الثلاثاء، 12 فبراير، 2013

Les Misérables

كتب : عماد العذري

بطولة : هيو جاكمان ، راسل كرو ، آن هاثاواي
إخراج : توم هوبر

هناك عددٌ من الروايات يعد على أصابع اليد اقتبس مراراً و تكراراً دون أن يحصل على مفخرته السينمائية الحقيقية ، أعمال مثل Crime and Punishment لفيودور دستويفسكي ، War and Peace لليو تولستوي ، Don Quixote لميغيل دي سيرفانتيس ، The Count of Monte Cristo لأليكساندر دوما ، و بالتأكيد Les Misérables مفخرة فيكتور هيغو الأدبية الأشهر ، جميعها أعمالٌ ضخمة جداً على صعيد الحكاية و تشعباتها ، و جميعها عانت من تلك المسألة في اقتباساتها السينمائية جميعها .

قبل أربعة أعوام قدّم الأسترالي هيو جاكمان افتتاحيةً غير متوقعةٍ لحفل توزيع جوائز الأوسكار الذي استضافه ، تصدى للمقدمة الإستعراضية للحفل بمفرده بحجة أن الأكاديمية قررت الغاءها بسبب الركود الاقتصادي ، استعان بصديقته آن هاثاوي لتشاركه فقرة فيلم Frost/Nixon الشهيرة التي راقت للجميع كما هي المقطوعة كلها ، بعد ذلك قدّمت شيرلي ماكلين آن هاثاواي ضمن مرشحات فئة أفضل ممثلة و ارتجلت في ختام تقديمها ( بالمناسبة ، أنتِ تمتلكين صوتاً رائعاً ، لذلك استمري في الغناء ) آن هاثاواي عملت بالنصيحة ، هيو جاكمان اختير لأداء دور جان فالجان ، و أصرّ على أن تكون آن هاثاواي دون غيرها هي فانتين هذه النسخة الموسيقية المقتبسة عن مسرحية برودواي التي حملت الإسم ذاته عن ملحمة فيكتور هيغو الشهيرة ، و لم يكن توم هوبر يعلم كم كان موفقاً في ذلك .

عن المسرحية التي عرضت على مسارح برودواي لستة عشر عاماً و حققت ثالث أطول مدة عرضٍ في تاريخ برودواي و رشحت لثلاث عشرة جائزة توني فازت بثمانٍ منها عام 1987 يعود بنا نص الفيلم الذي كتبه وليام نيلكسن الى عام 1815 ليحكي قصة جان فالجان المجرم الذي قضى 19 عاماً في سجن طولون تنفيذاً لحكمٍ بالسجن خمس سنوات بسبب سرقته رغيف خبزٍ لإطعام شقيقته و صغارها ، أضاف لها 14 عاماً أخرى بسبب محاولاته المتكررة للهروب من السجن ، جان فالجان يحصل على اطلاق سراحه المشروط الذي يبقيه مجرماً خطراً في كل مكانٍ يذهب اليه ، لكن ايمان اسقف بلدة دينياي بروحه و فطرته تغيران حياته للأبد ، بعد ذلك بثمانية أعوام يصبح جان فالجان شخصيةً أخرى هي مسيو مادلين ، الصناعي الثري و رجل الخير و عمدة بلدة مونتروي ، لكن الماضي لا يموت أبداً .

