الاثنين، 19 أكتوبر، 2015

Amélie

كتب : عماد العذري

بطولة : أودري توتو ، ماتيو كاسوفيتز
إخراج : جان بيير جونيه (2001)

شاهدتُ هذا الفيلم أول مرة في عرضٍ سينمائي في ديسمبر من عام 2001 ، حينها إعتبروا ذلك الشهر – اللاهب دوماً كل عام - فرصةً لمحاولة نسيان ما حصل في الحادي عشر من سبتمبر ، قدمت هوليوود – بالصدفة - أعظم شهرٍ في تاريخ الفانتازيا عندما أطلقت الفيلم الأول من سلسلتي The Lord of the Rings و Harry Potter ، في حين جاءها من فرنسا فيلم جان بيير جونيه هذا الذي تحوّل إلى ظاهرةٍ عالميةٍ بعد ذلك .

الطريف أن منظمي مهرجان كان السينمائي الدولي رفضوا مشاركة الفيلم في مسابقتهم الرسمية بسبب قيمته الفنية المتواضعة ! ، مع ذلك لفت عرضه هناك - على هامش المسابقة - الأنظار إليه ليتحوّل خلال بضعة أشهر إلى أنجح فيلمٍ في تاريخ السينما الفرنسية حينها ، فاز بالسيزار و الأوسكار الأوروبي و رشّح لخمس جوائز أوسكار و أسرت إبتسامة نجمته أودري توتو قلوب الملايين حول العالم عندما تحوّلت إلى أيقونةٍ من أيقونات العام كحال فرودو و هاري بوتر و طاحونة باريس الحمراء و صندوق ديفيد لينش الأزرق .

مع جان بيير جونيه – في عمله الروائي الطويل الرابع و الأول بعيداً عن شريكه مارك كارو – نلتقي أميلي ، شابةٌ تقطن في ضاحية مونمارتر في باريس ، عاشت طفولةً غير اعتياديةٍ بسبب تشخيصٍ وهميٍ بإصابتها بمرضٍ في القلب ، لم تذهب على إثر ذلك إلى المدرسة و تلقت تعليمها في المنزل ، قضت معظم حياتها في غرفتها رفقة خيالها الجامح ، عندما تكبر تعمل في مقهى ، حتى تكتشف يوم مقتل الأميرة ديانا في أحد أنفاق باريس السر الذي يغيّر كل شيءٍ في حياتها .

من المشهد الأول ندرك أن جان بيير جونيه بمفرده - بعيداً عن شريكه مارك كارو - هو ألطف و أقربُ للقلب ، روح الثنائي الذي حقق نجاحاً مهماً من خلال فيلمي Delicatessen و The City of Lost Children تتجرد من سوداويتها – القادمة على ما يبدو من مارك كارو – لتقدّم لنا هنا وجبةً دسمةً من البهجة بعيداً عن الديستوبيا المجنونة التي جمعتهما سابقاً ، جان بيير جونيه – الذي بدأ التفكير بالفيلم عام 1974 - يوظّف الموسيقى التصويرية ليخبرك بهذا الخبر في الإفتتاحية ، تلعبُ هنا دور السكرتير الذي يستقبلنا ليمهد لنا روح الفيلم عندما تغلّف صوت الراوي و الفلاشات التعريفية التي يقدّم لنا جونيه من خلالها شخصياته مطلع الفيلم ، و عندما نستقبل ذلك جيداً نتشرب بسهولة روح أميلي ، الفتاة التي تحاول تغيير العالم عن طريق تغيير حياة الناس ، و التي ترى أنهُ (من الأفضل مساعدة الناس على الوقوف كتمثالٍ في حديقة) ، أميلي – كحال أبطال جونيه المعتادين – يتيمة ، فقدت والدتها مبكراً و لم تستطع أن تشكّل تواصلاً حميمياً مع والدها الطبيب لدرجة أن قلبها كان يبالغ في عدد ضرباته كلما اقترب والدها ليفحصه كل شهر حتى اعتقد الرجل أن ابنته مصابةٌ بمرضٍ في القلب ! ، لا يحتاج جونيه للكثير من الوقت حتى يورط المشاهد مع شخصيته المحور و يرسم بشكلٍ واضحٍ إلى حدٍ ما أبعاد عالمها و الطريقة التي يجب على المشاهد تقبل تلك الأبعاد بها و هي المشكلة الرئيسية في تلقي الفيلم من قبل البعض ، عالم الفيلم ليس فانتازياً ، لكنه ليس واقعياً أيضاً و لا يفترض من مشاهده – إعتماداً على توليفته البصرية بشكل أساسي – تقبله كواقع إلا لو آمن بما يمكن للخيال أن يؤثر به على الواقع ، يبدو و كأنه يذهب إلى النقيض الصريح من الديستوبيا التي قدمها في فيلميه السابقين لكن دون أن يصل إلى مستوى اليوتوبيا ، يتوقف قبلها ، باريس معه في أجمل حلة ، تتجرد من كل المسميات التي أطلقت عليها بمرور السنوات ، هي هنا أشبه بمهرجانٍ مفتوحٍ أو حفلةٍ راقصة ، صورةٌ حالمةٌ ترتفع بالمدينة فوق مشاكلها و تنوعها العرقي ، إشراقها غير اعتيادي و متسولوها لا يعملون أيام الأحد ! ، تبدو قادمةً من عالمٍ موازٍ غير مثاليٍ تماماً ، ربما أميلي هي من تحاول أن تجعله مثالياً .

