الثلاثاء، 13 مايو 2014

Wake in Fright

كتب : عماد العذري

بطولة : غاري بوند ، دونالد بليسنس ، جاك تومسون
إخراج : تيد كوتشيف

قبل أكثر من أربعة عقود ذهب المخرج الكندي العامل في أستراليا تيد كوتشيف بثاني أعماله السينمائية إلى مهرجان كان السينمائي الدولي مرشحاً للتنافس على السعفة الذهبية ، حظي فيلمه بحماسٍ نقديٍ ملفتٍ تعزز بعروضٍ خاصةٍ ممتازةٍ نالها في فرنسا و أستراليا و بريطانيا و الولايات المتحدة بالرغم من أن ذلك الإحتفاء النقدي لم يترجم مادياً بما فيه الكفاية لإعتبار الفيلم ناجحاً .

كانت هذه أبسط المصائب التي تعرض لها ، فجأةً و بعد بضعة أشهر تعرّض الفيلم لكارثةٍ بفقدان جميع نسخ النيجاتيف الخاصة به ، و بحلول مطلع التسعينيات كانت هناك نسختان فقط على وجه الأرض لهذا الفيلم ، و كانتا في حالٍ يرثى لها تعذر معها طرح الفيلم على أشرطة الفيديو ، و لأكثر من ثلاثة عقودٍ كاملة بقي هذا الفيلم (التحفة المفقودة للسينما الأسترالية) و واحداً من قلةٍ من الأفلام المهمة المفقودة في عصور السينما الحديثة ، حتى جاء يومٌ من أيام 2004 وجد فيه رجلٌ في مستودعٍ ضخم في بيتسبرغ الأمريكية صندوقاً يحتوي أدواتٍ معدةٍ للتخلص منها ، فتح الصندوق ليكتشف أن ما بداخله هي النسخة الوحيدة الكاملة من هذا الفيلم ، و بجهود مؤسسة مارتن سكورسيزي و المجلس الوطني للفيلم الأسترالي تم اعادة اطلاق الفيلم في عرضٍ خاص أداره مارتن سكورسيزي في دورة 2009 من مهرجان كان السينمائي الدولي أصبح بها واحداً من فيلمين فقط عرضا في دورتين مختلفتين ضمن أقسام المهرجان ، قبل أن يحظى بإطلاق رسميٍ على أقراص الديفيدي في وقتٍ لاحقٍ من العام ذاته ، قصةٌ لا تصدق أعادت كلاسيكيةً سينمائيةً إلى الحياة بمعجزة !

الحكاية - التي تقتبس روايةً لكينيث كوك في سيناريو لإيثان جونز - تسرد قصة جون غرانت ، مدرس لغةٍ إنجليزية في بلدةٍ أستراليةٍ صغيرةٍ تدعى تايبوندا ، يسافر في عطلة المدارس للقاء حبيبته في سيدني ، في الطريق ينزل للمكوث ليلةً واحدةً في بلدة بوندانيابا (أو يابا كما يسميها سكانها الذين يعتبرونها جنة الأرض) ، تلك الليلة الوحيدة لن تكون كأي شيءٍ آخر عاشه غرانت من قبل .

هذا فيلمٌ عظيم ، بالنسبة لي أوقن بذلك عندما تبقى ملامح الفيلم مرسومةً في ذهني لأيامٍ طوال بعد المشاهدة ، و منذ شاهدته أول مرة أواخر العام الماضي حتى إعادتي له منذ أيام بقيت كل ملامحه تراودني من حينٍ لآخر ، في هذا الفيلم يقدم كوتشيف حفراً دقيقاً و بالغ الذكاء في الطبيعة الإنسانية لهذا العالم الوليد المسمى أستراليا ، صورةٌ قاتمةٌ و نبوئيةٌ له ، البلد الناشيء الذي انتقل بسرعة من فترة المستعمر إلى ذروة الرخاء الإنساني ، يابا في الفيلم هي أستراليا ، فردوس الأرض المفقود ، الذي يحلم الجميع بالقدوم اليه ، و إذا ما قدموا يستصعبون الرحيل عنه ، نظرةٌ ذكيةٌ يقدمها فيلم كوتشيف في الرجل الأوروبي الذي وطأ أحدث مكتشفات الجغرافيا الكبرى ليصنع جنته الخاصة ، أو جحيمه الخاص ، لا فرق .