مشكلتي الرئيسية مع هذا النص اقتباسيةٌ بحتة ، برأيي هناك ثلاثة سبل يمكن أن تسلكها الاقتباسات السينمائية عن الأدب ، اما الاقتباس الحرفي للحدث و الروح و البناء ، و هو سبيلٌ يتناسب و الأعمال الأدبية القصيرة نسبياً كحال The English Patient أو The Road ، أو الإقتباس الإختزالي الذي يتم فيه اختزال الحدث مع تكثيف البناء و الحفاظ على الروح ، أو استلهام الحدث و اعادة تجسيده و خلق البيئة البديلة التي تجعل تطوره منطقياً ، العمل يسلك الطرق الثلاثة في جزء كبيرٍ منه و ينجح في ذلك لكنه يضيع في أخطر منعطفاته ، و في الواقع هو لا يُلامُ بمفرده على ذلك ، اقتباس رواية فيكتور هيغو قد يكون واحداً من أصعب الإقتباسات على الإطلاق ، فالرواية هي واحدةٌ من أضخم الروايات التي يمكن أن تقرأها ، و تقديم فصولها الـ 365 حتى خلال مدةٍ زمنية طويلة نسبياً تبلغ 157 دقيقة يستدعي تكثيف فصلين كاملين في الدقيقة الواحدة و هو أمرٌ يبدو هزلياً ، ضخامة الرواية أمرٌ مفهوم لكل من ينتظر اقتباساً لها ، هي في بنيتها تتألف من خمس حكاياتٍ متداخلة تقسم زمنياً الى نصفين ، ينتهي النصف الأول بفرار جان فالجان و كوزيت و بدء حياةٍ جديدةٍ في دير صغير بمساعدة الرجل الذي انقذه ذات يوم ، ليبدأ بعد ذلك النصف الثاني الذي يعرفه قراء الرواية بالثورة أو بالنصف الباريسي ، في الواقع النص يصنع نصفين عظيمين في الكثير من تفاصيلهما ، لكنه للأسف يتوه جداً في محاولته تيسير الإنتقال بينهما و صناعة عمقٍ حقيقيٍ للحكاية التي تنقلب بعنف بين عامي 1823 و 1832 .

في النصف الأول من العمل يصنع توم هوبر 65 دقيقةً من أروع ما شاهدت في عام 2012 ، و أكاد أجزم بأنه لو تم استنساخ تلك الساعة لتشكيل ما تبقى من الفيلم لكان هذا الفيلم هو مفخرة الإنجازات السينمائية لهذا العام ، النص يبدو عظيماً في الساعة الأولى منه و هو يسلك الطريق الحرفي في بنية الحدث ، ثم يختزل بذكاء ، و يكثّف بذكاء أكبر ، يعمل كمعظم اقتباسات هذه الرواية على تجاوز حكايتين من حكايات الرواية ، حكاية جان فالجان قبل اطلاقه من سجنه ، الوحش الذي عجزت سنوات السجن التسعة عشر عن ترويضه ، و حكاية فانتين الشابة التي أغراها الحب فوقعت في غرام رجلٍ مستهتر انجبت منه ابنتها الوحيدة قبل أن يتركها و يمضي ، لم تكن فكرة الأم العزباء مستساغةً في حينها ، و حملها ابنةً في يدها سيجلب لها العار و سيمنعها عن العمل أينما ذهبت ، تتركها في منزل آل تيناردييه وتمضي للعمل في أحد مصانع مسيو مادلين في مونتروي ، الجميل ان النص و خلال ربع ساعةٍ منه فقط يكون قادراً على اختزال الحكايتين معاً دون اشعار المشاهد بالشغف تجاههما ، ندرك مبكراً خلفية جان فالجان و فانتين ( بائسا الفيلم الرئيسيان اللذين أخذت الرواية اسمها منهما ) و ندرك الأقدار التي جمعتهما ، تكثيف النص ينجح ، يمضي قدماً في تجسيد الحكاية الثالثة التي تربط جان فالجان بفانتين التي تسبب ببؤسها دون أن يعلم و التي يقرر مساعدتها عندما يعلم ، و مع أن النص يتجاوز مفصلين مهمين في هذه المرحلة ، الأول للمحاكمة التي يقتحمها جان فالجان لتبرئة من اتهم زوراً بأنه هو ، و الذي أعتبره واحداً من أهم مفاصل الرواية ، و الثانية للفترة التي يقضيها جان فالجان محكوماً بالمؤبد بعد ذلك قبل أن يزيّف موته و يفر من سجنه لإلتقاط كوزيت من آل تيناردييه ، يعجبني الإختزال و التكثيف عندما يصنع الصيغة البديلة التي تجعل منه الخيار الأنسب ، النص في هذه الجزئية لا هو يقدم قصة المحاكمة كما هي و لا هو يبترها ، فتبدو ساذجةً و غبيةً جداً ، يدخل جان فالجان المحكمة و يعلن عن هويته الحقيقية ثم يخبرهم بأن يسألوا المفتش جافير و يمضي دون أن يعترضه أحدٌ !! ، كانت هذه المرحلة هي الثغرة الوحيدة في الساعة الأولى من النص خصوصاً و أنها في الواقع السبب الحقيقي في مغادرة جان فالجان عالمه الجديد للأبد ، مع ذلك كان يمكن تجاوز سوء هذا المفصل – المهم جداً في علاقة جان فالجان بجافير - بالنظر لأن النص يعمل بشكلٍ جيد – في الأغنية التي تسبق ذلك المشهد - على تصوير انقسام جان فالجان تجاه تسببه بمعاقبةِ شخصٍ لا ذنب له ، لكن ما أن مضت الأحداث قدماً حتى أدركت أن علاقة جافير بجان فالجان هي معضلة هذا النص الرئيسية .

