الخميس، 3 مارس، 2016

Carol

كتب : عماد العذري

بطولة : كيت بلانشيت ، روني مارا
إخراج : تود هاينز (2015)

منذ إطلاقه في مهرجان كان قرأت الكثير عن علاقة فيلم تود هاينز الجديد بكلاسيكية ديفيد لين Brief Encounter ، و من معرفتي المسبقة بتود هاينز كنت على ثقة بأنه كما فعلها مسبقاً مع فيلم دوغلاس سيرك All That Heaven Allows في رائعته Far From Heaven سيعيدها مجدداً في Carol و سيجعلني أثار و أتفاعل و أبتسم ، لكنني عندما قررت أن أشاهد هذا الفيلم وجدت نفسي أبتسم مبكراً جداً ، قبل كل شيء ، قبل أي مشهد و قبل أن يظهر إسمٌ واحدٌ في التتر ، سمعتُ صوت قطار !

في عمله السينمائي السادس و الأول الذي لا يكتبه بنفسه يقتبس تود هاينز رواية The Price of Salt لباتريشا هايسميث وهي الرواية التي احتاجت 63 عاماً كي تجد طريقها إلى السينما بعدما علقت لها المشانق لعقود عندما نشرتها هايسميث تحت إسمٍ مستعار هو كلير مورغان مطلع الخمسينيات استذكاراً لحكايةٍ عاشتها يوم عملت في متجرٍ للتجزئة في نيويورك بعد الحرب عندما وجدت أمامها سيدة مجتمعٍ شقراء ضربتها في الصميم ، وهي الرواية التي احتاجت أكثر من أربعة عقود حتى تستطيع باتريشا هايسميث أخيراً نشرها تحت إسمها الحقيقي و بمسمى جديد هو Carol ، الرواية تأخذ منظور الشخص الثالث الذي يبدو وكأنما يعيش داخل شخصيتها الرئيسية تيريز بيليفيت (هايسميث نفسها في الواقع) ، وهنا تأتي أهمية اقتباس فيليس ناج .

في الفيلم هناك تيريز بيليفيت ، شابةٌ تعيش في نيويورك وتعمل بصورةٍ مؤقتةٍ في متاجر فرانكنبيرغ للتجزئة خلال موسم الأعياد ، تقع عينها ذات يومٍ على سيدة شقراء قدمت إليها في المتجر لشراء هدية العيد لإبنتها ، تحدث المفارقة و يمتد ذلك اللقاء العابر ليتحول إلى علاقةٍ عاطفيةٍ تغير حياتهما للأبد .

الفيلم مقسّمٌ بالتساوي إلى أربعة أجزاءٍ غير محسوسة ، ثلاثةٌ منها تجري في الأسبوعين الأخيرين من عام 1952 بينما نعيش الربع الأخير في الأشهر الأربعة الأولى من عام 1953 ، ينتهي الأول مباشرةً قبل زيارة تيريز لكارول في منزلها (التأسيس)، و ينتهي الثاني مباشرةً قبل رحلتهما في الكريسماس (الذروة) ، و ينتهي الثالث بالنهاية التدميرية للرحلة (الهبوط) ، و ينتهي الرابع إلى الختام العظيم للفيلم ، تود هاينز يدير نص فيليس ناج بإدراكٍ تام لإيقاع الحدث الذي يريد أن يستخرجه في الأساس من روح باتريشا هايسميث التي لطالما اشتهرت بأعمال الجريمة و بالثيم القصصي الذي طبع أعمالها عن الإستحواذ و الإزدواجية خصوصاً في عمليها الشهيرين Strangers on a Train و The Talented Mr. Ripley ، لتقدير ما تفعله فيليس ناج - الصديقة المقربة لباتريشا هايسميث و التي عملت على هذا النص لـ 18 عاماً أنتجت خمس نسخٍ نهائية وعشرات النسخ المعدلة – يمكن أن ننظر أولاً في العلاقة الأزلية بين الأدب و السينما ، معضلة السينما التقليدية في اقتباس الأدب تكمن في تقييد المساحة المتروكة لخيال القارىء في الأدب ، إعطاءه الإجابات البصرية والقصصية الجاهزة لما يفترض أن يكون الأدب قد استفزه في خياله أثناء قراءته للرواية وتقييد حسية العمل الأدبي إلى نتائج ماديةٍ على الشاشة ، و أعتقد أن هذا تحديداً ما يجعل اقتباس هذه الرواية بالذات أمراً بالغ الصعوبة ، فعلاوةً على حسية الأدب قياساً بالسينما هذه الرواية حسيةٌ جداً حتى قياساً للأعمال الأدبية !! ، منظورها ذاتيٌ جداً ، قراءتها كأنك تعيش داخل رأس شخصيتها الرئيسية لحظةً بلحظة ، الأمر الذي يجعل تجسيد تلك الحسية بصرياً و قصصياً و أدائياً كابوساً حقيقياً يفسر المدة الزمنية الطويلة التي استغرقتها ناج في إيجاد الحلول القصصية المناسبة لتحكي هذه الحكاية .

قيمة اقتباس ناج يرتكز برأيي إلى ثلاثة أمور : الأول هو تغيير منظور السرد من منظور الشخص الثالث الذي ينظر للحدث من داخل شخصية تيريز بيليفيت بإتجاه شخصيةٍ أخرى أقرب للأسطورة في الرواية هي شخصية كارول ، ناج تحافظ على منظور الشخص الثالث لكنها تخرجه خارج الشخصيتين لتجعله كمن يراقبهما بالتوازي ، و الثاني هو إبتداع عالمٍ كاملٍ مليءٍ بالتفاصيل للشخصية الأخرى كارول لم يكن موجوداً في الرواية إلا بالمساحة التي تراها تيريز منها ، و الثالث هو قدرتها بالرغم من ذلك على عدم تجريد تيريز من أن تكون روح العمل وزاوية رؤيتنا له و نصيرنا الأول فيه حتى لو لم تكن هي منظور السرد و التلقي في الوقت الذي تمنح فيه كارول أيضاً ثقلها القصصي حيث عالمها في الواقع هو من يحرك إيقاع الحكاية ، و بالتالي إتاحة الفرصة أمام الحلول البصرية لتود هاينز لرسم الغواية التي مارستها هالة كارول (المحورية) على مطاوعة تيريز و امتثالها (كروحٍ للعمل).


تود هاينز لم يكن مخرج هذا العمل المتعثر الذي ساندته كيت بلانشيت و زوجها آندرو آبتون كمنتجين منفذين ، جون كراولي كان هو المخرج قبل أن تؤدي مشاكله المادية إلى إعتذار كراولي كي يتفرغ لإخراج فيلمه الممدوح Brooklyn ، قبل مرحلة الإعتذار هذه عرض دور تيريز بيليفيت على روني مارا عام 2012 لكنها اعتذرت بحجة الإرهاق الشديد الذي تعرضت له من تصوير ستة أفلامٍ خلال عام فتم إستبدالها بالأسترالية ميا واشيكوفسكا ، لكن المشروع تداعى للسقوط بفعل مشاكل انتاجيةٍ أخرته كثيراً و أدت لاعتذار واشيكوفسكا ايضاً ، مصممة الأزياء العظيمة ساندي باول – الصديقة المقربة لبلانشيت وهاينز – طرحت فكرة إخراج العمل على تود هاينز ذات لقاء فتحمس لها خصوصاً بوجود بلانشيت في الدور الرئيسي وهي التي سبق وكانت في اقتباسٍ آخر لهايسميث في فيلم أنتوني منيغيلا The Talented Mr. Ripley وسبق لتود هاينز نفسه أن قادها إلى حفل الأوسكار قبل بضعة أعوام ، ما أن وصل تود هاينز إلى العمل حتى قرر أنه يريد روني مارا – ولا أحد سواها - في دور تيريز بيليفيت ، أعادها إلى المشروع بعد عامٍ كاملٍ على اعتذارها ، تود هاينز قلب كيان المشروع كلياً ، اقترح الكثير من التعديلات على الصورة النهائية للنص ، اقترح أيضاً الـ Frame Story المستلهمة من فيلم ديفيد لين ، و كان بإمكان هاينز حين تسلم العمل وفضل خلق هذه المحاكاة البصرية القصصية لموضوع الحب المحرم مع فيلم ديفيد لين أن يلجأ إلى الحل القصصي ذاته الذي استخدمه لين في رائعته : الفويس أوفر ، لكن هاينز كان يرى أن ذلك سيصيب حسية الرواية في مقتل لأنه سيتناقض مع روح العمل الذي يستكشف (إحساس) الوقوع في الحب ، هاينز قام بتعديلٍ ملفتٍ على الشخصيات المحيطة بكارول و تيريز لأنه كان يعرف تماماً ما الذي يريده من هذا النص و أي مستوى من الحسية يريد أن يبلغه من خلال شخصياته ، أراد أن يبني فيلمه بالكامل على لغة الجسد و التفاصيل و نظرات الأعين و حركات الرأس و أن يخلصه من الحوار الفائض و الشرح و الفويس أوفر ، لك أن تتخيل مثلاً أن جلسة التعديل الأخيرة على السيناريو تواجد فيها هاينز و ناج و بلانشيت و مارا ، و كان هدفها حذف جميع الأسطر الحوارية التي يمكن للممثلتين التعبير عنها بلغة الجسد !! ، فعلها و كانت النتيجة كما أرادها.

قطار ديفيد لين يصل مبكراً جداً إلى الفيلم ، يفتتح هاينز فيلمه على أحد المنافذ العلوية لمترو الأنفاق المنتشرة في شوارع نيويورك قبل أن تستقيم الكاميرا لتلتقط بوابة الخروج من المترو ثم تعبر الشارع متعقبةً في لقطةٍ طويلة رجلاً بعينه يشتري جريدةً قبل أن ينفذ إلى الريتز تاور ليشهد لقاء تيريز بكارول ، منذ الكادر الأول يخبرك تود هاينز كما يفعل دائماً أن (الصورة ليست دائماً كما تبدو عليه) ، ينتقل في هذه اللقطة من (البيئة) إلى (الشخصيات) ، ومن كئابة الإفتتاح إلى صورةٍ مؤثرةٍ لسيدتين تديران أهم حوارٍ في حياتيهما قبل أن يقاطعهما جاك صديق تيريز ، موسيقى كارتر بورويل تحضرنا تماماً لما سنراه منذ اللحظة الأولى ، هناك موسيقى عظيمة ، وهناك موسيقى (تصويرية) عظيمة ، وهذه موسيقى تصويرية عظيمة تلعب دور شخصية الفيلم الثالثة التي تسهم في الحكاية بقدر ما تفعل جاذبية بلانشيت و عينا مارا ، موسيقى بورويل تخلق في تتابع اللقطة الإفتتاحية من مستوى الأرض إلى مستوى الريتز تاور إحساساً غريباً بأننا سنشاهد شيئاً مختلفاً ، وصوت القطار الذي نسمعه منذ اللحظة الأولى لا يتكامل شكلياً فقط مع الحكاية المؤطرة التي تستلهم رائعة ديفيد لين بل تتجاوز مسألة المحاكاة السردية إلى تأملٍ في عمق علاقةٍ محرمةٍ أخرى تحمل الكثير من التوازيات في بساطتها و توترها و منظور سردها و مستقبلها مع فيلم ديفيد لين ، عندما يهتف جاك بإسم تيريز قد يلفتنا تأخر تيريز في الإستجابة للصوت ، تفصيلٌ سيجعله هاينز رهيناً بإكمال الحلقة عندما نشاهد الجزء الأول من هذا اللقاء قرب الختام ، سنعرف تماماً حينها في المشهد المعاد أي عالمٍ كانت تيريز تحلق فيه عندما أخبرتها كارول و لأول مرة (أحبك) ، صوت جاك هنا كان كمن جعلها تستفيق من غيبوبة ، يراهن تود هاينز مبكراً جداً على ممثلتيه لوضعنا في مود ما سيحكي ، لا نحتاج للكثير لنعرف حجم الأسى في نظرات كارول و تيريز ، لا نعرف لماذا لكننا نعرف أن شيئاً عميقاً جداً قد حدث هنا ، في توازيات هاينز مع ديفيد لين يختم المشهد على يدين توضعان على كتف تيريز كما حدث في فيلم لين ، سنلحظ بسهولة حجم الفارق بين أثر اليد الأولى و الثانية على تيريز ، شريط الصوت بنهاية هذا المشهد يخلق حالةً من التوتر مع إدراك تيريز أن كارول قد رحلت تتحول إلى متواليةٍ صوتيةٍ مستمرةٍ عن (الألم) و (الحنين) و (الشجن) عندما ينقلنا عملٌ مونتاجيٌ غير مقدر من آفونسو غونسالفس إلى سيارة تاكسي تستقلها تيريز في طريقها إلى الحفلة ، يمارس تود هاينز من خلال وجه بطلته (التعبيري جداً) و موسيقى كارتر بورويل و عبر كاميرا و إضاءة إد لاكمان مفهوم التعبير اللوني عندما يتدرج من الأخضر إلى الأحمر ثم إلى الإنطفاء في لوحةٍ تعبيريةٍ جداً .


