الثلاثاء، 21 فبراير 2017

La La Land

كتب : عماد العذري

بطولة : رايان غوسلنغ ، إيما ستون
إخراج : داميان شازيل (2016)

يفتتح داميان شازيل فيلمه هذا على لوحةٍ بالأبيض والأسود لشعار Cinemascope تتسع لتصبح ملوّنة مشيرةً إلى أن الفيلم يتم تقديمه (وليس تصويره) ليبدو بتقنية Cinemascope التي صنعت مجد واحدةٍ من أجمل الحقب الهوليوودية قبل أن تنقرض لاحقاً ، ويختتمه على وداعٍ كازابلانكيٍ مؤثر ، بين إفتتاحٍ (عن) السينما وإختتامٍ عنها أيضاً هناك الكثير من السينما .

من نظرةٍ بسيطةٍ على فيلميه السابقين سيبدو هذا الفيلم أقدم هواجس داميان شازيل الدرامر وعاشق الجاز المفتون بكلاسيكيات السينما ، بدأ التفكير فيه في فترةٍ مبكرةٍ من حياته وكتبه في عام 2010 تحيةً للحالمين الذين ينتقلون إلى لوس أنجلوس لمطاردة أحلامهم مطوراً فكرته رفقة زميله في هارفرد وقتها جاستن هورويتز الذي وضع ألحان العمل ، هاجس لا لا لاند انعكس جلياً على فيلمي شازيل السابقين ، ولعلّ التكلفة الإنتاجية الأعلى لهذا الفيلم كانت سبباً في أن يكون ثالث أعماله وليس أولها ، هذا الرجل شغوفٌ بالجاز كما هو شغوفٌ بالسينما وأعتقد أنه مع هذا الفيلم نضج بما فيه الكفاية ليعبر تماماً عن ذلك الشغف .

في الحكاية عازف بيانو يتنقّل من عملٍ مؤقتٍ إلى آخر بحثاً عن فرصةٍ تقوده لإفتتاح ناديه الخاص الذي يعيد إحساس الجمهور بفن الجاز ، وممثلةٌ طموحةٌ تنتقل من أوديشن إلى آخر باحثةً عن الفرصة التي تقودها لتصبح على بوسترٍ من تلك البوسترات التي تعلقها في منزلها ، تقودهما علاقتهما إلى الحب والسعادة والتحليق مع الحلم وبعض الأسئلة الوجودية.

من سينما سكوب ننتقل إلى لقطةٍ عرضيةٍ لزحامٍ مروريٍ قفزت بصورة Weekend إلى ذهني مباشرةً ، وسط الزحام ينطلقٌ صوتٌ يغني يتلوه آخر ليتحوّل هذا المزيج من السيارات مختلفة الموديلات والألوان والأعمار وذلك المزيج من البشر مختلفي الأعراق والأزياء إلى أجمل افتتاحيةٍ سينمائيةٍ شاهدتها هذا العام ، هذا المشهد إعلاني في المقام الأول ، شازيل منذ اللحظة الأولى يخبرنا أنه يقدم فيلماً موسيقياً مفعماً بروح الكلاسيكيات الموسيقية قبل أن يقدم لنا شخصياته حتى ، بنهايته ستلتقط الجو والثيم القصصي والمود العام للحكاية كما ستتعرف أيضاً على الشخصيتين ، يصوّر شازيل هذا الإستعراض المهيب والفاتن ليبدو وكأنما هو لقطةٌ واحدة على غرار إستعراضات اللقطة الواحدة التي جاءتنا من بعض الأعمال الموسيقية في الخمسينيات أو على غرار متواليات الغناء الكلاسيكية المندفعة والمستمرة والتي تبدأ في أي مكانٍ وفي أي لحظة كما حدث في كلاسيكياتٍ أخرى ، يترك الجميع سياراتهم ويحوّلون الشارع إلى كرنفال راقص – في تصميمٍ مبهر من ماندي مور - لا يمكن معه إلا أن تستذكر الإفتتاح الفاتن لفيلم جاك ديمي The Young Girls of Rochefort (أكثر الأفلام تأثيراً في هذا الفيلم عموماً) ، الإستعراض هنا أكثر صعوبة : غناء مجاميع يتدفق مع حركةٍ لا تستقر للكاميرا علواً وهبوطاً ، يميناً وشمالاً ، وبين السيارات وفوقها وعلى جانبيها ، في أعلى نقطةٍ تصلها الكاميرا تبدو مجاميع السيارات في العمق إشارةً مباشرةً إلى الحشود السائرة في طريق الطوب الأصفر في The Wizard of Oz ، لكنهم يصطفون هنا في سبيل حلمٍ آخر ، يقفون على أنغام Another Day of Sun على أبواب لا لا لاند ، أرض الاحلام والإسم التهكمي للوس أنجلوس الذي يشاركها حرفي الإختصار في إسمها ، أرض الحالمين الطامحين الذين يقصدونها من كافة الألوان والأعراق والأماكن حاملين مواهبهم وأحلامهم وربما بعضاً من سنوات حياتهم أفنوها في سبيل الوصول إلى هذه المدينة التي سحقت الكثير منهم ولا تزال ، وعندما تهبط الكاميرا نلتقي في الزحام إثنين منهم ، عازف بيانو يجلس في سيارته العتيقة يتنقل بين محطةٍ إذاعيةٍ وأخرى باحثاً عن شيءٍ يروق لأذنه ، وممثلةٌ تجلس في سيارتها الحديثة مستغلةً لحظات الزحام في التحضير لأوديشن قادم ، لقاءٌ أول لا يكون ودياً كما فعلتها كلاسيكيات السينما كثيراً .


