الأربعاء، 18 سبتمبر 2013

My Neighbor Totoro

كتب : عماد العذري

بأصوات : نوريكو هيداكا ، تشيكا ساكاموتو
إخراج : هاياو ميازاكي

لا أتذكر أنني أحببتُ هذا الفيلم عند مشاهدتي له أول مرةٍ قبل أعوام ، ربما لذلك أسبابٌ سأذكرها لاحقاً ، لكن ما يهمني هنا في مقدمة حديثي عنه هو الإشارة إلى أن ذلك لم يحدث معي في أيٍ من أفلام ميازاكي ، ربما تحفظت على بعض تفاصيلها ، أو لم أستسغ جزئيةً معينةً فيها ، لكن لم يحدث أن مررتُ بحالةٍ من الجفاء تجاه فيلمٍ لميازاكي كما حدث لي مع توتورو .

في الواقع لم يستمر ذلك طويلاً ، هي مشاهدةٌ واحدةٌ قررت أن اعطيها له بعد سنوات و كانت كفيلةً بأن أنظر له نظرةً مختلفة ، تلك المشاهدة لم تغيّر في قناعاتي السينمائية شيئاً قدر ما غيّرت من الطريقة التي تقبّلت بها العمل و الطريقة التي أعتقد بأن ميازاكي أراد من مشاهده أن يتقبّل بها العمل ، كان هذا الفيلم ثاني أفلام ميازاكي مع ستديو غيبلي الذي شارك في تأسيسه ليرسّخ من خلاله صورةً مختلفةً لفن الأنيمي غزا بها كوكب الأرض و فرض مما بات يعرف بـ (الميازاكية) فناً مستقلاً قائماً بذاته و له طقوسه و مريدوه ، صحيح أن ميازاكي بقي متفرداً حتى ضمن نطاق الاستديو على اعتبار أن بقية الأعمال التي أنتجها غيبلي دارت في فلك ميازاكي ، إلا أن ذلك التفرّد الذي بدأ في الواقع عقب النجاح المدوي لباكورة الميازاكية Nausicaa قبل أربعة أعوام ، ثم الإستقبال الجيد لباكورة أعمال غيبلي Castle in the Sky لم يكفل للرجل أن يقدّم عمله هذا مراهناً على إسمه وحده ، فأطلق الإستديو هذا الفيلم ضمن عملٍ مزدوجٍ ضم إلى جواره تحفة إيساو تاكاهاتا و مأثرته الأشهر Grave of the Fireflies مستغلاً قصر مدة فيلم ميازاكي (الأقصر في مسيرته كلها) ، و بالرغم من حجم المديح الذي حظي به العملان عند إطلاقهما إلا أن ذلك وحده لم يكفل لهما النجاح الذي رجاه الإستديو في إنطلاقته تلك ، و بالرغم من ذلك بقي توتورو تيمة الحظ التي جلبت له الإحترام و القبول حول العالم ، تيمة الحظ التي دفعت الإستديو لإعتماده شعاراً له فيما بعد .

الحكاية عن ساتسوكي و ماي طفلتان تنتقلان مع والدهما إلى منزلهما الجديد إلى جوار غابةٍ قريبةٍ تسكنها أرواحٌ حيوانية الشكل تعرف بالتوتورو ، ماي تكتشف وجودهم و سرعان ما تصبح الشقيقتان صديقتين لتوتورو الذي ينبت لهما أشجار الصنوبر في حديقة منزلهما ، قبل أن يأخذهما في مغامرةٍ سحريةٍ لزيارة والدتهما المريضة في المستشفى .

