الأربعاء، 24 أغسطس، 2016

Stagecoach

كتب : عماد العذري

بطولة : جون واين ، تريفور هوارد ، توماس ميتشل
إخراج : جون فورد (1939)

عندما تذكر ريادة جون فورد وأسبقيته يذكر هذا الفيلم ، حققه فورد بعد أكثر من عقدين من العمل كمخرج وبعد فترةٍ طويلةٍ من آخر فيلم ويسترن أنجزه في حقبة السينما الصامتة ، إحتاجت تجربة جون فورد لفترةٍ طويلةٍ كي تختمر وتصل إلى النضج الذي أثمر تحفه اللاحقة ، كان صديقاً لجون واين واستخدمه في أدوارٍ لا تكاد تذكر وكأنما كان يؤجله إلى هذه اللحظة التي وضعه فيها في واجهة فيلمه الذي أعاد تشكيل صنفٍ سينمائيٍ بأكمله.

بعيداً عن دقة مقولة أورسون ويلز عندما أشار إلى أنه تعلم كل شيء عن الإخراج من مشاهدة هذا الفيلم أكثر من أربعين مرة يمكن القول أن هذا الفيلم كان واحداً من النماذج المبكرة التي قالت كل شيءٍ عن الإخراج ، إبتداءًا عند الإمساك بتصميم الشخصيات وأداءاتها والقدرة على ضبط إيقاعها الداخلي وهي تسير عبر الحكاية ، مروراً بإستخدام البلاغة البصرية في التعبير عن المود والنبرة والإيقاع الخارجي للحدث ، وإنتهاءًا عند تحقيق صيغةٍ نموذجيةٍ سابقةٍ لعصرها لأفلام الويسترن من بعده أعادت الصنف إلى مكانته التي اكتسبها فجأةً مع صعود السينما قبل أن يتحول إلى صنفٍ من الدرجة الثانية ، فورد منحهُ شخصياتٍ أقوى وقدرةً تعبيريةً أعلى على المستوى البصري دون أن يخل بقيمة الإثارة التي ينشدها جمهوره في حكايته أو بفعالية الأكشن الذي جذب الجمهور لصنفٍ لم يعرفوه في الأدب أو المسرح.

عندما أنجز هذا الفيلم – في أول عامٍ عظيمٍ في تاريخ السينما - كان فورد في الخامسة والأربعين مع مسيرةٍ فاقت الثمانين فيلماً فُقد جزءٌ كبيرٌ منها ، كان فورد قد توقف فجأةً عن إخراج أفلام الويسترن مع بدء حقبة السينما الناطقة ، بينما كان جون واين لاعب كرة قدم يعمل في أوقات الفراغ في أدوارٍ سينمائيةٍ ثانوية وبالكاد كان معروفاً لبعض المخرجين بالرغم من ظهوره في قرابة ثمانين فيلماً نصفها افلام ويسترن ، لكن علاقته الجيدة بفورد جعلت الرجل يقامر بمنحه الدور الرئيسي الذي أطلق نجوميته لاحقاً ليس فقط كممثل شاب وإنما كرمزٍ – أصبح الأعظم لاحقاً – لبطل الويسترن ، أخرج فورد هنا نصاً لدادلي نيكولز - عن قصةٍ قصيرةٍ لإرنست هيكوكس - وهو الذي سبق وفاز بجائزة أوسكار عن نصه الذي كتبه لفورد في The Informer الذي منح فورد أوسكاره الأول ، نيكولز في هذا النص الذي خضع لبعض الرقابة بسبب تفاصيل مثل (صورة إيجابية لعاهرة ، وصورة إيجابية لسكّير ، وتغليب فكرة الإنتقام ، ومارشال يخل بإلتزامه بدافعٍ من قناعاته الذاتية)، يعرض علينا حكاية عربة جيادٍ من المقرر أن تغادر تونتو في نيومكسيكو كي تصل إلى وجهتها في لودزبيرغ ، يستقلها موزاييك من المسافرين : لوسي مالوري إمرأةٌ تسافر من الشرق للقاء زوجها الضابط في سلاح الفرسان والذي يعسكر في لودزبيرغ ، دالاس إمرأةٌ بسمعةٍ سيئة تغادر البلدة بعدما طردتها نساء المجتمع ، هاتفيلد مقامرٌ غامض يحاول البقاء بجوار لوسي بدوافع تبدو رومانسية ، دكتور بون الطبيب السكير الذي تم تجريده من رخصة مزاولة الطب ، بيكوك تاجر الويسكي المتوتر الذي سرعان ما يصادق الدكتور بون ، غايتوود المصرفي الذي يغادر البلدة على عجل ، باك سائق العربة ، والشريف كيرلي الذي يريد تأمين القاء القبض على رينغو كيد المجرم الذي فر مؤخراً من السجن .