سردياً يقسّم داميان شازيل فيلمه إلى خمسة فصول تبتدئ بالشتاء وتنتهي على شتاءٍ آخر بعد خمس سنوات ، التقسيم في ظاهره هو تحيةٌ لفيلم جاك ديمي الآخر The Umbrellas of Cherbourg (الذي أطلق إسم شخصيتين فيه على شخصيتي فيلمه الأول Guy and Madeline كما أطلق إسم بطلته على بطلة مسرحية ميا في هذا الفيلم) ، مع ذلك تبدو تلك تحيةً غير مستثمرةٍ على الصعيد السردي ، إختيار الفصول في مدينةٍ تتساوى فيها الفصول مثل لوس أنجلوس (حتى في سياق التحية) يتوه بين (صورة) الفصول التي (لا تتغير) في حياة حالمي المدينة (وهو معنىً غير مكثّفٍ أصلاً) وبين (مدلول) تقلبات الفصول في العلاقة العاطفية بين سباسيتيان و ميا (غير المتحقق على مستوى الإستعارة) ، لا نستطيع من جهة إعتباره استخداماً مجازياً (لأنها فصولٌ حقيقية ، والكريسماس يحدث فعلاً في الشتاء) ، ولا نستطيع في الوقت ذاته التعامل معه كإستعارة (على اعتبار أن الإستعارة تفترض تحقق القيمة في المستعار أولاً وداميان شازيل لا يعكس تلك القيمة لا مناخياً ولا بصرياً ولا سردياً ولا حتى إستعراضياً) الأمر الذي يجعل وجودها حتى وان تقبلته وجوداً باهتاً جداً يمكنك بسهولةٍ إزالة عناوين الفصول دون أن يختل البناء السردي مطلقاً شكلاً ومضموناً ، تفصيلٌ أعتقد أننا مع الوقت يجب أن نعتاده في سينما شازيل ، شازيل في أفلامه الثلاثة يستخدم حلولاً نصيةً بسيطةً لإضافة بعض القيمة على القيمة الموجودة في الحدث ، وأحياناً تصبح تلك الحلول أبسط من اللازم عندما نتكلم عن تحريك الحدث : تذكير هاتفي بموعد أوديشن ، حادث اصطدامٍ يلوّث قميص ميا قبل الأوديشن ، عازفٌ يعود إلى عمله لكنه يصرّ إلا أن يطرد مجدداً في اليوم ذاته ، ممثلةٌ تعلق في منزلها بوستراتٍ لـ  Lilies of the Field و The Black Cat لكنها لم تشاهد بديهيةً من بديهيات التمثيل مثل Rebel without a Cause ، حديثٌ هاتفيٌ بين ميا ووالدتها يُشعر سباسيتيان بضرورة البحث عن عملٍ ثابت ، مسرحٌ خالٍ لمسرحيةٍ لا تستقبل جيداً لكننا يجب أن نسمع حديث الجمهور في الممر لنتأكد أنها فشلت ! ، شازيل يحرّك الحدث ببساطة ، لكنه بالمقابل يبقى قادراً على ترميم تلك البساطة من خلال الصورة ، هناك حدٌ رقيقٌ بين التقليدية والكليشيه وبين الفخامة والبهرجة ، لوحة شازيل هذه تقليديةٌ فخمة لكنها ليست كليشيه وليست مبهرجة وتحقيق ذلك لا يكون أمراً سهلاً حتى على مستوى أدق التفاصيل ، إستخدامه للألوان مثلاً مريح سواءًا على مستوى الإخراج الفني لمصمم الإنتاج ديفيد واسكو أو على مستوى الملابس من المصممة ماري زوفرس ، يأخذ الدرجات المشبعة منها (في منزل ميا على سبيل المثال) ويوزعها بالتناوب والتتالي على المكان مع فساتين ممثلاته الأربع خالقاً من لقطته الطويلة على أنغام Someone in the Crowd بهجةً مكتملة تذهب أبعد من أن تكون مجرد تحيةٍ لـ Grease أو West