الأربعاء، 6 مارس 2013

The Master

كتب : عماد العذري

بطولة : واكين فينيكس ، فيليب سيمور هوفمان ، أيمي آدامز
إخراج : بول توماس أندرسون

لو طلب مني أن أختار اسم مخرجٍ واحدٍ من أبناء جيله أضعه في تصورٍ مستقبليٍ شخصي ضمن عظام هوليوود أمثال هيتشكوك و كيوبريك و وايلدر و سكورسيزي و وايلر و سبيلبيرغ فسأضع دون تردد بول توماس أندرسون ، ستة أفلامٍ فقط أخرجها الرجل لكنها كافيةٌ بالنسبة لي لأضعه في مرتبةٍ كهذه ، صحيح أن كلاماً كهذا يبدو مبكراً جداً ، لكن موهبة الرجل بنظري تليق مستقبلاً بتلك المراتب فعلاً .

في فيلمه السادس الذي منحه جائزة أفضل إخراج من فينيسيا و منح ممثليه فينيكس و هوفمان جائزة أفضل ممثلٍ مناصفة يراقب معنا بطله فريدي كويل مجند البحرية الأمريكية الذي انتهى للتو من فترة خدمته في الحرب العالمية الثانية ، يراقب حياته العابثة و هوسه الجنسي و فورات الغضب اللامبرر التي تعتريه من حينٍ لآخر ، قبل أن تقوده احدى لياليه الصاخبة ليجد نفسه على متن مركبٍ يبحر بإتجاه لوس أنجلوس ، هناك يلتقي بلانكستر دود و تبدأ رحلة الرجلين في عالم الآخر .

بالنسبة للكثيرين بول توماس أندرسون هو مخرجٌ ممل ، تبدو هذه نظرةً قاصرةً جداً بالنسبة لي و بالنسبة لكل من يعشقه ، صحيح أن هناك عائقاً واضحاً يفصل بين افلامه و بين الجماهيرية (بالمعنى التقليدي للكلمة) لكنني ارى – و يرى آخرون أيضاً – أن هذا الإسم هو أكثر الأسماء التي سيتم تذكرها في عالم الإخراج بين أبناء هذا الجيل (يشاركه في ذلك الأندرسون الآخر ويس و بشكلٍ أقل دارن أرونوفسكي و كريس نولان) ، ما يجذبني في بول توماس أندرسون أكثر من غيره هو أولاً قدرته الدائمة على تجاوز الحدود الزمانية و المكانية و الظرفية لشخصياته و تقديم معالجاتٍ واسعة الأطر متعددة الآفاق لتلك الشخصيات ، و ثانيها هو الإيقاع الداخلي الفريد من نوعه الذي نجده لكل شخصيةٍ رئيسيةٍ كتبها و قدمها بول توماس أندرسون ، عمله على الإيقاع الداخلي للشخصيات – وليس الإيقاع العام للفيلم – يكاد لا يجاريه فيه أحدٌ بين جميع أبناء جيله ، ما يثيرني في هذا الرجل أكثر من غيره هو الطريقة التي استطاع بها ترويض لغته السينمائية لتنزلق بذكاء في سينما خمسة مخرجين أكبرهم كثيراً : تأثره الواضح بمارتن سكورسيزي و روبرت ألتمان في أعماله الثلاثة الأولى حيث استخدام الكاميرا المحمولة الثابتة (و ليست المهتزة) و الإستخدام الملحوظ للموسيقى الحيوية المنعشة خصوصاً الروك أند رول (عمل معه هنا الموسيقار جون بريون) و طريقة تعامله مع الشخصيات المتعددة ، و استخدامه المتكرر للتصوير بالإضاءة القريبة ، و توظيفه للقطع السريع وأحياناً بتقنية القفز ، قبل أن يأتي فيلم Punch Drunk Love ليشكّل مرحلةً أنتقالية في سينما الرجل قادته في فيلميه الأخيرين There Will Be Blood و The Master لتقديم سينما متأثرة كثيراً بالسرد القصصي لتيرنس ماليك حيث إزالة الإحساس بالحواجز الزمنية و التكثيف أحادي الرؤية للأحداث ، طبعاً دون أن ينهج نهج ماليك في استخدام صوت الراوي ، و دون أن يجاري الأسلوب الإخراجي الشاعري للرجل ، بدى في فيلميه الأخيرين متشبعاً بروح ستانلي كيوبريك و جون هيوستن ، عمل على نغمةٍ داخليةٍ أهدأ للحدث ، و بتتالي سردي أبطأ ، مع شخصياتٍ أقل و أكثر محورية و أكثر حديةً أيضاً ، كثف العمل على الإضاءة الطبيعية ، و حافظ على لقطاته الطويلة لكن مع منح قيمة أقل لدور الكاميرا المحمولة ، و لجأ إلى موسيقى تصويرية أكثر طبيعية تشعر بها و كأنما هي أصواتٌ من الحياة اليومية (عمل معه هنا الموسيقار جوني غرينوود) ، و بالتالي أصبح في فيلميه الأخيرين أهدأ نغمةً و أكثر تأنياً في العمل على الشخصيات دون أن أقول بأنه أصبح أكثر خصوصية ، لذلك أعتقد بأنه من الصعب أن يتعامل المرء مع لغة بول توماس أندرسون السينمائية بسهولة ، هي مزيجٌ من مخرجين عظام دون أن تنتسب لأي أحدٍ فيهم ، و ربما تحتاج لمشاهدة أفلامه الستة أكثر من مرة لتدرك ما أقصده .