الحكاية تعرض في ثمانية فصولٍ غير محسوسة تتضمن أربع محطات إنطلاق / توقف ، وثلاث متواليات حركة بالإضافة إلى ذروةٍ تتلو الذروة يختتم عليها فورد تحفته هذه التي رشحت لسبع جوائز أوسكار وفازت بإثنتين لأداء توماس ميتشل وموسيقى ريتشارد هايغمان ، يفتتح فورد الفيلم بصورةٍ أصبحت - كما الفيلم كله – مقياساً نموذجياً لفيلم الويسترن ، القفار / رجال الغرب / فعل حركة ، في صورةٍ بالسيلويت نرى رجال الغرب أولاً تتبعهم مجموعةٌ من الهنود ، لا نحتاج لأي إضافةٍ أخرى لنميزهم في السيلويت ، شيئاً فشيئاً أصبحت حركة العناصر بإتجاه الكاميرا – في لقطةٍ ثابتة – أو حركتهم بعيداً عن الكاميرا – قادمين من ورائها – صورةً إعتياديةً في فيلم الويسترن ، يستخدم فورد الحركة العرضية للكاميرا بإقتصادٍ شديدٍ مفضلاً حركة العناصر ضمن الكادر ، وهو تفصيلٌ يتوافق والنهج الذي يستخدمه فورد في تقديم شخصياته الموزاييكية للمشاهد مطلع الفيلم ، لكلٍ منهم مساحته ولقطته ، وفي مساحتها تلك تقوم كل شخصية بتسليم الحكاية للشخصية التالية ، باك في أعلى العربة يسلّمنا للعربة ، تطل لوسي في لقطةٍ تملؤها العربة قبل أن تغادر بإتجاه الفندق ، في عمق الكادر تظهر نانسي والكابتن ويتني مرحبين بلوسي ، باك يعرفنا بالشريف كيرلي ، وهكذا دواليك تقدمنا كل شخصيةٍ للشخصية التي تليها حتى نلتقيهم جميعاً ، ثم يعود فورد للعربة كمصبٍ ستجتمع إليه شخصياته ، يلتقطها في كادرٍ ممتلىءٍ تماماً بها كتمهيدٍ لتصبح عالم الحكاية لاحقاً ، بالتوازي مع التعبير البصري يقدم الحوار الملامح التي ستسيّر الحدث لاحقاً ، المرأة التي تسافر من أجل زوجها ، المقامر الغريب ، التحيز الإجتماعي كما يسميه الدكتور بون تجاه دالاس ، المصرفي غايتوود الذي يؤمن بأن (ما هو جيد للبنك جيدٌ للبلد) ، أخبار الأباتشي ، خطوط التيليغراف المقطوعة ، ورينغو كيد الذي فرّ من حجزه كي يحقق ثأره ، خلال حيزٍ ضيق يضع فورد مشاهديه في ذروة الإستعداد للرحلة ، لا يحتاج لأي نوعٍ من الإسراف في الصورة أو الحوار ليصل بما يفعله إلى العظمة وهو نهجٌ سيلازمه في سائر أعماله لاحقاً .

