الثلاثاء، 31 يناير 2017

Toni Erdmann

كتب : عماد العذري

بطولة : ساندرا هولر ، بيتر سيمونشك
إخراج : مارن آده (2016)

لسببٍ أو لآخر تم الترويج لهذا العمل مراراً وتكراراً كحكاية أبٍ يحاول إعادة الود والتواصل مع إبنته الجافية ، لم تمضِ عشر دقائق من الفيلم حتى وجدت فيه شيئاً مختلفاً ، منذ لقائهما الأول ستعرف أن الود موجود والتواصل حاضرٌ ، وأن ما تفعله مارن آده هنا هو أن تضع هذه الحكاية البسيطة مجرد واجهةٍ لتشريحها العظيم لصراع جيلين / عقليتين على طرفي الفجوة الإجتماعية المهولة التي تحدث الآن في أوروبا المعاصرة .

الفيلم الفائز بجوائز أكاديمية الفيلم الأوروبي الخمس الكبرى (لأول مرة في تاريخها) يعرض حكاية مدرس موسيقى متقاعد يدعى وينفريد كونرادي يسافر بعد وفاة كلبه من ألمانيا إلى رومانيا ليقف عن قرب على الحياة البائسة لإبنته إينس كونرادي المستشارة الإقتصادية لإحدى الشركات العابرة للقارات التي تعمل في مجال الطاقة ، عندما يجد نفسه يغرّد خارج إيقاع حياتها يتظاهر بمغادرة البلاد قبل أن يعود من خلال شخصية توني إيردمان ، مدرب التنمية البشرية والسفير الألماني في رومانيا ، يطاردها من مكانٍ لآخر ويمارس عليها بإصرار مزحاته السخيفة ومقالبه غير الظريفة محاولاً دفعها لكسر قسوتها المفتعلة تجاه حياتها الخاوية .

إفتتاح مارن آده فعالٌ جداً : ثلاثة مشاهد متتالية تعرض لك – قبل أن تستبق الأمور – أن ما سيقوم به وينفريد مع ابنته لاحقاً ليس محاولة إعادة ودٍ أو تواصل ، وينفريد منذ مشهده الأول يمارس ما يفعله مع الجميع ، إبنته ليست محور مزحاته أو دافعها ، في المشهد الإفتتاحي يتظاهر أثناء استلامه طرداً بريدياً بأن الطرد موجّهٌ لشقيقه الذي غادر السجن مؤخراً قبل أن يتنكّر ويطلّ في هيئة شقيقه ليتسلّم الطرد ، في المشهد الذي يليه يخبر تلميذه الطفل بأنه (إشترى البيانو فقط من أجل أن يقوم بتعليمه) ، يمارس مزحاته عندما يزور والدته ، كما يفعل في الحفل المدرسي أو في حفل عيد الميلاد المبكر لإبنته ، مارن آده منذ اللحظات الأولى لفيلمها تؤسس بشكلٍ جديٍ لهذا الوتر المهم في شخصية بطلها : رجلٌ يريد من العالم أن يأخذ الحياة بجدية أقل ، تريدك آده أن تفهمه لا أن تتعاطف معه ، وعندما تدفع هذا العنصر في صميم علاقة الأب بإبنته تجعله يبدو بوضوح تجربةً حياتيةً استخلصها وينفريد ويريد أن ينقلها لإبنته ، هذا صراع أجيال في أوروبا المعاصرة وليس حكايةً ساذجةً عن أبٍ يريد مد جسور الود مع ابنته ، منذ لقائهما الأول تكثف مارن آده على الفرق الواضح بين طرفي العلاقة : (مدرس موسيقى متقاعد) ، و (مستشارةٌ اقتصاديةٌ في شركةٍ عالميةٍ للنفط) ، (ديونيسوس) و (آبولو) وجهاً لوجه ، منذ لقائهما الأول ستجد الود الموصول في ملامحهما ، في الواقع : لا يوجد أصلاً ما يحتاجه وينفريد ليتواصل مع ابنته سوى أن يتوقف فقط عن مزحاته السخيفة ، ذلك كل ما يحتاجه ، بالرغم من ودية اللقاء إلا أن وينفريد لا يعرف ما الذي تقوم به ابنته وما الذي تجنيه فعلاً من ذلك لأنه لا يرى جدوى ذلك في ملامح وجهها البائسة وهي تتلقى الإتصال الهاتفي تلو الآخر أو تدّعي أنها تفعل في أحيانٍ أخرى ، جهاز الضغط ينذره بإرتفاع ضغطه عندما يلتقيها مطلع الفيلم ، علاقته بها – على مدار الفيلم – توتره أكثر مما توترها ، على مدار هذه الرحلة الماراثونية وفي كل مشهدٍ يبدو بأن أحدهما يقسو على الآخر لا يكون ذلك حقيقياً ، عندما تتوتر إينس يكون ذلك لأن تصرف والدها لا يطاق ، وعندما يحزن وينفريد يبدو واضحاً أنه يحزن عليها وليس منها ، لا يحدث أصلاً ما يحزنه – خصوصاً من قبلها – عندما يغادر مثلاً حفلة التعري هائماً في الشارع ، مارن آده – مثلما فعل كريستي بويو في رائعته The Death of Mr. Lazarescu قبل عقد - تستخدم حكايتها البسيطة ، والتباين (المادي / المعنوي) الكبير بين شخصياتها ، وكوميدياها المتطرفة ، ورومانيا ، لتقدم تعليقها الإجتماعي على أوروبا المعاصرة في السنوات القليلة الماضية حيث أكبر فجوةٍ حدثت – ربما في التاريخ كله – بين جيلين ، أحدهما كان يعمل من أجل أن يوفّر له عمله سبيلاً نحو السعادة ، وجيلٍ آخر لا يرى في السعادة أكثر من مجرد (كلمةٍ قوية) تستخدم لإلقاء المحاضرات.