في هذا العمل الذي يجمعه للمرة الخامسة بممثله الأثير فيليب سيمور هوفمان (لم يشاركه في There Will Be Blood فقط) يستلهم بول توماس أندرسون المسيرة المهنية الغريبة لمؤسس الساينتولوجي رون هوبارد ، و بالرغم من اصرار بول توماس أندرسون على أن فيلمه هذا لا يتناول الساينتولوجي إلا أن اختيار فيليب سيمور هوفمان بالذات لدور لانكستر دود بما يمتلكه هوفمان من تشابهٍ شكليٍ واضح مع هوبارد أثار غضب معتنقي المذهب و قيل بأنه ولّد بعض الحساسية مع أشهر معتنقي المذهب النجم توم كروز ( شريكهما في فيلم Magnolia ) و إن كان توماس أندرسون قد ناى بنصه فعلاً عن التعرض لتلك العقيدة أو لأي معتقد .

للمرة الثانية يفتتح الرجل فيلمه – كما فعل قبل خمس سنوات في فيلمه السابق - من خلال مراقبة شخصيته الرئيسية ، بأقل كميةٍ من الحوار و بالكثير من لغة الكاميرا ، يستخلص لمشاهده بشكلٍ صريحٍ – على خلاف ما فعل في سلفه قبل خمسة أعوام - الصورة العامة لبطله المهووس جنسياً ، نراه يمارس الجنس مع مجسّمٍ رملي ، يستمني ، يجيب عن اختبار رورشاك بإجاباتٍ جنسيةٍ صريحة ، و يمارس الجنس مع أول فتاةٍ يعثر بها ، يبدو أندرسون في هذه المقدمة - الرائعة بحق بصرياً - غريباً نوعاً ما بالنسبة لي على اعتبار أنه لا ينهج هذا النهج المباشر عادةً ، لاحقاً يعود لعادته و يجعلنا نراقب بطله دون توجيه ، نستخلص هوسه بالشراب – يشرب حتى مخفف الطلاءات - و ربما مهارته في صنعه أيضاً ، الرحلة الموزاييكية التي نقلته من مكانٍ لآخر قبل أن يصل الى يخت لانكستر دود ، و اختلال الإيقاع الداخلي لهذا الإنسان و نوبات الغضب المجنونة التي تعتريه من حينٍ لآخر ، لا يكون من الصعب على المشاهد استخلاص أن شيئاً ما – أو أشياء ربما - قد جعلت فريدي كويل ما هو عليه اليوم ، و بالرغم من غرابة المباشرة التي يقدمها في جزءٍ من المقدّمة لا يفقد الفيلم هنا ذرةً من ايقاعه ، يبدو حيوياً و جذاباً جداً ، كما أن احساسنا بالإيقاع الداخلي المهتز للشخصية لا يخطيء .