عندما ينقلنا فورد من البلدة ولقطاتها الواسعة إلى داخل العربة لا يحاول الرهان على المساحة الضيقة لمنحنا الشعور بتقليص عالم الحكاية لتصبح العربة عالماً كاملاً للمشاهد ، يستخدم اللقطات المتوسطة – المتوقعة – والتي تتسع غالباً لشخصيتين يمكن تقليصها إلى شخصيةٍ واحدة دون استخدام الكلوز آب ، فورد يراهن - أكثر من مجرد استخدام اللقطات - على حجم التنافر الواضح في الشخصيات لتحقيق ذلك ، تسعة مسافرين يجلسون مع بعضهم البعض يلتقون جميعاً في نقاطٍ مشتركة ويفترقون جميعاً في نقاطٍ أخرى ، عالم العربة يتشكل شيئاً فشيئاً أثناء مرافقتنا لهم ، ثم فجأةً وفي إمتدادٍ لشخصيات الفيلم التي تسلّمنا لبعضها البعض ، تسلّمنا شخصيات المركبة جميعها لرينغو كيد الذي يظهر حاملاً سلاحه في لقطةٍ – أيقونية – متوسطة متبوعة بزوم إن و Blur يستقر فوراً إلى كلوز آب ، واحدة من أشهر لقطات الظهور في تاريخ الويسترن والسينما عموماً ، داخل العربة يتفهم فورد أن ما يمكن تقديمه (بين) و (حول) الشخصيات غنيٌ بما فيه الكفاية لجعل أي بهرجة بصرية محاولة إلهاءٍ للمشاهد ، وربما كان الفيلم واحداً من الأمثلة المبكرة التي جعلت المشاهد يهتم بـ (الشخصيات) في فيلم ويسترن عوضاً عن الإهتمام والولع بما ستحمله الصورة ، لم يكن الفيلم أول من تعامل مع الشخصيات بهذه الطريقة ، كانت أفلام ما يعرف بالـ Ark Movies (نسبةً إلى فُلك نوح) قد أسست علاقةً جيدةً مع المشاهد حيث الشخصيات المتنافرة التي يجمعها مكانٌ واحد بدت مادةً خامةً مثالية لإستغلال دخول الصوت إلى الوسيط الجديد وبالتالي إمكانية تفعيل الحوار والذهاب بالعمل من خلاله إلى مستوى أغنى غير مسبوق لم تكن لتحققه الـ Intertitles فيما مضى ، كان فيلما Grand Hotel و Shanghai Express المثالين الأشهر حينها ، من خلال التنافر الموجود بين الشخصيات على مدار الرحلة في محطاتها الثلاث يستخدم فورد اللقطات الواسعة لقفار الغرب في (وادي النصب) الذي تحوّل إلى أيقونةٍ من أيقونات الويسترن أصبح ظهوره حتى كمعلمٍ سياحي إشارةً تقفز بالذهن إلى أفلام الويسترن كما تفعل مقطوعة (هكذا تكلّم زرادشت) لريتشارد شتراوس مع أفلام الفضاء بفضل أوديسة كوبريك ، كان هذا الفيلم أول الأفلام التسعة التي صوّرها فورد في تلك المنطقة التي غدت رائجةً بفضله بالرغم من أنه ذهب إليها أول مرة دون طريقٍ معبّد حتى ، فضل فورد هنا التصوير في الأماكن الحقيقية من ناحية هرباً من رقابة منتجه وتذمره ، ومن ناحية لخلق مستوىً غير مسبوق من الصدق في الصورة يجعلها عاملاً مؤثراً قوياً وربما منفراً وباعثاً على الإحساس بالبعد والمشقة لدى المشاهد في كل قطع يجعله يميل للعودة إلى العربة لمتابعة ما يحدث بين الشخصيات ، هذا التفصيل كان تمهيداً موفقاً جداً من فورد الذي أقنع المشاهد دون أن يدري بأن المشاهد الداخلية في أفلام الويسترن يمكن أن تكون جذابةً ومغريةً للمشاهد بقدر المشاهد الخارجية إن لم تتفوق عليها.