في هذا التتابع توقفت في مشاهدتي الأولى عند لحظةٍ لم أستطع أن أمر عليها بسهولة ، لحظة انعكاس أضواء الشارع على عين الكاميرا ، اللحظة التي ذكرتني دون تردد بفيفيان ماير ، ربما كان أمراً عابراً ، لكنني في المشاهدة الثالثة تأكدت تماماً أن ذلك لم يكن شيئاً عابراً أبداً ، الشوارع ، الإضاءة ، واجهات المحلات ، التصوير عبر الإنعكاسات ، قطرات المطر ، الحواجز المادية ، الألوان ، حتى حقيبة التصوير التي تحملها تيريز نسخةٌ طبق الأصل من حقيبة المصورة الخمسينية الأشهر فيفيان ماير وحتى صورها المعلقة في المنزل أو تلك التي تلتقطها لكارول تحاكي صور ماير ، تلك الملاحظات كثفت لدي إحساساً قسرياً بأن تحويل تود هاينز لتيريز من مصممة إنتاجٍ مسرحيٍ في رواية هايسميث إلى مصورةٍ فوتوغرافيةٍ في الفيلم لم يكن شيئاً عفوياً ابداً ، تود هاينز من خلال روح المصورين الفوتوغرافيين في الخمسينيات ينظر للحكاية (بصرياً) من عيني مصورةٍ فوتوغرافيةٍ خمسينية ، عندما استمعت إلى هاينز ذاته يتكلم عن مرجعية مصوري الخمسينيات (الإناث منهن تحديداً) في وضع الثيم البصري لهذا الفيلم شعرت بعظمة ما فعله ، هاينز يبقي محور تعلقه بميلودراميات سيرك في المنتصف لكنه يجردها بصرياً من روح سيرك حيث تعدد الألوان المطفأة و بريق الصورة و نظافة البيئة ، يدرك مع مدير تصويره العبقري إد لاكمان الفارق بين مطلع الخمسينيات و أواخرها (حيث أحداث Far From Heaven) ، بين النهوض المتباطىء بعد الحرب و بين الإنتعاشة الإقتصادية (حيث حقبة أفلام سيرك) ، لا يقدم الحقبة من خلال خلفيتها السياسية بأكثر من تفاصيل عابرة كتهكم صديقين على (لجنة التحقيق في الولاء في الخمسينيات) أو تحية محلات فرانكنبيرغ للرئيس أيزنهاور وزوجته أو بعض الصور لحملته الإنتخابية أو كلام أيزنهاور ذاته في التلفاز في منزل عائلة هارج ، هاينز يخلق الحقبة بصرياً من خلال الصورة غير المشبعة ، و البيئة غير النظيفة ، و الزجاج المتسخ ، و شخبطات الأرصفة ، و المطاعم و واجهات المحلات و الشوارع ، صورةٌ حقيقيةٌ مختلفةٌ تماماً عن الصورة الخمسينية التي جاءتنا من السينما ، يصنعها هاينز بروح فن الشارع الذي رأى ما لم نره نحن في الحقبة : الأفلام الروائية ذات المسحة الوثائقية ، لوحات إدوارد هوبر ، و مصورو الفوتوغراف ، ينظر لميلودراميات الحب المحرم بطريقةٍ مختلفةٍ (بصرياً) عن نظرة دوغلاس سيرك بالرغم من أنه يحتفظ بتقاطعاته الكثيرة معه قصصياً وبصرياً : لعبة الألوان عموماً (مع تعاملٍ بصري مختلف) ، شخصياته الطموحة والعاجزة عن اتخاذ قرار ، الطبقة المتوسطة والعاملة ، الإنعكاسات والمرايا ، الكريسماس ، الرجال الذين يحبون بطريقتهم ، و الأبناء كمحركٍ للحدث ، التصوير في الممرات و أمام الأبواب و المداخل و على الأرصفة و أمام السيارات المتوقفة ، والموضوع الرئيسي الذي يتلوه موضوعٌ ثانوي ، الكثير من سيرك هنا ، لكن فلسفة لاكمان في هذه الصورة تتعامل بطريقةٍ مختلفةٍ مع كل تلك المشتركات البصرية ، و إختياره هنا للسوبر 16 ليس هدفه فقط توليد الـ Grains من أجل خلق شعورٍ بالحقبة (و الـ Grains يمكن توليدها رقمياً بالمناسبة) ، لاكمان يريد أن يخلق من خلال الصورة حاجزه البصري الخاص ، يستخدمها كغايةٍ لذاتها وليس مجرد وسيلةٍ للإحساس بالزمان ، من خلالها أنت تنظر عبر وسيط ، عبر مسافةٍ بينك وبين عناصر الصورة ، ومن خلال تلك المسافة ستلتمس حميميةً مهولةً وغير متوقعةٍ في الصورة ، حقيقية الـ Grains وبالتالي عدم ثبات تبعثرها (لأنها موجودةٌ على خام سوبر 16 فعلاً) تعطي حالة التفاعل بين العناصر في الصورة ومن ينظر في تلك الصورة مستوىً أبعد أكثر صدقاً ، أنت لا تشاهد هنا مجرد صورةٍ قديمةً ، أنت تشاهد صورةً قديمةً مشبعة الألوان فائقة الحميمية ، الـ Grains تعطي وجوه الممثلين و إطارهم البصري حميميةً لا يمكن توقعها تمنح حتى تلك العناصر التي لطالما أحببنا رؤيتها رقمياً (كالإنعكاس على الزجاج مثلاً) مذاقاً مختلفاً مصدره حالة التباين التي تتحقق عند النظر في الألوان (المشبعة) عبر صورةٍ (منخفضة الإشباع) كتلك التي يحققها السوبر 16 ، وهو شيءٌ يشابه في نتيجته الجمالية – وليس في فلسفته وتكنيكه – بعض ما يفعله تيرنس ديفيز و وونغ كاراواي ، و عندما تشاهد الآن مجموعة الصور أعلاه و تقارنها بمجموعة الصور أدناه ستلتمس بسهولة المرجعيات البصرية التي تعامل معها هاينز ليصنع بيئة وعالم تيريز بيليفيت في الفيلم من خلال عيني مصورةٍ فوتوغرافيةٍ في الخمسينيات و بتكوينات مصورةٍ فوتوغرافيةٍ في الخمسينيات و بأدواتها أيضاً ، الفيلم كأنه خارجٌ من فن فيفيان ماير و إستر ببلي و هيلين ليفيت و روث أوركن و سول لايتر و لا أعتقد أنه يشبه في فكره التصويري أي شيءٍ آخر وضع على شريطٍ سينمائيٍ من قبل . 


من خلال الفلاشباك يأخذنا هاينز مباشرةً من وجه تيريز المحبط إلى صوت القطار ، القطار (اللعبة) ، قطار البداية كما في فيلم ديفيد لين ، القطار هنا – بكل دلالاته في الحكاية – هو واحدٌ من أهم إضافات فيليس ناج للرواية بتأثيرٍ من تود هاينز ، نرى في الفلاش باك الخاطف اللحظة الأولى للقاء عيون كارول بتيريز ، يتكفل مونتاج أفونسو غونسالفيس و موسيقى بورويل بحكاية كل شيءٍ قبل الحكاية ، خلال خمس دقائق فقط من الفيلم يضع تود هاينز مشاهده تحت ضغطٍ عاطفيٍ كبير وهو يرى (بقايا) الحكاية منتظراً أن يشاهد الحكاية كلها ، من صوت المنبه تنقلنا فيليس ناج إلى عالم تيريز بيليفيت ، أجمل ما تفعله ناج مع تيريز أنها ترمي خلفيتها الإجتماعيةً بعيداً دون أن تتجاهلها ، تجردها من الكثير من الشخصيات الثانوية المحيطة بها لتكثف فقط شعور (الوقوع في الحب) الذي يريد هاينز أن يتمحور حوله هذا العمل ، يترك هاينز للتفاصيل و للصورة مهمة خلق تلك الخلفية دون أن يقحمها أو يفرضها على مشاهديه ، أنت تفهم كل شيءٍ عن تيريز دون أن يقوله لك النص : منزل تيريز متواضع الأثاث ، نومها في البرد دون مدفأة و استيقاظها في الصباح لتشعلها كي تنظف أسنانها ، ملابسها المتواضعة ، عملها في محلات فرانكبيرغ بتوصيةٍ من ريتشارد ، حياتها بدون عائلة ، نسيانها لمعنى العائلة و دهشتها لدعوة ريتشارد إياها لقضاء الكريسماس مع عائلته ، نسيانها للكريسماس ، قبعة سانتا كلوز التي لا ترتديها منذ دخولها إلى المتجر حتى تذكرها مسؤولة القسم ، قضائها ليلة رأس السنة وحيدةً بين الحشود كما تخبر كارول ، مراقبتها للنساء أثناء تناولها إفطارها في المتجر ، عينا البومة كما وصفتها باتريشا هايسميث اللتين تضعهما روني مارا حرفياً على الشاشة ، ولعها بالقراءة كما تخبر كارول و مكتبتها الممتلئة في منزلٍ يفتقد للكثير ، جلوسها الصباحي أمام القطار اللعبة الذي لطالما تمنته في طفولتها ، استكانتها لتذمر مديرة قسم الألعاب في المتجر ، إحساسها بالتوتر بسبب عملها هناك كما تخبر كارول ، عزفها المتواضع على البيانو ، ردها المبتور على سؤال كارول عن دميتها المفضلة (لم يكن ..) قبل أن تتدارك فتقول (ليس الكثير) ، إسمها التشيكي الذي تم تغييره ، طموحاتها في الارتقاء كمصورة رغم عدم امتلاكها لكاميرا لائقة ، سعادتها بإصلاح الكاميرا ، أصدقائها الذكور ، إنبهارها برحلتها مع كارول ، إنبهارها بأثاث الفندق الذي تحل فيه ، و تفاصيل أخرى منثورةٌ بذكاء تساندها لغة جسدٍ لـ (طفلةٍ كبيرة) تقدمها روني مارا بعظمة ، ناج من خلال التفاصيل تخلق صورةً كاملةً و (غير مباشرةٍ) لتيريز ككائنٍ حيٍ كان يعيش قبل الحكاية ، لا تتحدث عن حياة تيريز قبل كارول ، لكنها تتيح لأنف المشاهد الفضولي التقاط كل شيءٍ على الشاشة ، لا تجعل قصص تيريز مع والديها والطفولة القاسية التي عاشتها في الرواية شيئاً مهماً ، تلتقط تيريز من حيث وصلت قبل لقاءها بكارول و تجعل ماضيها وخلفيتها الإجتماعية مرميةً في البعيد دون أن تكون مهملة .


