الأربعاء، 31 أكتوبر 2012

Wings

كتب : عماد العذري

بطولة : كلارا بو ، تشارلز روجرز ، ريتشارد آرلن
إخراج : ويليام ويلمان

عادةً عندما يتم الحديث عن النقاط النوعية المهمة في مسيرة هوليوود أو في مسيرة السينما عموماً ، يوضع عام 1927 بينما الأعوام الأكثر أهميةً على الإطلاق ، قدّم لنا هذا العام تحفتين سينمائيتين ما يزال البعض يعدّهما الأعظم في حقبة السينما الصامتة ، نتكلم هنا عن Sunrise و Metropolis ، و إختتم أحداثه بتقديم الإنقلاب الأكثر دوياً ربما في تاريخ السينما بظهور أول الأفلام الناطقة The Jazz Singer ، و شهد تقديم الفيلم الذي حظي بأول تكريمٍ بجائزة الأكاديمية الأمريكية للعلوم و الفنون السينمائية التي أصبحت تعرف لاحقاً بالأوسكار ، مرسخاً تقليداً سنوياً ليس على صعيد هذا الحدث فحسب بل على مستوى خلق ثقافة التكريم و الإحتفاء الرسمي بالجهود السينمائية الأعظم كل عام ، و من أجل هذا الإبتداع الذي أوجدته الأكاديمية يتذكر الكثير من الناس فيلم Wings .

جاء هذا الفيلم في الذروة الأولى لطغيان ما يعرف بنظام الأستديو ، إشترت بارامونت حقوق تحويل النص ببضعة آلاف من الدولارات ، و استأجرت لتنفيذه واحداً من طياري الحرب العالمية الأولى يدعى ويليام ويلمان ، و جلبت نجمتها الأولى كلارا بو للقيام بدور البطولة بالرغم من ظهورها المحدود في الفيلم ، و أنفقت مليوني دولار لتحويل هذا النص إلى فيلمٍ سينمائي في عمليةٍ كانت الأضخم و الأكثر كلفة في مسيرة هوليوود حتى حينه ، و حققت الكثير من الارباح من عرضه الذي استمر في الصالات لستةٍ و ثلاثين أسبوعاً ، نموذجٌ مثاليٌ جداً لنظام الأستديو حيث تبدو السينما أقرب إلى عملياتٍ حسابيةٍ و خطواتٍ روتينيةٍ مكررة أكثر من كونها عمليةً فنيةً إبداعيةً في الأساس ، لكن هذه العملية أتت ثمارها في الختام ، منح الفيلم بعد عرضه بأشهر أول جائزةٍ من نوعها في الإنتاج السينمائي تقدمها الأكاديمية الأمريكية للفنون و العلوم السينمائية ، في ذات الليلة التي منحت الأكاديمية فيلم Sunrise جائزة أفضل جودةٍ فنية ، قبل أن تعلن دمج الجائزتين في العام التالي تحت مسمى أفضل إنتاج و تعلن أن Wings ( و ليس Sunrise ) هو الفائز الرسمي بجائزتها الكبرى في عام 1927 .

يحكي الفيلم قصة جاك باول و ديفيد آرمسترونغ ، شابان ينتميان إلى طبقتين مختلفتين في البلدة ذاتها ، مع ذلك فإختلافهما في الواقع ليس اختلافاً مادياً ، هما واقعان في حب الفتاة ذاتها ، سيلفيا لويس ، التي تحب ديفيد في الحقيقة لكنها غير قادرةٍ على التعامل بفظاظةٍ مع جاك الذي يبدو لطيفاً معها و عاجزاً عن تقدير الحب الذي تحمله له ماري بريستن جارته الودود ، علاقة جاك و ديفيد توضع على المحك عند تطوعهما في سلاح الجو الأمريكي في الحرب العالمية الأولى ، حيث تزداد العلاقة توتراً ، ثم تبدأ في التحسن عقب شجارٍ بينهما ، يصبحان صديقين مقربين ، قبل أن تبدأ الحرب بإلقاء ظلالها على كل شيءٍ من حولهما .

كتب نص هذا الفيلم هوب لورينغ و لويس لايتون عن قصةٍ لجون مونك ساوندرز ، و بالرغم من أن السينما لم تكن قد إرتقت في تلك الحقبة لنوعية الحبكات و قيمة المعالجات النفسية التي قدمتها لاحقاً إلا أن نص هذا الفيلم يبدو متواضعاً حتى بالقياس لكلاسيكيات عصره ، بأي حالٍ من الأحوال لا يمكن اعتبار هذا العمل فيلم نص ، هو فيلم مستندٌ إلى نصٍ يعمل وفقاً لنظام الاستديو بالمعنى الكامل لهذه الكلمة ، حيث القصة تلامس شيئاً مما يحب الجمهور رؤيته في تلك الفترة ، و حيث مدة الفيلم الطويلة و التي تصل إلى 144 دقيقة بلغت هذا الرقم بسبب رغبة منتجيه منح بعض الملحمية للفيلم ، و حيث دور ماري بريستن يوسّع بطريقةٍ غير متماسكة فقط من أجل ملائمة وضع نجمٍ مهم في مقدمة العمل ، على الأخص كلارا بو نجمة استديوهات بارامونت الأولى حينها ، النص يعمل وفقاً لهذه الشروط التقليدية ، بالتالي أنت لا تنتظر منه في الواقع أن يقدم لك شيئاً مشابهاً للأعمال التي ولدت خارج نظام الأستديو مثل Sunrise و Metropolis ، الكلاسيكيتان الأعظم اللتين جاد بهما ذلك العام ، المعادلة مختلفةٌ قليلاً هنا .