في النصف الثاني من العمل ( المرحلة الباريسية ) يعاني النص أكثر في عمليته الاختزالية ، و بالرغم من أن هذا النصف يقدم ( باريس الثورة ) بصورة تضاهي عظمتها في الرواية ان لم تتجاوزها فعلاً ، الا أنه يعاني على صعدٍ أخرى ، النص في كافة مراحله ينهج نهجاً مختلفاً عن السائد في الأفلام الغنائية أو الموسيقية ، كل ما فيه يُغنّى ، حتى الحوارات البسيطة العابرة يتم غنائها ، هو يميل ليكون أوبرا أكثر من كونها فيلماً غنائياً ، و في نصوص كهذه يكون الإسراف الغنائي مغامرة ، و النص ينجح الى حدٍ بعيد في جعل ذلك التفصيل بهجته الرئيسية و يثبت أنه أهلٌ للتصدي لهذه الأوبرالية ، لكن المشكلة أن تلك الأوبرالية – لا أتذكر أنني شاهدت عملاً مماثلاً يتضمن قرابة خمسين أغنية !! – استنزفت جزءاً كبيراً من وقت الفيلم ، و غناء مالا يمكن غنائه و ما لا يتجاوز أن يكون مجرد حديثٍ هامس لا يصيب ، جزءٌ كبيرٌ من تلك الأغاني لا يمكن اعتباره اغانٍ فعلاً بقدر ما هي امتدادات حواريةٌ تصل الينا مدندنة ، لذلك تتضرر اختزاليته كثيراً عندما يحاول الإنتقال بمشاهده بعد الإفتتاحية البديعة للمرحلة الباريسية ليضعه في الجو الجديد لشخصياته ، ماريوس ابن العائلة الثرية وعد والده الكولونيل جورج بونميرسي برعاية العريف تيناردييه الذي انقذه في معركة ووترلو ، تيناردييه في الواقع كان يسرق الجثث عندما اعتقد العقيد أنه يقوم بإنقاذه ، تمر الأعوام و يصبح ماريوس بالرغم من ثرائه – و دون أن يعرف - جاراً لآل تيناردييه بعدما قدموا باريس تحت اسمٍ مستعار بعدما ساءت أحوالهم ، ابنهم ينضم للحركة الشبابية التي ينشط فيها ماريوس ، و ابنتهم تحظى باحسانه و لا تلبث أن تقع بحبه دون أن يدري ، و الثريان فالجان و كوزيت يزوران بعض العائلات الفقيرة و يتحملان بعض تكاليف معيشتها ، و ما أن يستقبلهم آل تيناردييه حتى يعرفون جان فالجان ، و يقررون ابتزازه عندما يعود حاملاً لهم المال متكفلاً بإيجار منزلهم ، ماريوس يستمع لخطتهم عبر ثقب في الجدار و يبلغ جافير بما سيجري و يبقيه على اتصال ، و عندما يكشف تيناردييه عن نفسه لفالجان يقع ماريوس في انقسام شديد بين وعد والده و بين ما يتعرض له والد حبيبته ، يفشل خطتهم و يهرب فالجان و يعتقل جافيير تيناردييه و عصابته قبل أن يفروا من سجنهم لاحقاً ، هذان المشهدان المبتوران من الرواية كانا ليزيحا الكثير من الضبابية في هذا المفصل لو قام النص بتوفير اغنيةٍ أو اثنتين من أجل تقديمهما ، بوجودهما سنتفهم تماماً علاقة ماريوس بإيبونين و الدور الذي لعبته لاحقاً في مغادرة جان فالجان و كوزيت قبل أن تتنكر بزي رجل و تموت من أجل ماريوس ، سنتفهم أيضاً علاقة ماريوس بغافروش الذي منحه هدفاً عظيماً