الجمعة، 2 ديسمبر، 2016

Taxi Driver

كتب : عماد العذري

بطولة : روبرت دينيرو ، سيبيل شيبرد ، جودي فوستر
إخراج : مارتن سكورسيزي (1976)

الكتابة عن أقرب الأفلام الى قلبك همٌ ثقيل ، من ناحية تصبح الكلمات وسيطاً غير كافٍ للتعبير عن كل مكامن الجمال التي تراها فيه ، ومن ناحية تجد في تعبيرك عن تلك المحبة شعوراً بالإمتنان تجاه وجوده في حياتك ، فتقع بين الأمرين ، منذ شاهدته أول مرة ما يزال فيلم سكورسيزي هذا واحداً من مفضلاتي السينمائية العشرة ، تغيرت كثيراً بمرور السنوات ، لكنه بقي دائماً واحداً من ثوابتها.

كان هذا الفيلم مشروعاً مرتقباً لبرايان دي بالما وروبرت دينيرو ، لكن مشاكله التمويلية الكثيرة أعاقت المشروع في أكثر من مناسبة ثم أدت إلى الإستغناء عن دي بالما ، انتقل المشروع إلى مارتن سكورسيزي لكنه مع ذلك تأخر أيضاً سنواتٍ أخرى ، أثناء ذلك الإنتظار ذهب سكورسيزي ليخرج فيلمه Alice Doesn’t Live Here Anymore مع إيلين بيرستين وذهب دينيرو لتصوير 1900 مع بيرتولوتشي ، في لحظةٍ ما تكاملت العناصر الإنتاجية لبدء العمل على المشروع ، أنهى بول شريدر نصه بعد رحلةٍ طويلةٍ مع أزمة زواجه وعزلته ورغبته المتواصلة في الإنتحار ، عاد دينيرو من إيطاليا وذهب يبحث في معسكرات الجيش عن لهجة مجندٍ من الميدويست لتكون لهجة بطله ، ثم عمل كسائق تاكسي لشهرين كي يصنع ترافيس بيكل ، أنجز سكورسيزي الفيلم في فترةٍ مهمة بالنسبة لأميركا ، مرور 200 عام على تأسيس البلاد ، ووترغيت ، فيتنام ، عندما ظهر للناس فتنهم ، نال الإحتفاء من الجميع ، أحبه النقاد وأحبه الجمهور ، رأى فيه البعض دراسة عظيمة في الآثار النفسية والإنعكاسات الذهنية لفيتنام ، و دراسة في مفهوم البطولة لدى إنسانٍ ذهب يبحث عنها في فيتنام لكنه لم يجدها ، رأى فيه آخرون نسخة نيويوركية عن باحثي جون فورد ، واعتبره آخرون نموذجاً مثالياً لأفلام القصاص حيث الشخصيات التي تحل محل نظام العدالة إما لغيابه أو لخيبة أملها تجاهه ، كرّم بالسعفة الذهب ورشّح لأربع جوائز أوسكار وأبلى حسناً في شباك التذاكر الأمريكي وأصبح بمجرد إطلاقه واحداً من أعظم أفلام حقبته ونموذجاً مثالياً لسينما هوليوود الجديدة.

في الحكاية هناك ترافيس بيكل ، مجندٌ سابقٌ في فيتنام عاد بميدالية الشرف ليعمل كسائق سيارة أجرة في نيويورك ، يقود ليلاً ويعمل أحياناً بورديتين ، يقابل حثالة البشر ويتأمل كل ليلةٍ الحال الذي آلت إليه مدينته حيث (كل الحيوانات تخرج ليلاً) ، ويحاول أن يحيا حياته كالآخرين ، منتظراً المطر الذي سينزل ليغسل قذارة المدينة.

بول شريدر يقدم هنا دراسةً سلوكيةً من الأعظم على الإطلاق ، بناء الشخصية الذي يقدمه واحدٌ من أكثرها مثالية في تاريخ السينما كله : الصعود والإنكسار والعزلة والتخبط والتحول والتغيير والفعل والنشوة ، متوالية معيارية في تصميم شخصيةٍ من السهولة جداً أن تجد طريقها اليوم إلى أي قائمةٍ سينمائيةٍ بالشخصيات المفضلة.


يفتتح سكورسيزي فيلمه بلقطةٍ على البخار المتصاعد من فتحات تصريف المياه في شوارع نيويورك ، ثم سيارة أجرة تندفع من البخار ، تستحوذ ألوان سكورسيزي المطفأة على الصورة ويستحوذ التنافر الذي تخلقه موسيقى بيرنار هيرمان – التي أنهاها يوم وفاته - على شريط الصوت ، ينتقل سكورسيزي من طبول ونقريات لقطة الإفتتاح إلى ساكسفون توم سكوت في اللقطة التأملية على عيني ترافيس بين (أحمر) الخطيئة والخطر و (أخضر) التصالح واليقين ، قبل أن يستخدم الـ Blur للإنتقال إلى لقطةٍ – بالسلوموشن – لطرقات نيويورك من داخل سيارة الأجرة حيث عينا ترافيس (مع طغيان الأحمر في الصورة) تصبحان منظور رؤيتنا لما سيجري ، من خلال السلوموشن والكلوز آب يعبر سكورسيزي بصرياً عن شوارع نيويورك كما يراها ترافيس حيث الحدث في عينيه أبطأ وأقرب وحيث يمر ما نراه نحن لكنه لا يمر عندما يراه ترافيس ، مبكراً جداً ودون حدثٍ أو حوارٍ أو شخصيات مكتملة يضعنا سكورسيزي في مود ما سيقدمه : رمزية التطهير ، إزدواجية الشخصية بين لونين مختلفين و ثيمين موسيقيين ، وبالتأكيد ترسيخٌ مبكرٌ لحالة العزلة والوحدة التي يعيشها ترافيس داخل حصنه الصغير (سيارته) التي ينظر من خلالها (ونفعل معه) إلى قذارة نيويورك كما يراها ، مع ذلك لا يخطئنا – على مدار الفيلم – الإحساس بأن خصوصية نيويورك في الحكاية مموهة وهذا يجعل من الفيلم أقل نيويوركيات سكورسيزي إرتباطاً بالمدينة وربما أكثرها عالمية ، شريدر نفسه يعترف أن الحكاية في الأساس كانت تدور في لوس أنجلوس لولا أنهم فضلوا نيويورك لتداول ارتباطها بسيارات الأجرة.