في هذا النص يحاول الكاتبان خلق التوليفة المريحة للمشاهد ، حيث صراعٌ مبكرٌ على قلب فتاة لا يلبث أن ينقلب صداقةً قويةٍ مع مرور الوقت عندما تبدأ الحرب بإلقاء ظلالها على كل شيء ، ثم يلقي رشة بهاراتٍ منوعةٍ من كل ما يحبه الجمهور ، نجمةٌ محبوبةٌ تلعب دور امرأة شغوفةٍ تعاني بسبب عاطفتها ، معارك مثيرةٌ تملأ الشاشة من حينٍ لآخر ، و البعض من معاني الحب ، و التضحية ، و الصداقة في زمن الحرب ، هو جيدٌ على هذا الصعيد ، لكنه لا يبدو عميقاً بما فيه الكفاية ليجعل من قصته وحدها محور نفوذه في الجمهور ، ربما تتذكر بعد مشاهدتك له الكثير مما أعجبك فيه ، لكن من الصعب أن تقول بأن قصته هي ما بقيت في ذاكرتك .

حبكة الفيلم و الحدث الذي يقدمه النص يبدوان كافيين بالكاد لتسيير الفيلم دون أن يكونا غنيين بما فيه الكفاية لمقارعة هذا الفيلم الملحمي في جانبه التقني كي ترتقي به إلى مستوى التحف السينمائية التي قدمها عصره ، و مع أن الكثير من تفاصيله تبدو مستهلكةً بمقاييس عصرنا ، إلا أن قصة هذا الفيلم لم تكن مستهلكةً بمقاييس زمنها ، و لا أتذكر فيلماً من حقبته يتقاطع معه في تفاصيل هذه الحبكة ، قصته في الواقع كانت بسيطةً جداً ، و مباشرةً جداً ، بطريقةٍ حولتها مع مرور الزمن إلى مجموعةٍ من الكليشيهات أو المفاصل التقليدية المستهلكة ( و يحلو لي كثيراً تذكر فيلم Pearl Harbor هنا ) ، و عندما تترافق هذه الجزئية مع المدة الطويلة للفيلم التي أصر النص على التمدد للوصول إليها تسرق هذه الجزئية الكثير من بريق و قيمة القصة فيبدأ المشاهد بالشعور بأن المعارك التي يشاهدها لن تنتهي ، صحيح أنه يحاول ان يقدم لنا تضميناته الخاصة عن قيمة الصداقة و قسوة الحرب ، و عن الحرب التي تجعل الموت سبيلاً للبطولة ، إلا أنه يبدو مباشراً جداً على هذا الصعيد دون أن يحقق الكثير على مستوى اشعارنا بقيمة تلك التضمينات ضمن قصته فعلاً ، هو يعمل تماماً كما يفترض نظام الاستديو ، لنا أن نلاحظ بسهولة كم تبدو شخصية ماري مثاليةً جداً ، أقرب إلى شخصيةٍ يجب أن تحبها و تحزن لعدم تقدير عاطفتها ، لكنك مع ذلك لا تستطيع أن تنكر أن الشخصية صممت وفقاً لنجومية كلارا بو محبوبة الجماهير ، بالرغم من أن حجم الدور ذاته لا يتناسب مع ذلك ، لكن بارامونت تحتاج مع ذلك لتسويق الفيلم استناداً لقيمة نجمته الأولى لدى الجماهير ، جزئيةٌ تتجلى بوضوح في مشهد الإحتفال الباريسي الذي يبدو مصمماً تماماً لمنح كلارا بو المزيد من الوقت على الشاشة خصوصاً إذا كان الجمهور سيحظى بواحدٍ من المشاهد الفاضحة المبكرة جداً على الشاشة الكبيرة ، و هو مشهد يبدو مصمماً تماماً لإستغلال قيمة كلارا بو لدى المشاهد ، و يمكن بسهولة صناعة هذا الفيلم دون وجوده .