يعيش من أجله و أنقذه من ان يكون امتداداً لجرائم والده ( يخبره في أحد المشاهد عندما يطلب منه ايصال رسالةٍ لكوزيت : من دونك كنت تراباً ، دون أن نفهم تماماً ما الذي يقصده ) ، و سنتفهم علاقة ماريوس بتيناردييه ، و طبعاً سنتفهم أكثر علاقة ماريوس بجان فالجان ، اختزال الفيلم لا يفلح هنا ، صحيح أن الاقتباس ليس من الضروري أن يتعامل مع كافة أحداث الرواية ، لكنه على الأقل ملزمٌ بالتعامل مع تبعات تلك الأحداث بصورة منطقية ، على الأقل هو لا يصنع الخيار البديل الذي يجعل ما سيقدمه لنا مفهوماً و واضحاً ، فجأة نعاني من عشوائية غير مفهومة – مع أنها واضحةٌ و مفسرةٌ جداً في الرواية – نجد ايبونين تعرف ماريوس ، نرى ماريوس يقع في حب كوزيت بسذاجةٍ مضحكة ، و نرى تيناردييه في باريس يسكن قريباً من ماريوس ، نشاهد تينارديه يدعو جان فالجان و كوزيت الى منزله في مشهدٍ مباغت يقذف في وجوهنا ، و نرى غافروش عصفور الحركة الشبابية التي تقود الثورة دون أن نشعر للحظة بأن غافروش هو في الواقع ابن تيناردييه ، هذه المرحلة مشوشة جداً على الشاشة ، و لا تفلح الصورة البراقة و العظيمة فعلاً للثورة في جعلها مفهومة بالفعل الا إذا كان المرء قارئاً للرواية أو على استعدادٍ ليقبلها هكذا ، أنت تتفهم ما تشاهده في هذه المرحلة فقط اذا اقنعت نفسك بأنك تتفهمه ، و عندما يتوازن النص بفعل تداعيات مرحلة الثورة العظيمة و المتماسكة على الشاشة تعود متعتنا لسابق عهدها في النصف الأول ، و ما أن تقمع الثورة حتى يفقد النص بعض توازنه قرب الختام عندما يختفي جان فالجان من حياة كوزيت و يصر على ماريوس ألا يخبرها بحقيقته ( في الواقع ماريوس هو من طلب من جان فالجان أن يغادر حياتهم لأنه شعر بالخزي من ماضي والد زوجته ) ، النص يناقض نفسه عندما يخطيء في الإختزال و التكثيف ، لا هو يبتر الحدث و يوائم ما تبقى من الحكاية وفقاً للخط البديل الذي يراه ، و لا هو يحكيها كما هي ، هو هنا مثلاً يختزل عندما يصوّر بأن جان فالجان هو من غادر حياة كوزيت بناءً على رغبته ، لكنه لا يخلق الخط البديل لما فعل ، فنراه لاحقاً يجعل ماريوس يشعر بالندم على ما ارتكبه بحق جان فالجان ، بالرغم من أنه لم يرتكب بحقه اي شيءٍ اساساً !! النص كان قادراً لو تخلى قليلاً عن اوبرالياته و عن سرفه الغنائي أن يكثف عمله على الأحداث الجوهرية المبتورة التي تربط طرفي القصة العظيمين (جان فالجان و فانتين) و (الثورة) بطريقة تضاهي جمالية و قوة ما قدمه فيهما ، و برأيي مع أغانٍ أقل كان ليحصل على عمقٍ أكبر ، و هذا ربما قد يفسر الاستقبال الباهت للنص في جوائز النصوص المقتبسة المختلفة هذا العام بالرغم من كونه يقتبس عملاً أدبياً لا جدال في رفعته .