بعد هذه الدفعة البصرية / الصوتية يتيح سكورسيزي لمشاهده الإقتراب – نمطياً – من شخصيته ، ترافيس بيكل الذي يبحث عن عملٍ لأنه لا يستطيع النوم وقد جرب بيوت الدعارة فلم يفلح الأمر ، صورة مجسّدة للهرمونات الذكورية ، يقول لمسؤول التوظيف (أنا أعملُ في أي مكانٍ وفي اي وقت) وهي عبارةٌ بالرغم من كونها تبدو تأكيداً – على الأقل بالنسبة للموظف – على جدية ترافيس في الحصول على الوظيفة إلا أنها تبدو كذلك تقديماً فعالاً لترافيس ، مسحةٌ من الثقة فيما يفعل وما يريد (أو هكذا يريدها ترافيس أن تبدو) يجاريها سكورسيزي من خلال كاميراه التي ترتفع من مستوى رأس رب العمل إلى مستوى رأس ترافيس ، سكورسيزي يوظف مجدداً لقطات الـ Overhead التي يلقي بها نظرة علويةً على مسرح الحدث وأحياناً مع حركة كاميرا بطيئة كما فعل سابقاً في Mean Streets ، في هذا الفيلم يزاوجها مع (حاجات) ترافيس ، لترافيس الكثير من الإحتياجات في هذا الحكاية ، ومع كل (حاجة) سيستدعي سكورسيزي هذه اللقطة الماركة ، كي يختمها على لقطةٍ مماثلةٍ في الذروة عندما يحصل ترافيس على (الرضا) بعد تلك الإحتياجات.


في فترة التمهيد هذه يستخدم سكورسيزي أيضاً اللقطات البانورامية ، واحدة لكراج السيارات تنتهي إلى ترافيس مغادراً بعدما حصل على (حاجته)، وأخرى من اليسار إلى اليمين في شقته المتواضعة (التي تشبه السجن بقضبانٍ على نوافذها) تنتهي أيضاً إلى ترافيس يكتب مذكراته ، بينهما يتعامل سكورسيزي مع المونتاج الذوباني كعنصرٍ فعالٍ في التأكيد على المنظور الذاتي للمادة المسرودة وفي التأكيد على النفس الهلوسي الذي سيتطور فيها وفي التأكيد أيضاً على الحالة التي تسبح فيها الشخصية بين النوم واليقظة كما يقول ، عندما نبدأ في تقبل المود الذي يضعنا فيه مستخدماً شخصيته (الوحيدة حتى الآن) يصبح من السهل التفاعل مع الإستعارات المتعددة التي يستخدمها في الفيلم ، سيارة الأجرة : حصن ترافيس وملجأه ومدار كل الأحداث التي ستسيّر مصيره في الفيلم تصبح - من خلال لقطاتٍ خارجيةٍ متتابعة تتحول إلى لقطاتٍ داخليةٍ على صوت ترافيس يروي نظرته للمدينة – هي منظور رؤيتنا أيضاً للحكاية ، رؤية ترافيس للعالم محدود بزجاج سيارته ، لذلك يصر سكورسيزي على جعلنا نراه من منظوره وأن نراه من منظوره يعني أن نشاركه سيارته ، وبالتالي نعيش العزلة والعلاقات الهشة التي يشكلها سائق التاكسي مع زبائنه ، لا يخطئنا إلتقاط أن سيارة ترافيس هي بصورةٍ ما أمانه الخاص ومعزله الوحيد عن قذارة العالم الخارجي ، أعمق ما في الشخصية بنظري وأجمل ما قدمه لها نص شريدر (الذي منحها هذا الإسم تيمناً بغضب ميك ترافيس بطل فيلم If….) هو أن أثر فيتنام في عزلتها ووحدتها وبعدها المرضي / الهوسي ليس خالصاً وأعتقد أن ذلك جزء فعالٌ في تفاعل المشاهد معها ومحاولة فهمها عوضاً عن أن تكون مجرد شخصيةٍ مكشوفةٍ يمكن تبرير ما تقوم به ، هناك شيء هنا ينتمي لـ (ترافيس ما قبل فيتنام) يمتزج مع الردة التي حدثت نتيجة الحرب وقادته ليصبح هذا الكائن الوحيد المنعزل في سيارته ، خلال فترةٍ قياسية يصبح المشاهد مدركاً تماماً لأبعاد مسرح الأحداث وللنبرة التأملية التي لا تلبث تترجم إلى حالةٍ من الهوس والغضب والتفريغ ، واستخدام سكورسيزي وشريدر هنا لصوت الراوي ليكون جزءاً من مرافقتنا لبطلهم ترافيس هو استخدامٌ بالغ التأثير ، على مدار تاريخ السينما كان المشاهد يميل دائماً للتعاطف مع الراوي مهما كانت سلبياته ومشاكله وهذا تحديداً ما يجعل شخصية ترافيس (اقرب) للمشاهد من شخصية إيثان في فيلم جون فورد ، نحن نتقبل ترافيس مهما فعل وندرك ربما أن تجريد الرواية من صوته كان ليجعل الشكل (المرضي) للشخصية أكثر وضوحاً وهو ما لا يريده الفيلم ،  وصوته هنا – مثل الحدث المروي من منظور سيارة أجرة – تأكيدٌ آخر على ذاتية النظرة وإمعانٌ آخر في مشاركة المشاهد فيما يجري ، عنصرٌ يتيح سكورسيزي أيضاً لكاميرا مدير التصوير مايكل شابمان مجاراته ، الكاميرا في مشاهد صوت الراوي التي تستكشف المدينة تجاري صوت الراوي ، تتجول مع نبرته ولا تسابقه أو تتذاكى عليه أو تنفصل عنه ، ما (تراه) فعلاً من خلال الكاميرا هي نيويورك في أي جولةٍ تقليديةٍ مسائيةٍ فيها ، لكنها مع صوت الراوي تحمل معنىً آخراً وتمنحنا نظرةً مختلفةً عما لو شاهدناها مع إزالة الصوت ، هذا الجزء مهم في إيجاز عظمة المنجز الإخراجي لسكورسيزي هنا الذي يؤكد من خلال هذا التوازي بين (ما تشاهده) و (ما تسمعه من ترافيس عما تشاهده) على النبرة العالية لذاتية ما نراه وعلى إنتماءه الواضح لرؤية بطله للأمور.


توظيف الإستعارات الفعال يتابعه سكورسيزي مع (المياه) بكل إشارات التطهير التي يربطها بها سكورسيزي منذ اللقطة الإفتتاحية للفيلم ، مع ترافيس نلتقط المياه التي تغمر الشوارع بعد يومٍ ماطر ، مطرٌ حقيقي يغسل المدينة لكن ترافيس يخبرنا أنه في انتظار مطرٍ (حقيقي) يغسل كل شيء ، نكون مع ترافيس عندما تغمر المياه زجاج سيارته الأمامي حيث منظور رؤية ترافيس / رؤيتنا للمدينة ، ترافيس يغسل سيارته كل يومٍ (كحال الأفعال التكرارية في الفيلم) قبل أن يعود بالسيارة للمرآب ، تنظيف ترافيس لسيارته هو صورةٌ إختزاليةٌ لتنظيف المدينة الذي ينتظره ، يقول عن ذلك (في بعض الليالي أنظفُ دماءًا).



