الجمعة، 3 يوليو 2015

Five Easy Pieces

كتب : عماد العذري

بطولة : جاك نيكلسن ، كارن بلاك ، سوزان آنسباتش
إخراج : بوب رافلسن (1970)

في أربعة عقودٍ لاحقة بقي هذا الفيلم واحداً من أهم الأسماء التي تذكر عند الحديث عن السينما الأمريكية الجديدة في السبعينيات ، ربما لم يكن أفضل تلك الأسماء أو أكثرها أثراً ، لكن الدراسة التي يقدمها لشخصية بطله أصبحت انعكاساً من السهولة تذكره لأزمة جيلٍ بأكمله .

لم تسنح الفرصة لسينما بوب رافلسن لتصبح شيئاً عظيماً ، لكن الشراكة المهمة التي حققها مع جاك نيكلسن كانت فاتحة نجومية كلٍ منهما ، و فاتحةً - مع غيرها - لسينما أمريكية جديدة و مختلفة و متواضعة التكلفة ، بقي هذا العمل مأثرة تلك الشراكة .

في هذا النص الذي شارك فيه رافلسن كاتبته ادريان جويس هناك روبرت ايروك دوبي ، موسيقيٌ شاب من أسرةٍ عريقةٍ من الموسيقيين يعيش حياته بعيداً عن عائلته حيث يعمل في محطةٍ لإستخراج النفط في كاليفورنيا ويقضي لياليه مع صديقته النادلة رييت ، عندما يعلم بوبي بمرض والده يجد في ذلك فرصةً ليسافر الى ولاية واشنطن لزيارة عائلته .

لـ (الحكاية) دورٌ ثانويٌ هنا ، جويس و رافلسن يقدمان (دراسةً لشخصية) شابٍ أمريكي في ذروة حقبة التحولات العظيمة التي تلت فيتنام ، دراسة تتجاوز حفرها في سلوك الشخصية الى ايجاد مساحة اسقاطٍ مناسبة على جيله بأكمله ، شيء يشبه محاكمة التبعات الاخلاقية و الاجتماعية و النفسية و الأزمة الوجودية التي عاشها شباب ما بعد الهيبيز و ما بعد فيتنام ، في هذه الدراسة لا وجود لكل تلك التغيرات الإجتماعية / السياسية ، هي مرميةٌ تماماً بعيداً عن الصورة و هذا يمنح تلك الدراسة - على اعتاب حقبةٍ سينمائيةٍ جديدة في هوليوود - مذاقاً أوروبياً واضحاً و غير مسبوق .

