلى لقطاتٍ لطوكيو النائمة في ساعات الليل الأخيرة حيث يومٌ آخرٌ يموت ، الأكثر وضوحاً في هذه الافتتاحية الثلاثية للعمل هو التأسيس المهم والناجح لتون الفيلم : الألوان والكادرات ومسحة الغرابة التي تولدها في المشاهد مدعومةً بشريط صوتٍ مشبع وعملٍ مونتاجيٍ مقدر من سارة فلاك ، طوال سنوات ربط الكثيرون قيمة هذا العمل بالنص العظيم الذي كتبته صوفيا كوبولا ، لكنني منذ المشاهدة الأولى ما زلت أرى فيها منجزاً (إخراجياً) قبل أي شيءٍ آخر ، مبكراً جداً تؤسس كوبولا – بصرياً - لعلاقات شخصياتها الثلاث ببعضها ، نظرتها المبكرة لطوكيو هي محاكاةٌ بصريةٌ لنظرة الغريب في مدينةٍ غريبة ، لا نراها إلا من منظور بوب و شارلوت ووفقاً لرؤيتهم ، كوبولا تتيح أيضاً لشريط الصوت الفرصة لمجاراة حالة الإستكشاف هذه بين بوب و شارلوت و طوكيو ، يستقبل الطاقم الياباني بوب هاريس عندما يصل من المطار ، إستقبالٌ مختصر وعملي وفيه الكثير من الهدايا ، تضع كوبولا بطلها في المصعد مع رجالٍ يابانيين متقدمين في العمر يفوقهم هو طولاً ويتوضع في منتصف الكادر تماماً ، عندما نلتقي بوب و شارلوت – كلاً على حدة - تكون طوكيو هي الطرف الآخر من المشهد بحضورها المادي أو المعنوي ، كوبولا و آكورد يجعلان الفكرة أكثر حميميةً على الصعيد البصري أولاً من خلال التصوير في أكبر كميةٍ متاحةٍ من الإضاءة الطبيعية وتقليل الإضاءة الإصطناعية إلى الحد الأدنى (والإستغناء عنها تماماً في المشاهد الخارجية) ، وثانياً من خلال كاميرا محمولة غير مدعية بإهتزاز محدود يغني مسحة الحقيقية التي تعاملت بها كوبولا مع طوكيو (شخصية الفيلم الثالثة) ومع علاقة شخصيتي بوب وشارلوت بها ، كوبولا تغني معنى (العزلة) بصرياً في النصف ساعة الأولى عندما تضع مصدر الإضاءة في المشهد في جهةٍ ما من الكادر و تضع الشخصية في الجهة الأخرى ، نرى هذا في الحانة وفي غرفة الفندق وفي المطعم صباحاً وحتى في البانيو ، بعيداً عن المشاهد الداخلية تمنح كوبولا بطليها بعض الخصوصية في المشاهد الخارجية ، مع شارلوت نميز تسلسلاً من تنوع اللقطات بين القريبة والواسعة ، تراهن كوبولا على التتالي (بدلاً من الاستخدام التقليدي للقطات الواسعة للتعبير عن العزلة) ، تنتقل بين قربها من الشخصية ثم ابتعادها عنها لترينا موقعها ضمن عالمها الغريب ، على عكس ما تفعله مع بطلها بوب هاريس محدود المشاهد الخارجية ، عندما تضعه في ملعبٍ للغولف تاخذه في لقطة واسعة ، مساحةٌ واسعة وعصا الغولف وكرة و غابةٌ في خلفية الصورة ، وهو تمييز بصريٌ يخدم مساحة التفاصيل المحدودة التي تفرقهم حيث شارلوت الشابة / المستكشفة في عزلتها وبوب رجل خريف العمر المنكفئ على ذاته ، الصورة يدعمها شريط الصوت بقوة ليخلق حالة اغترابٍ بصرية أقل جفافاً و حدة وأقل مباشرةً ، كوبولا تفهم الحالة جيداً لأنها كما تقول عاشتها سابقاً في رحلاتها الى طوكيو ، يبدو بوضوح هنا أن سلاح كوبولا الأهم ليس نصياً بالمعنى المادي للعبارة ، هي تعتمد كثيراً على إغناء ما وراء النص وما بين السطور ، إغناء مساحات الصمت الكثيرة بين بوب وطوكيو من جهة و شارلوت وطوكيو من جهةٍ أخرى وهو توجهٌ وإن كان عملياً لا يؤسس للعلاقة المادية بين بوب وشارلوت لكنه يغنيها كثيراً عندما تحدث لاحقاً ، خلال فترة قصيرةٍ سنجد في بوب و شارلوت غريبين جمعهما مكانٌ غريب ، المشتركات التي تجمعهما في مشاهدهما – كلٌ بمفرده – قادرةٌ لوحدها على أن تصنع شيئاً عظيماً حتى لو لم يحدث اللقاء بينهما بعد نصفٍ ساعةٍ من مدة العرض .