على مدار جولاته يتعامل سكورسيزي أيضاً بصورةٍ جديةٍ مع المدلول اللوني للأحمر والأخضر الذي يرافقنا (بصورةٍ تكراريةٍ أيضاً) منذ لقاءنا الأول بترافيس ، عندما يقدّم لنا شخصية ترافيس يضعها في متواليةٍ مونتاجيةٍ تمزج لقطاتٍ مقربةٍ لعينيه مع لقطاتٍ مشوشةٍ تمتزج فيها ألوان الشارع مسلتهماً في نظري شيئاً من روح إفتتاحيات In a Lonely Place و  The Conformist وربما شيئاً من افتتاحية Vertigo مع إستحواذٍ للأحمر على الصورة ، لكننا أثناء مرافقتنا لترافيس لاحقاً ندرك كم يجثم الأحمر والأخضر – معاً - على الصورة ، يستحوذان بطريقةٍ مبهرة على مشاهد ترافيس الليلية يتجول في شوارع نيويورك ، يحققان الإزدواجية المطلوبة بينهما كإنعكاسٍ لدواخل ترافيس أثناء تلك الجولات وفي الوقت ذاته يحققان أيضاً قيمةً جماليةً ملفتة تجعل من الفيلم برأيي أجمل توظيفٍ سينمائيٍ لأضواء الشوارع شاهدته على الإطلاق.


بعيداً عن الدلالات البصرية المجردة يفرد شريدر وسكورسيزي أيضاً مساحةً لـ (عنصرية) ترافيس كي تبرز كواجهة (تبريرية) لردة فعله المجتمعية أكثر من كونها عنصراً فعالاً في عمق تلك الردة ، تؤكد كاميرا مايكل شابمان على ذلك مستفيدة من إدراك المشاهد أنها منظور رؤية ترافيس بيكل وبالتالي هي وسيلة التقاط ما يراه في الصورة الكبيرة للمدينة ، في أحد المشاهد يسير ترافيس أبطأ بسيارته عندما يصعد معه رجل مع فتاةٍ (سوداء) تبيع جسدها ، بالتأكيد هي ليست الأولى لكن كونها سوداء يجعل ترافيس (ونحن معه) يلتقطها بسهولة ويمهد لحالة التكثيف التي سيستخدمها سكورسيزي – تبطيناً وليس مباشرةً – عن نظرة ترافيس المتوارية للسود تحديداً كمصدرٍ من مصادر (القذارة) وهو تفصيلٌ أدرك سكورسيزي خطورته عندما جرّد المشهد الختامي للفيلم من الشخصيات السوداء كيلا يجعل غضب الشخصية يتمحور حول هذا التفصيل ، في مشهدٍ آخر ترفض موظفة سينما البورنو (السوداء) التحدث إليه ، لا تبالي بوجوده أصلاً ، على أعتاب هذه (الحاجة) يعود سكورسيزي مجدداً إلى لقطاته العلوية ملتقطاً الكاونتر من الأعلى أثناء شراء ترافيس بعض الحاجيات منها (كما سيستخدمها لاحقاً أيضاً عندما يحتاج ترافيس لشراء سلاحٌ ، أو عندما يحتاج للتدرب عليه) ، هذه اللقطات فعالة في التأكيد على إحتياجات ترافيس (العمل / الرفقة / التغيير / الإنقلاب / ثم الرضا) ، رفض الموظفة لترافيس هنا إمعانٌ مباشر في الإقتراب من البعد (العنصري) كجزءٍ مهم في فهم شخصية ترافيس التي ارتدت تجاه كل ما هو (غريب) أو (دخيل) على تصورها الإفتراضي لعالمها ، عندما يعرّف سائقو سيارات الأجرة ترافيس بيكل بسائقٍ أسود يدعى تشارلي تي لا يعيره ترافيس اهتماماً ، في الإستراحة يجلس ترافيس هناك ليلتقط ببصره مرتادي المكان من السود ، لا يفردهم سكورسيزي لكنه لا يهرب بمشاهده بعيداً عنهم ، نراهم من منظور ترافيس يملؤون الكادر ، قوقعة (عرقية) أخرى يضع سكورسيزي شخصيته فيها قد لا تكون العنصر الفعال في تلك الشخصية لكنها مدخلٌ جيدٌ لفهم فعلها الإرتدادي تجاهها.