Side Story ، والأمر ذاته ينطبق على الإضاءة في الفيلم ، شازيل يصور على فيلم (35 ملم بإستثناء لقطة واحدة صوّرت على 16) ويعرض بنسبة عرض السينما سكوب ويوظّف بديهيات الكلاسيكيات الموسيقية على مستوى الإضاءة كي يخلق الإحساس البصري بالكلاسيكيات التي يحييها ، يتنقّل بين الإضاءة الطبيعية والسبوتلايت والباك لايت والسيلويت ، ويغني التوازن بين الألوان والإضاءة من خلال واحدٍ من أفضل منجزات التصوير هذا العام من لينوس ساندغرين ، هناك هارموني عالي بين هذا المثلث يظهر من خلاله شازيل كم هو مستمتع بالخيارات المتاحة أمامه بالمقارنة مع الأبيض والأسود في تجربته الإخراجية الأولى والخيارات المحدودة للإضاءة والمجال الضيق للألوان في تجربته الإخراجية الثانية ، وهو ما يحقق في النتيجة الغاية المطلوبة في جعل فيلمٍ منعشٍ كهذا صديقاً للعين وقادراً على ضخ روحٍ في الصنف تنتمي للصنف أولاً قبل أن تجدد فيه ، وما أقدره فيه في هذه النقطة تحديداً – وما يجعل مهمته أصعب أيضاً – هو إصراره على تقديم تحاياه تلك من خلال خطٍ مختلف / غير اعتيادي في الأفلام الموسيقية بالنسبة لجيلٍ جديدٍ من المشاهدين مرّ وقتٌ طويلٌ على معاصرتهم كلاسيكيةً موسيقيةً حقيقية (فيلم روب مارشال Chicago في نظري) بعيداً عن الشكل الغنائي الذي اعتادوا الحصول عليه خلال 14 عاماً تالية في قالب موسيقيات ديزني (The Princess and the Frog و Tangled ومؤخراً Moana) أو اقتباسات برودواي (Into the Wood و Les Miserables) ، شازيل يقدم الـ (أوريجينال) في قالبٍ (تقليدي).


سردياً يؤسس شازيل لشخصياته بصورةٍ جيدة ، يستخدم منظوري رؤية ليقدم المسافة الفاصلة بين مشهد الإفتتاح وليلة الكريسماس ، وينهي المنظورين على لقطة مع سبوتلايت على ميا في المنظور الأول ثم على سباستيان في المنظور الثاني قبل أن تلتقي الحكايتان ، في كلا المنظورين لن نلتمس الكثير من الفوارق بين الشخصيتين ، موهوبين طامحين يطاردان أحلامهما في هذه المدينة العملاقة ، مشهدٌ واحدٌ لميا في أوديشن مخيب ومشهدٌ واحدٌ لسباسيتيان مع شقيقته في منزله ، المشتركات واضحة والتقاطعات بين الشخصيتين لا تغفلها العين وشازيل يستخدم تقطيعاً فلاشياً من ثلاث لقطات قبل تقديم يوميات كلٍ منهما (ميا مع الزبائن في الكافيه / سباستيان جالساً أمام البيانو في منزله) ، ميا ممثلةٌ طموحةٌ تركت مدينتها (كما فعلت إيما ستون ذاتها) وانتقلت إلى لوس أنجلوس باحثةً عن فرصة ، تعمل في كافيه (في تحيةٍ أخرى لفتيات روشفور) وتتنقل من أوديشن إلى آخر باحثةً عن فرصةٍ هنا أو Someone in the crowd هناك ، لكن خيبات الأمل المتكررة التي لا تكون هي أو موهبتها سبباً فيها تجعل تلك الفرصة تبدو حلماً بعيد المنال ، سباستيان عازف بيانو معجونٌ بحب الجاز ، شغفه تجاهه لا ينكر ورغبته في إعادة إحيائه كما يجب وفي إعادة شغف الناس به هي هاجس