ميازاكي لم يكتب نص هذا الفيلم فقط ، بل استثمره بفعالية لترسيخ طقوسه و نوعية الحكايات التي سيتفنن لاحقاً في سردها علينا ، في النص الكثير من عناصر ميازاكي التي تكررت حد الإشباع لاحقاً : الطبيعة ، و الغابة ، و المخلوقات الغريبة ، و بالطبع البطلة الأنثى ، القالب الذي لطالما فتننا على مدى ربع قرن بدأ هنا في الواقع ، صحيح أن Nausicaa كان هو ضربة الإفتتاح على هذا الصعيد ، لكن ميازاكي لم يضمّن في Nausicaa ذلك الكم من الروحانية و الإرتباط بالموروث الثقافي الياباني كما فعل في Totoro ، هذا من ناحية ، و من ناحيةٍ أخرى أرى في حكايته تمهيداً بعيداً لما حققه الرجل في تحفته الأعظم Spirited Away ، أو ربما مرحلةً انتقاليةً لأليس اليابانية التي انزلقت في جحر الأرنب ، مرحلةً إنتقاليةً لأن فتاتيه تنزلقان في عالم توتورو الساحر بذات المقدار الذي تبقيان مرتبطتين بعالمهما الحقيقي ، و هذا لم يتحقق لشيهيرو في Spirited Away ، ربما كان توتورو بالون اختبارٍ لواحدٍ من هواجس ميازاكي الذي نمى على مدى أعوام ليثمر بعد أكثر من عقد حكايته الأكثر اكتمالاً و براعةً و عظمة .

عملياً الفيلم بدون حبكةٍ تقريباً ، و لا يمكن اعتباره مغامرةً بأي حالٍ من الأحوال كحال أفلام ميازاكي الأخرى القائمة على ما يعرف بالـ Three Acts ، و ربما تكمن هنا مشكلتي معه في المشاهدة الأولى ، الحكاية لا تسير وفقاً لتخطيط معين ، هي فقط دعوةٌ لإستكشاف و مراقبة الجزء الغريب و الخفي و الغير قابل للإستذكار و الخصب جداً من الطفولة ، مقدار ما يشكّله الوعي الباطن و الخيال من حجم ما نعيشه فعلاً في تلك الحقبة العمرية ، و زيارة المستشفى في الختام تحاول برأيي منح الحكاية ما ينقصها ، الحبكة ، من خلال تقديم الـ Third Act ، صحيح أنه يبدو بسيطاً جداً و يحصل على أهميته و قيمته بشكلٍ مباغت و هو أمرٌ آخذه عليه بشدة ، إلا أن ميازاكي ينجح الى حدٍ ما من تجاوز ذلك المأزق من خلال تمهيدٍ يستثمر اختفاء مي المفاجيء و مرحلة البحث عنها ، و مع الوقت قد تتصالح مع هذه الجزئية إن رغبت بذلك ، خصوصاً و أن نهايتها السعيدة لا تُقدّم لنا أساساً كهدف منذ البداية ، و مردّ ذلك برأيي ينبع من كونه فيلم ميازاكي الوحيد الذي يخلو من أي شخصيةٍ شريرةٍ أو سلبية الأمر الذي يجعل من بناء حبكةٍ ثلاثية الحركات شيئاً مفتعلاً إلى حدٍ ما ، حتى مرض الأم في هذه الحكاية يبدو مطمئناً و غير مثيرٍ للقلق ، و ربما هذه الجزئية المتعلقة بخلو العمل من الشرير و السلبي هي ما لطّفت لدي كثيراً من إستقبال الفيلم و التعامل معه في المشاهدة الثانية ، في الواقع لا يصنع ميازاكي فيلمه ليأخذنا في مغامرة كما فعل قبل أربعة أعوام في Nausicaa (أفضل أفلامه برأيي على صعيد الحبكة) أو حتى كما فعل في Castle in the Sky ، هو يريد فقط أن يتكلّم في أقصر وقتٍ ممكن عن براءة الطفولة ، و الإيمان ، و الصديق الخفي الذي نجده إلى جوارنا على الدوام ، من هذا المنظور تحديداً أقدّر العمل كثيراً خصوصاً و أنه يتكلم عن براءة الطفولة دون الوقوع أو الإنزلاق في قالب قصص النضوج الذي قد يبدو فجاً و مصطنعاً جداً بالنظر لغياب الشخصية الشريرة أو الظروف السيئة التي عادةً ما تحرك تيار النضوج في الشخصية المحور ، هو يحفّز تلك البراءة من خلال ربطها بالخيال الخصب الذي يستحوذ علينا في مرحلة الطفولة و يقرن تلك الجزئية بالعالم الجديد الذي تحاول الفتاتان استكشافه ، لذلك هو يصمم الحدث استناداً لعملية انتقال العائلة إلى منزلٍ جديد و كيف يبدو ذلك تحدياً و استفزازاً قوياً لمخيلة الطفل و لروح الإستكشاف التي تستحوذ عليه ، ثم يغلّف تلك البراءة بالإطار الذي يليق بها و يدعمها ، فنرى العائلة المحبة و الجيران المتعاونين و التوتورو و الباص القط ، كل عناصر الحكاية لطيفةٌ و ودودةٌ و تأسر شيئاً من جمال ما قد نستذكره في الطفولة ، مع القليل طبعاً من إثارة ميازاكي التي اعتدناها و سنعتادها ، خصوصاً في مشاهد استكشاف المنزل أو في المشهد الأيقوني للفتاتين تنتظران باص والدهما تحت المطر إلى جوار توتورو .