أفلام (التعليق الإجتماعي) صعبةٌ عموماً ، لا يمكن إعتبارها دراسةً سلوكية ولا يمكن في الوقت ذاته اعتبارها أفلام حبكات ، هي تسبح في مساحةٍ ما في المنتصف قد لا يستسيغها الكثيرون ، ومارن آده تستخدم لذلك التعليق شخصيتين متباينتين جداً ، الأب فنان ومتقاعد ومتفرغ ولا يجد ما يقوم به فعلاً وشريكه الوحيد في المنزل توفي منذ أيام ، والإبنة تعمل في البيزنس وتسافر كثيراً ولا تجد الوقت الكافي للقيام بأي شيء ورفيقها الحقيقي الوحيد هو هاتفها المحمول ، ثم تكثّف على جعل الفجوة (فكرياً / عاطفياً) تبدو أوسع شيئاً فشيئاً مع الإصرار المحموم لدى الأب في فرض منطقه وفلسفته على حياة ابنته ، مشكلة إينس في الحكاية هو ليس تواصلها مع والدها – الذي لم يهتز في أي مرحلةٍ من الرحلة – وإنما في تواصلها مع السعادة والمتعة في حياتها ، كل ما يريده والدها هنا هو أن تأخذ حياتها بجديةٍ أقل ، ذلك فرقه الوحيد عنها بالرغم من أنه ليس أفضل حالاً منها ، الأب يمارس تهريجه مع الجميع (إستلهمته آده من مزحات والدها ومقالبه) ولا يستطيع هو ذاته في كثيرٍ من الأحيان التخلص من نتائج مزحاته (إستئجار إبنة ، ضياع مفتاح القيود ، خلع رأس القناع ، طرد عامل النفط) ، عندما يحل ضيفاً على إينيس تعرض عليه سكرتيرتها بعض أسماء الفنادق للإقامة ، لكنه لا يرى في نفسه أكثر من مجرد (أب) ، (عروض فنادق أفضل) لا تجعله شيئاً غير (الأب) ، هذا الصراع المادي / المعنوي بين الجيلين تؤكد عليه مارن آده في المشهد ذاته من خلال شخصية السكرتيرة آنكا ، آنكا هي نسخةٌ مبكرةٌ عن إينس ، نسخةٌ غضة وطرية عن فتاةٍ تعمل لتحقق ذاتها ، سؤالها الأهم لمديرتها هو (هل أنتِ راضيةٌ بشكلٍ عام عن عملي ؟) ، لا تتورع عن فعل أي شيء ، ترتدي قميصاً ملوثاً بدم اصبع مديرتها وتكون أول من تمتثل للحضور عاريةً إلى الحفلة ، في لقائها مع وينفريد عند وصوله إلى رومانيا تستخدم كلمة (أداء) للتعبير عن عملها وهي كلمةٌ لا تفلت من وينفريد الذي يحاول إيجاد الفارق بين ابنته التي (تعيش) وابنته التي (تؤدي).