حياته الآن ، سيفعل أي شيءٍ من أجل أن يعبّر عن ذلك الشغف ، يتمرد على المعزوفات المقررة ليلة الكريسماس ويطرد للمرة الثانية من عمله في مطعم ، يكتب نوتاته في منزله ولا يحاول أن يساوم أبداً حول حلمه في تأسيس نادٍ لـ (الجاز الجيد) كذلك الذي يعزف في باريس (في تحيةٍ ستكتمل لاحقاً لـ An American in Paris) ، عندما يلتقيان يبدو سطح علاقتهما مزيجاً من التعارف والتقارب بعد لقاءٍ أول لم يكن إيجابياً (في تحيةٍ جميلة للسكروبول كوميدي) ، ويبدو باطنها لقاء حالمين في مدينة الأحلام يجمعهما شغف تجاه ما يقومان به ورغبةٌ في مطاردة الحلم حتى النهاية وبعض العاطفة التي من الجميل أنها لا تطغى على الصورة ، شازيل يدرك جيداً ما يريده أثناء ربطه شخصيتيه ببعضهما على طول الخط ، ما يجمعهما في عمق العلاقة مع تقدمها ليس فقط الصورة الظاهرة للحب أو الشغف أو مطاردة الحلم (وهي أمورٌ ربما سيتهيأ المشاهد لمشاهدتها سلفاً) ، بل أيضاً مسحةٌ لا تخطئها العين من الموانسة والمؤازرة وصورة (السند) قبل أن تكون صورة (الشريك) ، ميا وسباسيتيان قبل أن يجدا في بعضهما الحب أو المسعى المشترك وجدا في بعضهما سنداً في مدينةٍ يحتاج فيها المرء لسند (تفصيلٌ أراه تحيةً أخرى مهمة لـ A Star is Born) ، سباستيان قبل ظهور ميا هو الشقيق الذي تعترض شقيقته على نمط حياته ، والفنان الذي لا يقدّر أحدٌ فنه ، والموظف الذي لا يشاركه رب عمله رؤيته لعمله ، وميا قبل ظهور سباستيان هي الموظفةٌ المعلّقةٌ على الدوام بمواعيد الأوديشنز ، وشريكة السكن التي لا تجد الحماس لمشاركة شريكاتها نشاطاتهم ، والممثلةٌ الطموحةٌ التي يرفضها الأوديشن تلو الآخر ، والفتاة التي لا تجد مساحة مشتركةً مع خطيبها ، شازيل يفعلها بـ (نموذجية) ويجعل شخصياته (نماذج) لكل صفةٍ من تلك الصفات ، وجودهما بجوار بعضهما لاحقاً يخلق حساً واضحاً من المساندة (كنموذجٍ آخر فيهم) ، فيصبحان أيضاً علاوةً على تلك الصفات : الشخص الذي يستمع اليك ، يسير معك ، يتماهى مع جنونك ونزواتك ومقترحاتك ، يشاركك أفكارك ويختلف معك فيها ويناقشك إياها ، كمقدمةٍ – منطقية – لتقع في حبه لاحقاً ، وهي صورةٌ ستصل لذروتها في النهاية العظيمة للفيلم عندما تسير صورة (العاشقين المفترقين) بالتوازي مع صورة (طامحين ساندا بعضهما ذات يوم كي يصلا إلى ما وصلا إليه الآن) وهي صورةٌ فيها الكثير من ود (السند) ورضاه وتقبله أكثر من انكار (العاشق) وسخطه وأنانيته تجاه علاقةٍ انتهت ، شازيل يصنع بطريقةٍ ما الصورة النموذجية لـ (تسلسل) العلاقة العاطفية حيث الإنطباع الأول واللقاء الأول والموعد الأول والقبلة الأولى وصولاً إلى الفراق والذكرى دون أن يجعل ذلك التسلسل يطغى على مصداقية شغف شخصياته بما تقومان به كإنعكاس (واضح) لشغف شازيل نفسه بالحياة وبالحلم وبالجاز وبالسينما ، شخصية شازيل (تشظّت) في شخصيات أبطاله .