مشكلة النص الثانية تكمن في جافير ، لا أدري كيف يكون اقتباس Les Miserables عظيماً لو لم تكن شخصية جافير عظيمة ، بالنسبة لي هي سحر الرواية الاول ، أكثر من أي شيءٍ آخرٍ فيها ، و هي في هذا النص أضعف الشخصيات جميعها ، بحثه الهوسي عن العدالة و التكفير عن ذنوب والديه ، ميزانه الغريب بين ولائه الشديد للقانون و تذرّعه الدائم به ، الإستحواذ الشديد الذي يصيبه تجاه فكرة أن رجلاً بوضاعة جان فالجان ينتهك ذلك القانون و يفر بفعلته دون رادع ، التجسّد الكامل لمواجهة (العدالة و القانون) مع (الفرصة الثانية) الذي ينضح به صراعه على مدى عقدين من الزمان مع جان فالجان ، إنتقاله من الرجل المضطهِد المستعبِد المستلذ بالقسوة إلى الرجل المشوّش النادم الضائع و حدوث كل ذلك على خلفية التغير الإجتماعي و السياسي للبلاد ، هل لامسني فعلاً أيٌ من هذا ؟ بالتأكيد لا ، شخصية جافير في الفيلم ضائعة معزولة و بعيدة عن كل الإيقاع العام للنص ، تغرّد بعيداً خارج السرب ، للدرجة التي لو استبدلنا جافير بكلمة (الشرطة) في هذا النص و تركنا جان فالجان يفرّ منها في كل مرةٍ يواجهها فلن يغيّر ذلك شيئاً ، النص يسلب شخصية جافير خصوصيتها التي كانت لتحافظ على بعضٍ من وجودها لولا وجود راسل كرو أيضاً في الدور ، باكراً جداً و منذ أن علمت بأن راسل كرو سيؤدي دور جافير لم أشعر بإرتياح ، أداء راسل كرو يقتل الشخصية ، جافير هو شخصية تنطق ملامح وجهها بهواجسها ، و ملامح راسل كرو للأسف جامدة ، هي ليست ملامح جيفري راش أو جاكي إيرل هيلي أو ويليم دافو لتمتلك الشخصية كما يجب ، هو يجتهد كثيراً لكنه لا يصيب ، أداءه خجول ، لا يحرر جافير ، لا يطلق فيه حقده و هوسه و عاطفته الداخلية و الحدة التي يحتاجها ، و من المخيب كثيراً بالنسبة لي أن يكون راسل كرو في دورٍ رئيسيٍ في فيلم ، دون أن يتذكر أحدٌ شيئاً من أدائه فيه .

