الخميس، 25 فبراير، 2016

45 Years

كتب : عماد العذري

بطولة : توم كورتني ، شارلوت رامبلينغ
إخراج : آندرو هايغ (2015)

في فيلمه الثالث – كما فيلمه السابق Weekend قبل أربعة أعوام – يبدو آندرو هايغ مولعاً بالعلاقات الإنسانية ، ليس الحفر فيها من أجل خلق الدراما كما يحدث عادةً ، بل مولعاً بها كموضوعٍ قائمٍ بذاته ، محوره الأساسي في الفيلمين هي العلاقة الإنسانية بين شخصين ، ككيانٍ مكتمل الأركان و ليس مجرد حدثٍ طارىءٍ لتفعيل حدثٍ آخر .

لم أشاهد فيلم هايغ الأول ، لكن تجربتي مع فيلميه كافيةٌ لتشكيل صورةٍ واضحةٍ عن سينما البريطاني ، و أعتقد أن التحدي الذي واجهه هنا ربما هو أكبر من سابقه في Weekend بالرغم من حساسية الموضوع ، من المثير بالنسبة لي أن يتمكن رجلٌ أربعيني من تفهم علاقةٍ تجمع زوجين سبعينيين بمثل هذا الإحساس العالي بشخصياته ، في بعض منعطفات فيلمه تشعر بأنه ابن جيلهم و شريكٌ في أزماتهم ، ذات الجزئية التي أبهرتني بها الكندية العشرينية سارة بولي عندما تناولت بالكثير من العاطفة و الإحساس علاقة رجلٍ ستيني بزوجته المصابة بالألزهايمر في Away From Her .

هايغ في فيلمه الفائز بجائزتي أفضل ممثل و أفضل ممثلة في مهرجان برلين السينمائي الدولي العام الماضي يقتبس قصةً قصيرةً لديفيد كونستانتين حملت إسم In Another Country ، يعرض لنا ستة أيامٍ في حياة مدير مصنع يدعى جيف ميرسر و مدرّسةٍ متقاعدة تدعى كيت ميرسر ، زوجان بريطانيان فوّتا عيد زواجهما الأربعين بسبب جراحةٍ في القلب خضع لها جيف ، يقرران الآن الإحتفال بعيد زواجهما الخامس و الأربعين كتعويضٍ عن ذلك .

بعد تتراتٍ على صوت بروجكتر يفتتح هايغ فيلمه على المكان ، لقطةٌ واسعةٌ لإمرأة تتنزه مع كلبها ، ذات الإفتتاحية التي سيعتمدها هايغ للأيام الستة التي تسبق الإحتفالية و التي نميزها من خلال الـ Intertitles ، منذ البداية يعتمد هايغ على اللقطات الثابتة الواسعة (الواسعة جداً أو متوسطة الإتساع) قبل أن يمنحنا لقطة أقرب ثم أقرب من الشخصية في طريق عودتها من النزهة الصباحية تدندن أغنية البلاترز Smoke Gets in Your Eyes ، عندما نصبح مع الشخصيتين في المنزل يصبح المكان واسعاً و ضيقاً في الوقت ذاته ، يخلق هايغ إحساساً عالياً بإتساع المنزل بالنسبة لشخصين و ضيقه مع حياة عجوزين ، يتجنب بشكلٍ ملحوظ الكاميرا المهتزة أو المحمولة ، يتجنب الكلوز آب ، يجرد الفيلم من الموسيقى التصويرية و يكتفي بالموسيقى التي تستمع إليها الشخصيات ، يهرب من الألعاب المونتاجية (بالرغم من كونه مونتيراً في الأساس) و يتباطأ على المشهد بصرياً و إيقاعياً من خلال جمود الكاميرا و قلة حركة الممثلين و طغيان درجات اللون البني على الصورة بكل دلالات الهدوء و الإنتماء للمكان التي تحملها ، التمهيد البصري للحكاية جميلٌ و فعالٌ جداً في خلق أكبر إحساس لدى المشاهد بالمشاركة دون ممارسة أي نوعٍ من القسرية عليه و هو لا يحتاج للكثير من الوقت ليحقق غايته ، بسهولة سنلمس انتماء بطليه لحياتهما ، تصبح درجات البني الفاتحة نهاراً و الغامقة ليلاً أشبه بجزءٍ لا يتجزأ من وجوه ممثليه و إطاراً بصرياً دافئاً يحتضنهم .