أعمق من ذلك أرى في البهجة التي ينشرها الفيلم شيئاً مختلفاً ، هي هنا ليست فقط ما نحصل عليه من الحكاية ، بل هي أيضاً الشعور الذي يحكمها و تقوم عليه أحداثها ، الإنتقال الى المنزل يبدو مبهجاً للفتيات ، رؤيتهن لكرات السخام (التي ستبقى معنا حتى نشاهدها مجدداً في Spirited Away) تقوم أيضاً على البهجة بدلاً من الخوف ، و الأمر ذاته ينطبق على رؤية توتورو في أكثر من مناسبة ، ثم على رؤية الباص القط ، الفيلم تحكمه ردود أفعالٍ قائمةٌ في جوهرها على البهجة التي لا تكتفي هنا بأن تكون الطاقة التي سنحصل عليها من الفيلم ، بل هي عاطفة الفيلم و روحه و عمقه أيضاً .

و بالتأكيد هناك التخمة من ميازاكي ، طبعاً يبدو العمل شيئاً مبكراً جداً لما اعتدنا أن ننتظره منه ، لكن لحظاته البسيطة ما زالت عالقةُ بذاكرتي بالرغم من مرور السنوات ، استذكر مرحلة استكشاف المنزل ، و اللقاء الأول بتوتورو ، و الليلة التي يملأ فيها توتورو الحديقة بالأشجار ، و بالطبع المشهد المطري في انتظار حافلة الأب ، أستذكر ذلك كما شاهدته أول مرة ، الفيلم مريحٌ جداً للبصر و يبدو رداً مباشراً من خلال الصورة على باكورة أعمال الميازاكية Nausicaa التي قدمت صورةً مختلفةً لعلاقة ميازاكي الحميمية بالطبيعة ، الطبيعة في توتورو مبهجة و كل ما فيها يبعث على الألفة على عكس الطبيعة الكئيبة و المضطهدة في Nausicaa ، عندما نعثر على توتورو يراودنا شعورٌ مختلفٌ و مناقضٌ لشعورنا تجاه حيوانات الأوم في Nausicaa ، يأخذ ميازاكي من الطبيعة أجمل ما فيها و أكثره حميمية ليعوض إلى حدٍ كبير من بساطة حكايته و انعدام حبكته و ليغذي محورها القائم على استكشاف براءة الطفولة و روح البهجة التي تحملها .

توتورو هو كل شيءٍ جميل زارنا في الطفولة و فقدناه عندما كبرنا كما تقول أغنيته الجميلة في الختام ، فيلمٌ عن الجانب الخفي و الخصب في الطفولة ، العوالم التي نعيشها و نتوحد معها ثم لا نلبث ننساها بمجرد أن نكبر .

التقييم من 10 : 8.5