الخميس، 7 مايو 2015

Spring in a Small Town

كتب : عماد العذري

بطولة : تشاو مينغ تسوي ، وي لي
إخراج : مو فاي

حقق الصيني مو فاي – أحد أهم أسماء الجيل الثاني في السينما الصينية – عمله السينمائي السابع بعدما وضعت الحرب أوزارها ، كان مثل حقبته ، أشبه بمرحلةٍ إنتقاليةٍ بين صين الإحتلال الياباني ، و صين الثورة الشيوعية ، بعد عامٍ واحد من إطلاقه كان قد تعرّض لكمٍ من التجاهل و التشويه و الإضطهاد من قبل القوة الحمراء الصاعدة التي كانت تعاقبه على أفكاره اليمينية المحافظة ، سرعان ما أصبح الفيلم شيئاً من الذكرى ، كحال مخرجه تماماً .

بعد فيلمٍ ثامن انتقل مو فاي إلى هونغ كونغ هرباً من الصين الجديدة ، عاش هناك ثلاثة أعوامٍ قبل أن يرحل في الخامسة و الأربعين من عمره ، أكثر من ثلاثة عقودٍ مضت قبل أن يزيل مجموعةٌ من طلاب السينما الشباب و مخرجيها الصاعدين الغبار عن هذه الكلاسيكية ، درسوها و تعلموا منها و آمنوا ربما بأن بلادهم كانت قد قدمت سينما عظيمة ذات يوم ، أعادوا ترميم الفيلم و قاموا بعرضه للجمهور ، أعادوه للحياة من جديد ، أولئك الشباب شكّلوا لاحقاً ما عرف بالجيل الخامس – الأعظم و الأكثر تأثيراً – في السينما الصينية .

مو فاي يقص علينا حكاية وي وي ، إمرأةٌ ثلاثينية متزوجةٌ من مالك أراضٍ شاب ، تقيم معه رفقة شقيقته الصغرى في بلدةٍ صينيةٍ صغيرة ، زوجها يعاني إكتئاباً حاداً و ربما مرضاً عضوياً غير ظاهر يعتقد أنه السل ، بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية يزورهم صديقه الطبيب الذي تكتشف بمقدمه أنه جارها و حبيبها القديم ، و وسط حالة المعاناة التي تعيشها ، تعود علاقة الحب القديمة لتزهر في هذا الربيع العابر .

كتب لي فيانجي هذا النص اقتباساً عن قصته القصيرة ، قصته ذاتها تبدو مزيجاً غير أصيل من كل عملٍ أدبيٍ تناول مثلث الحب ، و الأصالة هي ليست الشيء الذي يراهن عليه هذا العمل ، رهانه الحقيقي يقوم على قدرته من خلال مثلث الحب الذي يتناوله على إعادة توصيف المزاج السياسي و الإجتماعي الذي يسيطر على العملاق الأصفر الخارج للتو من أعنف الحروب البشرية ، و هو ينتج شيئاً عظيماً في مسعاه ذاك .