أثناء هذا التمهيد البصري يتحرك الحدث باكراً جداً ، منذ اللقاء الأول للزوجين في الفيلم ، رسالةٌ تصل بالألمانية إلى جيف تخبره عن عثور السلطات السويسرية على جثة حبيبته كاتيا التي انزلقت في جرفٍ جليدي قبل خمسين عاماً ، لا يحاول هايغ مع الخبر ايجاد أي نوعٍ من الدراما المفتعلة كي يسمح لمشاهده بتصور حجم الثقة في علاقة كيت بجيف التي لا تثيرها حكايةٌ كهذه ، يتحدثان في المسألة قليلاً ثم يوشك الموضوع أن ينصرف من حياتهما ، هناك حب ، حالة حبٍ عظيمة لا يحتاج هايغ للكثير ليخبرنا عنها ، عندما نشاهدهم في حديقة منزلهم نشاهد حباً مجسداً عمره 45 عاماً ، حياتهم مرسومةٌ لنا بالحد الأدنى من التفاصيل : قلة الأصدقاء ، مشاكل مصنع جيف ، علاقة كيت بطلابها القدامى ، هدوء جيف و روتين اهتماماته ، ذكاء كيت و قوة شخصيتها المختبئة وراء لطفها عندما تلتقي مسؤول صالة الإحتفالات ، على مدار هذه التفاصيل يحافظ هايغ على حالةٍ من العزلة البصرية لبطليه في الصورة ، ننظر إليهم عبر النافذة / في الحديقة / في الحمام ، عالمهما يبدو محدوداً و ضيقاً ضمن الكادر ، و ربما هذا ما يجعل الأذى أكبر عندما يحدث ، العالم كله ينهار عندما يأتي الأذى من الشخص الوحيد في حياتك ، مشاهد كيت في المدينة من أجمل مشاهد الفيلم ، لا يكتفي هايغ بإلتقاط بطلته الوحيدة ضمن الزحام بل يستخدم أصوات الحياة من حولها بدلاً من الصورة النمطية لإستخدام الموسيقى التصويرية في مشاهد كهذه ، خلال كل ذلك يكون هايغ قد رسم صورةً مكتملةً لحياة جيف و كيت : حبٌ ناعس ، شاي العصريات ، نزهةٌ برفقة كلب ، جولاتٌ برفقة أصدقاء ، وبقايا حياةٍ جنسية .