الافتتاحية هنا ، و طريقة لقائنا بالشخصيات ، و شريط الصوت ، تتآزر لتصنع توليفةً ساهم التأكيد عليها في أفلامٍ أخرى في خلق شعور ملهم بأن (هوليوود تعيد تعريف نفسها) ، هذا الشعور توازى - عندما مشاهدتنا الفيلم الآن بعد ٤٥ عاماً - مع الأزمة الوجودية التي يدرسها الفيلم في بطله : (أميركا ذاتها تعيد تعريف نفسها) ، عندما نلتقي بطلنا مطلع الفيلم يكون ذلك في موقع التنقيب الذي يعمل فيه ، في ذلك اللقاء نستشف مباشرةً شخصيةً أوضح لسينما السبعينيات ، شيئاً لم يكن اعتيادياً في سينما العقد (مشوش الهوية) الذي سبقها ، عنوان الفيلم يأتي من خمس قطعٍ موسيقيةٍ - نجدها في تترات الافتتاح - لشوبان و باخ و موزارت ، كلمة (سهلة) في عنوان الفيلم تشير إلى تواجدها في كتب تعليم الموسيقى ، في عالم تلك القطع كانت نشأة بوبي ، بوبي بقدر ما يكون هنا انعكاساً لجيله ، بقدر ما هو ايضاً انعكاسٌ للطبقة المتوسطة التي ينتمي اليها و التي لطالما لجأت السينما لدراسة شخصياتٍ منها عندما تحاكم منظومة عصرٍ بأكمله بحكم كونها الطبقة الأكثر تأثراً في كل الأزمات الاجتماعية ، تلك التي تبقى تحت تهديد الانسحاق و الآمال المبددة (حيث تعيش الطبقة الفقيرة) و في الوقت ذاته اسيرة طموحاتها و رغباتها التي لا تهدأ (حيث تنتمي الطبقة الغنية) ، أزمة بوبي ضمن هذه الطبقة ليست أزمة ذاتيةً تماماً ، ليست شيئاً شخصياً جداً ، هي بالنتيجة خلاصة موروث / مسافة / فجوة وجدناها تتسع بين (الصورة التي انتظرنا أن تؤول اليها حياتنا) و (بين ما آلت اليه بالفعل) ، هذا هو الإطار الذي يدرس رافلسن و جويس شخصية بطله من خلاله ، (ما آلت اليه بالفعل) هي النقطة التي نلتقي فيها بوبي أولاً ، ليس الشكل الناعم للطبقة المتوسطة الذي سنعرفه فيه لاحقاً ، هو الآن عامل تنقيبٍ في منشأةٍ نفطية يعيش حياة كادحة : روتين العمل ، العلاقة العاطفية ، الاهتمامات ، الصداقات ، قتل الوقت ، و بالتأكيد شعور منسل بعدم الرضا ، يزاوج رافلسن في مراقبته هذه بين العمل و الحياة الخاصة بصرياً بصورةٍ جميلة و غير مفتعلة و يترك مساحةً كبيرةً للمشاهد لتكوين وجهة نظره ، من خلال تلك المساحة ندرك أن بوبي لا يستمتع في كليهما ، مع ذلك هو يعيشهما مع قليلٍ من التغاضي و قليلٍ من التذمر ، لا يوجد - عملياً - ما هو جذابٌ فيما نراه ، لا عمل ممتع (أو مربح على الأقل) ، لا عائلة ، لا مستقبل واضح ، لعب البولينغ أو لعب الورق أو السهرة في منزل صديق هي محاولات بوبي لتجاوز بديهية سخطه على (ما آلت إليه بالفعل) ، و استخدام رافلسن المكثف هنا للقطات المتوسطة و المتوسطة القريبة في المشاهد الداخلية بقدر ما يمنح مشاهده بعض الحميمية تجاه الشخصية بقدر ما ينجح في اظهار بعض العبثية و الفراغ فيها ، يحصرنا مع شخصيةٍ تبدو ساخطةً و غير مستقرة ، ذلك الحزام الجليدي الذي غلف به بوبي سخطه يتبخر عندما يعلم بحمل صديقته ، نراه يطلب من صديقه التون - في انفعالٍ لا يخلو من فوقية - الا يقارن حياته بحياته ، بوبي يرى في حياته شيئاً مختلفاً قبل أن ندرك نحن كمشاهدين سبباً لذلك ، و التون لا يرى في تلك الفوقية مشكلةً في صديقه ، مشكلة صديقه الحقيقية هي الشعور الذي سيواجهه عندما يجرؤ على ترك صديقته وحيدةً في ظرفٍ كهذا ، في هذه اللحظة لا تبدو الحياة الكادحة التي يعيشها بوبي نتيجةً غير مرغوبةٍ لـ (ما آلت اليه بالفعل) ، على العكس تبدو خياراً ، ندرك هنا أن اختيار نص رافلسن و جويس لعمل بطله في (منشأة نفطية) مقصودٌ جداً ، و كاميرا لازلو كوفاتش (على ذات دربها في Easy Rider قبل عام) تستخرج الصورة القاحلة لهذه البيئة الفقيرة بصرياً كي تجعل من قرار بوبي - السهل جداً - بالاستقالة من عمله بعد علمه بحمل صديقته نافذة لفهم حالة اللا استقرار التي جاءت به الى هنا ، يبدو لنا - و للمرة الأولى - شخصاً قادراً على تفكيك حياته و استئصالها ثم الرحيل لبدء حياةٍ جديدة ، لا يبدو هو ذاته و كأنما يعرف لم يفعل ذلك .