في بحثها عن تغيير العالم تقوم أميلي بالكثير من الأعمال : تعيد صندوقاً قديماً إلى مالكه ، ترسل التمثال الذي يمتلكه والدها في رحلةٍ حول العالم كي تحفّز والدها على مطاردة حلمه القديم بالسفر ، تقود رجلاً أعمى و تلعب دور عينيه ، ترسل الفيديوهات لرسامٍ عجوز مصابٍ بهشاشة العظام ، تنتقم من بائع خضرواتٍ متسلط ، تخترع قصة حبٍ بين رجلٍ و إمرأة في المقهى ، ترسل رسالةً من زوجٍ غائبٍ إلى زوجته بعد أربعين عاماً ، و تكشف لحبيبها نينو سر الرجل الغامض الذي حيّره ، أثناء كل ذلك تفكّر أميلي بالآخرين و ما الذي ينقصهم غير مدركةٍ لما ينقصها هي ، إتخذت قرارها بمساعدة الآخرين بتأثير النشوة التي اختبرتها و هي تشهد سعادة دومينيك بروتودو بالصندوق الذي إستعاده من طفولته ، ترى في نفسها الآن (الليدي ديانا) أو (الأم تيريزا) ، تريد أن تمد يد العون للآخرين لكنها أجبن من أن تظهر لهم ذلك ، و ربما تستمتع بذلك حتى و إن لم تكتشف جبنها ، محاولاتها معهم تحاول أن تأخذ طابعاً (ألوهياً) : هي لا تتجه مباشرةً لمساعدتهم بل تحاول أن تضع في طريقهم ما يقودها لمساعدتهم ! ، لكن مشكلة أميلي أنها وهي تفعل ذلك لم تدرك أن ما جعلها تنجح في ذلك هو جمود العالم الذي يحتاج لتلك المساعدة ، تلك الشخصيات ليست بائسة لكنها في الوقت ذاته ليست سعيدة ، حياتها بعيدةٌ عن أي منحىً للتغيير ، لا تدرك أميلي أن ما انطبق عليهم لن ينطبق عليها و هي كتلةٌ مشعةٌ من (التغيير) ، أميلي كما يخبرها جارها الرسام العجوز (جبانة) ، ربما فعلت الكثير من الأمور الجيدة للآخرين من وراء ستار ، أحبت أن تستلذ و هي تراقبهم من بعيد يحصلون على بعض الإنصاف في حياتهم ، لكنها لم تكترث لنفسها ، و عندما تفعل و تأسرها عاطفةٌ وليدةٌ تجاه نينو تحاول – مجدداً – أن تمارس ذات الألاعيب مع من تحب ، أن تبقى وراء ستار ، ألا تتبادل مع حبيبها أي كلمةٍ سوى من خلال القصاصات الورقية أو عبر الهاتف ، و الحب لا يحتاج لكل ذلك ، أحلامها و خيالها لن يكونا كافيين هذه المرة لتحويله إلى حقيقة ، و (الحظ مثل سباق فرنسا للدراجات ، تنتظرها طويلاً ، ثم إذا أتت تمضى مسرعة) .    

و مع أن جونيه يستثمر شخصياته بشكلٍ جيدٍ في الختام عندما نراهم يحصلون على ما يبحثون عنه ، إلا أن ذلك لا يخفف من فكرة أنها شخصياتٌ ليست غنيةً في الأساس خارج إطار ما نشاهده منها ، و هو تفصيلٌ يحسب على الفيلم ، هناك أحاديةٌ شديدةٌ في تقديمها حتى بمقاييس شخصيات أفلام جونيه السابقة ، لا نرى والد أميلي سوى في حديقته ، بائعة السجائر مكتئبةٌ و مصابةٌ على الدوام بوسواسٍ قهري من المرض ، جوزيف لا يفعل شيئاً سوى الجلوس لمراقبة موظفات المقهى و التجسس عليهن ، و الأمر ذاته ينطبق على بائع الخضروات المتعجرف كولينون الذي يستمر في إهانة مستخدمه لوسيان ، و الرسام العجوز دوفاييل الذي يعيد رسم إحدى لوحات رينوار كل عام !، صحيح أن نص جان بيير جونيه و غيوم لوران يفعّل تلك الأحادية إلى أقصى حد كي يقدّم بالأساس (شخصياتٍ تحتاج للمساعدة) ، لكنه في الوقت ذاته يبالغ في تنميطها فلا ينتج شخصياتٍ حقيقية بما يتوازى مع حقيقية و صدق أميلي ، تفصيلٌ يتفاعل برأيي مع بعض العبثية في تحريك الحدث  حتى بمقاييس العالم الذي يصنعه ، شاهد مثلاً كيف يتجاهل موظف صيانة كابينات التصوير نداءات نينو المتكررة بالتوقف و ركضه وراءه - عندما شاهده بالصدفة - من أجل غموضٍ لا يعرف عنه شيئاً ! ، شخصياته كانت بحاجةٍ لحقيقيةٍ أكثر لتلتفّ حول أميلي (الحقيقية جداً) .   