هذا التشريح الإجتماعي للفجوة بين الجيلين تضعه مارن آده في إطارٍ (مكانيٍ) مناسبٍ جداً : رومانيا (وليس ألمانيا حيث بلد الشخصيتين ، وليس سنغافورة حيث العمل الذي ينتظر إينس) ، (Why Romania؟) سؤالٌ يطرح في الإجتماع الإقتصادي الذي تحضره إينس مع وينفريد وهو سؤالٌ يأتي في صميم الحكاية ، رومانيا البلد البرزخي في أوروبا الجديدة وحيث (أكبر مركزٍ تجاريٍ في أوروبا ولا أحد يمتلك المال الكافي للشراء) كما تقول إينس عن مركز التسوق الذي تقصده ، رومانيا التي نقلتها العولمة الإقتصادية من قوقعة الحكم الشيوعي إلى عصر الشركات العابرة للقارات ، آده تتعرض بذكاء للصراع بين ثقافة اقتصاد السوق وبلد العجائز ، وللهوة التي حدثت بين البنية الإقتصادية للبلد وبين البنية الإجتماعية عندما سارت العولمة الإقتصادية بصورةٍ أسرع بكثير من العولمة الثقافية والإجتماعية اليوم ، وحيث جزءٌ مهمٌ من حوار الفيلم يجري باللغة الانجليزية التي هي ليست لغة أيٍ من متحاوريها ، صراع ثورة التقنية / الإنتاج / العولمة في مواجهة الثقافة / الموروث / العلاقات الإجتماعية بين الأجيال (في العالم الثاني والثالث كله / رومانيا نموذجاً) ، تقول إحدى الشخصيات في سهرة جمعت إينس بزملائها بأن جيل الشباب الجديد في رومانيا لم يعد قادراً على فهم رومانيا بعد الآن ، تطوروا أسرع مما تطورت البلد ، مارن آده تستخدم (المكان) لتتحدث عن هذه الفجوة بين شخصيتيها الرئيسيتين ، وهي الفجوة التي سيصر وينفريد على ردمها من خلال مزحاته ومقالبه ، وعندما يفشل فيها من منطلق (عالمه هو) سينقلها لتنطلق من (عالم إينيس) فيصبح مدرب تنميةٍ بشرية وسفيراً لألمانيا كي يقتحم عالم البيزنس الذي تعيش فيه ، وفّر لهدفه (الشكل) الذي يجعل ما يقوم به أقل ايلاماً عندما لا تستطيع إينيس تقبّله في هيئة (أفعال والدها) ، لذلك تتماهى معه بصورةٍ أكبر ، وفي مرحلةٍ ما لا نعرف تماماً هل إينيس هي من تحتاج لتوني إيردمان أم أن وينفريد هو من يحتاجه وهذا عظيم ، قبل توني إيردمان كان مدير إينس (الذي ينتمي لجيله) هو الوحيد الذي التقط واحدةُ من تلك المزحات وجاراها ثم دعاه لاحقاً إلى السهرة عندما إقترحت إينس ألا يذهب ، بعد توني إيردمان تجاوب الجميع معه وتقبلوا تطفله وحماقاته ، إينس على الطرف الآخر من الفجوة تعاني فعلاً في عملها ، ما يفترض أن يكون وسيلةً لسعادتها يصبح مصدر قلقها ، في سهرة العمل تصف ما تقوم به بشكلٍ خاطىءٍ أمام المدير التنفيذي وتبدو بوضوح طموحةً أكثر من اللازم وهو شيءٌ يلتقطه والدها قبل أن تلتقطه هي ، مع هذا المشهد تكون مارن آده قد بنت – خلال نصف ساعة – الملامح الأساسية لطبيعة الصراع الذي يحكم علاقة أبٍ بإبنته ، المشهد مكتوبٌ بشكلٍ جميلٍ ، هادئٌ لكنه يبعث على التوتر ، تشعر بشعور كل شخصيةٍ فيه وكأنما قد عاشتهم مارن آده فعلاً ، تختمه على إمتداد لقطةٍ لنصف دقيقةٍ أخرى صامتة لكن فيها الكثير من الكلام .