خلال هذه المرحلة تقدم كوبولا شيئاً من التمازج بين ما تطرحه بصورةٍ مباشرةٍ في حكايتها وما تسمح به لكاميرا لانس آكورد أن تلتقطه في طوكيو كمكانٍ غريب وهو الذي – مثل كوبولا – قضى فيها أياماً طويلةً في زياراتٍ متكررة وقال أن كاميراه هنا هي امتدادٌ طبيعي لنظرته للمدينة ، ذات الأماكن في هذا الفيلم كانت لتبدو شيئاً مختلفاً في كاميرا مخرجٍ يابانيٍ أو في حكايةٍ يابانية، بعد 13 عاماً ما زلت أعيش مع (صورة) الغرابة التي رسختها كوبولا في طوكيو ، المدينة التي نراها من عيني كوبولا الشابة التي زارتها أول مرة ، الجميل هنا أن كوبولا تحرر الثنائيتين (بوب / طوكيو) و (شارلوت / طوكيو) من مجرد الإرتباط بطوكيو كمكانٍ غريب ، العزلة تغمر بوب بصرياً في الفندق ، بينما نعيشها مع شارلوت في شوارع طوكيو وفي أماكن تقوم بزيارتها ، كوبولا كأنما تريد أن تذهب بالإحساس خارج إطار المكان ، تعيده نحو الداخل بدلاً من أن تربطه بالخارج. شيئاً فشيئاً نرى في الفندق الشيء المألوف بالنسبة لهم ، العالم (موحد المعايير) الذي يمكن أن يجدوه في أي مدينةٍ يذهبون إليها في العالم ، الفندق هو ذاته الفندق في أي مكانٍ يذهب إليه المسافر ، هو هنا مساحة الحماية واللقاء والتفريغ ، لا توجد (شخصنة) لواقع الغربة تجاه (طوكيو) ، الغربة هنا ليست شكلية بمعنى أنها ليست آتيةً من (عصرية) طوكيو : الأوتوسترادات وأضواء النيون وناطحات السحاب كما يراها البعض ، هذا في الواقع هو شكل طوكيو الذي لا تستطيع الفرار منه وهو شكلٌ لا يختلف في حقيقة الأمر عن شكل المدن التي جاء منها أساساً بوب و شارلوت ، نيويورك ولوس أنجلوس لا تقل عصريةً عن طوكيو ، كوبولا تمنح علاقتهم بالشخصية الثالثة معنى مزدوجاً يذهب أبعد من الصورة المسطحة للغربة المتولدة عن (عصرية) طوكيو ، حركات النص الثلاث هي في الواقع حالاتٌ ثلاث ، تكون طوكيو عزلةً في الحركة الأولى ، ثم تتحول إلى شيءٍ قابلٍ للإستكشاف في الحركة الثانية ، ثم تصبح مجرد وعاءٍ للحدث في الحركة الثالثة ، طوكيو تتطور مع بوب و شارلوت في حالاتٍ ثلاث (عزلة و استكشاف و يقين) حيث تغيرات الحدث الحقيقية تبدو أشياء ثانويةً أمام علاقات الشخصيات الثلاث ببعضها.