بعدما يلتقي فريدي بلانكستر يحاول النص صناعة المنعطف الرئيس في الحكاية ، يترك بول توماس أندرسون مساحةً مهمةً في الشخصيات يتيح للمشاهد من خلالها تفسيرها و تقبلها بحيث تبدو الخطيئة و الصواب و الجمال و القبح مجرد بقعٍ هلاميةٍ فيها ، و هو هنا ينجز ذلك بأفضل صورةٍ ممكنةٍ و خصوصاً من خلال مشهد المعالجة الإستثنائي الذي لم أتردد في وضعه في مقدمة أفضل مشاهد عام 2012 ، لانكستر دود مثلاً يبدو لنا وفقاً لتلك المساحة مزيجاً من الطيبة و الإهتمام الواضح تجاه أتباعه ، و الغموض تجاه نواياه و تطلعاته ، و القسوة تجاه من يشكك به ، و حب الظهور و البروز الأجتماعي أمام الآخرين ، نراه يُستقبل كأنه ملك و يتنقل من مكانٍ لآخر على متن يخت ، في المساحة ذاتها يتركنا أندرسون لنعرف المزيد عن بطله فريدي كويل ، نشعر به يعايش ربما التواصل الحقيقي الوحيد في حياته أو على الأقل الأهم في حياته ، هو لم يشعر بهذا الإهتمام من قبل ، تبدو بالنسبة له سنوات الحرب شيئاً عظيماً على خلاف العادة ، هو لا يستطيع التأقلم تماماً مع المرحلة التي تعقبها ، لذلك هو ينبهر و يقدّر كثيراً كم التعاطف و الاحترام الذي يبديه لانكستر تجاهه و يبدو على استعدادٍ لفعل أي شيءٍ من أجله ، كالعادة يتماهى بول توماس أندرسون مع علاقته الأثيرة ( أب و إبن أو موجِّه و موجَّه ) التي قدمها في جميع أعماله بإستثناء Punch-Drunk Love دون أن يخدمها أو يغنيها بشكلٍ حقيقيٍ في علاقة لانكستر دود و فريدي كويل بالرغم من أنني أراه يمتلك مادةً غنيةً لدراسة تلك العلاقة على اعتبار أنها المرة الأولى التي تسمح فيها حبكته بتناول العلاقة من طرفين و دراسة التأثير المتبادل من الطرفين ، هذا لا يبدو غنياً و عميقاً بما فيه الكفاية لخدمة مشروع بول توماس أندرسون ، لذلك نشعر بأن حجم التأثر الذي يحدث للطرفين ببعضهما غير حقيقي ، أو بمعنى آخر هو لا يصلنا كما يجب و إنما يجعلنا ضمن سياقه نقتنع بوجوده ، و بالتالي يبدو لنا حس انبهار فريدي بلانكستر موجوداً و لكنه يبدو أكبر من المعطيات التي يفترضها السياق ، و بالنظر لطول الفيلم و حجم الدراسة السلوكية التي يعمل عليها من خلال تقديمه لهاتين الشخصيتين لا أدري اذا كان بول توماس أندرسون قد وضع في باله نوعية الممثلين اللذين سيديرهم و مقدار ما سيمنحونه لهذه البنية ، لكنني أعتقد أنه يعلم جيداً ما يفعله خصوصاً و هو يستنزف جزءاً كبيراً من نصه في مواجهاتٍ مباشرةٍ بين هاتين الشخصيتين و لا يحاول أن يبني الكثير فيهما خارج علاقتهما ببعضهما ، و هذه المواجهات المباشرة تستدعي عملاً قوياً جداً على مستوى الأداء لجعل احساس المشاهد بكل ما يحيط بالشخصيتين هامشياً و قليل القيمة ، و هذا ما يحققه واكين فينيكس و فيليب سيمور هوفمان للشخصيتين ، هما يغريانك جداً لدرجةٍ لا تستطيع التفكير بالإبتعاد عن رؤية أحدهما للحظة ، مباراتهما الأدائية هي الأفضل في عام 2012 ، الكاراكتر الذي يصنعه واكين فينيكس في فريدي كويل مكتمل ، عظيم ، ابتسامته و طريقة تحريكه لشفتيه ، كتفاه المنزلقان للأمام و ظهره المقوّس ، نبرة صوته و طريقة سخريته من الأمور ، توحيده لدواخلها بحيث تستوعب كل التغيرات و التحولات الدرامية التي تحدث من حولها بصورةٍ تجعل كل ردود فعلها نابعةً من صميم الشخصية و ليست مجرد اضافةٍ ديكوريةٍ أو بهرجةٍ انفعاليةٍ لا معنى لها ، بالمقابل تكون جاذبية فيليب سيمور هوفمان و شخصيته و هدوءه و طريقة اقناعه مثاليةً جداً للتعامل مع شخصيةٍ خاويةٍ مثل فريدي كويل ، لكنها لا تكون فعالةً تماماً مع شخصيةٍ كذلك الرجل المتطفل الذي واجهه بالأسئلة في احدى جلساته العلاجية ، لذلك ينفعل و يبدو انفعاله من صميم روح لانكستر دود .