الشكل والمضمون متسقٌ جداً في فيلم شازيل ، قصة الفتى المكافح الذي يلتقي الفتاة المكافحة فيطاردان أحلامهما ضمن بنيةٍ سرديةٍ حالمة تعقيداتها لا تتجاوز ما يحدث لهم كل يوم وحلولها لا تتجاوزها أيضاً ، من ناحية تتسق شخصياته (النموذج) مع عالمية القصة وأزليتها وتكرارها تماماً كما يتسق مضمون الحدث ، كل العقبات التي تواجه شخصيتي شازيل هي العقبات النموذجية وليست الإستثنائية بالنسبة لأمثالهم ، العقبات التي يمكن أن يتوقعوها قبل أن يبدؤوا حتى مطاردة حلمهم (ولذلك هو حلم) : الشغف والإهتمام والرفض والفرصة والتعثر والخيبة والإستسلام والإنبعاث ، لم يحاول وهو يصور حماقة حالميه في الركض وراء أحلامهم أن يضعهم تحت الضغط الإستثنائي الذي يجعل ما يحدث (خاصاً) ، وهو تفصيل يضفي على حكايته مذاقاً (عالمياً / أزلياً / تكرارياً) ويخرجه حتى خارج إطار لوس أنجلوس وإن حافظ عليها كإطارٍ مكانيٍ وشخصيةٍ ثالثة وربما تقصد ذلك من خلال حفاظه (بصرياً) على مشاهده بعيداً عن (الشكل) التقليدي للوس أنجلوس المعاصرة : الجادات والعصرية وناطحات السحاب وأضواء النيون ، لوس أنجلوس من الصعب – بديهياً – أن تكون بيئةً مثاليةً لعملٍ غنائي استعراضي ، هي ليست باريس أو فيينا أو روما أو لندن وليست حتى نيويورك ، شازيل على العكس يستثمر هذه النقطة لصالحه ، يستخدم معالمها غير العصرية (خصوصاً المنشآت الخاصة بستديوهات التمثيل أو مرصد غريفيث) ويزاوجها مع عناصر (غير معلمية) لجعل محيط الحكاية يتحرك معها على الدوام : لوحات الإعلانات ، والطرقات ، ومقاهي الشوارع الخلفية ، والنخيل ، والضواحي المطلة على المدينة ، والجداريات (إحداها لأساطير السينما يجلسون في مسرح خارج المطعم الذي يعزف فيه سباستيان) ليحرض في مشاهده من جهة النوستالجيا المطلوبة تجاه المدينة كعاصمةٍ لصناعة السينما وكمدينةٍ تقسو على الحالمين ، وليحقق من جهةٍ أخرى بنية بصرية تشبه (الحلم) من أجل أن يصل بذلك المضمون في الشخصيات والحدث إلى الإتساق مع الشكل ، لا يكتفي فقط بأن يحتفي بعددٍ كبيرٍ من كلاسيكيات السينما (من خلال الإطار البصري/الصوتي) بل يعمل كإمتدادٍ لها (من خلال المود والإحساس) لدرجةٍ يبدو من الصعب معها تخيّل إنتماء الحكاية إلى البيئة الزمانية المعاصرة وهو شيءٌ بقي معي في المشاهدات الثلاث ، تبدو علاقته بالكلاسيكيات الموسيقية انعكاساً لعبارةٍ تقال على لسان إحدى شخصياته بخصوص علاقة سباستيان بالجاز (كيف ستكون ثورياً بينما أنت تقليدي) ، هذا عظيم ولا يفلت أبداً من يد شازيل ، فيلمه مزيجٌ من الرومانس والكوميدي مع لمسةٍ (وهميةٍ) من فانتازيا وتصميم بيريود وبعض الميلودراما ، وتحاياه الكثيرة هنا لعددٍ كبيرٍ من كلاسيكيات السينما عموماً وأفلامها الموسيقية على الخصوص تتسق بصرياً وقصصياً مع كيان حكايته بطريقة تبدو منتميةً له وليس فقط مجرد منظومةٍ (شكلانية) تحيي أعمالاً أثرت في شازيل ، جميع تحايا الفيلم تقريباً موضوعةٌ في سياقٍ ما يناسبها (سردياً) حتى وإن بني ذلك السرد بصورةٍ تتوافق معها أصلاً ، وأعتقد أن هذا تحديداً ما يجعل من هذا الفيلم جميلاً ومؤثراً سواءًا التقطت كل تحياته أم لم تلتقطها ، يستخدم شازيل المونتاجات الفلاشية في أكثر من موضع لتحريك الزمن ، يوظف اللقطة الواحدة ليذكرنا من ناحية بكلاسيكيات فريد أستير وليعزز من ناحيةٍ أخرى تدفق المشهد بطريقةٍ تنتمي له هو (اللقطة الواحدة لأغنية Someone in the Crowd في منزل ميا بديعة) ، وينجح في تطويع فيلمٍ مشبعٍ على المستوى البصري ضمن إيقاع موزون لحكايته يتصاعد بوضوح بعد نصفها الأول كما تتصاعد رحلة بطليها ، هذه العظمة على صعيد الإتساق بين الشكل والمضمون لم تستفد كثيراً برأيي من أغاني الفيلم ، أغاني الفيلم على خلاف الكلاسيكيات الموسيقية العظيمة لا تغذي السرد و الحدث بقدر ما تخدم الثيم الأساسي