المفاصل الثانوية التي تعتمد عليها كوبولا لتحريك الحكاية (الحسية جداً) هي مشاهد كوميديةٌ طريفةٌ فعلاً ما زالت بذات رونقها منذ شاهدت الفيلم أول مرة ، كوميديا مشهدي تصوير الإعلان شيءٌ مقاومٌ للزمن ، تعميقٌ خفيف الظل لفكرة الضياع في الترجمة ، ليس فقط الضياع اللغوي الناجم عن الجهل باللغة ، بل ضياع الأفكار التي تسخر منها كوبولا من خلال حالة التواصل التي تتم عن طريقٍ مترجمٍ لا تتناسب المساحات الزمنية التي يمنحها لكل عبارةٍ يترجمها مع ما يفترض أن تكون عليه تلك العبارات فعلاً في لغتها الأم ، المشهد الآخر الذي يجمع بوب بمن أسمت نفسها (أخصائية المساج) أو مشهده مع جهاز الركض في النادي أو مشهده في المقابلة التلفيزيونية لا تقل كوميديةً وطرافةً عن سابقيها ، وصولاً طبعاً إلى مشهد بوب مع المريض الياباني في صالة الإنتظار في المستشفى والذي ما زال بذات ألقه بعد سنواتٍ من إطلاق الفيلم ، كوبولا تستثمر الكوميديا جيداً لتتحدث عن (الضياع في الترجمة) بصورته الشكلية اللغوية كغلافٍ خفيف الظل للصورة الأعمق التي تريد أن ترسخها عن الضياع في ترجمة المشاعر والأحاسيس والعلاقات والتواصل مع الآخر مع تأكيدٍ مستمر على استخدام البطاقات والملاحظات والرسائل والفاكسات كوسيلةٍ لتواصل الشخصيات في الفيلم ، قيمة العمل – الموضوعة في إسمه – مباشرةٌ جداً وكوبولا تحاول بالمقابل ألا تجعلها كذلك ، ولأنها تنجح تبدو أقل مفاصل الفيلم قيمةً هي تلك اللوحات المباشرة منه : بعض الإصرار في مراحل متقدمةٍ من الفيلم على التأكيد على حالة الغربة المادية / الروحية للبطلين في مرحلةٍ تكون الحكاية قد تجاوزت هذا البعد إلى ما هو أعمق ، بعض الهزل المبالغ كمشهد طبيبٍ يشرح لمريضته الأمريكية عن حالتها باللغة اليابانية التي لا تفهمها ، أو إعطاء مبررٍ لا تحتاجه شخصية شارلوت في ظهور صديقة زوجها الممثلة المعروفة ، في أحد المشاهد تتحدث شارلوت مع صديقتها في أميركا عن علاقتها بزوجها الذي لم تعد تفهمه ولم تعد تعرفه ، لا تحتاج كوبولا لأكثر من هذا المشهد للدفع بالشخصية إلى الحافة : فتاة متفتحة وجميلة تعيش حالةً من الإنسحاق العاطفي بسبب حياةٍ خاوية ، في المشهد التالي ترينا كوبولا لمحةً عن علاقة شارلوت بزوجها وحالة الإنشغال الدائم التي تباعد بينهما ، ما زلت منذ المشاهدة الأولى أراهما مشهدين معكوسين في ترتيبهما ولا أجد مبرراً درامياً في عرض شيءٍ من العلاقة (بعد) إصدار الحكم عليها في مشهدٍ سبقه ، الإنتقال إلى مستوى أخفض بعد مستوى أعلى من الدراما وصلته الشخصية ، مع ذلك لا تفلت هذه التفاصيل من يد كوبولا التي أحب منجزها الإخراجي هنا أكثر مما أحب نصها على عظمته .

اللقاء الأول المباشر بين الشخصيتين يحدث بعد نصف ساعةٍ من الفيلم ، لا يقدمان نفسيهما لبعضهما ، هي تعرفه بالتأكيد كممثلٍ مشهور ، وبالتأكيد لا تبدو ملامحها يابانيةً بالنسبة له ، إبتداءًا من هذا اللقاء تطوّر كوبولا شكل العلاقة بعيداً عن أي نمطيةٍ أو تكرارٍ متوقعين ، في شكل العلاقة هناك شيءٌ من فيلم ديفيد لين Brief  Encounter ومن فيلم وونغ كاراواي In the Mood for Love ومن فيلم ريتشارد لينكلايتر Before Sunrise ، مع ذلك تبدو العلاقة في جوهرها مختلفةً تماماً ربما بسبب إختلاف مستوى إدراك الشخصيات للعلاقة التي يعيشونها في الأفلام الأربعة ، في فيلم لينكلايتر كانت الشخصيات تستكشف