ما قد يؤخذ على مارن آده هنا أنها استخدمت لحكايتها نموذجين متطرفين مستخدمةً الكوميديا المتطرفة وكوميديا المبالغة ، الإبنة (كنموذجٍ لجيلها) معاقةٌ على الصعيد الإجتماعي وعلى مستوى علاقاتها عموماً ، والأب (كنموذجٍ لجيله) معاقٌ عن تقبل نتائج التغير العميق الذي يجري في العالم من حوله حيث مفاهيم العائلة / العمل / الأبوة / النجاح / السعادة تغيّرت بصورةٍ كلية ، صحيح أن النموذجين خدما التعليق الإجتماعي جداً لكنهما في بعض مراحله أفقداه بعض حميميته ، مع ذلك ، وفي جميع مسارات الحكاية لا تترك مارن آده للمشاهد الميل كلياً بإتجاه إحدى الشخصيتين على حساب الأخرى وهذا يحافظ على مستوىً معين من حميمية ما يجري بينهما ويجعلنا قريبين منهم بالتساوي ، من جهة تحاول آده التمسك (والترويج) لمتعة الحياة من خلال التأكيد على قيمة (العائلة) – كما فعلت أيضاً في فيلميها السابقين – ومن ناحيةٍ أخرى تدرك أيضاً أن العالم قد تغيّر وأن أوروبا (مارن آده) مختلفةٌ في قيمها / نظرتها / أولوياتها / مفاهيمها عن أوروبا (والدها) ، مارن آده في تطرفها لا تحاول تجميل المسألة ، ننظر معها مثلاً في التعويض المبالغ به الذي تطلبه إينس من مركز التدليك – في ظل اندهاش والدها – ثم لا تحظى به بعد ذلك عندما تغادر في موعد تسوّق ، مساحات الرضى (المادية) الهشة التي لا معنى لها والتي تتعارض بصورةٍ واضحة مع نظرة والدها للمتعة والسعادة ، إينس ترى أن والدها قبل أن يعرض عليها كلماتٍ رنانةٍ كـ (السعادة) عليه أن يحظى أولاً بتصوره الخاص لها ، لا تراه يختلف عنها حتى وإن حاول أن يبدو كذلك ، لكنها بطريقةٍ ما تغفل عن حقيقة أن ما يجعل والدها غير سعيد هو كونها هي أصلاً غير سعيدة ، مشهده في مركز التسوق يتأمل والداً وإبنه يتزلجان على الجليد مؤثر ، ليس لأنه يصوّر افتقاده للحظاتٍ كهذه الآن بقدر ما يبرز شعوره تجاه ابنته التي كبرت ، شاركها الكثير من اللحظات في طفولتها ثم كبرت فهربت منه وفقدت بهجتها ، اللقطة التالية تأخذها مارن آده من خلفه وتضع مركز التسوق في العمق ، وكأنما هو يجلس أمام أكواريوم ، مسافة فاصلة وعالمٌ واسعٌ مختلف.