ترافيس المنفصل عن كل ما يجري حوله (كناية بصرية ممتازة في مشهده يتأمل قرصاً فواراً في كأسٍ من الماء) يعبر في أحد حواراته عن رغبته في أن يعيش لهدف ، لكنه في إحدى مذكراته يرى أن المرء (يجب أن يكون مثل بقية الناس) ، وشريدر يمنحه هذه التجربة ، وعندما ينتقل سكورسيزي من هذه القناعة التي يشكلها ترافيس نحو تطبيقها (حصول ترافيس على فتاة) نجده يبحث عنها وسط الزحام وعبر لقطاتٍ متتابعةٍ لشوارع المدينة التي يملؤها الملونون ، من بينهم تظهر ملاكه ، سكورسيزي لا يراهن هنا على منظور ترافيس وحده في إلتقاط حسنائه وسط القذارة التي يراها ، سيبيل شيبرد جميلةٌ فعلاً بعيداً عن رؤية ترافيس لها ، الجمال المجسد (النهاري) النقيض لحياته الليلية العفنة ، عندما نراها أول مرة نرى شابةً جميلةً وأنيقةً وجذابةً ولا تمر من العين بسهولة ، وسكورسيزي يستخدم السلوموشن كيلا يجعلها تمر من العين بسهولة بينما هو جالسٌ هناك في عمق اللقطة وكأنما يبتسم لنا ! ، عندما تظهر بيتسي في حياة ترافيس تكون نقيضاً مثالياً لكل ما يراه ترافيس في المدينة ، منذ ظهورها لا يخطئنا شعور أنها تمثّل وسيلةً بالنسبة لترافيس أكثر من كونها غاية ، محاولته الوصول إليها هي ترجمته (المدركة والمقصودة) لرغبته أن (يعيش كالآخرين) من منطلق إدراكه مؤخراً لغربته الروحية عنهم ، في هذه المرحلة من الإدراك كان ترافيس ما يزال واقعاً في مجال (رد الفعل) ، حياته هنا كانت سلسلةً لا تنتهي من ردات الفعل ، كل ما يقوم به هو رد فعلٍ على عجزه عن القيام بشيءٍ آخر ، تماماً مثلما كان عمله كسائق تاكسي رد فعلٍ على عجزه عن النوم ، مسعاه مع بيتسي – في السياق ذاته – هو رد فعلٍ على عجزه عن التغاضي عن قذارة محيطه ، لو لم يمارس ذلك التغاضي من خلال أن (يعيش كالآخرين) فسيقوم بـ (فعلٍ) تجاه تلك القذارة ، بيتسي – في الجانب الآخر – ليست من النوع المهيأ للتعامل مع شخصيةٍ صداميةٍ / مسبقة الصنع مثل ترافيس ، في واحدٍ من مشهدين فقط في الفيلم لا نراهما من منظور ترافيس بيكل تتحدث بيتسي مع زميلها في حملة بالانتاين ، تبدو – على عكس نظرة ترافيس لها - شابةً لديها بعض الوقت للتسلية تتحدث مع زميل عملٍ جدي أخرق لا يجيد التقاط الفرص ، في عملها ربما هي معجبةٌ بشخصية بالانتين وربما معجبةٌ بكونها جزءاً من حملة تسويقه للناخبين ، سكورسيزي يلتقط ترافيس خارجاً من سيارته بإتجاه بيتسي في مشهدٍ يبدو أيضاً كرد فعلٍ مباشر على (تفسير) ترافيس لبيتسي كما فعل سابقاً تجاه المدينة ، في واحدٍ من أجمل مشاهد التعارف التي وضعت في فيلم يبدو ترافيس نمطياً في طرق الباب (لأنني أعتقد أنك أجمل إمرأةٍ شاهدتها في حياتي) لكنه بعد ذلك يفاجئها عندما يربطها بالوحدة والحاجة للتواصل والصديق الحقيقي ، في الواقع كانت تلك (حاجة) ترافيس لبيتسي وليس العكس ، وهي حاجةٌ يؤكد عليها سكورسيزي مجدداً من خلال لقطةٍ علويةٍ لمكتب بيتسي ، الوحدة التي يتحدث عنها ترافيس ربما هي أكثر الخصال الإنسانية / أكثر المزايا الإجتماعية التي تشعر الإنسان بالتفرد ، وهي هنا تصبح أقرب إلى هدفٍ مع ترافيس يقيس ويقيّم من خلاله الآخرين كإنعكاسٍ لتقييمه – غير المعلن / المنكر – لذاته ، وعندما ينتظر بيتسي في الموعد المحدد أمام باب مقر الحملة لا يبدو اللقاء أكثر من مجرد موعدٍ بالنسبة لها بينما يبدو بشكلٍ واضح أنه أكثر من ذلك بالنسبة لترافيس ، عندما نشاركهم ذلك الموعد يبدو واضحاً في علاقة ترافيس وبيتسي رغبته الجلية في السيطرة والتملك وإطلاق الأحكام ، رؤيته (المفصلة) لحياتها : ما تحتاجه ، علاقتها بزميلها ، وتفسيره الخاص لعلاقتها به هو ، في أهم لحظات اللقاء تخبره بيتسي بأنه يذكرها بأغنيةٍ لكريس كريستوفرسن ، عن الجزء الحقيقي والخيالي فيه ، عندما يسألها (هل تتحدثين عني ؟) فتجيبه (وعمّن أتحدث سواك ؟) ، ذات نظرة الدهشة الواضحة التي ارتسمت على وجهه عندما سأله زملاءه في العمل عن أخباره وجديده ، هناك فجوة ظاهرة بين ترافيس وذاته ، ترافيس لم يسبق أن رآها من الخارج كما فعل عندما رأى قذارة المدينة ، ربما هو لا يختلف عن قذارة المدينة ، ربما هو فعلاً (يعيش كالآخرين) وليس فقط مجرد شخصٍ يسعى جاهداً ليكون كذلك ، عندما يسأل (هل تتحدثين عني ؟) كان ذلك أيضاً رد فعله – الإندهاشي – تجاه أن ينظر إليه شخصٌ من الخارج ، أن (يظهر) له ، أن يراه ، وهو تفصيلٌ جوهري جداً في فهم القوقعة التي بناها ترافيس لا إرادياً حول ذاته والني ستصل إلى لحظتها الهيستيرية في المشهد الإرتجالي العظيم الذي يخاطب فيه ترافيس أيضاً – أمام المرآة – رجلاً ينظر إليه من الخارج .

في ذروة العلاقة يؤكد شريدر وسكورسيزي على المشترك بين شخصيتي ترافيس و بالانتين (كمحوري جذب حول شخصية بيتسي) من خلال المشهد الذي يستقل فيه بالانتين سيارة ترافيس ، كلا الرجلين بصورةٍ أو بآخرى يتبنى فكرة (التغيير) ، كلاهما بصورةٍ أو بأخرى يريد أن ينظف هذه المدينة ، بالانتين يحدث ترافيس عن صعوبة (التغييرات الجذرية) ، في الصميم كلاهما يدرك إختلافه عمن يحيطون به ورغبته – بناءً على ذلك الإختلاف – في تغيير واقعهم ، مع ذلك كلاهما ينطلقان من (الآخرين) في مسعى التغيير ذلك : أحدهما يريد أن (يعيش كالآخرين) والآخر يسوّق حملته الإنتخابية تحت شعار  We are the People ، لا يكتفي شريدر وسكورسيزي بالرهان على إدراك المشاهد لذلك ، إحساس ترافيس بالإختلاف ينهار في ذروة العلاقة العاطفية عندما يأخذ بيتسي إلى فيلم بورنو يحمل إسم Swedish Marriage Manual ، (رجل الله الوحيد) الباحث عن مطرٍ يغسل كل تلك القذارة يجد نفسه جزءاً لا يتجزأ منها ، حتى عندما يحاول تبرير ما فعله لبيتسي يقول لها (الكثير من الناس يأتون إلى هنا) ، في لحظةٍ ما من (الحاجة) وجد ترافيس نفسه يفعل ما يفعله الآخرون ، وجد أنه لا يختلف عنهم ، أو بصورةٍ أدق : أدرك أنه يفعل ذلك ، وفي اللحظة التي حاول فيها أن (يعيش كالآخرين) قالت له بيتسي (نحن مختلفان).