يفتتح كوتشيف فيلمه بلقطة 360 درجة لمحيط بلدة تايبوندا التي يقطنها جون غرانت ، الفراغ و العزلة و اللاشيء يمتد على مسافة أميال ، عزلةٌ توازي عزلة القارة الأحدث على وجه الأرض ، تايبوندا هي مجرد مدرسةٍ و فندق و محطة سكةٍ حديدية في أمرٍ لا يخلو من دلالةٍ ضمنية ، غرانت وجد نفسه هنا عبداً لنظام التعليم الأسترالي ، عبداً بالمعنى الحرفي للكلمة ، حيث يقتضي الأمر دفعاتٍ لا تنتهي من الأقساط لرد ضمان 1000 دولار أسترالي أنفقتها الدولة على تأهيله كمدرس بالرغم من رغبته الدفينة أن يصبح صحفياً في يومٍ من الأيام ، يابا بالنسبة له أول الأمر لا تختلف مطلقاً عن تايبوندا ، التجمعات السكانية الصغيرة التي ملأت هذه الأرض البكر ذات الندرة السكانية ، صحيح أن ما يقال عن جنة يابا يبدو مغرياً إلى حدٍ ما ، إلا أن النص لا يحاول إخراج ذلك بعيداً عن الكلام و الأقاويل التي يتناقلها البعض للترويج للبلدة ، حتى عندما يدخلها غرانت و يلتقي بأول شخصيةٍ (ودودةٍ) فيها ، لا يحاول النص إخراج علاقته بالشرطي خارج نطاقها ، مجرد شرطيٍ في فترة استراحته يحاول تقديم طقوس الضيافة المعتادة (أو غير المعتادة) لضيف جديد على البلدة سيقضي فيها ليلةً واحدةً قبل التوجه إلى سيدني ، النص لا يخرج تلك العلاقة عن ذلك الإطار بالرغم من الإحساس بالريبة الذي تدفعنا إليه حميمية الشرطي المبالغ بها ، و عندما يخبره رجلٌ ما على طاولة العشاء المجاورة متحدثاً عن صالة القمار المجاورة التي يفقد فيها غرانت كل ما يملك (كل الشياطين الصغيرة فخورةٌ بالجحيم) لا تبدو العبارة – بالرغم من حس القلق الذي تحمله – أكثر من عبارة رجلٍ غير متزن كما يبدو لنا ، حتى ذلك القلق سرعان ما يمكن قولبة منشأه ضمن الفكرة المسبقة التي شكلناها عن سكان البلدة الودودين و اهتمامهم المبالغ به بحسن الضيافة .

بعد ذلك سرعان ما تتجلى براعة كوتشيف في الإنزلاق بذلك الإحساس نحو صنع حالةٍ كابوسيةٍ مكتملة المعالم دون الحاجة لتوظيف مفرداتها التقليدية حيث اللعب على الأجواء و مستوى الإضاءة و حركة الكاميرا بالرغم من أنه بارعٌ فعلاً على هذا الصعيد ، كوتشيف يرتكز بشكلٍ أساسيٍ في عمله على طبيعة الشخصيات التي يقدمها ، و النبرة التي يجعلها تتعامل بها مع من يحيطون بها ، يولّف ذلك مع اللون الشمسي الذي يصبغ الصورة كلها ، و المونتاج الذي يزاوج على مدار الفيلم بين اللقطات الثابتة ذات القطع المتناوب و اللقطات المتحركة دون قطع ، هذا التناوب يعمل على غمر المشاهد في الحالة الكابوسية فيشعر بالإحتجاز تماماً كما البطل ، دون أن يشعر المشاهد في الوقت ذاته بحتمية مغادرة المكان ، يجعلك تستمر في متابعة الأمر حتى النهاية ، و في الوقت ذاته يحقق من خلال ذلك ضبطاً عالي المستوى للإيقاع الهستيري للحدث ، إحساسك هنا - مع كل كأسٍ يشربها الرفاق - بالقرف و النفور و القذارة و بالرطوبة المستعمرة للجو هو احساسٌ يتدرج بذكاء و لا يخطيء ، إحساسك برغبة أن تخرج الكاميرا إلى الخارج قليلاً لتنشق بعض الهواء المنعش حقيقيٌ جداً ، كل ذلك لا يلبث أن يتطور تدريجياً إلى حالةٍ من الضيق و الإكتئاب تجسد في هذه البلدة الصغيرة – يابا - سجناً حقيقياً يجب الخلاص منه.

