الجمعة، 16 يناير، 2015

Sweeney Todd: The Demon Barber of Fleet Street

كتب : عماد العذري

بطولة : جوني ديب , هيلينا بونهام كارتر , آلن ريكمان
إخراج : تيم بيرتون

لفترةٍ طويلةٍ من الزمن كان هذا الفيلم حلماً من أحلام تيم بيرتن ، فتن في شبابه بمسرحية ستيفن سوندهايم ذائعة الصيت و كان يحلم فيما لو أصبح مخرجاً سينمائياً ذات يوم أن يمنحها اقتباساً سينمائياً يليق بها ، و عندما سنحت له الفرصة لم يجد القبول الكافي من ستيفن سوندهايم في فترةٍ اقترب فيها سام مينديس من التصدي للعمل السينمائي ، لكن بيرتن سرعان ما استطاع أن يصنع حالةً من تقارب وجهات النظر مع سوندهايم عقب انشغال سام مينديس بفيلم Jarehead فحصل على ما أراد ، قال له ستيفن سوندهايم بعد ذلك (كل ما أطمح إليه هو ممثل يغني , و ليس مغنياً يمثل) ، تيم بيرتن منحه جوني ديب ، في ذروة نجوميته .

اللقاء السادس بين تيم بيرتن و جوني ديب هو عملٌ غنائيٌ فريدٌ من نوعه , يحقق فيه بيرتن معادلةً صعبةً للغاية و لا تشبه أي شيءٍ آخر تربط الصورة الإفتراضية (المبهجة) للفيلم الغنائي ، و الصورة الدموية (الكئيبة) لأفلام الجريمة ، معادلة تخلق ربما الفيلم الموسيقي الأكثر دمويةً في تاريخ السينما كله ، حكايةٌ عن الحلاق المغدور بينجامين باركر الذي سرقت منه زوجته و إبنته و رمي في السجن لخمسة عشر عاماً , و الذي يعود إلى شارع فليت في لندن تحت إسم سويني تود ليفتتح صالونه الجديد , الصالون الذي تميز عن غيره بأن كل من زاره لم يعد منه بعد ذلك , كل هذا بمساعدة جهنمية من عشيقته و زوجته الجديدة السيدة لوفيت صانعة الفطائر الشيطانية التي تصنع من لحم الضحايا ألذ الفطائر في لندن .

في ظاهر الحكاية هناك الكثير من الألم ، ألمٌ لا يصلنا مباشرةً لكنه سرعان ما يتسلل ليطبع كل شيءٍ بالسواد ، منذ لقطته الأولى بل و منذ تتراته الإفتتاحية يوجه تيم بيرتن مشاهده نحو لندن , مسرح الأحداث , تأسيس للعلاقة المطلوبة بين المشاهد و ما يشاهده أو بمعنى آخر ما يجب عليه أن يشاهده , يخلق طبقة سوادٍ إضافية لطبقة السواد التي تلف قلب شخصيته الرئيسية التي تعود إلى مدينتها بعد 15 عاماً باحثةُ عن انتقامٍ نراه في عينيها قبل أن تحكي حكايتها لنا ، يبلغ تيم بيرتن بالمكان الأثر الأقصى للتعبير قبل أن يحكي لنا أي شيء ، يعمد بيرتن لتقديم لندن كما يفترض أن تبدو في عيني رجل كره إنحطاطها و عفنها ، صورةٌ سوداء من لندن ديكنزية يخدمها بيرتن بإسراف من خلال عملٍ عظيم على صعيد التصوير و أعظم على صعيد الإخراج الفني الذي يجعلها تبدو خارجةً من حكايةٍ مرعبةٍ في كتابٍ قديم ، في الخلفية البعيدة للصورة هناك تباينٌ طبقي ، و فقرٌ ، و بطالةٌ ، و سحقٌ اجتماعي ، هناك الأزقة , و المياه الراكدة , و العفن , و الجرذان , صورة صنعت من لندن مرتعاً للقاذورات و مكاناً للرذيلة كما يريد سويني تود أن يراها ، تعبيرٌ بصريٌ لطالما أجاده بيرتن على الدوام : التمهيد لشخصياته من خلال انعكاسات الصورة قبل الحفر في الشخصية ، شيءٌ لمسناه بوضوح في Edward Scissorhands و The Night Before Christmas مع هنري سيليك ، و بالتأكيد في Sleepy Hollow و The Corpse Bride و غيرها .

