الخميس، 25 يونيو، 2015

3-Iron

كتب : عماد العذري

بطولة : جاي هي سونغ ، لي سيونغ يون ، غون هايك هو
إخراج : كيم كاي دوك (2004)

ربما لا يكون في الأمر نوعٌ من الإجحاف إذا ما اعتبرنا بأنه بين كل المخرجين الكوريين المعاصرين وحده كيم كاي دوك هو من فرض بصمةً واضحةً ربما لا تخطئها العين في جميع أعماله ، و هو بهذا يتفوق برأيي على نظرائه الأهم في السينما الكورية اليوم هونغ سانغ سو و لي تشانغ دونغ و بارك شان ووك ، و حتى على الرائع بونغ جون هو ؛ المخرج الأفضل برأيي في السينما الكورية اليوم.

و على الرغم من أن كيم كاي دوك لم يستطع مضاهاة نجاحه الباهر في رائعته Spring, Summer, Fall, Winter, and Spring التي حققها عام 2003 و قدم خمسة أعمالٍ لاحقة أقل في قيمتها الفنية من رائعته تلك ، على خلاف بونغ جون هو الذي إنتقلت مسيرته من نجاحٍ لآخر و بنسق تصاعدي ، إلا أن المتابع لأعمال الرجلين يدرك تماماً بأن كيم كاي دوك منح جميع أعماله مذاقه الخاص و نكهته الإخراجية المميزة و إيقاعه الذي لا تخطئه العين ، على خلاف التباين الواضح في النفس الإخراجي و الأدوات و الإيقاع شهدته المسيرة القصيرة الرائعة لمخرج Memories of a Murder  و The Host و  Mother.

يقدم لنا كيم كاي دوك في عمله السينمائي الحادي عشر قصة تاي سوك (يؤديه جاي هي سونغ الذي يبدو برأيي خياراً مثالياً في حال فكر الآسيويون في تقديم عملٍ سينمائي عن كلاسيكية الأنيمي الشهيرة Akira) الشاب العشريني المتشرد و الذي يعيش حياته متنقلاً بين المنازل التي تركها أصحابها لقضاء أعمالهم و أجازاتهم ، يختبر ذلك من خلال إعلانات الوجبات السريعة التي يعلقها على مقابض أبوابهم و يعود بعد بضعة أيام ليميّز الأبواب التي لم تفتح فيجد في تلك المنازل المأوى لبضعة أيام ، و على الرغم من تشرده هو ليس لصاً أو مجرماً ، يقوم بتعويض أصحاب المنزل من خلال القيام بالواجبات المنزلية ، فيغسل ملابسهم و يصلح ما تعطّل من أدواتهم ، في أحد أيام لا يوفّق تماماً في تقدير خلو أحد المنازل ، صن هوا زوجة صاحب المنزل كانت قابعةً هناك تراقب ما يقوم به ، و عندما يفاجأ بها يندهش من الكدمات التي ارتسمت على وجهها نتيجة معاملتها من قبل زوجٍ سيء ، فيقرر أن ينقذها من الجحيم الذي تعيشه.

لن يمر الكثير من الوقت حتى ندرك أنه ليس فيلماً عن الحكاية بقدر ما هو فيلمٌ عن المشاعر ، حكايته حركاتٌ ثلاث تقليدية جداً ، ما وراءها غنيٌ و مهم ، من المثير مشاهدة فيلمٍ نابضٍ و حيٍ بالأصوات إلا من صوت أبطاله ، شخصيتا الفيلم الرئيسيتان صامتتان طوال أحداث الفيلم بإستثناء كلمة واحدة تنطقها البطلة قبيل النهاية ، هذه الجزئية المثيرة حقاً في نص الفيلم مثّلت التحدي الأساسي أمام كيم كاي دوك في العمل أكثر و أكثر على فرض لغةٍ داخلية غنية للشخصيات تغني تماماً عن أي كلام ، بل أن المشاهد لن يشعر بمجرد إنتهاء العمل بأنه كان بحاجةٍ أساساً لسماع صوت أي من بطليه ، صحيح أن شخصيات أفلام كيم كاي دوك عموماً هي شخصياتٌ قليلة الكلام إلا أن انعدام الكلام لدى شخصيات هذا العمل يتحول إلى مسعىً بحد ذاته ، كي دوك يدرك – بسهولةٍ على ما يبدو – المسافة الفاصلة بين التعبير الشفهي و اللا شفهي و يتمكن من اجتيازها ،  يعمل بشكلٍ فعال على جعل لغة الجسد وسيلةً تعبيرية قويةً و نافذة في الصميم ، و هذه الجزئية تحديداً هي ما تجعل هذا العمل شديد الإلتصاق بالذاكرة ، ليس بالطريقة التي نتذكر بها تلك الأفلام التي نحبها بصورتها المجملة فقط ، بل أننا نتذكر هذا الفيلم طويلاً بمعظم تفاصيله بعد إنتهاءه.