في واحدٍ من أجمل مشاهد الفيلم يجري ترافيس مكالمةً هاتفيةً مع بيتسي بعد إفتراقها عنه ، يحاول أن يعيد المياه إلى مجاريها ، سكورسيزي يتماهى مع الحالة النفسية لترافيس بصرياً ، وكأنما هو يراقبها من الخارج ، يضعه على خلفيةٍ هادئة (بصرياً) وكأنما الأمور على ما يرام وما جرى لم يعدُ كونه كبوةً في علاقةٍ عاطفية ، يستمع – في لقطةٍ ثابتة – لترافيس وهو يحاول إقناع بيتسي بالعودة ، عندما يدرك المشاهد / الكاميرا أن الأمور ميؤوسٌ منها تترك الكاميرا ترافيس وتتحرك جانباً بينما هو ما يزال – خارج الكادر – يحاول أن يحصل على فرصةٍ أخيرة ، تنتظره الكاميرا (الثابتة) في الممر المجاور ، ينهي حديثه خارج الكادر ويدخل إلى المشهد ، عندما يهاجم ترافيس بيتسي بعد ذلك في مقر حملة بالانتين لا يجد أفضل من عبارة (أنت مثل الأخريات) وهي عبارةٌ ليست إلا إستكمالاً – كما أسلفت - لرؤية ترافيس – غير المدركة – لذاته : (بيتسي تبحث عن صديق) لأن ترافيس يبحث عن صديق ، بيتسي (كالأخريات) لأن ترافيس لا يختلف عنهم ، بيتسي (تريد أن تتحدث إلى أحدهم) لأن ترافيس بحاجةٍ ماسةٍ لأن يفعل ، تركيبةٌ ستستمر بالنسق ذاته عندما سيحاول لاحقاً إنقاذ آيريس من مصيرٍ لم تطلب منه إنقاذها منه ، في جوهر الأمر كان ينقذ نفسه .


عندما تظهر آيريس في الصورة أول مرة يتجنب سكورسيزي المباشرة ، في المشهد لا نرى أكثر من مجرد شخصيتين غريبتين بالنسبة لترافيس ، وكأن الأمر لا يعنيه ، مجرد إمتدادٍ آخر للقذارة التي تعيشها المدينة ، ويؤكد سكورسيزي على ذلك من خلال إستخدام المرايا ووضع كادرٍ داخل آخر قبل أن يفقدها ترافيس ، يقطع سكورسيزي على عشرين دولاراً رميت لإسكاته ، يضعها في مكانٍ منفرد في جيبه ، تطغى النفخيات على شريط الصوت وتتحرك الكاميرا ببطء مع سيارة ترافيس ثم تنطلق مع السيارة بسرعة ، وكأنما يحاول ترافيس أن يترك ما رآه وراء ظهره .


خلال فترة إنعدام الوزن هذه يستمر شريدر في التكثيف على (العنصرية) كمحرك أو كمكوّن في شخصية ترافيس ، كما شخصية إيثان في باحثي جون فورد لا تبنى شخصية ترافيس على هذا العنصر ، علاقة ترافيس وإيثان بالسود والهنود ليست قائمةً في جوهرها على البعد العنصري ذاته بقدر ما هي تقوم على تكثيف حالة الرفض التي تعيشها تجاه محيطها عقب الهزة الأكبر في حياتها (حرب فيتنام / الحرب الأهلية) ، ترافيس وإيثان متشابهان في الكثير من الأمور ، العزلة المجتمعية والجانب الممزق بعد الحرب حيث بحث كلاهما عن البطولة (وربما قتلا الكثير من الأبرياء من أجلها) ، المسافة الكبيرة بينهما ومحيطهما ، كراهية الهنود / السود لسببٍ لا يبدو واضحاً حتى بالنسبة لهما ، إنقاذ فتاةٍ لا يبدو فعلاً بأنها تريد الخلاص من سجنها بقدر ما يريد مخلصها ، ما يتبناه سكورسيزي هنا هو ذات ما تبناه فورد في فيلمه : محاولة إعطاء الشخصية بعدها (المرضي) من خلال (شكلٍ) يناسبها ويستفزها ويستطيع تحريكها ، عنصرية ترافيس - كما هي عنصرية إيثان – هي (الشكل الذي يلقي من خلاله باللوم على الآخرين) ، بدون مقدمات يسير ترافيس بسيارته في أحد الشوارع فيعترضه فتيةٌ من السود يرمون سيارته بالقاذورات في إستعارةٍ بصريةٍ مباشرة لقذارة المدينة (المتمثلة فيهم هنا) ، عندما يذكره زميله الأسود بالدولارات الخمس التي يدين له بها يتأمل ترافيس أولاً العشرين دولاراً التي رميت لإسكاته (في إستعارة بصرية أخرى لقذارة المدينة) قبل أن يعطيه دولاراته الخمس دون حتى أن يشكره ، يقطع سكورسيزي مع مغادرة ترافيس على مسدسٍ إفتراضيٍ في يد زميله الأسود مخاطباً إياه Bye Killer في توازٍ مع المسدس الإفتراضي الذي يصوبه ترافيس تجاه شاشة السينما في أحد عروض البورنو (في إستعارةٍ ثالثة لقذارة المدينة) ، ومع المسدس الإفتراضي الآخر الذي يختم عليه ملحمة إنفجاره في وجه القذارة في مشهد الذروة الذي لا ينسى ، هذا الغليان العنصري في ظاهره ، المرضي في حقيقته وجوهره يكتمل مع دفعة التغيير المباشرة التي تتلو إنفصال ترافيس عن بيتسي عندما يستقل رجل غريبٌ (يؤديه مارتن سكورسيزي في ظهوره الثاني في الفيلم) سيارة ترافيس ويحكي له عن زوجته التي تضاجع رجلاً (أسوداً) في شقةٍ في الجوار ، إختيار رجل أسود ليكون العشيق يأخذ بخطة الغريب إلى منحى أكثر سوداوية ويجعل الكراهية تتأجج ، يمنح الخيانة مذاقاً مختلفاً يضرب في صميم أفكار ترافيس عن التطهير ، هذا الراكب الغريب من الممكن جداً أن يكون وهماً ، مجرد إحالة لما يريد أن يفعله ترافيس أو يقوله لكنه لا يجرؤ حتى عن قوله لنفسه ، ما يفعله ظهور سكورسيزي في هذا المشهد يماثل ما يفعله ظهور بولانسكي في منعطف الحكاية في Chinatown ، يضع الشخصية والحكاية على شفا هاوية ، واثقاً من أنها ستدفع نفسها بإتجاهها.