بالمقابل لا تترك آده لمشاهده رؤية الأمور من زاوية الأب وحدها ، بالنسبة له يبدو سؤاله المتطرف (أما زلتِ بشراً !!) مجرد تلميحٍ لضياع ابنته عن مسعى السعادة ، بالنسبة لها هذا إستنكارٌ قاسٍ ، آده تتيح للمشاهد أن يستمع لبطلتها وهي تخبر والدها عن رأيها فيه عندما يفوّت عليها موعداً هاماً : إفتقاره للطموح وإكتفاؤه بطرح النكات السخيفة والمواعظ على الآخرين ، وأن ما يفعله هو مجرد محاولةٍ لإيقافها لن يُفلح فيها ، آده عظيمة في جعل الأمور تبدو على هذا النحو : نظرة جيلٍ سابق للقيد الذي فرضته الحياة على جيلٍ لاحق (فيها الكثير من الحب ، والقليل من التنظير) ، ونظرة جيلٍ لاحق لرد فعلٍ (غير متفهّم / غيور / أناني) يمارسه الجيل السابق تجاه نجاحهم ، لم يحدث أن كانت هذه الفجوة متّسعةً – عبر التاريخ كله - في هذا الخصوص كما هي اليوم ، بعد مشهد المواجهة هذه – يُفترض قياساً لما تم ترويج الفيلم في سياقه – أن ينتهي ذلك الود (الذي قيل بأن الأب يحاول إعادته مع ابنته) ، لكن المشهد التالي يؤكد على عكس ذلك ، يقفان مطولاً في انتظار مصعد ، لا شيء يحدث لكنك تدرك كل شيءٍ يحدث بفضل أدائين عظيمين من هولر وسيمونشك ، هولر يجب ألا تجعلنا نفقد في إينيس – في أي مرحلة – إحساس أنها ابنة هذا الرجل وفي الوقت ذاته إحساس أنها ضجرت مما يفعله بالرغم من كل حبها له وهما احساسان متناقضان تتفنن في ايصالهما ، سيمونشك عظيم ، مزاوجته فاتنة وسوداويةٌ نوعاً ما بين أن تكون (أباً) وأن تكون (مهرجاً متطفلاً) لا تستطيع معها أن تفقد أياً منهما على مدار الحدث ، كل أحاسيس الشخصيتين تُلتقط دون حاجةٍ لبوح ، عندنا يُغادر ندرك أنه لا يغادر حزيناً (منها) وإنما حزيناً (عليها) بدليل أنه يعود مجدداً بشخصية توني إيردمان ، وعندما تتركه تكون حزينةٌ جداً عليه لدرجة أنها تبكي بحرقة.

عندما يظهر توني إيردمان لا تكتفي مارن آده بإخبار مشاهدها عن شخصيتيها ، بل تمارس ما يحدث لهم على المشاهد ، تتوازى بذكاء المشاهد الطويلة لـ (البيزنس) مع المشاهد القصيرة لـ (المتعة) التي يحاول توني إيردمان أن يضيفها بإصرار على يوميات ابنته ، آده تفعلها بذكاء ، مشاهد العمل هنا هي أكثر المشاهد (حقيقية) وهذا ما يجعلها رتيبةً ومملة بعكس مشاهد توني إيردمان (المزيفة) ، وينفريد بكل (التنكر) الذي يمارسه أكثر حقيقية من الشخصيات (غير المتنكرة) التي تحيط بإبنته ، مشهد البريزنتيشن سخريةٌ من كل ما يجري : موظفٌ يستخدم هاتفه أثناء العرض ، وموظفةٌ تغطي الدم على قميصها بواسطة شعرها ، وصراع ديكة بين عقليتين ، والكثير من الملل ، بطلة مارن آده تستنكر وضع زميلها – وعشيقها – يده على ظهرها قبل انطلاقهم في السيارة لكنها لا تتورع معه لاحقاً عن تقديم واحدٍ من أغرب المشاهد الجنسية ، رد فعل عشيقها وسرعة استجابته لطلبها يدل على أن ما يجري لا يحدث للمرة الأولى وهذه ليست مجرد نزوة إرهاق ، ربما هي جزءٌ من أفعالٍ كثيرةٍ تمارسها خارج المألوف وهو ما سيتم التأكيد عليه لاحقاً في حفلة عيد الميلاد في الذروة ، آده تراهن على (كثرة) المواقف و (تنوعها) و (تتاليها) لتمنح رحلة الأب وابنته بعض الملحمية وتخرجها خارج الإطار الضيق لعلاقة ودٍ مترنحة بين أبٍ وابنته وأراها تنجح في ذلك إلى حدٍ بعيد ، أمرٌ قد يلتمس المشاهد أثره بعد فترةٍ من المشاهدة عندما يستذكر تنوّع المواقف في هذا الفيلم وقدرتها على البقاء في الذاكرة بعد المشاهدة مهما كانت علاقته بالفيلم ككل ، في الفيلم الكثير من روح Mr. Lazarescu حيث الحكاية البسيطة التي تغلّف تعليقاً إجتماعياً عظيماً في عمقها في قالب رحلة طويلةٍ متنوعة الأحداث (الجوهرية / الثانوية كما تبدو) ، وبإستثناء فارق (النهارية) الملفتة في فيلم مارن آده هناك أيضاً الكثير من فلسفة الصورة تجمعهما : التباين الواضح في طول اللقطات ، واستخدام الكاميرا المحمولة ، وتصوير المشهد مراتٍ متعددة لإضفاء بعض الحيوية من خلال تعدد زوايا الإلتقاط (صوّرت 120 ساعة) ، وبالتأكيد يتشاركان أيضاً الإيقاع الصعب حيث مزيج الرتابة والحماس والضحك والحزن والإنتعاش والإحباط موضوعةٌ بشكلٍ متتالٍ ومتناوب.