في العمق تبدو روح العمل – و ربما الرواية التي لم أقرأها – حالة استنساخٍ لكلاسيكية جوزيف كونراد الأدبية Heart of Darkness حيث رجلٌ ينزلق في رحلةٍ مجنونةٍ تختبر شروره و وحشيته المختبئة ، مشاهدة مدرسٍ ينزلق هنا في عمق الإنحطاط لا يبدو شيئاً سهلاً على الورق ، لكن حالة الإحتجاز التي يحققها النص و الإخراج و الجو الكابوسي الذي يخدمها يجعل ذلك ممكناً و حقيقياً على الشاشة و يختزل كل ما يراد قوله هنا عن أستراليا ، الأرض البكر المغرية ، جنة الله على الأرض ، التي لا يبدو الوقوع في فتنتها أكثر من رحلة انحطاط نحو الجحيم البشري ، القاسي في الحكاية أن تدهور جون غرانت نحو الوحشية لا يترافق مع انعدام الضمير ، يكاد يكون العذاب الأكبر للبطل هنا هي رغبته المتكررة إيقاف تلك الدوامة و عجزه عن ذلك ، حتى عندما يحاول مغادرة يابا مع سيارة أجرة يجد نفسه يعود – بالخطأ – إليها ، و ما أن يرتد قليلاً إلى الخلف حتى يدرك كابوسية و قسوة ما حدث .

تلك الوحشية و القسوة و الكابوسية تصل ذروتها في مشهد صيد الكانغارو ، واحدٌ من أقسى المشاهد السينمائية التي ستشاهدها في حياتك و أكثرها إثارةً للأسى ، عندما عرضت النسخة المرممة من الفيلم في كان 2009 غادر إثنا عشر شخصاً العرض أثناء هذا المشهد المؤلم الذي نفذه صيادون حقيقيون برخصةٍ رسميةٍ كما يقول التنبيه في ختام الفيلم ، تجسيدٌ قاسٍ لجنون الحضارة الزاحف على كل ما هو جميلٌ و طبيعيٌ و فطريٌ و نادرٌ في حياتنا ، مشاهد مؤلمةٌ و نبوئيةٌ جداً في مآل العالم المعاصر ، حيث الرخاء – ممثلاً بجنة يابا – يقود العالم نحو الجنون الذي لا رادع له ، دون هدف ، و دون عاطفة ، مجموعةٌ من المهووسين يصيدون أندر مخلوقات القارة لمجرد التسلية ، لا يشعرون حتى بالمتعة الحقيقية الصافية للصيد ، الكانغارو هنا هو جون غرانت ذاته ، كل شيءٍ جميلٌ و طبيعيٌ فيه ، تبدو الصورة حالةً من الجنون المحض لا تختلف كثيراً عن حالة (الضيافة) المجنونة التي منحت له كأي غريب ، و عندما يطعن غرانت الكانغارو من أجل نوبة استفزازٍ ذكوريةٍ من الرفاق ، يكون هو في الواقع من يتلقى تلك الطعنة ، كل شيءٍ خام و فطريٍ فيه هو من يتلقى تلك الطعنة .

 يذكرني هذا الفيلم كثيراً – في حالة الإحتجاز التي يصورها – بفيلم Midnight Express ، قطعةٌ نادرةٌ عن مقدار صلابة و قوة القوقعة التي يستطيع الإنسان الإحتماء بها عندما يجد نفسه فجأةً في المكان الخطأ ، و التوقيت الخطأ ، و مع الأناس الخطأ ، الذين يمارسون الفعل الخطأ ، و صورةٌ قاتمةٌ للرجل الأوروبي يسيّر هذه الأرض البكر بالكثير من المال ، و الفراغ ، و الغرائز ، و الجنون ، و الذكورية ، الأسترالي الكبير بيتر وير يقول أنه تأثر كثيراً بهذا العمل مع انطلاق مسيرته السينمائية المظفرة ، نِك كيف الموسيقار و السيناريست الأسترالي المعروف يعتبره (أفضل و أكثر الأفلام رعباً عن أستراليا) ، و ريكس ريد قال عنه في مراجعته بأنه قد يكون (أعظم فيلمٍ استراليٍ على الإطلاق) ، و لا أعلم تماماً إذا ما كان بإمكاني أن أؤيده في رأيه بوجود روائع Walkabout و Mad Max 2 و Picnic at Hanging Rock و Rabbit-Proof Fence و Breaker Mornat ، لكنني أرى فيه فيلماً بالغ الأساسية ، يجب على كل بلدٍ أن تحذو حذو أستراليا و تنتج فيلماً مماثلاً يسبر كوابيسها الخاصة على أعتاب جنون الحضارة الجديدة الزاحفة من كل صوبٍ بإتجاهها . 

التقييم من 10 : 10