الدفعة تأتي من شخصيةٍ غير متوقعة : ويزارد زميله في العمل ، ترافيس يعزل نفسه عن الجميع بمن فيهم زملاؤه في العمل ، مواضيع سائقي التاكسي لا تستهويه ، حاجزه تجاههم – كما هو تجاه الآخرين عموماً – حاجزٌ ذاتيٌ جداً وغير مبرر ، لا نرى في يومياتهم أي شيءٍ يزعجه ، لا نرى حتى بمفهوم ترافيس لـ (القذارة) ، في لحظة تجلي يشرح ترافيس مشاكله لويزارد ، لا يجد أفضل من عبارة (أريد أن أفعل شيئاً ما) ، ويزارد في هذا الحديث المقتضب هو من يوجه ترافيس إلى أن (الكائن هو أفعاله) ، الدفعة الصغيرة جداً التي يحتاجها ترافيس للإنتقال من مستوى (رد الفعل) إلى مستوى (الفعل) ، الفعل الذي لا يطلبه منه أحد ولا يحتاج إليه أحد ، فعل يقرره بمفرده وينفذه بمفرده ، ذلك ما يجعله (ما يريده) ، النص لا يستغرق الكثير من الوقت لجعل تلك الدفعة تختمر لأنه يدرك تماماً أنه يتعامل مع شخصيةٍ إنفجارية ، في المشهد التالي مباشرةً تكاد سيارة ترافيس تصطدم بآيريس ، يسير وراءها بهدوء ، يلتقط ببصره رجلاً (أسوداً) يوجه اللعنات في شارع المتعة ، لكنه عندما يكتشف أن آيريس لا تتذمر مما يجري وتواعد الرجال في الشارع يحنق وينصرف ، يستخدم سكورسيزي نحاسيات بيرنار هيرمان لترافق مرحلة الإنقلاب هذه ، يحصل ترافيس على حاجته من الأسلحة ، يصمم أدواته الخاصة ، يبدأ برنامج تدريبٍ جسديٍ مكثف ، وبرنامج تدريبٍ على إستخدام السلاح ، روبرت دي نيرو عظيمٌ وهو يحقق هذا الإنتقال الناعم من رجلٍ يكتفي بتقديم (رد الفعل) إلى رجلٍ يصر على القيام بـ (الفعل) ، نظرات عينيه وهو يتفاعل مع ذلك التدرج صادقة وحقيقية جداً ، أبعد من حدود وإمكانيات الأداء المتوقع لشخصيةٍ كهذه ، نوع مختلف من التوحد مع الشخصية ربما لم يبلغه دينيرو في فيلمٍ آخر طوال مسيرته ، مستوى المعايشة الذهنية التي تخلق بين الجمهور وترافيس عالية جداً وتدين بالفضل لدينيرو أكثر ربما من نص بول شريدر ، مع دينيرو نحن نفهم ترافيس – بكل تعقيدٍ في شخصيته - دون أن يحتاج لكلام ، وجه دينيرو – بعبقرية – لا يقدم انفعالاتٍ حقيقيةً واضحةً يمكن قراءتها والبناء عليها ، لكن كل أحاسيس ترافيس ونبرة انفصاله عن محيطه وحنقه عليه تصلنا من خلال عينيه ولغة جسده في واحدٍ من أعظم الأداءات في تاريخ السينما وأكثرها نضجاً واكتمالاً ، عندما يبدأ مسعى ترافيس نحو الفعل ، يذهب لعميل الحماية السرية في حملة شارلز بالنتاين ، لا يحتاج سكورسيزي إلى أكثر من هذا المشهد ليرينا كم تبدو المعادلة مقلوبةً لدى ترافيس ، ترافيس (هو) من يحاول إثارة إهتمام العميل ، لفت نظره إلى كونه شخصاً مثيراً للريبة ، يريدهم أن يلاحظونه ، لعملية التغيير التي ينشدها ترافيس بعدٌ (ظهوري) ، هو لا يريد فقط أن يلعب دور (المخلص) ، هو يريد أيضاً أن (يبدو) كمخلص ، شارلز بالانتاين الذي يشترك مع ترافيس في مسعاه لـ (التغيير) يختلف عنه في كونه يبدو للآخرين كمخلص ، وعندما يتبلور شكل التغيير في ذهن ترافيس في صورة إغتيال شارلز بالانتاين كان يجب أن يبدو ترافيس كمخلص ، قصة شعر الموهوك - التي استلهمها سكورسيزي من رجال بعض العمليات الخاصة في فيتنام – تبدو هنا خياراً مثالياً لذلك البعد (الظهوري) ، ترافيس لم يكن يريد اغتيال بالانتاين (بقدر ما) أراد أن يبدو كذلك ، ولا يبدو في أي مرحلةٍ من مراحل الفيلم وكأنما يعاني مشكلةً مع بالانتاين لذاته بل أنه يتمنى نجاحه كما يخبر بيتسي في الختام ، على الأقل لا أحد يكون جاداً في إغتيال بالانتاين ويفعل ما فعله ، ترافيس أراد أن يُحدث فعلاً تطهيرياً يُظهره ، ترافيس (أراد) أن يُشكّ بأمره ، أن يُكشف ، أن يبدو كتهديد ، قصة شعره ومكان وقوفه وتصفيقه الملفت بعد خطاب بالانتاين كلها تؤكد على ذلك ، عملية الإغتيال الفاشلة لا تذهب في تفاصيلها وفي طريقة هرب ترافيس أبعد من مساحتها (الظهورية) كواجهةٍ لفعله التطهيري ، مشاهد تدريبه على الأسلحة تعزز ذلك المنحى في شخصيته ، كما هو حال مشهد  You talkin to me ، هذه المشاهد في جوهرها هي مشاهد (تكرارية) تخدم البعد الظهوري في الشخصية على خلاف ما يراه البعض فيها وأراها امتداداً للتكرارية التي استخدمها سكورسيزي في أكثر من مناسبة في الفيلم (لقطات الشوارع ، الإشارات الخضراء ، والمونتاج التكراري عموماً) ، ترافيس هنا لا يتدرب ، لا يحاول تحسين طريقة نطقه لهذه العبارة أو طريقة إخراجه لسلاحه ، في كل مرةٍ أتأمل هذا المشهد لا أجد ذلك (التحسين) ، ترافيس (يكرر) ما يفعله ، يقوم به مراراً تنفيساً وليس تدريباً ، يستمتع بـ (ظهوره) وهو يقوم بذلك ، كم الأسلحة التي حضرها أو قام بالإستعداد لإستخدامها يفوق مهمة اغتيال بالانتاين ، وأعتقد أن سكورسيزي ذاته يؤكد على هذا المنحى التعبيري من خلال الجزء الأخير من هذه السلسلة مع صوت الراوي Listen, you fuckers ، مشهد يعاد (حرفياً) ويبدو كغلطة مونتاجية ، يكمل على منوال التكرار في You talkin to me : إعادة الأفكار ، إعادة سردها على الذات ، (الإعادة) بصورتها الحرفية كأن سابقتها لم تحدث ، وهو برأيي تعبير فعالٌ في مشهدٍ مرتجل عن البعد الظهوري لترافيس المخلّص ، هو ليس مجرد شخصٍ يريد تخليص المدينة من قذارتها ، هو هنا شخصٌ يريد أن (يبدو) أيضاً كمخلصٍ للمدينة من قذارتها ، يريد أن يواجه ، يبحث عمن ينظر له كشخصٍ (من الخارج) ، يبحث عمّن يستفزه ، يرتاب بشأنه ، يبحث عمّن يقول له (هل تتحدث إلي ؟) .