بين الشخصيات يلعب النص كل مرة في مساحتين ، مساحة تعتمد على الحوار المباشر بين شخصيتين / شخصيات ، ومساحة من الصمت تتكفل لقطات فورد المتوسطة والمتوسطة القريبة من جعلها تكمل ما يقوله الحوار ، هذا يحدث على طول مسار الرحلة ، (حرب التمرد) لدى الدكتور بون هي (حرب الحلف الجنوبي) لدى هاتفيلد ، لا داعي ليخبرك النص في أي الطرفين كان كلاهما وبالتالي أي نوعٍ من التنافر يجمعهما ، الجميع يعرف أن خطوط التيليغراف مقطوعة بسبب غرينيمو لكن المصرفي غايتوود حصل على رسالةٍ عاجلةٍ غادر بسببها ، ندرك أن هناك شيئاً خاطئاً لكننا لا نعرف ماهيته ، دون أي تعابير حوارية نفهم العلاقة بين الطبيب السكير وتاجر الويسكي المتوتر ، شيئاً فشيئاً ندرك مع الشخصيات أن مفهوم الجيد والسيء نسبيٌ لديهم ، يعمد النص إلى توزيع شخصياته ضمن المدروج الأخلاقي بين الفضيلة والرذيلة ، نصفهم يقترب من الأولى على مستويات ونصفهم الآخر يقترب من الثاني على مستوياتٍ أيضاً ، يوبخ هاتفيلد الدكتور بون على إشعاله السيجار في وجود لوسي ، فيذكره الدكتور بالمصاب الذي أخرج من ظهره رصاصتين قبل ثلاثة أسابيع ، من يطلق النار على رجلٍ في ظهره يتحدث عن التدخين هنا ، ومن يتّهم بالأذى عالج مصاباً قبل ثلاثة أسابيع ! ، عندما يتحدث رينغو عن شقيقه نلتقط خطاً من الود مع الدكتور بون الذي يعرف عائلته ، ذات الخط الذي نلتقطه بالمقابل في علاقة رينغو بالشريف كيرلي عندما يسلّم له بندقيته قبل صعوده إلى العربة ، عندما يذكر رينغو أن شقيقه قد قتل يقطع فورد على دالاس ثم الطبيب قبل أن يعود إلى رينغو ، وجه رينغو بين البداية والنهاية لا يتغير ومنه نعرف كيف تسيّر حادثة القتل تلك حياته الآن ، وفقاً لكتاب المونتاج ما يتغيّر هنا هما اللقطتان في المنتصف والتي من خلالهما يشد فورد وتراً – سيصبح قوياً – بين رينغو ودالاس والطبيب ، ثنائيات اللقطات المزدوجة سنجدها بالغنى ذاته بين هاتفيلد ولوسي وهي ثنائيةٌ تعززها كثيراً مساحات الصمت التي تجعل من الصعب إدراك طبيعة التآلف الذي جمع الشخصيتين وطبيعة النوايا التي حملها هاتفيلد تجاه لوسي ، فورد في مرحلةٍ مبكرةٍ من السينما يؤمن بالـ Subtext ويعلن ثقته بما بين السطور ، عندما ينتقد رينغو الشريف كيرلي على تجاهله تصويت دالاس في توقفهم الأول - الذي يحدث بعد قرابة 25 دقيقة من العرض - لا نحتاج لأي شيء لندرك كم يلامسها ذلك ، وعندما يصر على أن تشرب بعض الماء أسوةً بلوسي يتعزز الشعور ذاته ، عندما تبتعد لوسي وهاتلفيد على مائدة الطعام يعتقد رينغو أنهم يفرون بسببه جاهلاً بما يعرفونه عن دالاس ، نجد أمامنا ثنائيتين على طاولة ، كل طرفٍ فيها فيه شيءٌ من الغموض في تعامله أو تقبله للطرف الآخر ، فورد لا يتجنب فقط مجاراة جمهوره في توقع ما سيحدث بل يتجنب أيضاً قولبة مشاعرهم تجاه ما سيحدث وجعلها شيئاً متوقعاً أو مفترضاً ، شخصياته وعلاقتها ببعضها لا تجعل مشاعرنا تجاههها (محددة) أو (متوقعة) ، هناك الكثير من الرمادي هنا بالرغم من أنه يبدأ بالكثير من الأبيض والأسود.