ضمن منظومة الشخصيات التي يقدمها يواصل بول توماس أندرسون تهميشه لحجم المرأة في أفلامه ، في هذا الفيلم تبدو بيغي زوجة لانكستر دود صورةً معاصرةً من الليدي ماكبث ، هادئة ، تعرف ما يجري ، و تدير الأمور من تحت الطاولة دون انفعال ، و لا تحاول ايمي آدامز أن تخرجها خارج تلك النغمة و لو قليلاً ، بالرغم من أن الشخصية تعاني عندما لا يتيح النص لها الفرصة لرسم حدود تأثيرها الحقيقي فيما يجري ، هذا التأثير يكون مشوشاً و لا يتضح حتى في مشاهدةٍ ثانية ، و ايمي آدامز تحمل الثقل الموجود هنا بمفردها تقريباً ، تزاوج باقتدار بين ملامحها اللطيفة و المحببة للنفس و تأثير السطوة الذي تمتلكه الليدي ماكبث في زوجها ، هذا يستحق التقدير .

في عمقه و على خلاف الجدل الذي أثير حول تناول الساينتولوجي أرى الفيلم أعمق من تناول أي طائفةٍ أو دين أو اعتقاد ، و المعتنق ليس محوراً له ، المعتنق هنا The Cause يظهر بعد فترةٍ طويلةٍ من الحدث و لا يبدو محوراً له ، هو يغوص أعمق في الصراع الأزلي لدى الإنسان بين الإيمان و الشك ، ليس ذلك المرتبط بالإله و الربوبية و إنما الإيمان بأبسط صوره و أشكاله بأي شيء ، أو الشك فيه ، النظرية التي يتبناها لانكستر دود هنا تقول بأن الإنسان يجب أن يعيش تتالياً من الحيوات و ليس سلسلةً واحدةً منها ، و أزمة الإنسان الحياتية و الإيمانية تبدأ من الجروح التي يحملها عبر مراحل حياته من حياةٍ لأخرى ، هذه الجروح تقف حجر عثرةٍ لو لم يتحرر منها و يبدأ حياةً مختلفة ، هو يبحث عن التحرر لدى مريديه ليس من خلال الهرب الدائم من الماضي بل من خلال مواجهته و الغوص فيه و اكتشاف أنه ليس مخيفاً كما نعتقد ، أبعد من ذلك ينادي لانكستر دود بالتسامي و الإرتقاء فوق الطبيعة الحيوانية لنا ، و يجد في فريدي مادة خصبةً لعمله لذلك هو يبدأ معالجته مباشرةً قبل التفكير بأي شيءٍ آخر بخصوصه ، يبدو بالنسبة له بديلاً جيداً عن ابنه الرافض و الساخر من طريقة والده ، هي علاقة استغلالٍ في الواقع بالرغم من كونها تبدو مزدوجةً و من طرفين الا أنها لا تخفي نفحة ماكيافيلليةٍ واضحةٍ في دود خصوصاً و أن العلاقة هنا تبدو مزيجاً من (المؤثر / التابع) و (العالم / فأر التجارب) و (الدكتور فرانكنشتاين / وحش فرانكنشتاين) رغم أنه لا يشبع في تلك العلاقة أياً من ذلك حتى ضمن المجال الضيق الذي يتناولها فيه ، ذات الماكيافيللية التي طبعت علاقة دانيال بلينفيو بإبنه في There Will Be Blood و حجم الإنتفاع الذي جناه من تصوير نفسه كرجل عائلة يكسب احترام جيرانه من ملاك الأراضي و البقاع العامرة بالنفط ، بالرغم من أنني ارى أن بول توماس أندرسون امتلك مجالاً أكبر للحفر أعمق في هذه الماكيافيلية في هذا الفيلم أكثر من سلفه و هذه نقطة تحسب عليه .