عندما يتضح ذلك البعد الظهوري في شخصية ترافيس تحصل عنصريته (كشكلٍ متبلور لحنقه تجاه محيطه أكثر من كونها بعداً أصيلاً في شخصيته) على دَفعتين مهمتين قبل الذروة تترجمان رغبته الحقيقية في القيام بـ (الفعل) هذه المرة : الأولى في مشهد السطو على السوبرماركت عندما يطلق ترافيس النار على الرجل الأسود تاركاً جثته لمالك المحل الذي يقوم بتهشيمها ، والثانية في منزل ترافيس جالساً أمام شاشة التلفزيون حيث زوجان من السود يتراقصان ، بالرغم من أن المشهد يظهر تنوّع البشر في الخلفية إلا أن وضع زوجين من السود في عمق المشهد تأكيدٌ من سكورسيزي على حالة الغليان التي تحصل في نفسية بطله ، ليس فقط من منظورٍ عرقي (وهو بعدٌ لم يرد سكورسيزي وضعه عنصراً منفرداً في تحريك الحدث) ولكن أيضاً من منظور الصورة المزيفة للسعادة التي يقدمها التلفيزيون له ، ليست هذه هي العلاقات التي يعيشها ترافيس في الشارع ، علاقته ببيتسي لم تكن كذلك ، مشهدٌ يتظافر مع مشهدٍ آخر لزوجين من البيض يتحدثان عن الخيانة في مسلسلٍ تلفيزيوني ، ترافيس يحطم التلفيزيون هذه المرة تاركاً لنا مهمة إلتقاط دوافعه وما الذي يسيطر عليه الآن ، شريدر وسكورسيزي طوال المدة الماضية يتعمدان ترك مسافةٍ كبيرةٍ بين ما يُقال على لسان الشخصية وبين ما يصلنا شعورياً عنها في تأكيدٍ (سينمائيٍ) فعّال على عزلتها وردتها المجتمعية ، حتى توظيف الأداة الحوارية الأكثر ذاتية (الفويس أوفر) ينأى بالشخصية عن ذلك من جهة ، ويعزز جوانب أخرى فيها من جهةٍ أخرى ، نحن لا نعرف أساساً لماذا يحدثنا ترافيس من خلال الفويس أوفر ، حتى تقديم ذلك على شكل مذكراتٍ يكتبها لا يجعل تلك المذكرات مبررة ، لا نعرف لماذا تبدو مذكراته مهمةً له ، عندما يكتب لوالديه لا نعرف فعلاً أي شيءٍ عنهما ، وهل هما موجودان فعلاً أم أنهما مثل صديقه في المرآة ، نعرف أنه لا يخبرهم بالحقيقة عندما يتحدث عن بيتسي ، ولا يخبرهم بالحقيقة عندما يقول بأنه يقوم بعملٍ سريٍ للحكومة ، وأجدها توظيفاً مختلفاً وفعالاً جداً في خنق الشخصية في قوقعتها الذاتية حيث أقصى ردة فعلٍ تستطيع القيام بها تكمن في حديثها (لذاتها) عن القذارة والعفن والمطر الذي سيغسل كل شيء.


عندما يتدافع كل ما سبق نحو تحقيق الفعل التطهيري فعلاً من خلال علاقة ترافيس بآيريس ، يمنح سكورسيزي بعض الخصوصية البصرية لمشهد لقائهما (الجنسي) ، كائنان غريبان في عزلتهما الخاصة ، آيريس تتقاطع في عزلتها عن محيطها (المنزلي) مع ترافيس ولا تتورع عن دعوته في مشهدٍ لاحق لترك كل شيء والذهاب معها إلى أحد تجمعات الهيبيز ، آيريس في العمق لا تختلف عنه في بحثها عن القيمة ، عندما تجدها في هذا العمل يصبح هذا العمل شيئاً براقاً ومهماً بالنسبة لها مهما كان في جوهره قذراً ، ترافيس يبحث عن القيمة من خلال رفضه لعالمه القذر ، في المشهد الرئيسي الذي يجمعهما تحاول آيرس أن تمارس الجنس مع ترافيس ، ما يزعجه فعلاً في الأمر ليس مستنقع القذارة الذي تعيش فيه ، بل كونها تدعوه – وتصر – على ممارسة فعلٍ قذر ، ذات الفعل القذر الذي ذهب هو نفسه ببيتسي لمشاهدته في السينما ، ترافيس في لحظةٍ ما يُستفز ، يستدعي في ذاكرة مُشاهِده ذات ما فعله مع بيتسي في لقائيهما في مقر الحملة ثم في المطعم : عدم القدرة على خلق التواصل ، والإفتراض ، وتبني الرأي ، ومحاكمة الآخر ، ما يستفزه ليس الفعل القذر لذاته بل عدم رغبة آيريس في التعبير عن قذارته كفعل على إعتبار أنه افترض مسبقاً أنها تعرف أنه فعل قذر أصلاً ، التفصيل ذاته الذي شاهدناه عندما افترض ترافيس عزلة بيتسي ووحدتها وحاجتها للآخر ، مالا يدركه ترافيس - ويتعمد شريدر وسكورسيزي أن يفردا له واحداً من مشهدين لا نراهما من منظور ترافيس – هو الرابط الذي يجمع آيريس بسبورت ، علاقة آيريس بسبورت تشبه أيضاً علاقة ديبي بالكومانشي في فيلم جون فورد ، غير واضحة لكنها قوية ، لا تجد نفسها تستغل من قبله بل بالعكس تجده يفهمها ، يتفق معها رومانسياً ، شخصٌ تستطيع فعلاً التواصل معه ، مشهدهما معاً (مثل مشهد بيتسي مع زميلها الذي لا يراه ترافيس أيضاً) كان لينتقص شيئاً من بطولة ترافيس لو شاهده ، كان سيجد في عمله شيئاً أقل بطولية في نظر الفتاة التي أنقذها ، والنص يزيحها من الصورة بعد العمل البطولي في الذروة تاركاً أمرها للمشاهد وحده ، شعورها تجاه سبورت هو شعور انتماءٍ فرض عليها أو أحبته لا فرق ، المهم أن الإنقاذ هنا ليس مسعاها وليس شيئاً موجوداً في قاموسها ، هذا الشعور هو ما يموّه (عدم إدراك) آيريس لقذارة وخطأ ما تقوم به مع (عدم رغبتها) أو حاجتها للحديث عنه فلا ندرك أياً منهما هو الحقيقي , اياً منهما هو ما يحكم تصرفاتها ، يتحقق لها ذلك التمويه / التوازن بفضل أداءٍ ممتازٍ من إبنة الثالثة عشرة جودي فوستر ، أداءٌ طبيعيٌ وصادقٌ جداً بالرغم من صغر مساحة الدور وهو أداءٌ يفوق ما يمكن انتظاره من مؤدٍ في مثلٍ هذه السن ، هذا السن مائعٌ عموماً في تلقينا لأداء صاحبه ، هو لا يستطيع أن يكسب تعاطفنا (المجرد) معه كما يحصل في أداءات الأطفال ، ولا نستطيع أن نأخذه بالجدية الكافية كما هي أداءات الكبار ، فوستر بطريقةٍ ما تفرض علينا الأمرين معاً في مساحة ظهورٍ محدودة ، سكورسيزي يختم المشهد على المزاوجة الموسيقية ذاتها : نفخيات الجاز بمجرد إتفاق ترافيس وآيريس على موعد الغداء ثم الإنتقال مباشرةً إلى الوتريات عندما يضع ترافيس العشرين دولاراً (القذرة ذاتها) في يد مالك الغرفة كتمهيدٍ للتغيير الذي ينشده في الذروة.