للحكاية عن الحلم والحالمين وهو ثيمٌ يصلنا منذ اللحظة الأولى في أغنية الإفتتاح ، على خلاف الأغاني العظيمة التي عاشت من كلاسيكيات الأعمال الموسيقية لا يمكن إعتبار أغاني الفيلم هنا مفاصل حقيقية على مستوى (الحدث) يتحوّل سير الحكاية أو يختلف بغيابها بقدر ما هي إمتدادٌ للحدث وسندٌ له ، وهو أمرٌ يجعل الفيلم عملاً غنائياً أقل (غنائيةً) مما يبدو عليه علاوةً أصلاً على العدد القليل لأغانيه ، الإستثناء الوحيد هنا هي Audition التي تعد حدثاً لذاتها متسق الشكل والمضمون تماماً ويغذي تدفق العملية السردية ويربط ما يسبقه بما يليه ، وإن كان هذا ليس تقليلاً من قيمة أغاني العمل لذاتها (كتابةً وموسيقى) بقدر ما هو شيءٌ يؤخذ على قيمة (الأغنية) في تشكيل وجه العمل كفيلمٍ (غنائي) ، أمرٌ لا ينطبق بالمقابل على إستعراضاته الثلاثة ، في الإستعراض الراقص لحظة الغروب بعد أغنية A Lovely Night هناك صورةٌ أنيقةٌ وصعبة (من خلال لقطةٍ واحدةٍ يتم تصويرها ساعة الغروب) تجعله مشهداً فخماً ، صحيح أن رايان غوسلنغ وإيما ستون (على المستوى الإستعراضي) ليسا جين كيلي وديبي رينودلز ولا فريد أيستر وجينجر روجرز - وهو أمرٌ يلتمس واضحاً في الهارموني الناقص في الرقصة - إلا أن الإمتلاء البصري للمشهد يجعله يلتصق في الذاكرة كما تفعل أجمل مشاهد الفيلم في استعراض مرصد غريفيث ثم في متوالية الختام العظيمة.


 عندما تتقدم علاقة ميا بسباستيان يعتمد شازيل على الصورة أكثر من اعتماده على الحوار في الثلث الأول من الفيلم ، ومستوى الكيمياء العالية بين رايان غوسلنغ وإيما ستون (في فيلمها الثالث معاً) يخدم ذلك كثيراً ، إثنان من أفضل أبناء جيلهما لا يراهنان فقط على الكاريزما الواضحة لكليهما أمام الكاميرا بل يضخان في الشخصيتين روحاً تجعل ذلك التقارب مفهوماً وواضحاً دون الشكل المبتذل لتطور علاقات الحب ودون حواراتٍ رومانسيةٍ حتى ، أداءهما وحده كفيلٌ بألا يجعلها قصة حبٍ مبتذلة و (الرومانسية ليست كلمةً قذرة) كما يراها سباستيان ، إيما ستون في أفضل أداءاتها ، خريطة المشاعر في وجهها عندما تتلقى موظفة الكاستنغ إتصالاً أثناء الأوديشن بديعة ، رايان غوسلنغ أبهت قليلاً من ستون تعبيرياً واستعراضياً ، مشهده وهو يتحدث عن الجاز وعن شغفه بالجاز في أحد الكافيهات يبدو أكثر مقطوعاته الأدائية في الفيلم بعداً عن (الشغف) على عكس الصدق والحماس والإحساس العالي عندما يتحدث لاحقاً عن حياة ميا وضرورة أن تتمسك بحلمها ، مع ذلك تتفوق الكيمياء بين الممثلين على أداء كلٍ منهما على حدة وأعتقد أنها قادرةٌ لوحدها (بعيداً عن عظمة المنجز الإخراجي لشازيل) على جعلنا نشعر بميا وسباستيان عندما تتقدم الحكاية في نصفها الثاني ، غوسلنغ بقدر ما يحتفظ لسباستيان برومانسيته لا يخفي عن المشاهد شكل التغير الذي حدث له بإنضمامه إلى الفرقة ، لغة جسده وهو يعزف على بيانو وكيبوردين في الحفلة يتكلم كما تتكلّم عينا إيما ستون عندما احتل سباستيان جزءًا صغيراً من المسرح أو عندما حجب الراقصون سباستيان ورائهم ، التعبير البصري لشازيل في المشهد لا يتوقف هنا ، مشهد جون ليجند (وهو ممثلٌ ردىٌ في الفيلم ومغنٍ موهوب) يغني You can start a fire يثبت فيه شازيل لسباستيان ربما ولمشاهده أيضاً لماذا سرقت أنواع الموسيقى الأخرى الأضواء من الجاز ، الأغنية جميلةٌ فعلاً ومنعشة وحيوية دون إدعاء أو تحميل معنىً لا تحمله ، نتفاعل معها كما يتفاعل الجمهور ، شازيل يفعلها دون الحاجة لحيلٍ نصيةٍ أو لحوار كما فعلها سابقاً في مرصد غريفيث عندما أكمل مشهد Rebel without a Cause على طريقة Moulin Rouge ، لا تحتاج سوى لتأمل ملامح غوسلنغ وستون على مدار المشهد لتفهم كل شيء ، متواليةٌ ينهيها شازيل على Iris in قبل أن يبدأ فصلاً جديداً بعدها على Iris out كما فعلت كلاسيكيات السينما مراراً.