أعظم ما في ذلك الرمادي أنه يأخذ صورة ثنائياتٍ (ناعمة) يعزز كل طرفٍ فيها المعنى في الطرف الآخر : دكتور بون رجلٌ سكيرٌ لكنه ليس سيئاً ، لديه إيمانٌ بالخير داخل البشر ولذلك يساند دالاس ضد نساء البلدة ويصبح صورةً أبويةً لها ، مثله لا تختلف صورة الشريف كيرلي في علاقته برينغو ، هو أيضاً يؤمن بالخير فيه ، لكنه يختلف عن الدكتور بون في تجسيده الصورة (الإيجابية) لأخلاقيات المجتمع ، إلتزامه القائم على إطاعة الأوامر لتنفيذ المهام الموكلة إليه يتقاطع مع شخصية الملازم بلانكارد الموكل بحماية المركبة والذي يشكل أيضاً صورةً إيجابيةً في المجتمع لكن إطاعته للأوامر تبقيه عند حدودٍ لا يستطيع معها الإرتجال وفق قناعاته الشخصية كما يفعل الشريف كيرلي مع رينغو في الختام ، رينغو و دالاس يتقاطعان أيضاً في ثنائيةٍ أخرى عن الشخصيات التي رفضتها (الحضارة) كما يسميها فورد في إشارةٍ لأخلاقيات المجتمع الأميركي الوليد ، كلاهما جعلته هذه الحضارة رهناً بآخرين يترجمون قيمته في المجتمع وفقاً لإمتثاله لقواعده أو ابتعاده عنها ، وهي شخصيات تتقاطع كذلك مع شخصية السائق باك الذي – على خلافهما – أعاقته هذه الحضارة عن تحقيق ما يريد وبقي رهيناً لأقارب إمرأته المكسيكية كما هو خاضعٌ الآن لأوامر الشريف كيرلي ، صورةٌ لطبقةٍ ترتبط بطبقةٍ أخرى قادرةٍ على إتخاذ القرار / السلطة / القيود وهو هنا تجسيدٌ أيضاً لطبقةٍ غير معترضةٍ أو جاحدة لكنها في الوقت ذاته طبقةٌ غير براقةٍ أو مهمة ، على نقيضه شخصيات لا تمارس التبعية لأحد ، غايتوود مصرفيٌ ورجل إقتصاد لديه آراؤه ونظرته ، ينتقد تدخل الحكومة في الأعمال بدلاً من حمايتها ويرى أن الرئيس يجب أن يكون رجل أعمال ، على عكس باك يتهرّب غايتوود من امرأته في رحلةٍ يبدو بأنه لا ينوي العودة منها ، نقيضه الناعم كرجل إقتصادٍ له استقلاليته يتمثل في تاجر الويسكي بيكوك ، صورةٌ أيضاً لحكم المال والإنتعاش الإقتصادي في البلد ، لكنه أقل تمرداً وأكثر توتراً وينتمي جداً إلى زوجته وأطفاله كصورةٍ مثاليةٍ لنواة المجتمع الأميركي كما يراه فورد ، ثنائيته تكتمل مع هاتلفيد الذي لا يسافر من أجل زوجةٍ أو أبناء ، لا نعرف عنه شيئاً سوى أنه يجني المال من المقامرة ، يتخذ قراره برحلةٍ طويلة خلال دقيقة ولا يبدو مرتبطاً أو ملتزماً تجاه أي شيء ، يخفي ماضيه في الحرب عندما عمل تحت إمرة والد لوسي ، يخفي علاقته بمزرعة غرينفيلد التي وجدت لوسي شعارها على كانتينه ، قبل أن يعترف بأنه ينتمي إليها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ، لوسي التي يوليها الرعاية تتشارك معه المكانة والإنتماء الطبقي ، إبنة رجلٍ عسكري وزوجة آخر ، لا نخطىء تلمس نبلها الممزوج ببعض الفوقية لمشاركتها بعض الركاب في هذه الرحلة ، نظيرها هنا هي دالاس التي لا تحكمها المكانة أو المادة أو الطبقة لذلك هي تخضع لتأثير القيود المجتمعية التي تفرض عليها ، ليس لديها الكثير لتخسره لكن ذلك القليل المتوفر يستحق أن تدافع عنه ، موزاييك (عبقري) من الثنائيات التي تجعل تسع شخصيات تسافر في رحلة تتقارب وتتباعد على مدروجٍ واسعٍ من الإيجابي والسلبي طرفاه هما سائق المركبة باك (الذي لا نلتمس فيه شيئاً سلبياً) و المصرفي غايتوود (الذي لا نلتمس فيه شيئاً إيجابياً) ، وهي رحلة يمكن إعتبارها إسقاطاً واضحاً من فورد للتباين الإجتماعي المهول الذي ضرب المجتمع الأميركي في حقبةٍ مصيريةٍ من تاريخه هي حقبة الكساد الكبير بين الحربين عندما بدأ يفكر في هذا الفيلم.