في الصورة الكلية لتلك العلاقة يترك بول توماس أندرسون الصورة للمشاهد لتحديد ما إذا كانت معالجة دود فعالةً أم لا ، تبدو تلك المعالجة بالنسبة لي نوعاً من الطاقة الوهمية الإيجابية و ربما نوعاً من التنويم المغناطيسي الذي يبدو مختلفاً من خلال الديكور الذي تضعه فيه كاريزما و شخصية لانكستر دود ذاتها ، في الواقع هذا يصل للمشاهد ، و يصل دون سخريةٍ من كلا الشخصيتين ، هو فقط يصوّرها بصدق و يجعل تناقضاتها تطفو بمقدار ما تسمح به الشخصية ذاتها و الموقف ، لكنني اجده بالمقابل يناقض نفسه في بعض التفاصيل ، هو يحافظ على روح فريدي المنفعلة التي مهد لها في المقدمة لذلك نراه يضرب ذلك المتطفل و يضرب الشرطي تماماً كما فعل سابقاً مع الرجل الذي كان يقوم بتصويره مطلع الفيلم ، لكنه على النقيض يفاجئنا بشكلٍ واضح بحجم التهذيب الجنسي الصارخ الذي يصيب فريدي كويل عقب لقاءه بلانكستر دود ، شعرت بأن الصورة الهوسية التي رسمت له في تلك المقدمة و كأنما تتلاشى على ذلك المركب دون وجود علامات حقيقية منطقية لحدوث ذلك التلاشي ، و المشكلة أن ذلك يستمر على طول الحدث ، هذا مزعجٌ بالنسبة لي ، النص يحاول تبني فكرة أن منبع الإيمان بأي شيء هو الذات وكيف يمكن للدفع الذاتي أن يكون إيجابياً و يتحول الى طاقة عندما يحصل على بعض التأثير الخارجي ، تفهمت هذا و تفهمت أن يقوم من أجل هذا تحديداً بتطوير شخصياته ببطء ، بالرغم من عدم استساغتي للإعاقة التي تصيب التتالي السردي للفيلم الذي لا يبدو متدفقاً و يأخذ طابع القفزات الزمنية غير المحسوسة و غير المتناسبة مع الفترة الزمنية الكلية للحدث ( و لا أعتقد أن أندرسون قد أقنعني تماماً بأن كل تلك الأحداث جرت في بضعة أشهرٍ فقط هي الأشهر الأخيرة من حمل بيغي خصوصاً مع حجم التغيرات العميقة التي تحدث بين شخصياته ) ، تفهمت الغاية لكنني لم أتفهم الوسيلة ، لذلك يبدو انقلاب زوجة لانكستر و ابنتها ضد فريدي غير مسوّغٍ تماماً كما هو الحال مع استدعاء لانكستر لفريدي الذي سرعان ما يفض علاقتهما ببعضهما و الذي أراه انفعالياً جداً بالرغم من اقراري بغايته ، صحيح أنه يضعنا على تساؤلاتٍ من قبيل : هل عاد فريدي لأنه شعر فعلاً بتغييرٍ حقيقي لا نراه نحن فيه ؟ ام عاد باحثاً عن العالم الجميل الوحيد الذي عاشه ؟ و بالمقابل : هل يتخلى لانكستر عن فريدي كي يحقق له حريته من احدى حيواته و التي لطالما أخبره أنها هدف معالجته ؟ أم هو يحرره لأنه أكبر الإثباتات على فشل طريقته كما نشعر من استياء بيغي الدائم من عبثية فريدي ؟ النص يبقي ذلك مفتوحاً أيضاً و هو يروقني بالرغم من انفعاليته على صعيد النهاية و الطريقة التي تبدو بها اندفاعيةً في وجوهنا ، صحيح أنها طريقة بول توماس أندرسون الدائمة في جمع شخصياته في الختام و هو يثير بها الخلاف كل مرة ، لكنها تكون أقل احكاماً من سابقاتها فعلاً .