في العمق تستكشف سينما كي دوك عموماً المساحات غير الإعتيادية من تمازج الحقيقة و الخيال ، جميع أفلامه تفعل ذلك بصورةٍ أو بأخرى ، أفلامه روحانيةٌ بصورةٍ ملفتة ، و هذا الفيلم لا يشذ عن القاعدة ، لكنه لا يبدو تأملياً مثلها ، يتجنب مساحة التأمل المتاحة و يشغلها بنوعٍ من المحاكمة العقلية للحدث تتجنب التفسيرات الجاهزة و لا يستطيع المشاهد أن يتجاهلها أو يقفز عليها ، ربما هو أكثر أفلام كي دوك استفزازاً لعقل المشاهد ، و مع ذلك تبدو النتيجة عاطفيةً جداً على عكس المتوقع ، هذه المزاوجة – الذكية دون شك – بين الحقيقة و الخيال و بين الروحاني و العقلي تتفاعل بنوعٍ من القسرية أحياناً إلى الدرجة التي تجعل معها النتيجة مشوشة أمام المشاهد ،  كي دوك يترك في مشاهده شعوراً محيراً مع عبارته الختامية عن كوننا لا نستطيع التمييز بين الواقع و الحلم ، هل كان ما شاهدناه حلماً ؟ هل كان أحد البطلين نتاجاً لخيال الآخر ؟ لحاجة الآخر ؟ ، أسئلةٌ كانت لتبدو جميلةً و في الصميم لولا أن كي دوك يحاول على مدار النصف الثاني من الفيلم دفع المشاهد بإتجاه تبني أحدى الفرضيتين (القصة الشبحية تحديداً) بدلاً من الحيرة بينهما ، يمارس نوعاً من الدفع تجاهها و كأنما يجبر المشاهد على ما يريد ، صمت شخصياته هنا بالرغم من بلاغته و توظيفه سلاحٌ ذو حدين ، عندما يخبرك في الختام عن صعوبة التمييز بين الخيال و الحقيقة يجعلك تتساءل : هل جعل هو ذلك شيئاً حقيقياً ؟ ، يبدو مثيراً للإستغراب مثلاً أن شاباً كبطله (يهتم) كثيراً لغرباء لم يعرفهم فيغسل ثيابهم و يصلح ما كسر من أدواتهم ، لا يجد لديه مساحةً صغيرةً لإصلاح ما انكسر في هذه الفتاة ، هو يكتفي فقط بأن (يكون هناك) ، يكتفى بـ (التواجد) إلى جوارها ، داعماً بصورةٍ فجة فكرة (الخيال) على حساب (الواقع) ، الواقع لا يفعل ذلك ، كيم كاي دوك لا يكتفي بذلك فحسب بل يدفع باتجاه تلك الفرضية من خلال عزل شخصياته (كلامياً) بصورةٍ قسرية أيضاً ، يصبح صمتهم هدفاً لذاته وسط محيطٍ من الشخصيات (كثيرة الكلام) ، كيم كاي دوك يدفع المشاهد بإتجاه (الخيال) بصرياً و قصصياً ثم رمزياً بعد ذلك عندما يتحد الحبيبان على الميزان و يبلغ وزنهما صفراً ، هذا الدفع جعل السطر الختامي الذي يظهر على الشاشة في الختام شيئاً مباشراً و تفسيرياً و فائضاً في الوقت ذاته ، لا هو عمل عليه بحيث يمنح عمقاً أكبر لعلاقة الأرواح التائهة تلك بحيث تعوّض نوعاً ما عن النمطية الواضحة لمثلث الحب في الفيلم ، و لا هو تركها بعيدةً عن العمل كونها لا يمكن بصورتها تلك أن تخدمه بأي حالٍ من الأحوال.