في محطة توقفهم الثانية والتي تحدث بعد 40 دقيقة يغذي فورد النص من خلال منحه دفعةً (تعبيرية) تجعل الصورة تتخطى قيمة ما يصلنا عبر حوار الشخصيات مع بعضها ، يكسو فورد المشهد الذي تحمل فيه دالاس طفلة لوسي وتقدمها للرجال بمسحة إيحائيةٍ عالية : الرجال حول الطاولة ، ظل دالاس في الممر قبل ان تدخل إليهم حاملة الطفلة في يديها ، كأنما هي لحظة توحد / خلاص / التقاء على ما يجمعهم ، الشيء الوحيد الذي لن يختلفوا حوله ، الطفل كصورة للأمل والطهارة ، يقطع فورد من وجه دالاس السعيد في عمق الصورة قبل أن يحيطها الرجال فيحجبوها إلى لقطةٍ من الجانب الآخر لدالاس تواجههم ، ثم قطعٌ على الطفلة قبل أن يصل إلى لقطةٍ مفردةٍ لهاتفيلد ورينغو ، كل وجهٍ منهما يتكلم بمفرده ، ثم ينهيها بكلوز آب لرينغو وهو يتأمل دالاس تحمل الطفلة ، فورد في لحظاتٍ من الصمت يغذي العلاقة الصامتة التي نشأت بين رينغو ودالاس قبل أن يضع العوائق في طريقها ، في أجمل لقطات الفيلم يستكمل فورد مسعاه التعبيري - غير الإعتيادي في فيلم الويسترن - عندما يضع بطليه في ممرٍ معتم ، يبدأ بالكاميرا وينتهي إلى منفذٍ مضيء ، تسير دالاس بإتجاه الضوء بينما رينغو يتأملها ، لا تعلم دالاس بأن رينغو هناك – أو هكذا يجعلها فورد تبدو – ولا يعلم رينغو ما إذا كانت تعلم بوجوده أم لا ، دون كلمات يخلق فورد بصرياً الإدراك الشعوري الأول لدى رينغو بأن حياته البائسة – هذا الممر المظلم – يمكن أن تتضمن بطريقةٍ ما هذه المرأة ، دالاس تعلم ما تريده وتسير نحوه كما تفعل في الممر ، وعندما تقف على نقطة التماس بين الضوء والظلام يصبح جسدها مغموراً بالضوء بينما يستطيل ظلها وراءها ليرسم لوحةً مجازيةً عن ماضيها الذي جعلها تغادر البلدة ، ظلٌ ممتدٌ بإتجاه رينغو الذي يراقبها من الخلف لا يلبث أن يصغر فيصغر كلما اقتربت أكثر من الضوء ، وعندما يقرر رينغو أن يتبعها – حرفياً ورمزياً - يطل ماضيه هو في منتصف الممر في صورة صديقه المكسيكي كريس الذي يذكره بأن الإخوة بلومر ينتظرونه في لودزبيرغ ، في تتابعٍ عظيم يسير رينغو وراء دالاس وتتكفل صورة فورد بالتعبير عن مشقة مسيرهما معاً : دربٌ مظلمٌ ، خاوٍ ، لا نرى فيه حتى وجوههم ، سياجٌ على اليمين وحائطٌ على اليسار ، لا شيء إلا هم ونبات الصبار ، تتضح ملامحهم عندما يقتربون من الكاميرا ويبدؤون حوارهم ، في عرض رينغو تخبره دالاس (لكنك لا تعرفني) فيجيبها (أعرف ما أريد معرفته) ، وسط كل المشتركات التي تجمعهم هناك عائقٌ مؤقتٌ يمنعهما مما يخططان له ، شيءٌ يعرّف إحترامهما لذاتهما ضمن هذا المجتمع : رغبة دالاس أن تبقى لرعاية طفلة لوسي ، ورغبة رينغو في تحقيق انتقامه وعدالته الخاصة ، خلال هذه المتوالية العظيمة من فورد تصل رمادية الشخصيات ذروتها ولا تعود الرغبات المؤقتة أو الماضي قيداً فيما يريده رينغو ودالاس ، وهي رماديةٌ يضع عليها فورد لمسته الختامية في مشهدهما العظيم الآخر عندما يسير رينغو ودالاس في شارع بائعات الهوى في لودزبيرغ ، دون كلمة ودون تعابير جسديةٍ واضحة (يتطهران) من إرث الماضي ، إرث دالاس الذي تريد أن تدفنه هناك ، وإرث رينغو الذي سيدفنه في مواجهة الأشقاء الثلاثة ، المواجهة التي يلامس فيها فورد واحداً من هواجسه الأشهر عن (أسطورة الغرب) ، محرر الصحيفة الذي يحضّر لخبر مقتل رينغو كيد قبل حدوثه في مواجهةٍ لا نرى أصلاً ما يحدث فيها ، كل ما نراه هو إنعكاسها في إنفعالات وجه دالاس ، فورد يعري الأسطورة التي عاش عليها الغرب الأميركي وصنعت أسماء رجاله وتاريخهم ، (لقد قتل رينغو كيد الأشقاء الثلاثة برصاصاته الثلاث الوحيدة) ، عندما يحجب فورد المشهد يؤكد على الأسطورة التي تصنعها الألسن ، يسأل مشاهده (هل شاهدت رينغو يفعل ذلك ؟) ، وهو تساؤلٌ سيحصل على سبره الأعظم لاحقاً مع فورد في تحفته The Man Who Shot Liberty Valence ، في ذروة ما بعد الذروة يمنحهم فورد خلاصهم بمباركة الدكتور بون والشريف كيرلي (النموذجين الأبويين لدالاس ورينغو) قبل أن يلقي تعليقه الشهير (لقد تم إنقاذهم من بركات الحضارة) ويختمها – كما بدأها – على لقطةٍ واسعةٍ للقفار وعربةٍ تجرها الجياد.

جوهرة الفيلم وأشهر مآثره هو مشهد المطاردة الأسطوري بين عربة الجياد والأباتشي ، خصوم شخصيات الفيلم بقيادة غرينيمو هم شخصياتٌ لا نراها بالمعنى المكتمل للرؤية ، عندما يظهرون أول مرة يحدث ذلك في لقطةٍ بحركةٍ عرضيةٍ سريعةٍ للكاميرا على خلاف الحركة العرضية البطيئة والمحدودة التي استخدمها فورد في مواضع محدودةٍ من الفيلم ، يظهرهم في أعالي المرتفع المطل على مسار المركبة ، وكأنهم ضباعٌ أو حيواناتٌ مفترسة ، لا نسمع منهم شيئاً ولا يستحقون من فورد و نيكولز سطراً حوارياً واحداً ، هم هنا أشبه بكارثة تنزل على الحدث بعد سبعين دقيقة وتستمر لسبع دقائق يمكن في نظري إعتبارها قالباً مبكراً جداً لما يعرف بـ (أفلام الكوارث) حيث تتوحد الشخصيات المتنافرة في مواجهة شرٍ مقيتٍ لا يتعاطى معه المشاهد عبر مسارات الحكاية (بذات الطريقة التي يمكن بها أيضاً إعتبار الفيلم قالباً مبكراً جداً لأفلام الطريق أيضاً) ، هذا الشكل المحض من (الشر) يصر فورد عليه من خلال إعتباره مقياساً عندما تقارن دالاس (بركات الحضارة) التي عاشتها بقولها (هناك ما هو أسوأ من الأباتشي) ، مشهد هجوم الأباتشي يسلّمه فورد بالكامل لمدير تصويره بيرت غلينون ومونتيريه أوثو لوفرنغ ودوروثي سبنسر وقائد فريق المخاطر ياكيما كانوت والذي يعترف فورد بأن المشهد ما كان لينفّذ أساساً بدونه ، يطلق فورد وحوشه على المركبة ويطلق معها كاميراه في تتابعٍ عظيمٍ من اللقطات الواسعة : لأرض المعركة ، لمقدمة المركبة ، لأعلاها ، لجانبيها ، لأسفلها ، للوحوش التي تطاردها ، تتابعٌ مجنونٌ كلف وفاة بعض الجياد وإصابة البعض الآخر بإعاقاتٍ دائمة ، كاميرا غلينون تتعمد هنا وضوح تفاصيل كل لقطة بالرغم من صعوبة تحقيق ذلك قياساً لسرعة المطاردة ، فورد يحاول ألا (يستغفل) مشاهده من خلال القطع الذي يوهمه بأن شيئاً ما قد حدث ، على النقيض هو يجعله يرى ما يحدث ، المونتاج هنا ينتقل من استثمار تتابع اللقطات