في المشاهدة الأخيرة بدى لي تناول سكورسيزي لذلك (التغيير) كعنصرٍ جوهريٍ في بطله – كما فعل مع أبطال أفلامه الأخرى – وثيق الصلة وبالغ التأثير في فيلمه الآخر (الإغواء الأخير للمسيح) سواءًا على مستوى تفسيره السلوكي للنزعة الراديكالية في التغيير لدى بطله ، أو في بطله المعلّق بين العذراء والمومس ، أو في ذروته التطهيرية ، أو حتى في قيامة بطله بعد الموت ، ذروته هنا فعلٌ مفاجىءٌ جداً ، إنفجاريٌ حتى بالنسبة لترافيس ذاته ولغة جسد دينيرو تؤكد ذلك التفصيل ، سكورسيزي يعزز في هذا الفعل جانبه الظهوري ، الشيء الذي تنتظره الشخصية طويلاً لكنه يبدو أثقل بكثير عندما يحدث فعلاً ، ما أن يبدأ حتى لا يتوقف ، ما أن يبدأ حتى يصبح التوقف فيه أصعب بكثيرٍ من إكماله ، مسير مقاتل ساموراي في معركته الأخيرة ، ملاك التطهير الذي لن يبقي ولن يذر ، في خضم المعركة وكتأكيدٍ على الجانب الظهوري في الشخصية يبدو واضحاً أن ترافيس (إستمتع) بتجربة كل حيل الأسلحة التي صممها واستعد لها ، المتعة وهو يستخدم تلك الحيل بادية على وجه دينيرو ، ترافيس في متواليةٍ مجنونة يحصل على حاجته : يلعب دور المخلص وفي الوقت ذاته يظهر أيضاً في دور المخلص مع إشارةٍ ختامية لإنتحارٍ بمسدسٍ مزيّف تحاكي إنتحار الساموراي في معركة الشرف ، عندما يحصل على (حاجته) تلك يعود سكورسيزي للقطته التقريرية العلوية التي استخدمها في أكثر من موضع ليزاوجها مع وتريات وطبول بيرنار هيرمان ، إنتصر الأحمر في الختام (بالرغم من أنه فقد إشباعه لأسبابٍ إنتاجية) ، في لقطةٍ لاحقة من اليسار إلى اليمين (تُظهر في بدايتها أن ترافيس اشترى تلفيزيوناً جديداً) ينتقل ترافيس بيكل في قصاصات الجرائد المعلقة في منزله من صورة (القاتل) إلى صورة (البطل) ، في لقطته هذه يقول سكورسيزي الكثير عن البطولة ، عن إنتقال الفعل لدى بطله من إغتيال بالانتاين إلى إنقاذ آيريس ، وعن صورة رجله التي تغيرت مع (نفس الفعل) بين صورة (المجرم) و (البطل) ، وربما حتى عن إعادة تشكيل مفهوم البطولة وإلغاء مفهوم (المعيارية) في تحديد البطل.


في المتوالية الأخيرة من الفيلم (ذروة ما بعد الذروة) يبدأ سكورسيزي لقطته من زميل ترافيس الأسود شارلي تي ، تسير الكاميرا بإتجاه بقية سائقي التاكسي ، ترافيس يحيي شارلي تي هذه المرة قبل أن يذهب إلى سيارته لإيصال بيتسي ، من أجمل الخيارات البصرية في الفيلم ألا نرى بيتسي مباشرةً في هذا المشهد ، يؤكد سكورسيزي على الحاجز البصري من منظور ترافيس ، نلمح الإبتسامة على وجهه وهو يستمع إلى صوتها ويرى انعكاسها في المرآة ، خيارٌ بصريٌ موفقٌ لأنه في الوقت الذي يجعل الأمر يبدو كمكافأةٍ مجزيةٍ لترافيس الذي (ظهر) أخيراً بالنسبة لبيتسي التي يخبرها في نشوةٍ مستترة (الصحف دائماً تحمّل هذه الأمور أكثر مما تحتمل) ، لم يعد يتعقبها بل هي من تأتي لتستقل سيارته هذه المرة ، وكتأكيدٍ في الوقت ذاته على صورة بيتسي (الحلم) والحاجز الذي يبقى بينهما بعد كل ذلك ، بعدها يستخدم سكورسيزي مرآة السيارة للتأكيد على البعد التكراري الجوهري في الشخصية في نهايةٍ حقيقية (كما أكد سكورسيزي وشريدر مراراً) وليست خيالاً أو وهماً كما رآها البعض ، ذروة عن عدم اليقين بالمستقبل في رحلة بحثٍ لا تنتهي عن الذات ، حالة التشوش التي تبدو على وجه ترافيس في الختام كما يقول شريدر نفسه هي إشارة إلى أنه لم يشفَ من غضبه وأنها حالة من إستمرار الفعل وأن كل ما حدث لترافيس سيعاد مراراً وليس من الضرورة أن يعاد بالصورة الصحيحة ، الفيلم ليس عن الفعل وإنما عن الطاقة التي تحكمه وتوجهه ، وترافيس في صورةٍ كبيرة هو أزمة الهوية الأمريكية - عموماً - وإنعكاس مسعاها الدائم لـ (التجدد من خلال العنف) على مدار تاريخها القصير ، لا أحد يدري بعد كل ما حدث هل سيكتفي ترافيس ، هل سيكون بطلاً في المرة المقبلة ، في الختام - وعلى غرار ما يحدث في فيلم جون فورد - يعود البطلان مجدداً إلى حيث ينتميان (القفار / شوارع نيويورك) حيث لا شيء يتغير في العمق ، مجدداً تنظر الكاميرا في عينيه المشوشتين من خلال المرآة – كما يحدث في مشهد الإفتتاح – حيث يزدوج الأحمر والأخضر مجدداً في حلقةٍ لا تنتهي من بطلٍ لم يعثر على بطولته وربما لم يكن يحتاجها يوماً.

التقييم من 10 : 10