في العمق أيضاً يحرر هاينز منذ البداية علاقة تيريز بريتشارد من أي شكلٍ (جنسي) ، يعرف تماماً ما الذي يريده لذلك يتجنب هنا منح الرجل لذةً جنسيةً من أي نوع قد ينعكس أثرها سلباً على صورة تيريز التي ستعيش غيبوبة (الوقوع في الحب) و ربما هذا تحديداً ما يمنح ريتشارد مسحةً إيجابيةً في العموم ، ريتشارد - كما هارج في حياة كارول – ليس إنساناً شريراً ، هم كما تصفهم بلانشيت (رجال) من الخمسينيات ، يحبون نسائهم فعلاً ، يحبونهم بطريقتهم ، بطريقة الإلتزام و المسؤولية حتى مع عدم قدرتهم على فهمهم أو خلق تواصلٍ حقيقيٍ معهم ، وفي الواقع هذا ما نراه منهم فعلاً ، هاينز بقدر ما يتبع رغبات بطلتيه لا يشوّه صورة رجاله ، هناك حبٌ فعلاً يملأ قلب هارج تجاه كارول بعيداً عن وسوسات ومشاكل عائلته ، و هناك حبٌ حقيقيٌ مليءٌ برغبة المشاركة يحمله ريتشارد لتيريز ، كلا المرأتين – كحال نساء الخمسينيات – مرتبطتان ولو صورياً برجل (يساعدهم) بتعدد صور المساعدة ، كارول التي ارتقت في المجتمع من خلال ارتباطها بهارج والتي تلجأ للبحث عن وظيفةٍ عندما تنفصل عنه قرب الختام ، وتيريز التي يحاول ريتشارد الذهاب معها إلى فرنسا حيث مستقبلٌ آخرٌ ينتظره ، من السهولة جداً إدراك أننا لا نعرف على وجه التحديد لماذا لا تناسبهما حياتهما السابقة مع هارج و ريتشارد وهذا في اعتقادي الشعور الدقيق الذي يجب أن يصل هنا ، أن لا نعرف تماماً لماذا يحصل ذلك كتفسيرٍ منطقيٍ لتأثير الحب عندما يحدث ، عندما نشاهد عدم حماس تيريز لفكرة السفر مع ريتشارد بالقياس إلى وضعها الإقتصادي المتواضع يراودنا سؤالٌ بديهي : ما الذي تريده تيريز ؟ و ما الذي تنتظره ؟ وهو سؤالٌ تعترف لكارول أنها لا تعرف جواباً عليه ، الملفت هنا أن الأزمة التي تضرب العلاقتين (كارول بهارج و تيريز بريتشارد) تحدث دون التطرق للجانب الأخلاقي في علاقة كارول بتيريز ، هارج و ريتشارد لا يحاكمان كارول و تيريز أخلاقياً ، عملياً هم يشعرون بالغضب لرجولتهم ، هارج عاش مع كارول بعد علاقتها بآبي و لو كان لديه مشكلةٌ أخلاقيةٌ مع مثليتها لما فعل ذلك ، حتى عندما يحصل على تسجيلٍ صوتيٍ لها مع تيريز يحاول إستعادتها كزوجة رافضاً إستيعاب أن أوراقه محروقةٌ لديها ، عندما يحاول تهديدها ذات ليلة تقول له (ماذا سيحدث ؟! ، سينتهي الأمر ؟!!) ، و ريتشارد بالمقابل عندما يحاسب تيريز لا يقف عند طبيعة علاقتها بكارول ، ما يغضبه هو تفكيرها بقضاء الكريسماس مع امرأةٍ غريبة بدلاً من قضائه مع عائلته ، (أنتِ حتى لا تعرفينها) وكأن المعرفة يمكن أن تصنع فارقاً هنا ! ، ريتشارد يغضب لأن كل محاولات أن يقدم شيئاً لتيريز لم تقدر من قبلها (حتى وإن كانت لم تطلبها أصلاً كما تخبره) ، النص عظيم لأنه في الوقت الذي أمكنه بسهولة أن يحول هذا العمل إلى فيلم (نسوي) عن نساءٍ مسحوقاتٍ بسبب رجالٍ يحاكمونهم أخلاقياً و يمنعونهم من التجاوب مع رغباتهم ، لا يفعل ذلك ولا يقترب منه حتى ، ما يحدث هنا هو رد الفعل الطبيعي الذي يحاول من خلاله أي رجل التمسك بإمرأته عندما يخسرها ، سواءًا كان يخسرها لرجلٍ أو إمرأة ، و أعتقد أن هذا تحديداً ما يجرد هذا الفيلم من الصورة النمطية الغريبة التي ارتبطت بالترويج له كفيلم عن (قصة حبٍ مثلية) بدلاً من التعامل معه كفيلمٍ عن (قصة حب) يمكن أن تحصل بذات تفاصيلها بين شخصين (مختلفين) : رجلٌ متزوجٌ و إمرأةٌ متزوجة ، رجلٌ عجوزٌ و إمرأةٌ شابة ، رجلٌ أبيضٌ و إمرأةٌ سوداء أو العكس ، هاينز لا يبتعد عن روح فيلم ديفيد لين وأعمال سيرك عن الحب المحرم ، يدهشني ربط فيلمه هذا بفيلم عبداللطيف كشيش Blue is the Warmest Color في مقارنةٍ تشبه مقارنة فيلمٍ من سلسلة Harry Potter بفيلم The Prestige فقط لأن كليهما يتناولان (صراع سحرة) !! ، هذا الفيلم لا يتلامس مع فيلم كشيش حتى ، نقطة الربط الوحيدة التي تجمعهما هي حالة إستكشاف الهوية الجنسية بين إمرأةٍ (تعرف) و أخرى (لا تعرف) ، لا يتقاطعان زمانياً ولا مكانياً و لا يتشابهان في الطرح أو المعالجة أو في التوازن الحسي / المادي في العلاقة أو حتى في موضع العلاقة من الحكاية المروية ، هاينز يتخلص من مظلة (قصة حب مثلية) من خلال إيجاد طرق تعبيرٍ مختلفةٍ عن (الحب) بصرياً الأمر الذي يجعل هذا الفيلم – على خلاف معظم الأفلام التي تناولت علاقاتٍ من هذا النوع – أكثر قدرةً على تحريك المشاعر حتى لدى أولئك الذين يضعون حواجز مسبقةٍ على تقديم هذه العلاقات سينمائياً ، هذا الفيلم أقرب إلى نسخةٍ مؤنثةٍ أكثر دفئاً من Brokeback Mountain دون أن يذهب بحكايته نحو (المأساة) بصورتها (الحدثية) بالرغم من أنه يرسمها من خلال التفاصيل و الأحاسيس الداخلية المترجمة على الشاشة ، إلتقاط كارول لتيريز في محل الألعاب يذكرني بإلتقاط جاك لإينس في فيلم آنغ لي ، على جانبي بطلي الفيلمين هناك عالمٌ كان يمكن ببعض المرونة أن يستمر ، أصبح لجاك عائلة كما أصبح لإينس ، الفيلم كما Brokeback Mountain عن تأثير الحب كـ (قوة) لا يمكن مقاومتها ، يتقاطع معه هنا لكنه لا يحاكيه في استكشافه الخاص عن مفاهيم الرجولة و الإلتزام في مجتمع تكساس في الخمسينيات و يعاكسه في محورية (القمع الذاتي) و (الإنكار) الذي لا تمارسه بطلتا هاينز عندما تستسلمان لمشاعرهما ولا تقمعانها ، لهذا الفيلم استكشافه الخاص الذي لا يحيد عنه عن الأثر الذي لا يفسر و لا يبرر ولا يمكن الإمساك به لـ (الوقوع في الحب) .


عندما تحدث النظرة الأولى بين تيريز و كارول يجسد تود هاينز بعظمة شعور الغرابة في الحب ، دهشته ، و عبقريته ، و لا منطقيته ، و لا تفسيره ، دوناً عن عشرات من زاروا المتجر لفتتها هذه المرأة / السيدة / الحلم ، قطار ديفيد لين ما يزال مستمراً ، القطار (اللعبة) هو الإرتباط الأول هنا ، (ذرة الغبار) في فيلم ديفيد لين ، شاهدت عشرات التجسيدات لحب (النظرة الأولى) في السينما ، في كثيرٍ من المرات كنت أشعر بوجود الوسيط الروائي الذي يحاول منحي صورةً (مقنعةً) عن (الحب) ، لكنني لم أشعر بـ (الغرابة) إلا هنا ، النص هنا لا يريدني أن (أقتنع) و إنما يريدني أن (أستغرب) ، هاينز يضع على الشاشة الترجمة الحرفية للشعور الذي ضرب تيريز في الرواية دون مقدمات ، دون أسبابٍ أو تفسيرات ، في لحظةٍ عابرة تسأل امرأةٌ تيريز عن دورة المياه ، عندما تجيبها تيريز تضع مارا عينيها أولاً للحظةٍ صغيرةٍ (والأهم أن تبدو عفويةً جداً) على كارول لتطمئن أنها ما تزال هناك قبل أن تلتفت لتجيب ! ، هاينز على مدار الفيلم يجعل من التفاصيل الحسية الصغيرة دفة توجيه الحدث ودفة التحكم بالمشاعر لدى مشاهديه ، وأعتقد أن هذا الفيلم ليس للمشاهد الذي يبحث عن إجابات أو حلول جاهزة ، هذا الفيلم لمشاهدٍ يحب أن يستكشف الشخصيات الموضوعة أمامه و يقرأها ويفهم ما تفعله ولماذا تفعله ، منذ اللحظات الأولى في الفيلم يخبرنا هاينز بذلك ، عندما تتحدث تيريز وكارول أول مرة ، يأخذهما هاينز من منظورين (والإلتقاط من منظورين سيستمر معنا طوال الفيلم) ، في لقطات كارول التي تأتي من منظورٍ منخفض نلتقط حس الإغوائية الخمسيني الذي تقدمه بلانشيت بعظمة مستلهمةً – على مدار الفيلم - روح بيتي ديفيز و لانا تيرنر و آن بانكروفت ، و في لقطات تيريز التي تأتي من منظورٍ مرتفع نلمس حس الإنبهار في عينين لا ترمشان من مارا التي تذكرنا بشيءٍ من آن باكستر و جينيفر جونز و أودري هيبورن ، في لحظة توقيع الإيصال يقطع هاينز على يدي كارول ، أنوثتها و خاتمها و طلاء أظافرها ، التفاصيل التي تلتقطها عينا تيريز في تلك اللحظة ، عندما تتحدث كارول لا نندهش كثيراً لماذا تبدو امرأةٌ كهذه شيئاً جذاباً ، و عندما تبتسم تيريز لا نندهش لمقدار الود الذي تحمله ابتسامتها والأثر الذي تخلفه ، و عندما تغادر كارول يحكي لنا وجه مارا بنظراته التي يوزعها على الوجه و الملابس حجم الهالة الأسطورية لهذا المظهر الملوكي التي باغتت تيريز قبل قليل في صورة إمرأةٍ مثالية من طبقةٍ مختلفة ، سيدة شقراء جذابة واثقة ترتدي معطفاً ثميناً من الفرو ، إمرأةٌ حلم ، ترغب أن تكون مثلها ، تتطور على مدار الفيلم لتكون مثلها في قصة نضوجٍ متوارية ، دون كلمات نشعر بالتواصل حتى و إن لم نستوعب ما جرى ، نشعر بحدوثه حتى ونحن ندرك أن كلا الطرفين يعيش احساسه المختلف بمفرده ولا يعرف عن احساس الطرف الآخر أي شيء ، هاينز يصل بالمشهد إلى الشعور الحرفي المطلوب منه : ألا يفهم أحدٌ لماذا التقت عيناهما ، و ما الذي جذبهما تجاه بعضهما ، لكنه يفهم بالمقابل و يدرك بسهولة أن شيئاً ما قد حدث ، يحققه هاينز تماماً و دون جهد بفضلٍ أدائين عظيمين من بلانشيت ومارا .

القفاز الذي تبتدع ناج وجوده في النص يجعل عملية التواصل منطقية ويخفف كثيراً من إندفاع تيريز العنيف تجاه كارول في الرواية ، عندما نكتشفه مع تيريز يبدو لنا خياراً بسيطاً جداً لتحريك الحكاية وهذا هو المطلوب منه تماماً ، هاينز لا يفسر وجوده ، لا نعرف على وجه التحديد هل تركته كارول عامدةً أم أنها نسيته بالفعل ، لا نعرف هل مارست كارول هذا الفعل من قبل ، لا نعرف هل كارول هي نسخةٌ أخرى من آبي ، سيدة المجتمع الفضولية التي تعرف الكثير و التي تحاول التقاط فتاةٍ لها شعر ريتا هيوارث الأحمر التقتها في مطعم تعمل فيه ، لا نعرف و هذا يصبُّ بشكلٍ فعال في صميم حسية الحكاية : ألا تفسر و ألا تقدم إجابات ، و أن تترك – كما الرواية – مساحةً للمشاهد ليختار أسئلته المناسبة و يجيب عنها بطريقته ، وعندما تقف تيريز أمام خزانتها وتغمض عينيها على صوت جرس الإنصراف يكون كل شيءٍ عن الشعور الذي ضربها هذا اليوم و عن التصرف القادم الذي لا تعرف عنه شيئاً قد وصل دون كلمات .