و بالرغم من جاذبية الحكاية إلا أن الشكل يزاحمها كثيراً ولا يسمح لها بالاستئثار بجمال ما نشاهده ، توليفة جونيه القصصية / البصرية إختراع ، شاهد 3 أو 4 أفلامٍ له و ستصل إلى قناعةٍ كهذه ، ملفتٌ جداً كيف لا تطغى حكاياه (المجنونة) على صورته (المجنونة) أو العكس ، خلفيته في العمل على الفيديوهات الموسيقية و الإعلانات و الأفلام الرسومية بالغة الأثر في سينماه ، لا أندهش أبداً عندما أقرأ عن هجومه المتكرر على مخلفات الموجة الفرنسية و تيار الواقعية الفرنسية و أفلامها التي لا يحبها ، عالمه السينمائي مختلف و أعتقد أنه وصل مع هذا الفيلم إلى ذروة تأثيره ، أحداث حكاياته غير اعتيادية ، أبطاله غير اعتياديين ، رومانسيات أبطاله غير تقليدية ، مولعٌ بالخصائص الشكلية لوجوه ممثليه التي يختارها دائماً سهلة التمييز ، بقدر ما تكون بطلته أميلي مولعةً بالتفاصيل بقدر ما هو ذاته مولعٌ بالتفاصيل ، كاميراه مهرجانٌ لا تتوقف افكاره ، لقطاتٌ علويةٌ عندما يراقب بطلته و لقطاتٌ أرضيةٌ عندما يراقبُ معها ، ولعه مستمرٌ بالشخصيات التي تنظر للآخرين من مستوىً مكانيٍ أعلى أو أسفل (خصوصاً من النوافذ أو نحوها) ، يحب وضع وجه ممثلٍ على مقربةٍ شديدةٍ من الكاميرا و يضع آخراً في الخلفية البعيدة ، مطاردة أميلي و نينو أمام كنيسة القلب المقدس فتنةٌ بصرية ، معالجةُ الألوان هنا تحاكي بهجة أميلي ، يتخلى جونيه عن أحادية (السيبيا) التي طغت على فيلمي الديستوبيا السابقين و يطعّم لونه المفضل بالكثير من الأحمر و الأخضر هذه المرة ، يمنحهم في الوقت ذاته دلالاتهم اللونية المفترضة ، يبقي السيبيا طاغيةً مع الطفولة ، و الأبنية ، و باريس ، و يكسو ببهجة الأخضر الشوارع و المحطات و الطبيعة و المحلات ، و يمنح السيادة للأحمر في شقة أميلي و محل الفيديو الذي يعمل فيه نينو ، و يمزج الألوان الثلاثة بنسبٍ متفاوتة في جميع المشاهد و يجعلها تتكافأ في المقهى (حيث محور كل شيء) ، ثم يترك تلك البهجة البصرية لتتفاعل مع مونتاج إيرفي شنيد و موسيقى يان تيرسان ليحقق واحدةً من أجمل التوليفات القصصية / البصرية طموحاً و بهجةً و جنوناً .

ثم بالتأكيد هناك أودري توتو ، روح العمل و بهجته الأولى ، طاقةٌ متفجرةٌ من الطيبة و الخجل و الحركة التي لا تهدأ ، إبتسامتها وحدها تفي بالغرض الذي صنعت من أجله الشخصية ، فيها الكثير من الطيبة و القليل من السذاجة مع رشةٍ بسيطةٍ من الشيطانية ، إبتسامتها - على تعدد أسبابها في الفيلم - هي المؤثر البصري الأكثر بقاءًا في الذاكرة بعد الإنتهاء من كل شيء .

أولئك الذين إنتقدوا العمل لعدم إنتمائه لفرنسا المعاصرة لم يفهموه ، تعاملوا مع واقعيته كمسلّمة ، و ربما لم يعرفوا سينما جونيه أصلاً ، شاهدت الفيلم قبل 14 عاماً ثم شاهدته مرةً ثانية بعدها بعامين و أعدته للمرة الثالثة يوم أمس ، و ما زال بنفس الحيوية و الأثر ، واحدٌ من قلةٍ من أفلام (الشعور الجيد) غير المبتذلة ، ربما باتت هذه النوعية من الأفلام تشعر المرء بالأسى على نفسه عندما تروق له ! لكن هذا لا يحدث هنا ، بهجة الفيلم تقاوم الشيخوخة بالرغم من أن ما يبهجنا يختلف دائماً بمرور الزمن ، هذا ما عجز عن إدراكه الكثيرون ، و هذا ما أدركه فنسنتي مينيللي و جاك ديمي !

التقييم من 10 : 9