اخراجياً لا يمكن قول الكثير الجديد عن بول توماس أندرسون ، هو عظيمٌ جداً كعادته ، احساسنا بالبيئة الزمنية عالٍ بفضل عملٍ مقدرٍ كالعادة من مصمم الإنتاج جاك فيسك ، و بالرغم من أن النص لا يغوص فيها كثيراً لكنه يجعل جو ما بعد الحرب العالمية الثانية واضحاً و ملموساً على الشاشة بالرغم من أنها لا تتجاوز في أهميتها حدود البيئة الزمانية للحدث ، و بالرغم من امتيازه أعاني مع بول توماس أندرسون أحياناً من مشكلةٍ في الكاستنغ خصوصاً و أنا اشاهد البون العمري الشاسع بين بول دانو و دانيال داي لويس في ختام There Will Be Blood بما لا يتناسب و أعمار شخصيتيه ، هو هنا يعيد الكرة ذاتها و يسلب بعضاً من قيمة علاقة الأب و الإبن - التي لا تتوهج كثيراً بخلاف ما يفترض – من خلال التقارب العمري بين فيليب سيمور هوفمان و واكين فينيكس و الذي يبذل الممثلان جهداً جباراً لجعل تلك العلاقة موجودةً و حقيقيةً ، بخلاف تلك الجزئية يتألق أداء توماس أندرسون الإخراجي و الإيقاع العام للعمل من خلال أداءٍ تصويريٍ محترم من ميهاي مالايمر جونيور الذي يتعاون معه للمرة الأولى بعد خمسة أفلامٍ مع روجر إلسويت ، تصويره أنيق و فعال و حيوي جداً خصوصاً في المرحلة التأسيسية للحكاية و هو بالتأكيد أحد أسباب علاقتنا بهذا الفيلم ، لقطاته في مقدمة الفيلم للذكرى و اللقطة التي تطارد فيها الكاميرا فريدي مقترباً من مركب لانكستر دود ثم تسبقه بفضول طفلٍ لتسمح لنا برؤية الحفل المقام هناك ثم تنتظره قليلاً لتنزل معه الى المركب هي مثالٌ يسهل تذكره على أداء مالايمر التصويري هنا ، مثله و لا أقل منه مقطوعات جوني غرينوود الموسيقية التي تعلق في الذاكرة منذ العرض الدعائي للفيلم ، يسير على نهجه في There Will Be Blood ، مزيجٌ من الحياة ذاتها ، تشعر في مزاوجتها النفخيات و النقريات و الطبول وكأنك جزءٌ من طبيعة الحدث ، تشعر بأنك تنتظر ، أو تستعد لشيءٍ ما ، تمنح الفيلم شخصيةً مميزةً جداً و لا يمكن نسيانها بسهولة .

أحب كثيراً الحديث عن أفلام بول توماس أندرسون ، أحب كثيراً مشاهدتها و تأمل الطريقة التي يصنع فيها الرجل من نصوصه أشياء مختلفةً و ثقيلةً و محترمة ، هو ينال الاحترام أينما ذهب ، يعلمون جيداً أي قيمةٍ تضيفها أعماله و أي خصوصيةٍ يمتلكها ، في ستة افلامٍ فقط و في سن الثانية و الأربعين ينال خمس ترشيحاتٍ للأوسكار و يكرّم بجوائز رئيسية في مهرجانات العالم الثلاثة الكبرى (كان و فينيسا و برلين) ، نعم هذا ليس مقياساً لكنه أيضاً لا يتحقق لأحدٍ من ابناء جيله ، فيلمه الأخير ليس أعظم ما قدّم ، لكنه على الأقل فيلمٌ من أفلامه بالمعنى المكتمل لهذه العبارة .

التقييم من 10 : 8.5