في النصف الثاني من الفيلم عندما يقرر بوبي - أيضاً دون أن يدري لماذا - أخذ صديقته رييت و السفر لزيارة عائلته يمارس النص بعض حيله ، يمر بوبي بجوار حادث سيارة و يقرر اخذ امرأتين غريبتين في سيارته ، بطلة المشهد هنا امرأةٌ تبدو افكارها مزيجاً غير واضحٍ من الهيبية و العدمية ، يحاول النص من خلال وجودها - الذي لا يمكن انكار افتعاليته - تقديم صورةٍ ابعد للأزمة الوجودية التي يعيشها بطله ، بوبي ليس بحاجةٍ ليعيش حياة كتلك التي تنشدها المرأة في آلاسكا ، شخصيته غير قادرة على التعامل مع العزلة المجتمعية ، هي تحب أن تكون بقرب من يهتمون لأمرها حتى و ان لم تبادلهم ذلك ، لا يمكننا ان نغفل حقيقة أن رييت تحبه أكثر بوضوح مما يفعل هو ، حياته تقع في منتصف الطريق بين (النمطية التي هرب منها) و (الحياة التي تبحث عنها هذه المرأة وسط كل تلك الكراهية التي تحملها للبشر) ، حيلة النص التالية مشهدٌ خاطف لأربعتهم في مطعم ، شخصية بوبي تتجلى هنا بصورتها المجردة ، يرى الأشياء كما يحب أن يراها بعيداً عن قوالبها الجامدة ، ما يريده مختلف حتى و إن كان اختلافه لا يحتاج للكثير من الجهد في تقبله ، عندما يطلب (سلطة دجاج بدون دجاج !) يبدو الطلب مستفزاً ، غرابته في بساطته و سذاجته ، لا رمزية هنا و لا استعارة ، هذا ليس مشهداً تأكيدياً ، هذه حياة بوبي كما هي دائماً ، الرجل الذي يغادر سيارته في زحامٍ مروري ليتسلق شاحنة غريبة و يجد نفسه بعيداً تماماً عن وجهته ، هذا هو ما يريده : الحصول على ما يريد دون تبرير نفسه ، ذات الشيء الذي فعله مع والده ذات يوم عندما انزلق بعيداً عن حياةٍ مرسومةٍ بالمسطرة رآها والده له ، عندما يلتقيه لاحقاً يعجز بوبي عن تحمل مشاهدته في تلك الهيئة الضعيفة ، إعتاد على سطوته ، رؤيته ضعيفاً يكسر فيه مبرر الابتعاد الذي أوجده لنفسه ذات يوم : السلطوية التي تخلق الإعتياد و النمطية ، ثقافة (جبرية) تشكيل الآراء و القيم و الشخصيات التي جعلته الآن يرى في نفسه (خيبة الأمل الوحيدة لوالده) ، ذات الشيء الذي ينفجر من أجله في وجه ضيفةٍ تزور العائلة و تقوم بمحاكمة تصرفات رييت (حتى و إن لم يكن هو ذاته على وفاقٍ مع تلك التصرفات) ، مع ذلك هو ليس متحرراً بما فيه الكفاية من تلك السلطوية ، نراه في المشهد التالي مباشرة يحاكم تصرفات شقيقته مع الممرض ، بوبي يبوح لوالده في مشهدٍ عظيم بالمبرر الذي جعله يتنقل كثيراً من مكانٍ لآخر ، ليس لأن (الأمور سيئة) و إنما لخوفه (أن تصبح الأمور الجيدة سيئة) فيما لو بقي ، خوفه الحقيقي كان مقدار التدمير الذي تحدثه النمطية في الحياة ، مغزى أن تتوارث أسرةٌ بأكملها حب الموسيقى و العمل فيها ، أزمته لم تكن في الموسيقى بقدر ما كانت في جمود الحياة التي رسمتها فيه ، نراه – في لقطة 360 درجة تستمر لدقيقتين - يعزف لكاثرين دون (إحساسٍ داخلي) بالموسيقى التي يعزفها ، هي مجرد (قطعةٍ سهلة) تعلمها في طفولته ، يخبرها أنه زيّف شوبان كما زيّفت هي رد فعلها تجاه عزفه ، ما جذبه في كاثرين هو كونها شيئاً مثيراً للإهتمام بنظره في عالمٍ رمادي ، ليست علاقةً عاطفيةً أو نزوةً جنسية أو شيئاً لملء الفراغ ، هو ذاته لا يدري ماهيتها ، يثيره و ربما يثيرنا نحن أيضاً ما الذي يجبر فتاةً جميلةً مفعمةً بالحيوية أن تقيم مع أسرةٍ مملة و شريك عزفٍ أخرق مصابٍ في عنقه ، ما رآه فيها هو (صحن سلطة الدجاج بدون دجاج) ، الشيء غير المألوف و سط عالمٍ من الألفة ، بدايةٌ جديدة في فصلٍ لم ينتهِ سابقه ، أزمةٌ وجوديةٌ بطلها الحب الذي لا يحصل عليه بوبي لأنه لا يقدمه في الأساس ، هو على خلاف كل الكادحين في عالمه ، لم يكن يبحث عن (نهاياتٍ سعيدة) ، كان على الدوام يبحث عن (بداياتٍ سعيدة) ، لا يعلم بأمر النهايات لأنه يفر دائماً قبل أن تطل برأسها ، كما نراه في ختام الفيلم ، نهايةٌ تحمل توازناً عجيباً بين صورتها المجردة لرجلٍ غادر حياته على متن شاحنة أخشاب و ترك صديقته الحامل وراءه ، و بين صورتها الرمزية لرجلٍ يحقق انعتاقاً نحن ندرك الآن أنه مجرد انعتاقٌ لحظي ، بحث عن بدايةٍ سعيدة دون أن يجرؤ على النظر في النهاية التي خلّفها وراءه .

ربما يعيبه قليلاً مستوى الإندفاع الذي نراه في علاقة بوبي بكاثرين و في بعض تتابعات الحدث ، مع ذلك يكتسب هذا الفيلم مذاقاً أفضل في مشاهدةٍ تالية ، يصبح من السهل تقدير عمل لازلو كوفاتش على تحويل فيلمٍ متواضع التكلفة و فقيرٍ بصرياً على الورق إلى شيءٍ ذو هوية ، و تصبح أداءاته الثانوية أكثر بروزاً حول أداءٍ كبير من جاك نيكلسن (في ترشيحه الثاني للأوسكار) ، في ختامه يمكن بسهولةٍ أن تفهم قيمة هذا العمل كمعلمٍ ثقافيٍ مهمٍ عندما لم تكن السينما الأمريكية تنتج أفلاماً كهذه أواخر الستينيات و أوائل السبعينيات ، اليوم أصبح من السهولة أن نجده مع The Last Picture Show و Easy Rider و American Graffiti عندما نستذكر مخاضات هوليوود الجديدة .

التقييم من 10 : 9