تحت القشرة البصرية هناك طبقةٌ سوداء أخرى تغلف قلب شخصيته الرئيسية ، طبقةٌ نستشفها من خلال أغنية على ظهر سفينة مطلع الفيلم , ثم لا نلبث نلتقطها لاحقاً في كل تصرفاتها ، الطبقة التي تغلف القلب دون ارادتنا و تحجبه عن ادراك أنها أصبحت طبقتين و ثلاثاً و ربما أربع لأن الأمر بحاجةٍ فقط لطبقةٍ سوداء واحدة كي يفقد المرء احساسه بما سواها ، و ما أن يتحقق ذلك حتى يتغير كل شيءٍ للأبد ، هذا الشعور يصلنا حرفياً مع سويني تود الذي بالرغم من ألمه الداخلي و معاناته لا يخفي روحاً شيطانيةً استحوذت عليه ، الرجل الذي كان لطيفاً و ساذجاً و تحول إلى وحشٍ بالمعنى الحقيقي للكلمة ، و هو معنىً سرعان ما تعززه الحكاية من خلال ظهور السيدة لوفيت ، صانعة الفطائر التي تعاني كساد مهنتها ، ما يجمع سويني تود بالسيدة لوفيت هو مزيجٌ من الحب و الخواء و الحقد و الحزن و الألم و المصلحة و البحث عن واجهةٍ إجتماعيةٍ لبعضهما البعض ، لا يستطيع المشاهد إدراك أي من تلك الأسباب هو ما يحرك علاقتهما ببعضهما و هذا يحسب للنص و يدعم بإمتياز الصورة الشيطانية التي تبدوان عليها ، صورةٌ منبع وجودها هو الأثر الأسود الذي يصبغ به مسعى الإنتقام حياتهما إلى الدرجة التي تصبح معها محاولة الهروب منه هي الجنون ذاته ، منذ عودة بينجامين باركر إلى لندن لا نشعر بإكتراثه الحقيقي لمصير زوجته أو ابنته حتى عندما يعلم عن مكانها ، يصبح الحقد تجاه مرتكب الخطيئة أكبر بكثير من محاولة تصحيحها ، و تصبح رغبة الإنتقام تجاه حياةٍ سلبت أكبر بكثير من رغبة الحفاظ على ما تبقى منها ، و هي الخلاصة التي يخلص لها النص من خلال تقديم شخصية سويني تود عندما يصل بها إلى ذروةٍ ترسم من خلال حقدها المصير الأسود لزوجة بنجامين و ابنته على يد قلب سويني تود الذي أعماه كل شيء .