في عمق هذا الوتر العاطفي يبدو أكثر ما أقدره في فيلم شازيل هذا أنه أخذ خطاً قدمه أولاً في Guy and Madeline ثم قدمه بإفتعالٍ واضح في فيلمه السابق Whiplash عن التضارب الذي يهز مسيرة الفنان عندما يتقاطع مسعى الفن مع مسعى الحياة والحب وقدمه بعظمةٍ هنا ، يبدو هذا هاجسه الأول منذ فكر أن يصبح مخرجاً وربما أقحمه في Whiplash لأنه لم يكن على يقين بأن فيلمه سينجح للدرجة التي تتيح له صناعة فيلمٍ موسيقيٍ مكتمل عن هذا الهاجس ، شازيل يفعلها بتمكنٍ هنا ويتيح لهذه الفكرة أن تتفاعل بهدوءٍ في علاقة شخصيتيه ببعضهما وبفنهما كي يجعل من ختامه شيئاً لا ينسى ، كي يفعلها بالطريقة المثالية لا يصنع شازيل شخصياتٍ غير مفهومة ولا أحداثاً غير مفهومة ، تدرّج شخصياته ضمن الحدث لا يجعل أياً من تصرفاتها غير مبررٍ أو غامضٍ أو عديم المعنى وأعتقد أن هذا تعزز أكثر مع فاصل السنوات الخمس التي تركت للمشاهد ليتخيل كيف سارت الأمور قبل النهاية ، لكن ما أخذه فعلاً على شازيل في هذا المسعى هو أن طرحه التبسيطي لشخصياته النموذج يجعلها تقدّم للمشاهد بشكلٍ كامل ولا يترك أي مساحةٍ للمشاهد للتفاعل معها (كشخصيات) حقيقةٍ مكتملة أبعد مما يشاهده فعلاً ، شخصياته جميلة والحدث الذي يقدمها من خلاله متدفق والصورة تغذيه بعظمة ، لكن لا توجد وراء ذلك مساحةٌ خاصةٌ للمشاهد لتكتمل بها الشخصية في ذهنه ، الحالة هي ما تصنع حقيقية الشخصيات وليست ذواتها ، (قدرة المشاهد على ربط ما يشاهده بواقعه) وليس ما (يشاهده فعلاً) ، الشخصيات خبرية جداً وما وصلني الآن عنها بعد ثلاث مشاهدات هو ذات ما وصلني في المشاهدة الأولى ، وأعتقد أن هذا هو أكثر ما سينتقصه المشاهد في الفيلم لو وجده ناقصاً ، المساحة الوحيدة التي خرج من خلالها شازيل من الشخصيات (النموذج) إلى الشخصيات (الحقيقية) تحدث في مشهد العشاء الذي يجمع ميا بسباستيان في المنزل قبل جولته الغنائية ، تشبيك الحدث وتعقيده بالطريقة التي يستحقها تماماً ويمنح للمشاهد مساحته الخاصة في النظر لكل شخصيةٍ على حدة ، العقدة هنا تصبح صعبةً بسلاسة والمشاهد يتلقاها ويفهمها بالتوازي مع تلقي الشخصيات وفهمها ، يبدأ المشهد بالكثير من الرومانسية ، مسحةٌ ذكوريةٌ واضحةٌ في سباستيان الذي يعرض على ميا مرافقته ويخبرها بأن بإمكانها التدرب للمسرحية في أي مكانٍ فترد عليه (أي مكانٍ أنت فيه !) لكنها مسحةٌ لا يسمح لها شازيل أن تتسيد الموقف عندما يجعل ميا هي من تواجهه وتحاول اعادته إلى صوابه (كما سيحضرها هو إلى الأوديشن لاحقاً) ، في العمق يبدو نجاح سباستيان المبدئي (على إعتبار أنه نجاحٌ في الحصول على المال وليس في افتتاح نادي الجاز) هو المعيار الذي يجب أن يسيّر حياة ميا الآن ، بالمقابل ميا – بطريقةٍ ما – لم تعتقد أن الفرقة ستنجح بقدر ما اعتقدت أنها