علاوةً على ذلك لا يمكن اغفال الكرتونية الواضحة في الهيئة الظاهرية للشخصيات ، و في بعض تفاصيل الحدث (التي تحتاج لمنح عقلك اجازةً مؤقتة للتماهي معها) ، و في علاقة المثلث الأزلي أيضاً و التي تبدو إستهلاكية و نمطيةً جداً و تحمل مسحة الدراما التلفيزيونية ، مشكلتها ليست في الشعور الصريح بأنها لا تقدم أي جديد يستحق الذكر على المستوى القصصي على اعتبار أنه فيلمٌ ليس عن (الحكاية) أساساً ، بل في عجزها عن النفاذ في عمق علاقة المثلث ببعضها بالرغم من كونه فيلماً عن المشاعر ، و هو تفصيلٌ يعيدنا للنقطة السابقة حول الجبرية التي يحاول كي دوك أن يمارسها على مشاهدها تجاه ثنائية الحقيقة و الخيال .

مع ذلك لدى الفيلم قدرة ملفتة على البقاء في الذاكرة ، الغنى التعبيري النافذ للغة الجسد في الفيلم يعيش طويلاً بعد انتهاء العرض ، كي دوك يستخدم أدواته التقليدية : مزاوجة الطبيعة بالحياة العصرية – العناصر في منتصف الكادر – تآلف الكاميرا مع الشخصيات وليس مراقبتها – النظر للشخصيات من مستواها غالباً – و بالتأكيد التماثيل التي ينثرها و يروق له التقاطها من حينٍ لآخر ، هنا تحديداً يكثف كيم كاي دوك عمله على حركة الكاميرا (التي تبدو اضطرارية و كسولة) و يمنح مساحةً أكبر للكلوز آب - ربما أكثر من أي فيلمٍ آخر قدمه - في سبيل إلتقاط التفاصيل المهمة في (الجسد) كوسيلةٍ تعبيرية عندما يغيب الكلام ، مشاهدة نظرات تاي سوك المتحدية و تصرفاته المجنونة أحياناً تغني المشاهد عن أي حوارٍ يعرّف بشخصيته ، و تكفي بمفردها للإقتناع بأن هذا الشخص يمكن أن يذهب إلى الجحيم في سبيل قناعاته لأنه ببساطة ليس لديه ما يخسره ، و بالمقابل يضفي الإنكسار الداخلي و الحزن المرتسم على ملامح صن هوا مسحة جاذبيةٍ طاغية على أنوثة المرأة التي تبحث عمن يحتويها و يشعر بها ، نساء كي دوك دائماً لا تحتجن أبداً للكلمات لفرض جاذبيتهن الشديدة على المشاهد ، يكتفي كيم كاي دوك بلغة الجسد وحدها للتعبير عن دواخل شخصيتيه التي تبدو كل منهما أقرب للروح التائهة التي وجدت في الآخر من يكملها و يغذيها ، و هنا تبرز قيمة العمل الإخراجي له : قدرته على جعلنا نهتم ببطليه فعلاً ، و نقدر إحساسهما ببعضهما جداً ، قدرته على جعل عالمهما على الرغم من الصمت الذي يستعمره عالماً جذاباً بالنسبة لنا منعنا – و لو لحظياً - من مجرد التفكير بالإهتمام بأي شيٍ آخر في الفيلم ، ربما لا يكون أفضل أعمال الرجل لكنها تجربةٌ تستحق المشاهدة بالتأكيد .

التقييم من 10 : 7