مع ذلك يبذل توم هوبر الكثير ليرمم ثغرات النص ، صحيح أنه لا يفلح أحياناً في القفز على مسرحية النص و يبدو هذا أمراً متعلقاً بتوم هوبر – أتذكر المشهد الشكسبيري الصارخ لوفاة الملك في The King’s Speech – إلا ان ذلك الإحساس لا يكون معمماً اطلاقاً ، ذلك الحس المسرحي يتم تجاوزه بفعالية في معظم ثنايا العمل ، لكن الرجل لا يلبث يصر على تأكيده من خلال الأسلوب التصويري الذي اتخذه ، هو يصنع صورةً فخمةً و براقة كما فعل في John Adams و The King’s Speech ، لكنه يتركها أسيرةً للتخمة الغنائية الموجودة في النص ، و المشكلة هنا تكمن في أن معظم أغاني الفيلم – على خلاف السائد – هي مناجاة ذاتية ، نرى فانتين تخاطب ذاتها ، جان فالجان يفعل ذلك ، كحال كوزيت و ماريوس و جافير في أغانيهم أيضاً ، لكن توم هوبر لا يخفف من وطأة المناجاة – كأسلوب مسرحي في الأساس – فيقدمها دائماً من خلال لقطةٍ قريبة طويلة لا تلبث الكاميرا بعد ذلك بالتراجع للخلف مع حركة الشخصية ، الأمر الذي يجعلنا كمشاهدين و كأنما نتلقى الخطاب من المؤدي و كأننا في مسرحيةٍ شكسبيرية ، صحيح أن الزخم الأوبرالي لا يجعلنا نهتم بذلك كثيراً ، لكنه بالمجمل لا يجعلنا نتذكرها طويلاً أيضاً ، و لنا أن نلاحظ أن أغاني الفيلم العظيمة هي تلك التي تتخلى فيها الشخصيات عن صيغة المناجاة و يتخلى فيها توم هوبر عن لقطاته القريبة الطويلة و يتيح للمونتاج الإنتقال بالصورة فعلاً من المسرحية إلى الأوبرالية ، كما هو الحال في اغنية الإفتتاح الرائعة Look Down ، أو في الإفتتاحية الباريسية العظيمة Vive la France أو في أغنية الحركة الشبابية Red and Black ، أو في أغنية الثورة العظيمة Do You Hear the People Sing? ، أو في الدويتو الغنائي In My Life بين موريس و إيبونين ، قبل أن تبلغ الأوبرالية ذروتها في التريو البديع One Day More بين موريس و كوزيت و إيبونين و الذي لا يلبث أن يتحول لأغنيةٍ جماعيةٍ تؤديها كافة شخصيات الفيلم بإستثناء فانتين في واحدةٍ من بهجات الفيلم التي لا تنسى ، توم هوبر يكون عظيماً عندما لا يضطره النص لمسرحة أغانيه بالرغم من أنه هو ذاته يساهم في زيادة ذلك التأثير المسرحي ، فقط ثلاث مناسبات يكون فيها أسلوب اللقطة القريبة المطوّلة فعالاً : إيبونين و هي تغني On My Own تحت المطر ، موريس و هو يغني Empty Chairs at Empty Tables بعد مقتل كافة رفاقه ، و فانتين تغنّي بهجة الفيلم الأعظم I dreamed a dream ، يا الهي ، منذ أن اطلق العرض الدعائي للفيلم على خلفية هذه الأغنية أدركت أن توم هوبر سيقدّم شيئاً لا ينسى ، و في هذه الأغنية يبلغ الفيلم ذروة تأثيره ، آن هاثاواي في الدور الذي أدته والدتها في المسرحية الموسيقية تتوهج إلى حد التخمة ، تعرفون الحالة التي لا تحتاج فيها سوى لمشهد واحد لتمنح جائزة أوسكار ، ذات ما حدث مع مونيك قبل ثلاثة أعوام قد يحدث مع آن هاثاواي هنا ، هاثاواي عظيمة في الدور ، و مع أن قارىء الرواية يعلم جيداً أن فانتين ستختفي قبل منتصف الفيلم لكنه سيتمنى كثيراً لو استمرت ، احساس هاثاواي بالدور عالٍ جداً بالرغم من صعوبة أن تتخيلها فيه نظرياً ، تستحوذ على جوهر فانتين التي أخطأت و حاولت التكفير عن خطأها في مجتمعٍ لا يسامح ، و محاولة ذلك المجتمع تقويمها بطريقته القاسية تدفعها مجدداً للخطيئة ، تبيع إثنتين من أسنانها و تقص شعرها و تبيع جسدها ، حلمت حلماً بعالمٍ افضل لكن حلمها لم يكتمل ، و عندما تغني أغنيتها هذه قرب وفاتها تجسد واحدةً من أجمل الصور الميلودرامية في تاريخ السينما لإمرأةٍ سلبتها الحياة كل شيٍ حتى الحلم بعالمٍ أفضل ، خسرت احترام المجتمع لها بسبب رجلٍ مستهتر ، خسرت ابنتها بسبب وطأة الدين ، و خسرت عملها بسبب ماضيها ، و تحولت الى مومس لتنقذ السعادة الوحيدة في حياتها ، هذا المشهد كفيلٌ بمفرده ليخبرك لماذا يفتن هذا الفيلم القلوب بالرغم من ثغراته ، و كفيلٌ بمفرده بمنح هاثاواي جائزة أوسكار .