ستحقق لسباسيتان بعض الرضا وبعض المال ، لم تفكر في أن نجاحه سيجعله بعيداً عنها طوال الوقت ، في المشهد يرى كلٌ منهما في الآخر إنعكاس ما يريده : ما يريده سباسيتيان شريكة حبٍ تكون معه في نجاحاته ، وما تريده ميا شريك حبٍ يعود إليها كل مساء ، المشهد في النهاية ليس مجرد تفسيرٍ لحجم شغفهما تجاه ما يفعلانه بل هو أيضاً تأكيد على قيمة (السند) قبل قيمة (الشريك) حيث كلا الطرفين يظهر للآخر الشيء الذي ربما يعيب شخصيته هو ، سباسيتيان الأكثر طموحاً وجنوناً وتصلباً يصبح أكثر عقلانيةً ونفعيةً وهدوءاً ، وميا الأقل طموحاً والأكثر مرونة والتي تكسرها المحاولات تصبح أكثر حديةً تجاه انكسار سباستيان ، في لحظة يصبح هو ميا وتصبح هي سباستيان ، يصبح هو مجرّد طامحٍ نفعي كسرته المحاولات والخيبات في انتظار Someone in the Crowd ، وتصبح هي الشخص الغيور على فن سباستيان والذي لا يرى إهانةً له أكبر من العزف على الكيبورد بدلاً من البيانو ناهيك عن كيبوردين كما يفعل مع الفرقة ، عندما يتقدم الحوار لا تعرف أياً منهما يتكلم الحقيقة ، هل هي لحظة النضج فعلاً وهل النضج هنا يعني الإستسلام أم أنهما فعلاً أحبا بعضهما (لأنهما كانا فاشلين وهذا أشعرهما بالرضا عن أنفسهما) ، هذا المشهد - مدعوماً بأدائين ممتازين من ستون وغوسلنغ – هو أفضل ما كتبه شازيل في الفيلم كله وربما في أفلامه الثلاثة ، فتح مساحةً واسعةً بين شخصياته ومشاهده وأتاح لها في هذه المساحة الضيقة أن تكتمل معهم .


في الختام يصنع داميان شازيل أجمل خاتمةٍ سينمائيةٍ لعام 2016 ، تكثيفٌ بديع لكل ما قاله عن الشغف والفن والحب وما يبقى عندما ينتهي كل شيء ، تحيةٌ عظيمةٌ لكازابلانكا تدخل فيها ميا رفقة زوجها (كما فعلت إلسا قبل سبعة عقود) إلى نادي سباستيان (Seb’s على غرار Rick’s في تحفة مايكل كورتيز) ، تجلس هناك لتستمع للحنهما الأثير Mia & Sebastian (كما فعلت إلسا أيضاً) عندما يعيد شازيل تشكيل كل ما جرى بصورته المثالية ، الأشياء التي نفقدها في مسعانا لأن نكون ما نحن عليه ، السنوات الخمس في متواليةٍ إستعراضيةٍ تحيي المتوالية الإستعراضية العظيمة في ختام An American in Paris كإطارٍ لتحية أفلامٍ أخرى ، قبل أن يختمها كما فعل سابقاً في Whiplash على نظرةٍ بين بطلي الفيلم و It’s Ok ، جاستن هورويتز في هذه المتوالية التي تجمع كل ألحانه في الفيلم يثبت لماذا يمكن أن نحب هذا الفيلم ولماذا يمكن أن يعيش في ذاكرتنا لاحقاً حتى إن وجدنا فيه شيئاً ناقصاً هنا أو مهتزاً هناك ، صورة شازيل الكبيرة وموسيقى هورويتز الحية تجعل من هذا الفيلم رحلةً سحريةً مرتبطةً بالواقع ، ليست فانتازيةً أو مبتذلةً أو مستدرةً للدموع ، شيئاً يمكننا أن نستذكره ونشتاق إليه ، وبالتأكيد واحداً من أفضل أفلام العام .

التقييم من 10 : 9