رجل الفيلم بإمتياز هو مخرج العمل إبن الثامنة و العشرين ويليام ويلمان الذي تبدو خبرته القتالية في سلاح الجو الأميركي إبان الحرب العالمية الأولى استغلالاً موفقاً للغاية من بارامونت ، الرجل يبدو ماهراً جداً في إدارة اللعبة و يتفوق بشكلٍ لا جدال فيه على نص الفيلم ، و مع أن ويلمان استمر لاحقاً في تقديم أعمالٍ جيدةٍ ربما أشهرها نسخة 1937 من A Star is Born التي نال عن كتابة نصها جائزة أوسكار ، إلا أن Wings هو ما يقترن إسم ويلمان به دائماً ، عمله هنا كان مبهراً حتى بمقاييس زمننا ، استغل الرجل نفوذه و علاقاته الجيدة مع سلاح الجو ليقدم أول تعاونٍ بين هوليوود و المنظومة العسكرية الأمريكية في فيلمٍ سينمائي ، و هو التعاون الذي كان مشروطاً بتقديم صورةٍ لامعةٍ للجيش الأمريكي على شاشات السينما ، و وظف هذه الإمكانيات التي من الصعب توفرها لأحدٍ في حينها و الميزانية الضخمة الموضوعة تحت تصرفه من أجل ملء الشاشة بالعمل الإكثر إبهاراً على الصعيد البصري في زمانه ، كان مبهراً فعلاً لأن الطيران لم يكن منتهكاً في حينها من قبل بصر المشاهد ، كان شيئاً جديداً و مغرياً جداً خصوصاً إذا كان مخرج الفيلم لن يكتفي بمنح المشاهد جرعة من مشاهدة الطيارات تحلق هنا و هناك و إنما سيمنحه أيضاً فرصة أن يعيش التجربة ، ويل ويلمان يصور الكثير من مشاهد المعارك الجوية هنا مستخدماً طائراتٍ حقيقيةٍ تحلّق فعلاً و تطارد بعضها فعلاً مستخدماً كاميراتٍ موضوعةً على مقدمة تلك الطائرات ، كان الفيلم رائداً بحق على هذا المستوى ،  و مشاهد المعارك الجوية التي يقدمها هي مشاهد غير موجودةٍ عند من سبقه و لا جدال في عظمتها عند من لحقه ، يبدو هذا الفيلم أشبه بالمكافئ المعاصر في زماننا لفيلم Top Gun الذي أصبح أشبه بعلامةٍ مسجلةٍ لأفلام التحليق منذ عرضه أواخر الثمانينيات ، و المؤثرات البصرية العظيمة التي يحققها قبل عقودٍ على ظهور الـ CGI و الخلفيات الخضراء و الزرقاء هي ما منحت الفيلم قيمته و بريقه و عظمته حتى يومنا هذا ، قدرته على صناعة مشاهد طيرانٍ حقيقية ( بل وقام بطلا الفيلم بتنفيذها فعلاً ) خلق له قيمةً نافذةً لدى عين المشاهد التي يروقها دوماً كل ما هو حقيقي ، ذات التفصيل الذي جعل مشهد هجوم فاغنر الشهير في Apocalypse Now عظيماً بحق بعد عقودٍ على اطلاق الفيلم ، يبدو فيلم ويل ويلمان هذا تطبيقاً واضحاً - و إن كان غير مقصود – لفكرة : عندما تخيّر بين صناعة مؤثراتٍ حقيقيةٍ و صناعةٍ مؤثراتٍ حاسوبية ، قم بتقديم الحقيقية حتى لو كانت باهظة الثمن ، جزئيةٌ ملموسةٌ فعلاً في هذا الفيلم و هي ما جعلت الفيلم تجربةً مثيرةً في عظمة الصنعة السينمائية خصوصاً في تلك الحقبة المبكرة من عمرها ، ذلك النوع القادر على إبهارك حتى أثناء مشاهدته بعد أكثر من ثمانين عاماً على إطلاقه ، من أجل هذا فقط بقي هذا الفيلم خالداً حتى يومنا هذا .

ويل ويلمان لا يكتفي فقط بصناعة مشاهد قتالٍ جويٍ استثنائيةٍ و غير مسبوقة ، يبدو جيداً جداً في توظيف أدواته الأخرى ، خصوصاً على مستوى التصوير ، لقطات كثيرة لم تعتدها السينما تجدها هنا ، أذكر منها لقطةً تخترق فيها آلة التصوير الطاولات الموجودة في ذلك الملهى الباريسي وصولاً إلى طاولة جاك باول ، و اللقطة الأخرى التي تصور ديفيد و سيلفيا في الأرجوحة مطلع الفيلم ، دون أن ننسى بعض اللقطات المميزة فعلاً في الخنادق أو في التقاط المجاميع أثناء الحرب ، علاوةً على توظيفه الجيد لموسيقى ستيبان زامكنيك التي لا يخفى أثرها هنا خصوصاً و نحن نتحدث عن فيلمٍ صامت ، و مع أن الفيلم يُذكر أحياناً بكونه أول أفلام الأوسكار و الفيلم الصامت الوحيد الذي نال الجائزة الكبرى ( قبل أن يجيء فيلم The Artist العام الماضي ) ، أو بكونه واحداً من الأعمال السينمائية المبكرة التي عرضت مشاهد فاضحة أو لقطاتٍ دموية ، أو بكونه قدّم أول قبلةٍ سينمائيةٍ ذكوريةٍ على الإطلاق ، إلا أن الإبهار البصري العظيم الذي أوجده ويل ويلمان برأيي من خلال معاركه الجوية المطوّلة على الشاشة هو ما صنع الفارق الحقيقي في قيمة هذا الفيلم الراسخة في الذاكرة .

التقييم من 10 : 8