هيو جاكمان لا يقل عن هاثاواي ، و هو على خلاف مواطنه راسل كرو يملأ شخصية جان فالجان لأنه يتملّك احاسيسها الداخلية قبل كل شيء ، إحساسه بإنقسامها و بأسئلتها الوجودية عالٍ ، و هو ينقل ذلك الإحساس بإنفعالٍ صادق ليرتسم على الشاشة ، يجتهد كثيراً في الذهاب بعيداً بالشخصية حتى عندما تتوه بسبب النص في مرحلةٍ ما من النصف الثاني ، يبقيها حية و يبقي تواصلنا معها موجوداً بالرغم من أنه تتراوح في التوهج و البهوت بعد ساعةٍ من العرض .

إيدي ريدمين ممتازٌ في دور ماريوس ، شعلة حقيقية من الشباب و الروح الوطنية و الرومانسية أيضاً ، شعوره بضياع الفرصة حقيقي ، شعوره بالأسى تجاه رفاقه لا يقل عن ذلك ، بينما يسرق ساشا بارون كوهن و هيلينا بونهام كارتر مشاهدهما في منتصف الفيلم ( في ظهورهما الغنائي الثاني بعد رائعة تيم بيرتن Sweeney Todd ) ، مقطوعتهما في حانة تيناريدييه تغني عن كل التقديم الذي عملت عليه الرواية في تجسيد الصورة المقيتة للعائلة الوصية على كوزيت ، و مثلهم تماماً تتوهج سامانثا باركس في دور إيبونين ، سامانثا التي نالت الدور على حساب سكارليت جوهانسون و إيفان ريتشل وود و التي تلعب دورها السينمائي الاول هي العمق الحقيقي الوحيد لشخصية إيبونين ، نحن نشعر بكل ما يعتمل في صدر إيبونين و بكل احاسيسها تجاه موريس و تجاه كوزيت فقط من خلال ملامح سامانثا باركس البائسة عندما لا يجهد النص نفسه في التقديم لأيٍ من ذلك .

اقتباس توم هوبر لرائعة فيكتور هيغو براقٌ في الكثير من جوانبه ، صورته عظيمة ، مبهرجة لكنها ذكية و مشبعة و قريبة من القلب و العين ، تحبها و تنجذب لها بسهولة ، يخدمها كثيراً تصميم الإنتاج الفاتن من باكو ديلغادو الذي أتمنى بشدة أن أراه يتوّج بالأوسكار ، و الكرنفال الغنائي العظيم الذي أعده كلود ميشيل شونبيرغ و ألن بوبليل ، و بعض المشاهد و اللحظات التي تكاد في جمالها تبز صورتها في الرواية الأم ، حقيقةً لا أتذكر اقتباساً ممتازاً لتحفة فيكتو هيغو هذه بالرغم من اجتهاد كلود ليلوش و بيلي أوغست ، و بالرغم من ثغرات النص التي لا أستطيع أن ألفظها جانباً ، يبقى عمل توم هوبر هذا خياراً فعالاً عند الحديث عن إقتباسٍ جيدٍ لها .

التقييم من 10 : 7.5