كي تدرك ، في فيلم ديفيد لين كانت الشخصيات تتعذب بسبب إدراكها ، وفي فيلم كاراواي كانت الشخصيات مدركةً ربما أكثر مما ينبغي ، بينما مع كوبولا تحاول الشخصيات الإختباء وراء إدراكها ، لا تعرف تماماً هل ما يجمعهما هنا هو علاقة حب ، أم محاولة هرب ، أو حالة استئناسٍ بروحٍ شبيهة ، بوب ذاته يلامس حالة الإدراك هذه عندما يربط ما تشعر به شارلوت بعدم قدرتها على فهم ذاتها وما الذي تريده ، ليس لأن فعل ذلك يجعلها أفضل ، بل لأنه يجعلها أقل إحباطاً ، ما يجمعهما لوهلة هو مزيجٌ من الغرابة والإستياء وبعد المسافة عن طوكيو التي تحيط بهما ، في العمق هناك المشاعر ذاتها ولكن تجاه حياتهم التي يحيونها ، زواجٌ محبط ومسيرةٌ مترنحةٌ يعيشها بوب تغلف أزمة منتصف العمر التي يمر بها ، وحيرةٌ ممزوجةٌ بدهشةٍ من انطفاء الشعلة الرومانسية التي جمعت شارلوت بزوجها ، تحت ذلك المستوى من العمق هناك شيءٌ أبعد من الصداقة لا يعلم كلاهما عنه شيئاً ، في لحظةٍ ما من هذا الوقت المستقطع تدرك الشخصيتان بشكلٍ كامل ما يحدث في حياتيهما دون قدرةٍ حقيقيةٍ على التفكير – مجرد التفكير – في اتخاذ رد الفعل المناسب تجاهه ، شخصيتا كوبولا عاجزتان بإختلاف صور العجز ، العجز خوفاً من المجهول أو خوفاً من التعرية ، في أحد المشاهد يمازح بوب شارلوت برغبته في عدم العودة إلى أميركا فتوافقه مقترحةً أن يؤسسا فرقةً غنائيةً ويقيما في طوكيو ، شارلوت تطلب من بوب ألا يحاولا المجيء إلى هنا ثانيةً لأنهما لن يستمتعا كما فعلا هذه المرة ، ملمحٌ لحالة الإدراك التي تختبىء ورائها الشخصيات ، أنها تعرف أن كل ما يجري في هذه اللحظة هو شيءٌ مؤقت : الفندق والعلاقة وطوكيو ، حتى علاقتهما تبدو ليليةٌ جداً وفيها الكثير من الأرق ، حميمية لقائهما ولدها ربما غياب الحميمية في محيطهما ، فقر المشاعر تجاه المكان والظروف ، في ظروفٍ أخرى ربما كان هو مجرد ممثلٍ يقوم بإعلانٍ تلفيزيوني وهي مجرد زوجةٍ ترافق زوجها ، لكن كوبولا لا تجعل الأمور تبدو سهلةً هكذا ، في لحظةٍ ما من العلاقة يراودنا إدراكٌ بأن ما يجري أعقد من ذلك وهذا يحسب للنص أولاً ، في لحظةٍ ما من العلاقة قد يدرك المشاهد أنهما – فقط - أكثر من يكترثان لبعضهما ، وهذا تحديداً لا يجعل من العلاقة شيئاً ذو معنى بقدر ما يجعلها الشيء الوحيد المجهول والغامض بالنسبة لهما وهذا بحد ذاته أمرٌ مغرٍ ، في هذه اللحظات المختلسة من الحياة هما لا يضيفان الكثير لبعضهما لكنهما يخففان خسائر بعضهما ، وأعتقد أن هذا ما تؤكد عليه كوبولا في الختام ، ربما ما همس به بوب في أذن شارلوت عند الوداع ليس مهماً ، لكنه موجودٌ حتماً في تلك المساحة الخاصة واللحظة المختلسة بينهما ، أن نعرفه يعني أن يفقد قيمته ، هذا التشويش في وضع تعريفٍ مكتمل لطبيعة العلاقة بين بوب وشارلوت في إعتقادي هو أعظم ما تفعله كوبولا على مستوى النص ، تجعل الامر يبدو أشبه بأن تغمض عينيك عن رؤية مشهدٍ مؤلم ، أنت تعلم أن الإغماضة لن تجعله أقل إيلاماً كما أنها لن تستمر للأبد ، لكنك لا تستطيع مقاومة لذة الإغماضة هنا ، وهو تشويشٌ يدعمه بوضوح تضاربٌ حذرٌ لدى الشخصيتين بين تفريغ الشحنة العاطفية التي ولدها الإغتراب بكل معانيه وبين إحترامهم لذواتهم ، هناك تجنبٌ واضحٌ لخلق أي نوعٍ من الإحساس بالحاجة إلى الجنس في العلاقة ، لكن بالمقابل هناك شعورٌ بالإستياء من الطرفين عندما يدرك بوب ثم شارلوت أن الرجل أقام علاقةً جنسيةً مع مغنية البار !! وأعتقد أنه تضاربٌ يلامس صميم عمق العلاقة بصورةٍ لا تجعل المشاهد قادراً على وجه التحديد على وضع العلاقة في مكانها المناسب على مدروج العلاقات العاطفية ، هل هي علاقةٌ عاطفيةٌ فعلاً ؟ ، الأهم هنا أن لحظات بوب و شارلوت في رحلة الإدراك المعقدة هذه معمولةٌ بنفسٍ إخراجي مختلف ، هادئة النبرة وقريبة من القلب ومرتجلةٌ في بعض حواراتها وتبقى مع المشاهد لفترةٍ طويلةٍ بعد المشاهدة ، تدفعها كوبولا نحو الذروة في منتصف الفيلم تماماً أثناء مشاهد سهرتهما المجنونة في المدينة وتحدي الكاريوكي من خلال لقطاتٍ متوسطة قصيرة بفضل مونتاجٍ أكثر حيوية يجعلها قطعةً مختلفةً عن الفيلم وشريط صوتٍ قائمٍ بشكلٍ رئيسيٍ على الموسيقى التي تستمع إليها الشخصيات قبل أن تهبط كوبولا بالإيقاع بمرونة لتؤكد التعبير عن الحالة المؤقتة التي عاشوها وكأنما هو إعصارٌ مضى ، يخدمها في ذلك أداءان من الطراز الأول ، سكارلت جوهانسون إبنة السابعة عشرة في أداءٍ حسيٍ مؤثر ربما هو الأفضل في مسيرتها ، و بيل ميري في أداءٍ مثالي ، كامل ، لا أجد وصفاً أفضل من هذا للتعامل معه ، ميري يعمل طوال الفيلم على كبح الإنفعالات بدلاً من إظهارها ، يحاول على مدار الحكاية ارسال ما تشعر به الشخصية نحو الداخل وليس نحو الخارج متيحاً للمشاهد بالحد الأدنى من التعبيرات الجسدية إدراك أن شيئاً ما يحدث ، يزيل الحاجز تماماً بين الممثل الخمسيني الذي يلعبه والممثل الخمسيني الذي هو عليه.

على مدار هذه العلاقة تبدو شخصية كوبولا قويةً جداً على الصعيد البصري : المساحات الفارغة في الكادرات قبل لقائهما – والتي كانت تملؤها طوكيو الإسمنتية صباحاً أو بألوانها الزرقاء والحمراء ليلاً - أصبحت تمتلىء بوجودهما معاً بعد لقائهما ، عندما تأخذ كوبولا أحدهما من منظورٍ جانبي أو نصف جانبي تظهر جزءاً هلامياً من الشخص الآخر في الطرف الآخر من الكادر ، تستخدم كوبولا التناظر في التعامل مع إمتلاء الكادر بعنصرين يصبحان شيئاً فشيئاً في منتصف الكادر بعدما كانا في أطرافه بمفردهما ، في مشهدهما الأول في البار تضعهما على طرفي الكادر ، مشهداً تلو آخر يتغير قربهما من مستوى التناظر حتى يصبحا في منتصف الكادر مع تقدم العلاقة قبل أن يندمجا تماماً في مشهد الوداع الختامي حيث طوكيو - الشخصية الثالثة – تلتف من حولهما بدلاً من أن تكون مجرد خلفيةٍ للمشهد هذه المرة ، قبل أن تنفصلا وتختفيا في عمق كادرين منفصلين ، لا شيء أضيف للعلاقة ، فقط جعلا وداع الفندق مشبعاً هذه المرة . على نقيض مشهدها الإفتتاحي لشخصياتها الثلاث النائمة تنهي كوبولا رائعتها هذه على طوكيو مستيقظةً هذه المرة - أكثر حميميةً وأقل عصريةً مما شاهدناها في مشهد الإفتتاح - على أعتاب يومٍ جديد.

عند إطلاقه عام 2003 إعتبر البعض هذا الفيلم نقداً مبطناً لمؤسسة الزواج وللحياة المعاصرة وللحداثة ، لكنني أرى فيها شيئاً أبسط وأعقد من ذلك في الوقت ذاته ، كوبولا تقترب كثيراً هنا من سينما أنطونيوني حيث إدراك الشخصيات لذواتها لا يقل تعقيداً وألماً عن إدراكها للعالم المحيط بها ، عظمته الحقيقية في مساحة المشترك الواسعة التي يخلقها مع جمهوره ، لست بحاجةٍ لتكون في طوكيو أو لتعاني المشاكل في زواجك أو في مسيرتك المهنية كي تجزم أنك عشت شيئاً كهذا من قبل .

التقييم من 10 : 9