اليوم الأول من الحكاية يستغرق 25 دقيقةً على الشاشة ، الأيام التالية تصبح أقصر وتبدأ التفاصيل وحدها في تحريك الحكاية ، خروج كيت و جيف في اليوم الثاني معاً بالسيارة يغير رتابة الحدث ، شيئاً فشيئاً تبدأ ثقة كيت – على الأقل بما تعتقده - تهتز مع التغيير الذي يطرأ على جيف لاحقاً بكل الروتينية التي صورها هايغ في حياتهم ، تغييرٌ يقوم على التفاصيل : يميل جيف أكثر إلى الصمت ، يعود للتدخين ، و يتحدث عن كاميراه القديمة المرمية في العلية ، عندما يستخدم جيف عبارة My Katya تبدو العبارة مؤلمةً لكيت بقدر ماهي عفويةٌ من جيف ، عفويتها هي مصدر ألمها ، منبع الألم الذي تعيشه كيت في المرحلة المبكرة لتلقي الخبر ليس الشك أو سوء التقدير و إنما هو إحساسٌ يولد لا إرادياً بأنها لم تكن هي المرأة التي رغب زوجها بإكمال حياته معها ، وهو إحساسٌ من الواضح أن كيت لا تسمح له هنا بالنمو خصوصاً في هذه المرحلة الحساسة من تحضيرهم لمناسبتهم ، تعترف كيت لصديقتها بأن جيف يبالغ في تعلقه بالأشياء ، بالرغم من حدس المرأة و ألمها الخافت يبقى هذا تفسير كيت للأمور حتى منتصف الفيلم ، يصر هايغ على خلق دراماه من خلال تجنب (ما يقال) و التركيز على (ما لا يقال) و أعتقد أن هذا ما يجعله قريباً من روح جيلهم حيث الميل للهدوء العاطفي و التصالح إزاء أمورٍ كهذه ، يذكرني كثيراً على هذا المستوى بفيلم مايك لي Another Year ، إستذكارهما لحياتهما معاً موجودٌ بقدر استكشاف خباياها ، وهذا أقدره كثيراً في النص لأنه يقي الفيلم من التحول إلى إثارةٍ لا معنى لها ، عندما تثار كيت بما خبأه عنها زوجها لا تذهب إثارتها أبعد من حدود ما يمكن أن يحدث لإمرأةٍ في السبعين ، ينظر هايغ في طريقة تأثر عجوزين بشيءٍ يحرك حياتهما الرتيبة الآن : كيف أن إمرأة ميتةً تجعل كيت تغار بعد نصف قرن و دون حتى أن تعرف أي تفاصيل إضافية ، و كيف يتخيل جيف أن الثلج حافظ على شكل حبيبته كما هو قبل نصف قرن بينما هو أصبح عجوزاً هكذا ، يحاول هايغ من خلال هذه الأزمة الخفية التي تحل على الزوجين الحديث عن فقدان الهدف في هذه المرحلة العمرية ، فقدان القدرة على إيجاد مساحة التمتع مع التقدم في العمر ، حالة الإستسلام لبذرةٍ صغيرةٍ تنمو ، عندما ينهض جيف ذات ليلة لتفقد الكاميرا في العلية لا تتمالك كيت نفسها ، تدرك الآن ربما أن ما يحدث أكبر من مجرد صديقةٍ قديمةٍ تم العثور على جثتها بعد نصف قرن ، يحرّك هايغ من خلال هذه الدفعة الكثير مما تحت السطح ، و يحافظ على إيقاعٍ لا يهتز طوال الفيلم ، مشهد كيت في العلية عبقري ، كيف للحظةٍ خاطفةٍ في دراما هادئة أن تثير في كيت و في المشاهد ذلك الكم من الأسى و المشاعر المضطربة ، هايغ يدرك تماماً أن هذا ما سيفعله المشهد لذلك يعمد إلى وضع شاشة البروجكتر في يمين الكادر ووضع كيت في يسارها و التقاط الشاشة من الخلف كي يتيح للمشاهد التفاعل مع العنصرين في اللحظة ذاتها ، مشاهدة ما تشاهده كيت و مشاهدة رد فعلها تجاه ما تشاهده و بالتالي تحقيق حالة المشاركة كما يجب أن تكون من خلال الإبتعاد عن المونتاج ، هذا المشهد يصبح مضاعف الأثر أمام حقيقة أن جيف و كيت لم يحظيا بطفل ، يتجاوزُ شعور كيت هنا حالة تصور البديل ، الإحساس بأنها حلت كبديلٍ لإمرأةٍ اختفت ، تلك المرأة كانت يمكن أن تعيش مع زوجها و تنجب له طفلاً و يكملان حياتهما في سعادة ، لا نحتاج للكثير لنعرف الإحساس الذي يسيطر على كيت الآن ، ليس فقط مجرد الإحساس تجاه سرٍ أخفاه عنها زوجها 45 عاماً ، بل الإحساس بالتضاؤل و الدونية ، أن وجودها في حياة زوجها لم يكن سببه – تماماً – الحب بقدر ما هو انزياح هذه المرأة (كاتيا) من الحياة كلها ، إكتشافها المتأخر جداً أنها لم تكن (إختياراً) بل كانت (خياراً) .



كِلا ما يحدث هنا يحدث تحت السطح : مشاعر جيف المستعادة ، و رد فعل كيت تجاه تلك المشاعر ، رد الفعل يشبه الفعل تماماً ، لا يصرح به جيف و لا تصرح به كيت ، طوال تلك المرحلة من المشاعر المتناقضة تحت السطح تزداد تدريجات الأصفر و تدريجات الأزرق في مساحة الصورة ، يؤكد هايغ من خلالهما على دلالاتهما ، انقسام هذه الحياة بين الإضطراب و التصالح و بين الحذر و الثقة ، تبدو الصورة إطاراً مكملاً عظيماً للمباراة الأدائية الفاتنة التي تجري بين توم كورتني و شارلوت رامبلينغ ، كورتني يغلي بشخصية جيف ، إضطرابه الداخلي محسوس جداً بالحد الأدنى من الإنفعالات ، يملأ الدور كما يجب أن يكون جيف فعلاً ، يستطيع بإحترافية ممثلٍ كبير إيجاد مساحة توازن جميلة بين العجوز الذي يجد مشاعره المتقدة قبل نصف قرن تستعاد فجأة ، و الزوج الذي يحاول إقناع زوجته – وربما إقناع نفسه أيضاً – أن ما جرى مجرد ذكرى قديمةٍ عابرة حتى و إن إعترف لها بأنه كان ليتزوج حبيبته لو لم تمت ، أمامه تتوهج عينا رامبلينغ اللتين لا تشبهان أو حتى تقاربان أي عينيين أخريين في تاريخ السينما كله ، تستحضر رامبلنغ الغموض الأسطوري الذي لطالما خلقته في شخصياتها السابقة من خلال عينيها لتحقق صورةً لا يمكن الإبتعاد بالنظر بعيداً عنها ونحن نرى من خلالها انسحاق كيت الصامت وهي تحاول أن تفهم على مشارف السبعين ما الذي عنته لزوجها أول مرة و ما الذي تعنيه الآن ، أداءها عظيم ، وقور ، فيه كل شيء ، يقول كل شيء دون أي إضافات ، عالم كيت من خلال رامبلينغ مكتمل ، المساحة التعبيرية للشخصية تتسع و تتمدد مع رامبلينغ ، و أجمل ما في الأمر أنها كي تجعل تلك المساحة تتمدد لا تبهرج الدور إطلاقاً ، كورتني و رامبلينغ يقدمان واحدةً من أفضل المباريات الأدائية في عام 2015 ، وهايغ يعرف كيف يستثمر ذلك تماماً ليقود شخصيتيه نحو الختام العظيم ، مشاهدة كيت أمام البيانو ، المعزوفة المتصاعدة التي تحكي كل شيء ، و حالة التصالح الذاتي لدى جيف و الإحساس المبطن بأن التفكير بأي شيءٍ آخر عدا العيش بسلامٍ في عمرٍ كهذا يبدو ترفاً لا يقوى عليه .