بعيداً عن كارول تعيش تيريز في عالمٍ غير مبهر ، تكمل يومها مع أصدقائها في عرضٍ سينمائي ثم في الحانة ، هذان المشهدان ليسا فقط مشهدين يعرض من خلالهما هاينز محيط تيريز ، بل هو يشكل أيضاً طبيعة العلاقة التي جمعتها بهم ، طريقة تقبلها للآخر عموماً ، تيريز على مدار الفيلم مالت تجاه داني أكثر مما فعلت مع ريتشارد ، بعيداً عن ميولها الجنسية كان حولها رجلان ، وجدت في داني شيئاً مختلفاً ، ليس على الصعيد العاطفي و إنما في نظرته للحياة ، في داني شيءٌ واضحٌ من تيريز نفسها : الحياة (المؤقتة) التي يعيشها على أمل حياةٍ أخرى تتوافق وما يريد ، داني – كما كارول – شخصٌ يمكنها تيريز أن تتحدث إليه ، تخبر ريتشارد عندما يواجهها قبل سفرها مع كارول بأنها مولعةٌ بأي شخصٍ تستطيع الحديث إليه ، في العرض السينمائي كل ما لدى ريتشارد هو أن يقبلها في عنقها ، بينما يبهرها أن داني قد شاهد الفيلم ست مراتٍ و أنه يقوم بتحليله الآن ، تتلاقى نظرتهما للعمل و المال حتى لو كان مؤقتاً في نقاشهم القصير في الحانة ، يجذبها عمله في النيويورك تايمز ، على الأقل هو يسألها عن صورها ولا يسخر من ولعها بالكاميرا كما يفعل ريتشارد ، داني (الذي على خلاف الرواية يصبح هنا الشقيق الأصغر وليس الأكبر لفيل) شخصيةٌ أليفةُ مساعدةٌ لتيريز بعيداً عن ميله العاطفي تجاهها ذات مرة ، حتى عندما تجاهلته بقي معها حتى النهاية ، تفاصيل صغيرة ذكيةٌ جداً في علاقة تيريز بين ريتشارد و داني تحاول ناج من خلالها تفسير انجذاب تيريز لـ (الآخر) عموماً - و ليس تجاه كارول وحدها – من أجل أن تحرر العلاقة من البعد الجنسي كمحركٍ لإنجذاب تيريز تجاه كارول ، و تدعم ذلك مرتين من خلال مشهدين خاطفين الأول في محل بيع الأسطوانات عندما تقع عينا البومة على إمرأتين (ليزبيان) تنظران إليها من بعيد ، و الثاني في حفل فيل قرب الختام عندما تقع عيناها على فتاةٍ (تدعى جينيفيف في الرواية) تحاول التقرب منها وهو مشهدٌ يبتره هاينز بعبقرية ، في كلا المشهدين يؤكد هاينز على محور فيلمه الأساسي عن (الوقوع في الحب) ، يهرب من خلالهما من أي تفسيرٍ (جنسي) متوقعٍ لعلاقتها بكارول ليجعلها جزءًا من طريقة تعامل تيريز مع محيطها عندما تعثر على شيءٍ أليف منها ، عندما تقترح تيريز الجناح الرئاسي في فندق ماكنلي أثناء رحلتها مع كارول نلامس الشيء الذي جذبها في كارول ، ليس الشكل الجنسي للعلاقة (الذي لم تختبره أصلاً) ، و إنما رغبتها في قضاء أكبر وقتٍ معها في غرفةٍ واحدةٍ بدلاً من غرفتين منفصلتين كما حدث في الفندق الذي سبقه ، و من خلال نساء المتجر أو جينيفيف يؤكد هاينز على علاقة تيريز بكارول و الحب الذي لا يمكن تفسيره ، الـ (لا خيار) الذي تعيشه : أنها لم تشعر بهذه المشاعر تجاه كارول لأنها (إمرأة) فهناك نساءٌ أخريات وهناك خياراتٌ أخرى ، و انما شعرت بهذه المشاعر تجاه كارول لأنها (كارول) ، الكائن الحلم ، المختلف عن صورة المرأة الـ Masculine التي شاهدتها فيهم ، الهالة التي لا تستطيع مقاومتها حتى وهي تحصل على خياراتٍ سهلةٍ كهذه ، تيريز هذه ليست مجرد فتاةٍ تستكشف هويتها الجنسية في الخمسينيات ، تيريز فتاةٌ خمسينيةٌ تستكشف هويتها الجنسية في الخمسينيات بلغة فتاةٍ من الخمسينيات ، حيث لا قدوة ولا دليل ولا نموذج تتعامل معه لتتقبل اختلافها ، هي هنا أشبه بشخصٍ استيقظ صباحاً ليجد نفسه مخلوقاً فضائياً ، لا يمتلك القياس الذي يمكن أن يسيّر عليه حياته التالية و لا يستطيع أن يعلن في الوقت ذاته أنه مخلوقٌ فضائي !، هذه التفاصيل الأساسية في تكوين صورةٍ تيريز وهي تستكشف هويتها الجنسية و تتفاعل مع كل المحيطين بها يسلمها هاينز بثقة لروني مارا ، مارا في هذا الفيلم لا تمل ، واحدة من أفضل بنات جيلها من الممثلات تقدم مقطوعةً أدائيةً من أفضل ما جادت به السينما مؤخراً ، مارا – بشكلٍ صارخ – ممثلةٌ تعشق لحظات الصمت وتجد فيها المساحة التعبيرية الأكثر بلاغةً قياساً بالمشاهد الحوارية وهذه سمة الممثلين النخبة ، من شبه المستحيل أن تعرف أدق التفاصيل عن الشخصية و ما الذي تفكر به و كيف تتفاعل مع محيطها لحظةً بلحظة دون اللجوء للإنفعالات العنيفة أو الحوار أو الفويس أوفر ، لكن مارا سهلٌ ممتنع ، علاقة تيريز بمحيطها (بما فيها علاقتها بكارول) مرتكزةٌ بشكلٍ شبه كامل على لغة جسدها ، و نظرات عينيها ، ونبرات صوتها المتباينة بين ريتشارد و داني و آبي و كارول في البداية و كارول في الختام ، في كل مشهدٍ صامت هناك شيءٌ عظيمٌ من مارا ، معها لا توجد لحظة صمتٍ في الفيلم لا معنى لها ، بعيداً عن كل مشاهدها المهمة في الفيلم يحضرني دائماً مشهدها العابر الصامت عندما تصل سيارة كارول لتقلها إلى منزلها قبل مشهد النفق : اللهفة في عينيها ، ارتمائتها بجسدها الضئيل مثل طفلة (حرفياً) في سيارة كارول ، رأسها في إتجاه كارول قبل أن تلتفت لتجد ريتشارد ما يزال واقفاً ، وجهها الذي يتكلم عن رغبتها بإنصراف ريتشارد دون أن تكون فجةً أو غير مهذبةٍ معه ، أن يكون الوجه الصامت المحصور بين شخصين يتحادثان أكثر تعبيريةً من حديثهما ، ثم ابتهاجها بإنصراف ريتشارد واغلاق الباب و ابتسامتها الودودة المقنّعة عندما يخبرها I Love You بينما لا تريد هي أن ترد عليه بالمثل خصوصاً في حضور كارول ، هذه ممثلةٌ كبيرةٌ في الثلاثين تحمل على عاتقها خلق شخصيةٍ أيقونيةٍ ستعيش طويلاً في الذاكرة .


الـ (كارول) الثانية في مسيرة هاينز (بعد بطلته في Safe) لها أيضاً عالمها بعيداً عن تيريز ، سيدة المجتمع التي ترتدي ملابس باهظة الثمن وتدخن لأكثر من ست دقائق على الشاشة ، إمرأةٌ تضاهي نجمات السينما ، الصورة التي لم تكن نساء الخمسينيات تشاهدها سوى في السينما ، سجاد منزلها وأثاثه عموماً ، الموقد ، و البيانو ، و المطبخ ، و المكان ، و السيارة ، صورةٌ نقيضةٌ تماماً لمنزل تيريز المتواضع ، عندما نلتقيها أول مرةٍ في عالمها تكون في منزلها تسرح شعر ابنتها ، يستخدم هاينز مجدداً التفاصيل لتقديم هذا العالم ، يركز على ما لا يقال ، هناك لحظةٌ قد تبدو عابرةً يذهب فيها نظر كارول بعيداً عن شعر ابنتها عندما يصل هارج إلى المنزل حاملاً البريد ، كان هارج يتكلم مع فلورانس مدبرة المنزل ، تحاول كارول الإنصات للحظة و كأنما تريد أن تعرف ماذا يقال ، لحظةٌ عابرةٌ تساندها بعد قليل لحظةٌ عابرةٌ أخرى أثناء حديث كارول مع زوجها عندما يذكر اسم (آبي) كسببٍ لعدم ذهابها إلى الحفلة ، يقطع هاينز على فلورانس و كأنما يخبرنا أنها مصدر أخبارٍ كهذه ، ثم يدعم ذلك لاحقاً أثناء حديث كارول مع تيريز عبر الهاتف عندما تشكرها لأنها أعادت القفازات ، إيماءةٌ صغيرةٌ من رأس فلورانس الواقفة إلى جوار كارول في المطبخ ، ثم لحظةٌ أخرى تقول فيها كارول بطريقةٍ غريبةٍ ذات ليلة بعد عودتها من دعوة هارج (طابت ليلتك فلورانس !) ، تفاصيل تخلق شكل السجن الذي تعيشه كارول حتى وهي تقيم في منزلها بمفردها تحت رقابة مدبرة منزلٍ تنقل كل أخبارها لزوجها ، عندما تعيش كارول لوحدها قرب الختام ونعرف غياب فلورانس من ذهاب آبي إلى الأسفل لإحضار الشاي تأخذ الرقابة شكلاً مختلفاً : سيارةٌ غريبةٌ تصل إلى فناء المنزل ليلاً لتتأكد من زيارات آبي فتضطر آبي للمغادرة ، تفاصيل صغيرةٌ تتناثر في الحكاية و تمنحها معانٍ أكبر من الشكل الظاهري للحدث دون أن يحاول النص استخدام سطرٍ حواريٍ واحدٍ ليخبرنا ذلك ، حول كارول أيضاً هناك مجتمع ، طبقةٌ تنتمي إليها ولا نرى منها سوى واجهةٍ تمثلها عائلة زوجها هارج و صديقةٍ ودودةٍ اسمها جانيت ، بوجودهما لا يحاكم هاينز المجتمع أو الطبقة لذاتها - تماماً كما فعل في Far From Heaven - بقدر ما يكثف على تعامل نساءه مع هذا المجتمع ، كارول في هذا المجتمع – ككل النساء في عالمها – مرتبطةٌ بزوجها ، و علاقتها بهارج مع هاينز لا تأخذ شكل التبعية الفج التي قد تحول العمل إلى عملٍ نسوي ، أفكارها النسوية تتسرب أيضاً بحذر و ذكاء وعبر تفاصيل عابرة : هارج الذي يقول (زوجة ساي هاريسون ..) فتصححه له كارول مباشرةً و كأنما قد فعلت ذلك مراراً (جانيت) ، نفورها من فكرة ألا تذكر جانيت إلا كزوجةٍ لساي هاريسون ، ثم مشهدها مع جانيت في الحفل عندما لا يروقها انصياعها لفكرة أن زوجها لا يحب أن تراها تدخن ، كل ما يفعله هاينز و كل ما يطرحه و كل ما يقدمه لنا كمشاهدين يقدمه عن طريق التفاصيل و ليس عن طريق الحدث أو الخطابية ، لا شكوى ، و لا عظات ، ولا رسائل قد تبعثر محور الفيلم و تحيله إلى محاضراتٍ نسويةٍ مبتذلة .