فوق ذلك ينتصر بيرتن لنص لوغان و لمسرحية سوندهايم الموسيقية ، هذا الفيلم لا يخرجه مخرجٌ اعتيادي ، لأن محاولة ضبط إيقاع فيلمٍ موسيقي فيه كل هذا الكم من الدماء هي عمليةٌ يستحق انجازها رفع القبعة ، بيرتن يلعب بحرفية في مساحةٍ ضيقةٍ للغاية تربط (الفيلم الغنائي) بـ (الفيلم الدموي) ، لا يحاول بهرجة الأول فيقلل من قيمة الثاني ، و لا يحاول الإسراف في الثاني و التمحور حوله فيجعل من الأول مجرد اضافةٍ ديكورية ، اللعب في هذه المساحة يبدأ من خلق سوداوية و كآبة البيئة ، يتقدم من خلال عملٍ مدروسٍ جداً على الماكياج يجعل من شخصياته أشبه بشخصياتٍ باهتةٍ عادت من الموت أو تقاد إليه ، ثم يستمر من خلال استخدام اغاني الفيلم كوسيلةٍ لإرضاء المشاهد و الهروب به ، ليس من خلال الإبتعاد عن الحدث كي تبدو مجرد قطعةٍ إضافية لا قيمة لها ، بل من خلال استثمارها في سرد الحدث و خلفياته و مآلاته ، أغانيه تتنوع بصورةٍ ملفتة ، تعلو و تهبط بمقدار ما تعلو النبرة الانتقامية و تهبط ، يشعرك بقيمة أن ينتمي هذا الفيلم للأفلام الغنائية ، تزاوجه بين الحوار و الغناء هو النوع الذي أحبه ، لكل منهما شخصيته و حضوره المستقل ، الحوار بمفرده مشبع ، و الأغاني بمفردها فعالةٌ و مؤثرة ، و في الصورة الكبيرة : لا وجود لإستعراضات هنا , مسرح أغاني هذا العمل ضيقٌ و محدود ، حتى عندما يؤدي سويني تود احدى أغانيه في الشارع نكتشف أنه يؤديها في غرفته , جميع أغانيه لا تقدم الكثير للبصر كي لا تهرب به من قسوة الحكاية و هذا التضاد الحادث بين (الغنائية) و (الدموية) و محاولة بيرتن الحفاظ على التوازن (شبه المستحيل) بينهما قد يولد لدى البعض الثغرة الحقيقية للفيلم إن جازت تسميتها كذلك : العاطفة , هذا فيلم عديم العاطفة , أسود كقلب سويني تود ذاته , لك أن تندمج و تساق بسهولة مع الثنائي الجديد الذي يتشكل بين تود و لوفيت لكنك لا تسأل نفسك عن عمق الدوافع التي تحركهم و طبيعتها البشرية ، دوافع يقفز عليها بيرتن من خلال تقديمه المبدئي لشخصية لوفيت : عانس أقرب للمجانين , أكل الدهر عليها و شرب , تخبز أسوأ الفطائر في لندن و لا يفكر أحد بالإقتراب من متجرها , هذا الإنعدام العاطفي قد يقتل الفيلم لدى البعض و قد يقلل قيمته لدى البعض الآخر ، و هو لا يأتي صدفةً أو دون توجيه ، نراه يتكرر مجدداً مع ثنائية جوانا و أنتوني التي بالرغم من تمكن بناءها و جودته تفقد تعاطف المشاهد و تواصله معها , بيرتن صبغ فيلمه بسواد شديد جعلته بجدارة (أكثر الأفلام الموسيقية قسوة و دموية على الإطلاق) , و رصعه بمجموعة من الأغاني التي تضرب في صميم الأثر العميق الذي تحدثه الرغبة الفتاكة بالإنتقام أخص منها أغنيتي My Friends و Johanna و Pretty Women و على الأخص A Little Priest التي يتبادل فيها الزوجان السفاحان الحديث عن مذاق الفطائر الآدمية , يتوج ذاك بالتأكيد أداءٌ حيويٌ فعالٌ من هيلينا بونهام كارتر يمنح شخصية السيدة لوفيت نبرة كوميدية منخفضةً و لذيذةً جداً , و أداء عظيم من جوني ديب في دور الحلاق المغدور : إنطلاقه من خلفيته الموسيقية ، احساسه العالي بالأغاني بالنظر لشخصٍ يغني للمرة الأولى على الشاشة ، غضبه الذي يبقى تحت السطح في أكثر حالاته هدوءاً ، و النشوة التي يصدح بها وجهه و هو يهتف بإسم (بينجامين باركر) محققاً إنتقامه الأخير , كل تلك الجزئيات تجعله عملاً غنائياً للبقاء في الذاكرة .

التقييم من 10 : 9