يفتتح هيغ صبيحة يوم الإحتفال على لقطةٍ واسعةٍ كالعادة لكن هذه المرة دون بطلته في نزهتها الصباحية ، الإحتفال يبدو – كحدثٍ تنتهي إليه الأحداث التي تسبقه – أشبه بإختبارٍ حقيقيٍ لما يؤرق حياة جيف وكيت الآن : نسيان الكثير الذي يسعدنا من أجل القليل الذي لا يسعدنا ، تستمر لعبة الأصفر و الأزرق و الإضطراب و التصالح لتصل ذروتها في حفلٍ تزيّن ببالوناتٍ من اللونين ، كلمة جيف هنا لا تحمل أكثر مما يصل عنها و لا يمكن للمشاهد أن يتعامل معها بصورةٍ مختلفةٍ عما تحمله ، قبل أن يختتم هايغ حكايته برقصة بطليه على أنغام البلاترز Smoke Gets in Your Eyes ، يضع بطلته في الأزرق قبل أن يبعثر اللونين على وجهها عندما تسحب يدها في مشهد الختام على وجهٍ بالغ التعبير من رامبلينغ ، الحفلة أصبحت بالنسبة لها هنا مجرد قناعٍ جميلٍ مثل السنوات الـ 45 التي مضت ، شيءٌ نستمتع به يخفي شيئاً عميقاً لا يعجبنا ، هايغ يحقق مراده في الذروة ، لكن مشكلته مع ذلك ان الرجل الذي يصر على التكثيف على (ما لا يقال) يجد نفسه بنهاية الفيلم يقول كل شيء ، الطريقة التي تتالى بها الأحداث لا تترك الكثير لخيال المشاهد ليتفاعل معه ، لا يحدث ذلك في نقطةٍ معينةٍ من الحكاية لكنك تدركه عندما تنتهي منها ولذلك تركت الحديث عنه إلى النهاية ، المشاعر هنا تبدو واضحة كنتيجة وواضحةً كسبب ، حتى عندما تحدث النهاية نكون مدركين أن الأمور ستنتهي هناك ولن تذهب إلى ما هو أبعد وهو أمرٌ صادفني في المشاهدتين ، علاقتي ببطلي هايغ تنتهي بصورةٍ غريبةٍ بنهاية الفيلم بالرغم من كم المشاعر التي يفترض أن يتناولها ، يصل للمشاهد كل ما يريده دون أن يترك له الكثير ليستمر معه ، لا تشعر أن هناك الكثير لتفكر بشأنه مع نهاية الفيلم .



فيلم آندرو هايغ الثالث واحدٌ من أفضل أفلام العام ، فيلمٌ ممتاز عن سرطانات العلاقة ، البذرة الصغيرة التي تنمو وتتضخم دون هوادة و دون رحمة حتى تأتي على كل شيء ، عن ألم أن تكون (خياراً) ، وعن ألم أن تكون (خياراً ثانياً) أيضاً ، وعن غرابة إستكشاف (الوقوع في الحب) بعد 45 عاماً على حدوثه .

التقييم من 10 : 8.5