من الملفت أن اقتباس ناج خلق هذين العالمين المتوازيين على جانبي كارول و تيريز بمساحةٍ تفوق مساحة لقاء كارول و تيريز في هذه العلاقة المحورية ، كل الجزء (الحدثي) من قصة الحب هذه هو : لقاءٌ في مطعم ، وزيارتان منزليتان ، وهديتان متبادلتان ، و رحلة ! ، لكن الجزء الحسي في كل ذلك أكبر بكثير ، و مجموع حجم المساحة (الحوارية) التي تجمع كارول و تيريز (بكل لحظات الصمت التي تتخللها) لا تتجاوز 27 دقيقةً في فيلمٍ من ساعتين ، ناج تحافظ على محور العلاقة صلباً و جذاباً جداً و تبني من حوله عالمين قائمين بذاتهما كي تجعل المشاهد يقيم محاكمته الخاصة لما فعلته هذه العلاقة ببطلتيها ، لا تحاكمهم و لا تلقي من خلالهم الخطب و لا تتيح لهم حتى مساحةً صغيرةً للحديث عن علاقة الحب ذاتها ، من المثير للإهتمام الحديث عن الفيلم كـ (قصة حب) دون أن تتحدث بطلتاها عن هذا الحب ولو حرفاً واحداً حتى يحدث المشهد الجنسي بعد ساعةٍ و ربع ! ، هاينز لا يقدم لمشاهده (قبل مشهد الجنس) أي تفصيلٍ ماديٍ مكتمل (بين بطلتيه) يجعل العلاقة تبدو كـ (قصة حب) متبادلة ، ما يجعلنا ندركها في الواقع هو تفاصيل صغيرةٌ حسية بينهما ، و تفاصيل أخرى ماديةٌ لا تجمعهما معاً ، يستخدم أسلوب الغواية الخمسيني القائم على نظرات الأعين و نبرات الصوت و لغة الجسد عموماً ، الإبتسامات و حركات الرأس ، اللمسات و الروائح و الأحذية التي تخلع في غرفة الجلوس ، يعتمد على مشاهده ليلتقط ذلك ، يبقي المساحة بين كارول و تيريز نقيةً جداً ، حسيةً جداً ، جميلةً جداً ، وهذا أعظم تجسيدٍ ممكنٍ للحب ، لا يكتفي بأن يخبرك ضمن المساحة المحدودة لتواجدهما معاً على الشاشة بأن أجمل لحظات حياتهما هي تلك التي تكونان فيها مع بعضهما ، بل يمارس ذلك عليك و ينقلك من الفرضية إلى الإثبات فتشعر أثناء المشاهدة أن أجمل لحظات الفيلم هي تلك التي تشاهد فيها بلانشيت و مارا معاً على الشاشة ! ، في واحدٍ من أجمل مشاهد الفيلم تجتمعان لتناول الغداء في مطعم ، يخلق هاينز من سطرٍ نصيٍ عابر لوحةً تشكيليةً لفتاةٍ تراقب المارة في الشارع باحثةً عن كارول ، طاقيةٌ بثلاثة ألوان وعينا بومة و حاجزٌ مادي من الزجاج و كادرٌ منصّفٌ بحاجز و زجاجٌ متسخ و إنعكاس تصنع مع الصورة غير المشبعة للسوبر 16 شكلاً أيقونياً لـ (الإنتظار) ، في المطعم – كما في مشهد Brief Encounter السابق / اللاحق – يجعل إد لاكمان بطلتيه جزءاً من المكان من خلال إضاءة فراغات الصورة حول العناصر عوضاً عن إضاءة وجوههم وهو أمرٌ نلمس حميميته ومفعوله في المطعمين و في مدخل منزل تيريز و في مكتب داني و في حمام الحفلة وفي جميع الفنادق التي توقفت فيها تيريز في رحلتها ذهاباً وإياباً و بالتأكيد في مشهد النفق ، يتظافر ذلك مع عملٍ عظيمٍ من جودي بيكر في تصميم الإنتاج يخلق الحقبة من صور مصوري الفوتوغراف في الخمسينيات وكأنما الفيلم إمتدادٌ حقيقيٌ لها ، و من ساندي باول في تصميم الملابس التي من غير المبالغ اعتبارها شيئاً أيقونياً هنا ، باول بالتصميمات التي تختارها لكارول و تيريز لا تحاول فقط التزام الفارق العمري و الإجتماعي بين المرأتين بل تجعل من ذلك الفارق شيئاً مميزاً و سهل التذكر ، معطف الفرو و المعطف الأحمر يصبحان جزءاً من ذكرانا مع كارول ، و تدرج تيريز من ملابس طالبة المدرسة إلى ملابس سيدة المجتمع في الختام مروراً بفتاة الطبقة العاملة بالمعطف المتواضع و طاقية الألوان الثلاثة (الأيقونية دون مبالغة) شيءٌ عظيم ، هذا الهارموني العجيب في عمل لاكمان وبيكر وباول بالغ الأثر طوال أحداث الفيلم حتى تلك التي لا تجمع كارول بتيريز ، انظر مثلاً إلى علاقة جاكيت آبي بالمكان والإضاءة (ذات الجاكيت) في مشهد جلوسها في المطعم مع كارول قبل سفرها ثم في مشهد جلوسها في المطعم مع تيريز قبل عودتهم ! ، في مشهدي المطعمين يجعل هاينز من تيريز و كارول جزءاً لا يتجزأ من المكان ، مطعمهما الأول يشبههما كما هو الثاني ، يستثمر هاينز في المطعم الأول تشبع الأحمر في المكان و الملبس و الوجوه والمسحة الجمالية التي تضيفها الـ Grains في مساحات الضوء ، مجدداً يستخدم المنظور المزدوج لإدارة المباراة الحوارية العظيمة بين بلانشيت و مارا ، في المشهد تحاول بطلتا هاينز الخروج بالشخصيتين خارج مشاعرهما الذاتية التي لا تعرفان حتى هذه اللحظة ما يقابلها لدى الطرف الآخر ، جس النبض الذي يحدث في المشهد يحدث من طرفين : سؤال تيريز عن اعتقاد كارول بأن رجلاً أرسل قفازاتها ثم سؤالها عن زوجها هارج ، و بالمقابل سؤال كارول عن حياة تيريز و علاقتها بريتشارد ، كلا الطرفين يريد أن يعرف عن الآخر و كلا الشخصيتين هنا كانتا بحاجةٍ ماسةٍ لإطلاق العنان لأداءٍ عظيم من بلانشيت بإغوائيتها و جاذبيتها و قوة شخصيتها و نبرة صوتها و من مارا بخجلها و ابتسامتها و عينيها التي تحكيان الكثير ، كل إيماءةٍ صغيرةٍ أو تغيرٍ في نبرة صوت بلانشيت هنا يبدو وكأنما يضرب تيريز في الصميم ، و كل تصرفٍ بسيطٍ من كارول تحاول مارا أن تحاكيه بمرونةٍ عجيبة بما في ذلك محاولتها أن تبدو منتميةً إلى طبقةٍ أعلى ، طريقة جلوسها و نبرة صوتها ، طريقة امساكها بالسيجارة ، طريقة امساكها بالكأس لحظة النخب ، عيناها التي تلتقط كل تفصيلٍ في وجه كارول ، و المدة التي تقضيها في التركيز على صحن كارول و طريقة تناولها لطعامها بدلاً من التركيز في وجبتها هي ، مارا من خلال (لغة جسدها) تجعل من تيريز في هذا المشهد عجينةً من المتناقضات : خجولةً ومندفعة ، ومتوترةً ومسترخية ، وعفويةً ومصطنعةً ، في الوقت ذاته الذي تدير فيه مباراةً (حواريةً) على أعلى مستوى مع بلانشيت ، كارول و تيريز من خلال هذين الآدائين خصوصاً في هذا المشهد تتخلصان من توتر (اللا معرفة) ، لا تعود المعرفة مهمةً كثيراً ، كلاهما لا تعرفان ما تفعلانه ، تعترف تيريز بذلك في هذا المشهد ، و تعترف به كارول في مشهدٍ لاحقٍ تلتقي فيه صديقتها آبي في مطعم بعد معرفتها بالأمر القضائي ، حجم الكيمياء التي تخلق في لقاء كارول بتيريز في المطعم تكسر لدى المشاهد بسهولة حاجز الإنجذاب حتى وإن أبقت حاجز الغرابة حيث جوهر الحب الذي يريده هاينز ، بعد هذا المشهد يصبح من السهل معرفة إلى أي مدى يمكن أن تتماهى تيريز مع عالم كارول و إلى أي مدى تبدو كارول و كأنما قد راقتها مطاوعة تيريز ، تيريز لديها غريزة الإمتثال تجاه كارول ، ربما حس أنها ستفقدها وهي لا تريد أن يحدث ذلك ، رغبة الإرضاء التي تستنكرها كارول في تيريز عندما اقترحت الذهاب ليلاً الى مكانٍ مهجورٍ لشراء سجائر لها !! ، حس الإمتثال الذي ترافق مع طلبات كارول الثلاثة (Would You؟) في دعوتها إلى منزلها ثم في دعوتها إلى الرحلة ثم في عرضها الختامي لها ، السؤال الذي أجابته تيريز بنعم ثم بنعم ثم بلا ، حس الإمتثال هذا جزءٌ أساسيٌ في فهم تطور علاقة تيريز بكارول وانعكاسٌ طبيعيٌ لتحول فتاةٍ مبهورةٍ وغير ناضجة في البداية إلى فتاةٍ متفتحةٍ قادرةٍ على اتخاذ القرار في الختام ، بين امتثال البداية و رفض الختام تتعرض تيريز لأعنف تحولٍ في حياتها بعد مشهد الجنس والشريط المسجل ، تعترف لكارول في مشهدٍ مفصلي في السيارة بأنها جزءٌ من المشكلة و ان امتثالها وعدم قدرتها على قول (لا) النابع في الأساس من عدم معرفتها بما تريد هو ما جعلهم يصلون إلى ما وصلوا إليه ، عبارة الفيلم الأيقونية التي تقال في المطعم وتقال لاحقاً في المشهد الجنسي Flung out of Space هي ترجمةٌ مجازيةٌ لتلقي كارول لذلك الإمتثال عندما تخبرها (يا لكِ من فتاةٍ غريبة) تماماً في اللحظة التي تشعرنا فيها مارا بأن تيريز غريبةٌ فعلاً ، هذه العبارة كما فسرتها كاتبة النص فيليس ناج تعني معناها حرفياً ، (قادمةٌ من الفضاء) ، تيريز كانت بالنسبة لكارول أشبه بكائنٍ فضائيٍ بالمعنى الإيجابي للعبارة ، شيئاً لا يشبه أي شيءٍ آخر ، جاءها فجأةً من عالمٍ آخر ، لديها أنانية الـ (نعم) عوضاً عن الشكل التقليدي للأنانية الذي لطالما ارتبط بالـ (لا) ، إمتثالها المفاجىء في المطعم عندما وافقت على الذهاب معها إلى منزلها فوصفتها بهذا الوصف أول مرة ، و إمتثالها الجنسي عندما تعيد على مسامعها هذه العبارة الأيقونية ليلة رأس السنة في مشهد الجنس ، كارول حتى في مشهد الجنس عندما تقول هذه العبارة مجدداً كانت تقود تيريز ، وعبارة تيريز التي تبدأ المشهد (خذيني إلى السرير) تعني معناها الحرفي و المجازي ، تيريز تستكشف عالماً تريد لكارول وحدها أن تقودها فيه ، كلاهما تريدان الشيء ذاته لكن بطريقتها : كارول من خلال البحث عنه والحصول عليه ، وتيريز من خلال مطاوعته والاستسلام له ، رحلة المطاوعة هذه بدأت في المطعم ، و بنهاية لقائهما هناك تقف تيريز في الشارع تتأمل كارول ، يضع إد لاكمان كاميراته بقرب تيريز ومن منظورين ، مرةً لإلتقاطها و مرةً لإلتقاط كارول تلوّح لها من بعيد في سيارة آبي ، هذا المشهد العابر قادمٌ من روح الرواية ، حياة كارول في كبسولةٍ صغيرةٍ كما تراها تيريز : ملابسها و إنفتاحها و استقلاليتها ، السيارة التي تنتظرها ، و الصديقة التي تنتظرها ، و القبل الإيطالية عند لقائهما ، تلوح لها من بعيد كما كانت صورة كارول الأيقونية في الرواية بينما عيون مارا تحكي ما تبقى .



عندما تبدأ شخصيتا هاينز تتدافعان مع مجتمعهما لا يحاول هاينز أن يصعد بإيقاع الحدث خارج المنحى التقليدي للميلودراما الخمسينية ، يبدأ ذلك من مشهد زيارة تيريز الموعودة لداني في مكتبه في النيويورك تايمز ، تكوين الكادر و الهدوء الأفلاطوني في المكان و الإضاءة الهادئة وطغيان الأخضر تصنعان لوحةً تشكيليةً فعلاً ، لم أشاهد مكاتب موظفين بسيطة تقليدية بحواجزها الزجاجية تبدو جميلةً كما هي في كاميرا لاكمان هنا ، النص في هذا المشهد يتلاعب بالمشاهد ، يمرر ما يريده و كأنما لم يقله ، يتحدث داني لتيريز عن عزلتها و عن تجنبها التقاط صورٍ للناس بدلاً من التقاطها صوراً للأشجار و النوافذ و الطيور ، يحدثها عن الألفة و تدافع الناس مع بعضهم البعض كما الكرات المطاطية ، من السهولة أن نربط بين كلامه وما نراه نحن من ألفةٍ بين تيريز و كارول ، لكن النص يبدو و كأنما يترك لنا نحن أن نحقق هذا الربط ، درامياً هو يضع هذا الحوار بعيداً عن تيريز و كارول ، يضعه كتمهيدٍ من داني للتودد لتيريز ، داني يحاول أن يقدم لتيريز التفسير الذي يرضيها عن علاقتها بالآخرين (بعض الأشياء لا تتفاعل أصلاً) بما فيها علاقتها بريتشارد – كما يحاول التلميح - قبل أن يحاول تقبيلها ، هذا التلاعب الذكي بما يقال و ما يراد منه و ما نعتقد أنه يراد منه يكرره النص مجدداً مع شخصية التحري تومي تاكر الذي تلتقيه تيريز عند صندوق الثلج بمفردها أولاً ثم تلتقيه مجدداً في الصباح قبل حضور كارول ، يوجهنا النص هناك لحالةٍ من التطفل (الذكوري) على امرأتين نحن نعرف أن هناك شيئاً ما يجري بينهما بينما لا يعرف ذلك الغريب ، محاولته مساعدة تيريز في المساء ثم جلوسه معها في الصباح قد تذهب بنا إلى الإحساس بمحاولة تغزلٍ أو تقربٍ من تيريز نحاول ان نفهم من خلال ظهور كارول في الصورة أثرها على المرأتين ، يضعه الميزانسين أمام تيريز على الطاولة بينما كارول موجودةٌ في البعيد قبل أن تأتي لتصبح أقرب لتيريز ، يترك النص لنا هذا الشعور لنلتمس نظراتهما و تلميحاتهما وسخريتهما وغيرة كارول تجاه تيريز المدركة بسهولة من نظرات أعينهما وابتسامات تيريز اللعوبة ومستوى التناغم الذي يبلغ الذروة بين بلانشيت و مارا ، قبل أن يكشف لنا لاحقاً حقيقة تومي تاكر التي نكتشف أنها بعيدةٌ تماماً عن كل ذلك !!، نص ناج عظيم لأنه حتى في التفاصيل التي يحاول أن يتلاعب من خلالها بخيالنا ورؤيتنا للأمور يستثمر تلك الأشياء ليعزز من دراماه وليقول فيها شيئاً ، عندما يقبل داني تيريز في مكتبه فتمتنع و يسألها ، تخبره أنها لا تمانع ، تحاول أن تهرب من فكرة أن تخبره أنها (تمانع) ، شعورٌ قهريٌ يفرض عليها ألا تبدو ولو للحظة من النوع الذي يمانع ، بذات الطريقة ترد على سؤال ريتشارد لاحقاً (هل وقعتِ في حب فتاة ؟) ، تيريز ترد بـ (لا) بعنف وكأنما هي في محكمة ، تهرب من الحقيقة ، ما زالت حتى هذه المرحلة بعيدةً عن مواجهتها .