المتنوعة لرجال الأباتشي يطاردون المركبة المنطلقة إلى استثمار المساحة الزمنية لكل لقطة من لقطات المخاطر ، في ذروة هذه المطاردة لحظةٌ شهيرة يسقط فيها رجل الأباتشي الممتطي لجياد المركبة بفعل رصاص رينغو ، يقطع فورد من رينغو إلى كانوت المتأرجح ، ثم مجدداً إلى رينغو الذي يطلق رصاصه مرةً أخرى فيسقط كانوت أرضاً ، يتعلق بالجياد ثم يستسلم منزلقاً بين أرجل الجياد وعجلات المركبة حيث تتابعه كاميرا غلينون في حركةٍ عرضية ، هنا تحديداً تبرز قيمة المونتاج العظيم ، ليس ذلك الذي يجيد اتخاذ قرار القطع بل ذلك الذي يجيد اتخاذ القرار بتأجيل القطع ، المشهد ينتهي بسقوط كانوت وإنزلاقه لكن فورد لا يقطع ، يترك المشهد يستمر إلى نهايته ولا يقطع إلا عندما يرينا أن كانوت يحاول النهوض من سقطته ، يمنح المشهد فعاليةً أكبر عندما يرينا أن رجل الأباتشي سقط فعلاً ولم يكن مجرد دمية تم تمريرها بين لقطتين ، تأثيرٌ مماثل نحصل عليه ونحن نشاهد كانوت (كبديلٍ لرينغو) يتنقل بين حصانٍ وآخر في لقطةٍ واحدة مستمرة كي يصل إلى مقدمة الجياد ، عظمة المونتاج في هذه المتوالية تبرز أيضاً داخل العربة في المشهد الذي يقرر فيه هاتفيلد استثمار رصاصته الأخيرة في تخليص لوسي من الوقوع في أسر الأباتشي وهو الذي شاهدناه سابقاً يغطي جثةً محروقةً لإمرأةٍ قتلها الأباتشي ، ينتقل فورد من رصاصة المسدس الأخيرة إلى وجه هاتفيلد ومنه إلى لوسي التي تتلو صلواتها قبل أن يقترب منها مسدسٌ هاتفيلد دون أن نرى وجهه ، ثم رصاصةٌ يسقط على إثرها المسدس في حين يندمج صوت الموسيقى التصويرية الذي لم يتوقف على مسار المعركة مع صوت أبواق السرية العسكرية التي يقودها زوجها بينما يحكي وجه لويز بلات ما تبقى.

قد لا يكون هذا أعظم أفلام الويسترن لكنه بنظري أهمها ، هذه النوعية من الأعمال (مثل Blade Runner) لا يمكن مجاراتها من خلال إعادتها أو قولبتها في عصرٍ وصلت فيه التقنية السينمائية إلى مستوىً غير مسبوق ، قيمتها تكمن في ثوريتها وتجديدها السردي البصري بالتساوي تماماً مع قيمتها الفنية ، بإمكانك أن تجاري القيمة الفنية لكن ليس بإمكانك إستنساخ فرادة الفيلم ، قدم فورد هنا مزيجاً غير اعتياديٍ في عصره بين الدراما والرومانس والأكشن والدراسة السيكولوجية للشخصيات ووصل بالويسترن إلى مستوىً فني غير مسبوق محققاً أول ويسترن حقيقي مكتمل الملامح والنضوج على الصعيد البصري والدرامي وعلى مستوى القدرة التعبيرية للصورة وإدارة الميزانسين وبناء الشخصيات والتحكم بإيقاعها والقدرة على الذهاب بالحكاية أعمق بكثير من إطار الحدث المتحرك ضمن هذه البيئة البصرية (الجغرافية) معروفة الملامح ، معه تحقق أول ترسيخٍ عظيمٍ للمدى الذي يمكن أن يذهب فيه رجال المخاطر في صناعة عظمة وفعالية الصورة وهو تفصيلٌ إستمرت هوليوود في استثماره وكتابة النصوص له بدلاً من أن يكون مجرد إضافةٍ ديكوريةٍ يمكن الإستغناء عنها ، ومعه أصبح الويسترن صنفاً ناضجاً يمكن من خلاله تناول أي موضوع والذهاب عميقاً في أي طرح.

التقييم من 10 : 10