في مرحلةٍ ما بعد ظهور توني إيردمان يصبح الفيلم في مساحةٍ قريبةٍ من تلك التي لعب فيها Lost in Translation ويبرز دور (رومانيا) في الصورة بشكلٍ أكبر ، في لحظةٍ ما من إصرار توني إيردمان على اقتحام عالم ابنته تتيح له إينيس أن يرتكب الأخطاء مع الآخرين ، تستلذ برؤية نتائج أفعاله عندما يتسبب بطرد عامل نفط ، في واحدٍ من أجمل مشاهد الفيلم تستخدم مارن آده الشخصيات الثانوية للتأكيد على قيمة شخصياتها الرئيسية ، يعرض أحد المواطنين على توني إيردمان حمامه ، يخبر رب العمل ذلك المواطن بأنهم سيقومون بتحديث كل شيء في الموقع ، عندما يخرج توني إيردمان من حمامه يعرض عليه نقوداً كمكافأة ، يرفضها الأب بإصرار لكن إبنه يأخذها بمجرد أن تعرض عليه : (رومانيا ، والمادي / المعنوي ، وصراع الأجيال) في مشهدٍ ثانويٍ عابر ، مارن آده تبتعد عن الوعظ الإجتماعي تاركةً الواجهة فقط لعلاقة أبٍ بإبنته يقولان لبعضهما كل شيءٍ عن نظرتهما لبعضهما البعض ، لكنها في خلفية كل شيء تراقب عالماً كاملاً تغيّر بالفعل أسرع مما تغيّرت العلاقات العائلية التي ما زالت تقاوم وتقاوم ، تدرك من خلال رحلة بطليها (الشخصية جداً بالنسبة لها) أن عجلة الزمن لا تدور للوراء ، لكننا مع ذلك نحتاج فقط لتلك اللحظات المختلسة الفقيرة التي لا معنى لها لكنها بصورةٍ ما تجعلنا أقرب حتى وإن لم تستمر ، لحظةٌ كتلك التي تجلس فيها إينيس لتلوّن بيض الفصح ، أو تلك التي نشاهدها أثناء غناء إينيس بمرافقة والدها ، لحظة لا نرى فيها سوى مدرس الموسيقى مع طفلته التي لا بد غنت برفقته مراراً تغني فيها مجدداً للأطفال ، أو تلك التي تحدث في حفل عيد ميلادها حيث إينيس (تتجرّد) ووالدها (يرتدي) ، عندما يغادر توني إيردمان الحفلة بزيه التنكري فتركض وراءه بينما طفلةٌ صغيرةٌ تسبقها لملاعبته ، تضع مارن آده ثلاثتهم في خطٍ واحد ، وكأنما إينيس تقفز في الزمن (حيث الطفلة في المنتصف) لتحضن والدها في أجمل مشاهد الفيلم .

ينتهي الفيلم – كما بدأ – على لقاءٍ بين جيلين يقفان هذه المرة أمام جيلٍ ثالث يرقد في تابوت ، وينفريد لا يريد لإبنته سوى أن تسمح لبعض المتعة بالدخول إلى حياتها ، لحظاتٌ مسروقةٌ من الزمن تتخلى فيها عن (أداءها) من أجل أن تحيا قليلاً ، إينيس في حفلة عيد الميلاد المبكرة في البداية لا تختلف عن إينيس في حفلة العزاء في الختام ، ستغادر بعد أيامٍ لتبدأ مشواراً جديداً في سنغافورة ، لكنها ربما بدأت تدرك أن بإمكانها ان تلتقط تلك اللحظات المسروقة التي يروّج لها والدها ، والفيلم ينتهي على لحظةٍ مسروقة تضع فيها طقم أسنان والدها وتبتسم ، واحدٌ من أجمل أفلام العام .

التقييم من 10 : 9