مع قطار ديفيد لين الذي ما زال في رحلته تجلس كارول أمام القطار اللعبة في منزلها ، يلتقطها هاينز من منظورٍ سفلي ثم بفلسفة الإزدواج التي يمارسها بصرياً ينقلنا من خلال ذات المنظور السفلي إلى تيريز تنتظر كارول مع ريتشارد في الشارع ، نفس زاوية الإلتقاط لدرجةٍ لا تشعر معها حتى أن الكاميرا قد تغيرت ، فقط أستبدلت الخلفيات و العناصر ، عندما يقود هاينز بطلتيه إلى مشهد النفق يبلغ ذروة إقتباسه العظيم ، في الرواية تقول هايسميث على لسان راويها بأن تيريز تمنت في تلك اللحظة لو أن النفق تهاوى عليهما وقتلهما و وجدوا جثتيهما مع بعضهما لاحقاً ، الإحساس بتمنى أن تطول هذه اللحظة إلى الأبد ، الشعور الذي أدركته تيريز في تلك اللحظة (دون معرفتها بما تشعر به كارول في الوقت ذاته) ، الإحساس البصري المجسد الذي ينطق على الشاشة بالأثر الطاغي لظهور كارول في حياة تيريز ، هندسة الصوت في هذا المشهد عظيمة ، هاينز بقدر ما يعتمد على فلسفة لاكمان لخلق شعور الحلم بصرياً يعمد إلى عزل محيط تيريز صوتياً ، يبقي صوت كارول هامساً وكأنما هو قادمٌ من بعيد ، من نهاية حلم أو من نهاية النفق الذي لم تبلغاه بعد ، يزاوج ذلك الهمس مع موسيقى كارتر بورويل و يستخدم الكلوز آب لإلتقاط التفاصيل التي تراها تيريز في كارول ، التفاصيل التي نبعت في الأساس ليس فقط من حس الإنجذاب بل من حس الإرتقاء المسيطر على تيريز أيضاً ، ليس فقط إحساسها العاطفي تجاه كارول بل شعورها بأنها تريد أن تصبح مثل كارول ، يلتقط الفرو الذي ترتديه ، ثم عينيها ، ثم أحمر شفتيها ، يقطع الإتساق البصري على صورةٍ تنظر فيها كارول مباشرةً إلى تيريز ، و يسلم المشهد لهيلين فوستر تغني You Belong to Me ، يتحول المشهد – الذي يعود إلى الفلاش باك للتأكيد على الذكرى – إلى حلمٍ مكتمل و إحساسٍ بالنشوة والغيبوبة بفضل فلسفة إد لاكمان في إضاءة المكان بدلاً من إضاءة الوجوه ، و تسريب الضوء بالقطارة من النفق إلى السيارة ، و سيادة الأخضر ، وإستغلال الإتساخ و الـ Grains لإعطاء الصورة طبقةً إضافيةً تحجزنا عن البطلتين داخل السيارة ، و كأنما تيريز في تلك المساحة المعزولة (داخل سيارةٍ ثم داخل نفق) قد تملكت كارول ، حصلت عليها و تعيش غيبوبة الحصول عليها ، المشهد هو عبقرية تجسيد هاينز حرفياً لشعور (الوقوع في الحب) وهو محور هذا الفيلم وحكايته وعمقه الحقيقي ، اللحظة التي تشعر فيها أن شيئاً مختلفاً قد ضربك بعنف ، وبأن هذا الشيء المختلف يحدث لك وحدك ولا يحدث لسواك بالرغم من أنه يحدث آلاف وملايين المرات كل يوم ، دهشة أن تختبر شيئاً لم تختبره من قبل ، لم يسبق أن فكرت أن تختبره من قبل ، تختبره دون انقيادٍ لأحد مدركاً أنه لن يروق لأحد ، الحب كـ (شعور) غريبٍ لا يمكن تفسيره ، حب أي شخصٍ أو أي شيء ، أن تحب (سيارتك القديمة) أو (ناديك الذي يخسر) أو (فيلمك الذي لا يحبه أحد) ، الشعور الغريب المفرد الذي لا يمكن تبريره للآخرين ، يخلق هاينز حالته من خلال إطاره البصري الصوتي البديع ، يرتكز على السلوموشن لجعل أضواء النفق و كأنما تعبر وجه تيريز إلى الـ (مالا نهاية) ، يأخذ النفق من يساره إلى يمينه في ظلمته ومحدودية إضاءته ليخلق شعور الإنغلاق و الإنهيار وتمني الديمومة ، ثم يترك ما تبقى لعيني روني مارا المدهشتين لتصنع واحدة من أجمل الحالات الشعورية التي جسدها سينمائيٌ على الشاشة وأكثرها بلاغةً في التعبير قبل أن ينهي لحظته الغيبوبية بالتلاشي نحو البياض ، لو أن لحظةً ما في الرواية كلها قد جعلها هاينز تنطق على الشاشة فهي بالتأكيد هذا المشهد ، هذا المشهد يحمل توازياً بصرياً بليغاً جداً مع المشهد الجنسي في الفيلم ، المشهد الجنسي إستكشافيٌ جداً بالنسبة لتيريز تماماً كما هو مشهد النفق بالنسبة لإستكشافها الوقوع في الحب ، تيريز لا تريد إطفاء الأنوار لأنها تريد أن ترى كارول ، كارول هي ما تهمها في الواقع ، و كارول تقول أنها ما سبقت أن كانت هكذا ، عندما يندمج الجسدان تشبه العلاقة علاقة خيطين فطريين ببعضهما ، يتقاربان و يتباعدان ، لديهما الكثير من الشوق بقدر ما لديهما الكثير من الرهبة ، يتوقفان في المنتصف للحظة من الإدراك والإستيعاب قبل أن تندفعان مجدداً ، حس الإستكشاف و ميكانيكية التعامل مع العلاقة الجسدية تعطي المشهد رقةً غير متوقعةٍ يحولها هاينز مجدداً إلى شيءٍ يشبه الحلم ، الطغيان اللوني كما في مشهد النفق ، إستحواذ كارول على تيريز (مادياً / جنسياً) هذه المرة ، الشعور بتمني إستمرار هذه اللحظة إلى الأبد ، قبل أن ينهيها مجدداً بالتلاشي ، مزاوجةٌ ذكيةٌ بين بداية العلاقة بشكلها (الحسي) في النفق ، و بداية العلاقة بشكلها (المادي) في معركة واترلو ، وهي مزاوجة يدعمها هاينز لاحقاً بمشهدٍ جنسيٍ آخر (لا نراه) ينتهي على صورة إمرأتين متعانقتين في السرير ، رسمٌ بصريٌ حرفيٌ ودقيقٌ جداً للشعور الذي تمنته تيريز سابقاً في مشهد النفق : أن ينتهي كل شيءٍ على تلك اللحظة و يتم العثور عليهما على هذه الحالة .


عند محل بيع أشجار الكريسماس يستمر هاينز ببلاغته البصرية في التكثيف على إعطاء شكلٍ (بصري / مادي) لعلاقة الحب الحسية / الصامتة هذه ، يعزل تيريز و يحجبها في السيارة من خلال الثلج المتساقط على الزجاج ، ثم يأخذ لقطته الثانية من داخل السيارة ليعبر بصرياً عن رؤية تيريز لكارول و عن الحاجز الذي يحجبها عنها ، ثم تخرج تيريز من السيارة لتزيل هذا الحاجز ، هذه الإزالة تأخذ ثلاثة أشكالٍ تعبيرية بالنسبة لشخصية تيريز : الأول خروجها من مكان الرؤية المشوشة لكارول في السيارة إلى حيث يمكن أن تراها بوضوح و دون حواجز ، و الثاني كسر حاجزها الذاتي الذي أخبرته لداني ذات مرة عن استسخافها لفكرة التقاط صورٍ للبشر لأنها تشعر أنها تنتهك خصوصيتهم ، وهي الآن بإلتقاطها صوراً لكارول تشعر بأن كارول جزءٌ منها ، و الثالث هو التأكيد البصري على تيريز التي تحولت إلى مصورةٍ فوتوغرافيةٍ في الفيلم عوضاً عن مصممة انتاجٍ مسرحي في الرواية ، استخدام التصوير الفوتوغرافي كوسيلةٍ للتعبير البصري و كمنظورٍ للرؤية ، تيريز بدايةً لا ترى كارول بشكلٍ واضحٍ عبر الكاميرا قبل أن تعدل فوكسة العدسة وتحصل عليها ، كارول الحلم في أجمل صورة ، كارول كما أبهرت تيريز ، تلتقطها أول مرة ثم تلتقطها مجدداً ، قبل أن تحكي عينا روني مارا ما تبقى ، هنا – وقبل أن تعرف أي شيءٍ عن مشاعر كارول – تدرك تيريز ما تريده ، هاينز يضع كل شيءٍ في محله قصصياً و بصرياً ، و بمقدار ما هو فيلمٌ يقوم على نصٍ عظيم و أدائين عظيمين تحكي أيضاً صورة هاينز الكثير من خلال الإنعكاسات و الحواجز المادية و التشوش البصري و المسافات بين العناصر/الممثلين ، لوحة الألوان التي يستخدمها مثلاً على مدار الفيلم بدلالات كل لونٍ فيها من بياض الثلج حيث الصفاء و الأمل إلى تشوش الأصفر و إنتعاش الأخضر و رغبة الأحمر و تصالح الأزرق ، كل شيءٍ في الصورة - كما كل شيءٍ في النص و الأداءات - موضوعٌ في مكانه تماماً .  


نص ناج يستثمر التفاصيل مجدداً لنسج علاقة تيريز بكارول ، يستخدم أشياء بسيطة ليصور سعادة تيريز بوجودها مع كارول ، عبارة (أما زلت معي ؟) على وجه فتاةٍ منبهرة ، منبهرةٍ بالمكان ، منبهرةٍ بالثلج المتساقط ، عندما تصل تيريز إلى منزل كارول الريفي يكتمل المشهد على ظهور (ريندي) ابنة كارول ، هذا المشهد مهمٌ جداً في توقيته ، تيريز التي تعرف مسبقاً أن لكارول طفلة كانت طوال ما مضى وكأنما نسيت ذلك ، يوقفها هاينز لوهلة (مدروسة جداً) خلف باب السيارة المفتوح ، يحجب نصف وجهها بباب السيارة ، ويقطع من زاويةٍ أخرى على وجهها كي يترك لعينيها أن تنفعل مع ظهور ريندي قبل أن تغلق الباب على بقايا ابتسامة ، تيريز سمحت لنفسها أن تقاد دون تفكير ، تتأمل المنزل الفخم من الخارج قبل أن تدخل مطأطأة الرأس ، في المنزل يستخدم هاينز مجدداً التصوير عبر المسافات و عبر الممرات (كما يفعل طوال الفيلم) للتعبير عن قرب الشخصيات أو بعدها من بعضها ، تيريز في المطبخ و كارول مع ابنتها عند شجرة الكريسماس ، هذه النظرة عبر المسافة تحمل معنىً مزدوجاً : معنىً جوهرياً عن نظرة تيريز لكارول وعن إحساسها بتطفلها على إمرأةٍ (بعيدةٍ) لها عالمها وحياتها وابنتها ، ومعنى خفي عن تيريز (الطفلة التي قد كبرت) و ما سبق وعاشت شعور مناسباتٍ كهذه وهو ما تخبره لريتشارد و كارول بعد ذلك ، كل التفاصيل منذ مشهد النفق وصولاً إلى ظهور هارج في المنزل تتدافع وراء بعضها لتحرر تيريز من مشاعرها المكبوتة هذه ، تيريز لا تعرف شيئاً عن مشاعر كارول حتى يظهر هارج ، تدركها بسبب هارج ، لا يكون من الصعب علينا إدراك أن تصرف رجلٍ مهذبٍ من رجالات المجتمع مع إمرأةٍ ضيفةٍ في منزله بتلك الطريقة الفجة هو تصرفٌ غريبٌ جداً و مثيرٌ للريبة ، و لا يصبح من الصعب على تيريز - التي يقف هارج الآن عبر الممر بينها وبين كارول حرفياً و رمزياً في ميزانسين متوهج طوال الفيلم - إدراك أن كارول ليست كبقية النساء ، تستخدم ناج الأبواب المغلقة للتعبير ، تغلق كارول الباب في وجه تيريز كي تحل مشكلتها مع زوجها كما أغلقت كارول بابها في وجه هارج ذات ليلة وكما تفعل تيريز في وجه ريتشارد أو آبي في وجه هارج ، يسجن هاينز تيريز في حجرة الجلوس ويقطع بالتوازي بين شجار الزوجين في الخارج و الصوت الذي يتسرب إلى تيريز من شجارهما في الداخل وهي تراقبهم عبر الحاجز الزجاجي ، في بلاغةٍ أخرى يؤدي تدافعهم لوضع كارول في مساحةٍ من الزجاج لا تحجبها الستائر بينما يبقى هارج محجوباً وراء الستائر ، هاينز يعيد تشكيل جميع مفاصل الرواية بصرياً ليرسم الصورة التي رأتها تيريز في كارول وكل العوائق (البصرية) التي حجبتها عنها مستخدماً الحد الأدنى من تطور الحدث و الحد الأدنى من مساحات الحوار ، وعندما ينكر هارج على كارول بقائها في المنزل ليلة الكريسماس مع (فتاة المتجر) تدرك تيريز ولأول مرة أنها جاءت إلى هنا ربما لأن كارول تحمل لها المشاعر ذاتها ، قطار ديفيد لين ما زال مستمراً في رحلته ، في المشهد الذي تقود فيه كارول تيريز إلى محطة القطار لا يحتاج هاينز لأكثر من لقطةٍ صامتةٍ يضع فيها وجه كيت بلانشيت و روني مارا ليحكي عن الغضب و الألم و خيبة الأمل ، يستخدم فلسفته الخاصة في التعامل مع جميع مشاهد السيارات في الفيلم من خلال النظر إلى منظور الرؤية في المشهد و التقاط الشخصيتين معاً عندما تكونان في المركب ذاته ، هاينز و ناج لا يقسوان على تيريز أكثر من ذلك ، في القطار تحصل على مساحتها فتبكي ، مجدداً يؤكد هاينز على قدرته إخراج أكبر قدرٍ من المشاعر في كل لقطة (في هذا التفصيل تحديداً يذكرني بدوغلاس سيرك كثيراً) ، بكاء تيريز المكتوم والمتلعثم هنا (بسبب وجود الناس في القطار كما تقول مارا) يبدو مضاعف الأثر عن إمرأةٍ تنوح في غرفتها مثلاً ، هنا إمرأةٌ تعيش بمفردها وسط الزحام ، عندما تبكي لا تستطيع حتى أن تستمتع ببكائها ، تذهب الكاميرا مع رأسها المستند إلى النافذة ، تلتقطها في الإنعكاس (كما بطلة ديفيد لين في القطار) ، ثم تمتد اللقطة مونتاجياً (بكادرٍ إستراقي من كادرات مصوري الفوتوغراف في الخمسينيات) من النافذة إلى أمام منزل تيريز ، على الهاتف (وفي لقطاتٍ مزدوجةٍ متناظرة) تصوغ تيريز نواياها و تقرر بناءًا على ما سمعته الليلة من هارج أن تسأل كارول (عن أشياء) ، وهنا يبدأ كل شيء .


عندما تغادر كارول بعد لقائها بمحاميها يصنع تود هاينز في الشارع واحداً من أكثر مشاهده عبقرية ، يحجب هاينز كارول وراء الزجاج للحظة و يحجبها وراء نظاراتها (بكل دلالات الحواجز المادية في الفيلم) ، تسير بمعطفها الأحمر مشوشةً بفعل خبر الأمر القضائي ، قبل أن تصادف حاجزاً مادياً آخر : شاحنةٌ بلون معطفها كتأكيدِ على الحاجز الذاتي أمام الشخصية ، تنحرف إلى اليسار و تشعل سيجارةً أمام واجهة أحد المحلات ، يقسم هاينز الكادر إلى نصفين : الأيسر فيه كارول المشوشة وراء الزجاج ، و الأيمن بدون حاجزٍ بصري فيه حقيبة كاميرا معروضةٍ للبيع ، كارول على اليسار و تيريز على اليمين ! ، يقطع هاينز بعد ذلك على بطلته دون حاجزٍ بصري لكن على خلفيةٍ بالغة التعبير عن التشوش و الضياع و مفترق الطرق ، نعرف لاحقاً أنها اشترت الحقيبة كهدية كريسماس لتيريز ، كارول أصبح بإمكانها أن تتخذ قراراً الآن حتى و إن لم تستطع أن تعرف لماذا تتخذه كما تخبر آبي في المطعم ، مجدداً يضع هاينز شخصياته في جزءٍ من الكادر ، يحجزهم في مساحةٍ ضيقةٍ ويراقبهم من بعيد كما يفعل مع كارول و آبي في ذلك المشهد ، يضع حقيبة الكاميرا التي ستهديها لتيريز ومعطف كارول في مقدمة الكادر ويضع ورائهم كارول التي تخبر آبي عن رحلة !! ، هذا التشوش الذي صوره بصرياً في كارول ليس من طرفٍ واحد ، مشهد تيريز والمرأتين أيضاً في محل الأسطوانات تعبيريٌ جداً ، كحال مشهدها التالي مع ريتشارد عندما تستنكر عبارته (لا أعني أشخاصاً كهؤلاء) قبل أن تغلق بابها في وجهه مع كل دلالات الأبواب المغلقة التي نراها في الفيلم ، مساحتا التشوش هاتين تنتهيان إلى مشهد كارول و تيريز خارج منزل تيريز عندما تقدم كارول عرضها لتيريز بالذهاب في رحلةٍ بين الكريسماس ورأس السنة ، في كل مشاهد كارول و تيريز يحاول هاينز إعطاء شعور التضاؤل الجسدي لتيريز أمام كارول ، ليس فقط من خلال الفارق الجسدي الملحوظ بين بلانشيت و مارا ، بل أيضاً من خلال تفاصيل أخرى كموقعهم في الكادر ، و قربهم أو بعدهم عن الكاميرا ، هذا يبدأ معنا في محل الألعاب مطلع الفيلم و يستمر في إعطاء دلالاته بتطور هذه العلاقة ، في منزل تيريز يجعل هاينز كارول أقرب إلى الكاميرا و تيريز في خلفيتها ، و في مشهدهم في الخارج عندما تدعوها إلى الرحلة يجعل تيريز في مستوى أخفض و يرفع كارول إلى الأعلى ، حتى العمل العظيم لساندي باول مصممة الملابس يؤكد على ذلك ، المعاطف الفخمة التي تعطي ضخامةً نسبيةً لكارول أمام تيريز ، و الملابس المتواضعة لتيريز ، حتى عندما تمنح ساندي باول لتيريز معطفاً يكون ذلك بقياسٍ أكبر قليلاً لإعطاء الإحساس بضئالتها (في البداية اعتقدتها ملاحظةً غبيةً مني لولا أنني سمعت ساندي باول تتحدث عن ذلك لاحقاً !) .


مع الرحلة يختلف إيقاع الفيلم في نصفه الثاني ، تود هاينز يستخدم بياض الثلج الطاغي في الصورة ، و الإنعكاسات ، و أغنية بيري كومو Silver Bills ، وعيني روني مارا المبهورتين تراقب الأجواء عبر النافذة وهي التي ربما لم تغادر نيويورك من قبل ، تود هاينز يخلق شعوراً من الإختلاف والحميمية في أجواء الكريسماس دون أدنى جهد ، مباشرةً نجد أنفسنا شركاء لكارول و تيريز في رحلتهما ، يستخدم مجدداً اللقطات المزدوجة للبطلتين في الإستراحة عندما تقدم تيريز هدية الكريسماس لكارول ، وجه تيريز يشرق – حرفياً – على الشاشة ، ضحكتها و إحساسها بالسعادة لوجودها مع كارول ، أن لا تفكر بريتشارد أو بنيويورك ، بالمقابل كارول تفكر بنيويورك ، هناك ما ينتظرها هناك عندما تعود ، شيئاً فشيئاً تصبح تيريز على مدار الرحلة أكثر حرية من كارول بعد أن كانت حياتها مخططةً سلفاً ، بينما تشعر كارول بالقيد ، كارول مع ذلك تحب صورتها في عيني تيريز ، عندما تخبرها تيريز وهي تلتقط لها الصورة في هذا المشهد (تبدين رائعة) نشعر فعلاً أن هذه الكلمة تعنيها ، ذات الصورة التي نراها معكوسةً في ختام الدائرة حين تكسر كارول جمود تيريز في مشهد Brief Encounter عندما تخبرها (تبدين جميلةً جداً) فتعدل تيريز من هندامها ! ، هذه العلاقة الحذرة على مدار الحكاية بين الشعور بالأمان وحرية اتخاذ القرار الصائب تجاه هذا الحب (لدى كارول و لدى تيريز بالتوازي) يجعل من اكتشاف تيريز للمسدس في حقيبة كارول تعميقاً لفكرة حرية تيريز ، تيريز منذ غادرت نيويورك تصبح أكثر ثقةً بنفسها لتسأل كارول عن شعورها بالأمان معها ، بينما لا يروق لها التفاف كارول على الحقيقة ، هاينز يلتقط وجه بطلتيه في إضاءةٍ خلفية قادمةٍ من زجاج السيارة الأمامي تمنح وجوههم جمالياتٍ غير متوقعة وهو أمرٌ نلمسه في أي تفصيلٍ بصريٍ يستخدمه هاينز خلال رحلة التحرر هذه ، الإحساس بطول الرحلة مثلاً يستخدم له تود هاينز تعدد الكادرات ، و تعدد أوقات السفر ، ومحطات التوقف الخمس التي يسهل تمييزها بصرياً ، و الأغاني الخمسينية التي يبعثرها ، على مدار الرحلة يستفزني التدرج الذكي (العبقري) الذي تتحول فيه تيريز إلى مرافقة / سكرتيرة / مساعدة لكارول ، لا أدري كيف تتمكن روني مارا من خلق هذا الشعور من خلال تحرير تيريز تدريجياً (بالميليمتر) من رهبتها تجاه كارول بكل صورتها الأسطورية إلى أن تصبح صديقةً لها ، توظف لغة عينيها و حركة جسدها و نبرة صوتها و الطريقة التي تستعيد بها كتفيها المقيدين إلى الأمام مثل فتاة مدرسة إلى الكتفين المثبتين إلى الخلف معطيةً شعور المرافقة الواثقة أثناء الرحلة ، نقلة ذكيةٌ بين حالة الإنبهار بـ (كارول) إلى حالة المشاركة في الكلام و الطعام و النشاطات ، تيريز التي تقدمها مارا في غرفة الجلوس في منزل كارول تختلف تماماً في لغة جسدها عن تيريز التي تقترح الجناح الرئاسي أو تلك التي تحمل حقيبتها لاحقاً و تدخل قبل كارول إلى الفندق ، أو تلك التي تذكرها برقم الغرفة ، أو تلك التي تجلس صباحاً لتناول قهوتها مع التحري تومي تاكر قبل أن تدخل كارول إلى المشهد.


المنحى التراجيدي في الحكاية (على صعيد الحدث) يبدأ بعد مشهد واترلو و يأخذ مسحةً من (الجرائمية) قادمةٌ في الواقع من أدب هايسميث التي لطالما تعاملت مع الجرائم في رواياتها ، الجريمة التي تحاول أن تقدمها هايسميث في (ثمن الملح) هي الوقوع في الحب ، وهذا ما يجعل أزمة شخصيات هاينز تأخذ المنحى المعاكس لشخصيات ديفيد لين التي إنتقلت أزمتها من العام إلى الذاتي ، أزمة الذات و ضعفهم أمام الذات هي ما تفرق المحبين في فيلم ديفيد لين بينما ما يحيط بالشخصيات وضعفهم أمامه و البعد الجرائمي في وجود التحري السري والمحامين وجلسة الإستماع هو ما يفرقهم ، لا تمنح ناج لشخصياتها أي مساحةٍ للإستمتاع بعد مشهد الجنس ، في مشهدٍ جنسٍ آخر مبتور لا نرى سوى بدايته نلمح في الوجوه الكثير من الألم ربما تمهيداً لحدوث الإنفصال ، وعندما يحدث يتيح هاينز لعلاقة تيريز بآبي أن تجد مساحةً صغيرةً ذكيةً جداً تنقلها من شكل الوصاية والتنافس أو حتى الغيرة كما قد تعتقد تيريز إلى بعدٍ أعمق : شعور آبي بالأسى تجاه شابةٍ (صغيرةٍ) عاشت ما عاشته هي ذات يوم ، حس الإستكشاف الجنسي المؤلم الذي ما أن تحصل فيه على إجابة حتى (يتغير) ، المرة الوحيدة التي جرؤت فيها على استكشاف هويتها الجنسية كانت أقسى بكثير من جهلها بها ، حس الأسى هذا يصلنا دون كلمات بفضل أداءٍ ممتازٍ من سارة بولسن ، يسلم هاينز بولسن هذه المساحة ويعمل بصرياً على نقل الإحساس بطول رحلة العودة من خلال الأماكن و الأزمنة ، تلتقطها من الفندق ، تتناولان الإفطار في مطعم ، تتوقفان في الطريق ، تقود السيارة ليلاً و تيريز نائمة في الخلف بينما آبي تتأملها في المرآة ، تصلان إلى فندق و نرى حسرة آبي على حال تيريز ، خلال مساحةٍ صغيرةٍ جداً تحكي لنا سارة بولسن كم هو مؤلمٌ ما تعيشه تيريز ربما لأنها عاشته ذات مرة ، بينما لغة جسد روني مارا تجعل تلك المساحة مضاعفة التأثير ، خلال هذه الرحلة (بصرياً) يجزىء هاينز رسالة كارول لتيريز لتملأ طريق العودة في تتابعٍ مؤثر و أداء صوتيٍ يحفر في العظم من كيت بلانشيت ، ترجمةٌ مضاعفة لذات أحاسيس آبي تجاه تيريز لكن بلسان كارول التي هي أيضاً عاشت تجربة الإستكشاف هذه ذات مرة ، الرسالة بالرغم من تأثيرها هي أيضاً جوابٌ ضمني على الحل القصصي الذي اتخذه هاينز منذ البداية للحفاظ على حسية الحكاية دون إستخدام الحل القصصي الذي استخدمه ديفيد لين في فيلمه : الفويس أوفر ، الفويس أوفر الوحيد في فيلم هاينز (رسالة كارول لتيريز) لا تقدم أي إجابة ، كارول تعترف أنها لا تجد إجابةً أو تفسيراً يمكن أن يقنع تيريز ، يستخدم هاينز الشكل النقيض للحسية : المباشرة ، كي يخبرك أنها لن تقول لنا شيئاً أكثر مما قيل فعلاً ، لا تقدم لنا الرسالة أكثر مما يقوله مثلاً مشهد تيريز في منزلها تقوم بإظهار الصور التي التقطتها لكارول على مدار الرحلة ، و لا تقدم أكثر مما (لا يقال) في المشهد العظيم لتيريز و كارول على جانبي الإتصال الهاتفي ، الحسية التي جعلت بطلتي العلاقة لا تحصلان على كلمةٍ رومانسيةٍ مباشرةٍ وحيدةٍ بينهما حتى تقول كارول لتيريز (I Love You) قرب الختام ، تغلق كارول سماعة الهاتف دون أن تسمع تيريز في جملتها التعبدية (I Miss You, I Miss You) ، و لا تتكلم بمقدار ما يتكلم مشهد تيريز وهي تحضر لمجلد الصور الذي ستقدمه للنيويورك تايمز عندما تقف للحظة أمام صورة كارول ثم تستثنيها ، يرفع هاينز بعد الإنفصال من مستوى الحسية في عمله مركزاً جداً على (ما لا يقال) ، يقدم إستعارةً بصريةً في مشهد تجديد تيريز لطلاء منزلها حيث حياةٌ جديدةٌ ستبدأ ، يعزلها في مشهدٍ صامتٍ مع ريتشارد الذي يجلب لها حاجياتها بعد انفصالهما ، يجرد المشهد من حواره لأنه لا يريد أن يسلب ريتشارد صورته التي شكلناها له تاركاً للمشاهد إمكانية تفهمه وربما حتى التعاطف معه ، تيريز نفسها تتعاطف معه ولا تمقته ، وفي الوقت ذاته لا يريد أن يجرد تيريز من صورتها في هذه المرحلة كإمرأةٍ سحقها الحب ، نحن نعرف سلفاً أن نبوءة ريتشارد عندما أخبر تيريز بأنها ستندم خلال أسبوعين قد تحققت ، لكننا لا نريد أن نراه يذكّرها بذلك ، يراهن هاينز على مُشاهده من خلال إسكات المشهد و التقاطه من الجهة الأخرى للجسر في كادرٍ جميل ، يحول الألم المفترض فيه إلى لوحةٍ تشكيلية .



كارول أيضاً بعد الإنفصال تعيش الألم ذاته ، ربما مع فارق أن كارول شخصيةٌ تعبيريةٌ جداً قياساً لتيريز ، هي أيضاً تعرف أن هارج يحبها لكنها لا تستطيع أن تعيش حياته ، لا نحتاج سوى ليومٍ واحدٍ نقضيه مع كارول في منزل عائلة هارج كي ندرك ذلك ، منه نفهم ما الذي يعنيه استمرار كارول في حياةٍ كهذه ، لا حدث طارىء في المشهد ولا شيء مفتعل ، الشيء العادي الذي يحصل كل يوم ، الحوارات و المائدة و الطعام و النظرات الغير مريحة ، حتى تظهر ريندي ثم تعود كارول إلى المنزل وحيدة ، من الصعب ان نخطئ الإحساس بأن هارج يحب كارول على طريقته ، يبقى صامتاً أثناء حوار كارول مع والديه على المائدة ، يبقى صامتاً عندما تواجهه في الإجتماع ، عندما تنفعل في وجه والديه يمسك يدها بلطف ، وهي ذاتها تقدر هذا الحب وتفهمه حتى وإن كانت لا تستطيع الإستمرار فيه ، هي ذاتها من تمنحه حضانة ريندي ، تظهر له لآخر مرة أنها من المستحيل أن تستمر ، في ذروة ذلك الإنقسام العنيف بينهما و الذي يخدمه أداءٌ عظيمٌ من بلانشيت تبقى كارول مصرةً على تقدير تلك المحبة من خلال تنازلها عن حضانة إبنتها في جلسة الإستماع ، هذا التحول عنيفٌ لدرجةٍ قد لا تتحمله الشخصية و هو تحولٌ كان بحاجةٍ فعلاً لممثلةٍ عملاقةٍ من عيار كيت بلانشيت لأنه يقف على حدٍ دقيقٍ بين العظمة و الإبتذال و على الورق (هذه إمرأةٌ من الخمسينيات تتخلى عن ابنتها من أجل ألا تعود إلى زوجها كي تعيش وفقاً لرغباتها) وهو تحولٌ ذاتيٌ جداً في كارول و لا تحركه تيريز التي تعيش في عالمٍ آخرٍ الآن ، كارول في الذروة – كما زوج كاثي في Far From Heaven – لا تنكر ما يحدث و تعتبره – بعقلية امرأةٍ من الخمسينيات - غير صالحٍ للإستمرار في رعاية ابنتها وسط هذا التشتت ، قرارٌ يخص كارول وحدها التي أصبحت قادرةً على اتخاذ قرارها ، وعندما تتخذه تبقى صورتها و صورة هارج مهمةً أيضاً بالنسبة لها ، نستمع إلى (ولو ذهبنا إلى المحكمة فسيكون شيئاً قبيحاً ، ونحن لسنا أناساً قبيحين يا هارج) على نظرةٍ فيها مسحة أسى واضحة في عيني هارج ، هذا ليس مشهد إنفصال شخصين يكرهان بعضهما أبداً ، ميزان ذكي و صعبٌ جداً في هذه العلاقة المتوترة ينجو بعظمة من الإبتذال بفضل كيت بلانشيت و كايل شاندلر ، هاينز يؤكد حتى النهاية على البعد المحوري لفيلمه كعملٍ عن (الوقوع في الحب) ، أي حب ، بدلاً أن يكون صورةً نسويةً مستهلكةً عن الحقوق و المطالب ، نساءه أنفسهن يدركن أنهن جزءٌ من المشكلة ويحاولن تصحيح الأمور ، و رجاله بالتأكيد ليسوا أشراراً .



في مشهد Brief Encounter العظيم حيث يغلق تود هاينز الفلاشباك تجلس تيريز لتنتظر كارول كما فعلت في المطعم أول مرة ، تيريز دائماً هي من تنتظر ، نقلةٌ تحدث بعد 4 أشهرٍ على ما جرى ، لا نعرف تماماً إلى أين ستمضي ، كل ما نراه قبلها هو فتاةٌ ترتقي في السلم الإجتماعي وتحصل على الوظيفة التي لطالما حلمت بها ، و إمرأةٌ تتراجع في السلم الإجتماعي بعدما خسرت زواجها وحصلت على منزلٍ جديد و وظيفة ، في هذا المشهد تنهي تيريز متوالية الإمتثال و المطاوعة وأنانية الـ (نعم) ، ترسم الصورة النقيض لمشهدها الأول مع كارول في المطعم ، تتمنع و تتجنب الإندفاع ، ترفض السيجارة هذه المرة ، وتشعر ربما لأول مرة انها قادرةٌ على التحكم بعاطفتها حتى وإن كان ذلك شعوراً هشاً سرعان ما ينهار ، في المشهد يدير تود هاينز أجمل بينغ بونغ حواري في عام 2015 بين (صوت كيت بلانشيت) و (عيني روني مارا) ، يستخدم كالعادة المنظور المزدوج للصورة ليدير هذه المباراة بمونتاجٍ مختلف عن ذات المشهد في إفتتاحية الفيلم ، تسلسل كلام كارول لمحاولة إعادة المياه إلى مجاريها تقابله حالات صمتٍ معبرةٍ في تيريز ، من المذهل كيف تتلاعب بلانشيت بنبرات صوتها في المشهد لتكسر حاجزها العميق مع تيريز ، ومن الأكثر إذهالاً أن هذه المباراة الحوارية التي تستمر لثلاث دقائق بين وصول كارول و ظهور جاك ليفسد كل شيء تتضمن فقط ستة أسطرٍ حواريةٍ لمارا أحدها (No) و آخر (What?) و آخر (No, I don’t think so) !!! ، يثيرني جداً كيف يبدو هذا المشهد مباراةً حواريةً عظيمةً في كل مشاهدة بالرغم من أن مارا على مدار ثلاث دقائق لا تتكلم سوى ستة أسطرٍ فقط ، أعظم الممثلين هم أولئك الذي يستغلون مساحات الصمت وليس أسطر الحوار ليقولوا كل شيء ، وتود هاينز استخرج من ممثلتيه أداءًا عظيماً بالفعل .


في حفل (فيل) تبدأ متوالية الختام العظيمة ، كل ماضي تيريز كان هناك ، الماضي الذي لم يعد كما هو ، اصدقاؤها الذين مضى كلٌ منهم في طريقه ، تجولها في المكان على أغنية باتي بيج Why Don't You Believe Me التي وكأنما تأتي على لسان كارول وتمارس علينا ذات التأثير الذي مارسته بقية أغاني الخمسينيات في ملء مساحات الصمت في الفيلم لقول ما لا يقال ، في مساحةٍ مكانيةٍ ضيقة تتجول تيريز لترى فيل يراقص فتاةً ، ترى داني كما عرفته دائماً يشاهد فيلماً مع صديقته ويكتب ملاحظاته ، و ترى ريتشارد يراقص فتاته الجديدة ربما ، بينما جينيفيف تحاول التودد إليها من خلال كادرٍ بديع بحاجزٍ بصريٍ واسع تنتقل فيه من النافذة اليمنى إلى النافذة اليسرى قبل أن يبتر تود هاينز تلك اللحظة ، في أقل مدةٍ زمنيةٍ نكون شاهدين على عالم تيريز يتداعى أمامها ، يصبح شيئاً بعيداً عنها ، تعزل نفسها في الحمام لتدخن سيجارة ، قبل أن تخرج لتتأملهم جميعاً على أنغام رائعة جو ستافورد No Other Love التي تمتد مونتاجياً إلى الشارع على لقطةٍ لتيريز مع سيادة الأزرق في الخلفية بدلالته اللونية عن التصالح و التجاوز ، تمضي في طريقها و نسمع للمرة الأخيرة صوت قطار ، القطار اللعبة الذي نراه مطلع الفيلم بمنازله و سياراته و أناسه و ثلجه في إستعارةٍ عظيمةٍ للدائرة التي تكتمل ، أو قطار ديفيد لين الذي وصل أخيراً ، (كل شيءٍ يأتي في دائرةٍ مكتملةٍ) كما كتبت لها كارول ذات مرة ، ختام الحكاية لا يصنعه هاينز فقط لمزاجه الخاص ، وليس فقط إنتصاراً للرواية التي كانت أول روايةٍ عن حكاية حبٍ مثلية لا تنتهي نهايةً مأساوية ، وليس فقط إنتصاراً لحالة الربط التي نعيشها بفيلم ديفيد لين عن الشيء الذي لم تستطع شخصياته القيام به ، بل هو أيضاً انتصارٌ لبطلتي تود هاينز ، وقوفٌ عند لحظة الإنتصار لإعطاءهم الفرصة للإحتفاء بها (رغم عدم معرفتنا بكيف ستمضي أمورهم بعد ذلك) ، في المشهد الأخير تتدرج روني مارا على الشاشة في خريطةٍ وجهية عظيمة بين ثلاثة أشكالٍ تعبيرية : تبدأ بالخوف والرهبة والتشوش عندما تلمح كارول أخيراً في المكان ، ثم تتوسط – من خلال السلوموشن - بالألم و الغضب و العتب و إحتقار الذات ربما أثناء سيرها بإتجاهها ، و تنتهي إلى التصالح و التجاوز و الصفحة الجديدة مع ابتسامةٍ تتدرج بلطف بأقل جهدٍ عضليٍ في الملامح ، ما تفعله في هذا المشهد أشبه بضربةٍ قاضيةٍ لملاكمٍ خاض للتو إثنتا عشرة جولةً كان يمكن أن يكسبها بالنقاط ! ، يستخدم هاينز مجدداً وللمرة الأخيرة الإزدواج البصري (كما فعل حين بدأ الحكاية أول مرةٍ في متجر الألعاب) هذه المرة من خلال زوم آوت ناعم على وجه مارا يتحول إلى ابتسامة ، و زوم إن ناعم على وجه بلانشيت يتحول إلى إبتسامة ، كل شيءٌ ينتهي في دائرةٍ مكتملة ، واحدٌ من أعظم المشاهد الصامتة التي أنتجت في حقبة الحوار المنطوق ، ختامٌ عظيم لتحفةٍ سينمائية .


الحادي والعشرون من ديسمبر كان الموعد الذي دونته تيريز لذهابها إلى منزل كارول ، كان تاريخ مشهد النفق ، و تاريخ مشهد شراء شجرة الكريسماس ، و كان تاريخ دموع تيريز في القطار ، و كان تاريخ سؤال تيريز لكارول عن أشياء ، و بالصدفة كان تاريخ مشاهدتي لهذا الفيلم ، شاهدته ثلاث مراتٍ في ذلك اليوم ولا أتذكر أنني فعلت ذلك أبداً ، هذا فيلم عظيم ، لا يمل ، واحدٌ من أغنى الـ Subtexts التي عايشتها في فيلم ، المساحةٌ بين النص والصورة و بين ما يقال و ما لا يقال عظيمة ، فيلم مغرقٌ في التفاصيل ، لحظاته العابرة التي يمكن لأي مخرجٍ آخر أن يتجاوزها يجعل منها هاينز شيئاً مختلفاً : وقوف تيريز وإغماضها عينيها أمام خزانتها المفتوحة ، تأملها للقفازات في المنزل ، أجزاء الثانية في عيني روني مارا وهي تشتمّ و تندهش وتجيب عن عطر كارول ، الكادر الجانبي على وجه مارا عندما تدون تيريز موعد ذهابها إلى منزل كارول ، جاذبية بلانشيت تملأ الكادر عندما تأخذ كارول سيجارة جانيت وتنظر عبر الزجاج ، تيريز ثم كارول تنظران للأعلى مع بدء تساقط الثلج ، كارول تضع يدها على تيريز النائمة في السيارة ، تيريز تشتم رائحة سترة كارول الزرقاء ، أو تعيد تشغيل الأسطوانة في الجناح الرئاسي ، غمزة كارول لتيريز عندما تذكرها برقم الغرفة ، النعيم الذي ينطق عندما تتحسس تيريز أثاث غرفة الفندق ثم ترتمي بجسدها الضئيل على الأريكة ثم تلتفت إلى كارول المستلقية على السرير ولا نشاهد عيني مارا لكننا نفهم من لغة الجسد ومدة الإلتفاتة كمية الحب التي تحملها قبل أن تواجه الكاميرا وتنظر للأعلى ، تيريز تتأمل كارول وهي نائمة ، أو تستيقظ لتجد آبي في الغرفة ، لحظاتٌ صغيرةٌ جعلتها صورة ورؤية تود هاينز شيئاً يبقى في الذاكرة ، فيلمٌ عظيمٌ عن قيد الحب الذي يضرب شخصيته العنوان ويضعها على مفترق طرقٍ في حياتها ، و فيلمٌ عظيم عن راديكالية الوقوع في الحب والقدرة على إتخاذ قرارٍ بتحويله من (شعورٍ) إلى (حالة) ، وفيلمٌ عظيمٌ عن مساحات الصمت التي تخدمها ممثلةٌ شابةٌ من السهل إدراك مقدار عظمة ما فعلته أن تحفر إسم تيريز في ذاكرة المشاهد في فيلمٍ إسمه Carol وهذه الكارول هي ممثلةٌ عملاقةٌ إسمها كيت بلانشيت في واحدٍ من أعظم - إن لم يكن أعظم - أداءاتها !، وجه مارا قادرٌ على التعبير حتى في مشهدٍ ليليٍ ومن وراء زجاجٍ مبلل ! ، الممثلون العاديون يحتاجون للكثير من الإنفعالات و الكثير من الحوارات ليبرزوا أداءاتهم وليعلوا بالشخصية المكتوبة ، الممثلون النخبة يستمتعون – على العكس – بلحظات الصمت ، ذلك ملعبهم وتلك مساحة إثبات وجودهم ، و روني مارا من طينة النخبة .

التقييم من 10 : 10