في الظاهر تبدو تعقيدات مثلث الحب التي يقدمها كلاسيكيةً جداً سواءً على مستوى الشكل الظاهري أو حتى المضمون الظاهري ، لدينا هنا إمرأةٌ تسرد علينا من خلال صوت الراوي معاناتها مع روتين حياةٍ وجدت نفسها تعيشها ، حياةٌ لا تكرهها بقدر ما هي لا تحبها ، وسط خريفها تعيش ربيعاً عابراً مع حبٍ غير متوقع ، تعقيدات الشكل و المضمون وحدها لا يمكن أن نميزها مثلاً عن كلاسيكية ديفيد لين Brief Encounter التي سبقتها بثلاثة أعوام ، لا أدري إذا ما كان مو فاي قد شاهد فيلم ديفيد لين في حينه ، لكن عظمة هذا النص أنه يستغل ذلك التوليف الذي يقدم مزيجاً من صراع مثلث الحب و المناجاة الداخلية الميلودرامية لإمرأةٍ سحقتها الظروف عاطفياً من أجل أن يذهب أعمق في الخصوصية الزمانية و المكانية للحكاية ، ما يجعل فيلم ديفيد لين مختلفاً أنه يحصل على قيمته مهما اختلف زمان و مكان الحكاية ، فيلم مو فاي وثيق الإرتباط بزمانه و مكانه و من الصعب تقدير ما تقدمه الحكاية كما يجب بصورةٍ منفصلةٍ عن التحولات الإجتماعية السياسية لصين ما بعد الحرب ، أجمل ما فيه و هو يفعل ذلك أنه لا ينجرف في المنحى الميلودرامي الظاهر للحكاية ، كان ذلك ليكون بائساً جداً و ربما كان ليسلبه قيمة اللعب على المعاني المضمنة للشخصيات ، معالجة الفيلم لحكايةٍ بمثل هذه الكلاسيكية تقف بشخصياتها على حدٍ فاصل : بين الإرتهان للقديم ، الموروث ، و الإستسلام له بكل ما فيه من قيود ، أو الإنقياد لهاجس التحرر بكل ما فيه من اندفاعٍ عاطفي ، بطلة مو فاي - التي يقدم فيها استعارةً صريحةً لصين ما بعد الحرب - تقف بين حقبتين / شخصين / واقعين لعالمٍ ينعتق من ارث الحرب ، مو فاي و كأنما يستشعر ثورةً قادمةً ، ثورةً هلامية المستقبل كما هو حال الفرق الهلامي بين شخصيتيه الذكوريتين : ليس العمر ، أو التوقيت ، أو الرغبة ، الفرق بينهما هو الروح ، حس الإندثار - الذي يكاد ينطق على الشاشة - في شخصية الزوج ، و رغبة الإنطلاق و التحرر و الأمل التي نراها في عيني الطبيب ، إحساسنا بالموت الروحي للزوج لا يتوازى مع تقديم شخصية الطبيب بصورةٍ أفضل ، فقط تبدو الروح هي فرقهما الحقيقي ، ذلك الفرق الهلامي هو ما تدركه الزوجة و تنجرف فيه لحظياً قبل أن يقيدها الكثير من الموروث و خوف المغامرة و تأنيب الذات .

على مدار كل ذلك هناك سور البلدة الذي يبدو استعارة مو فاي لسور الصين العظيم ، الشاهد على كل راحلٍ و قادم و حيث يتغير كل شيء لكنه لا يتغير ، ذلك السور هو ملجأ وي وي في ساعات وحدتها ، يبدو الموروث ثقيل الوطأة على كل رغبةٍ تحرريةٍ لدى بطل مو فاي ، حتى حبيبها القديم / الجديد تأخذه إلى هناك ، يبرع مو فاي في الكثير من المشاهد التي تجمع شخصيات العمل مع بعضها في التأكيد على أفكاره اليمينية ، ربما لم تكن وي وي بحاجةٍ لإنقلابٍ جذريٍ في حياتها ، ربما هي بحاجةٍ لكلمة ، لإبتسامة ، لفعلٍ تشاركي ، لنزهة ، لا يحاول من خلال حكايته أن يقدم مستقبلاً عظيماً لمغامرة وي وي مع حبيبها الطبيب ، بل يصر على التمسك بحس (المغامرة) فيها ، و هو حسٌ سيصطدم لدى المشاهد لا محالة مع حياة الوفرة التي تعيشها مع زوجها الآن ، معنى يؤكده مو فاي من خلال المشاعر التي تشكلها الشقيقة الصغرى تجاه الطبيب ، يبدو التغيير الجذري الذي تقدمه صورة الطبيب في الحكاية و كأنما له ما يقابله و يليق به : فتاةٌ شابةٌ لم تختبر الحب من قبل و لم تشكل عواطف تجاه أحد ، يرينا في شخصية الشقيقة الصغرى المكافىء الأنثوي الذي يليق بشخصية الطبيب ، المكافىء الذي يروق لشقيقها ، و يقسم زوجته على ذاتها .

وراء ذلك هناك استعارة الربيع ذاته كبيئةٍ زمانيةٍ داخل البيئة الزمانية للحدث ، ربيع ما بعد الحرب ، دائماً ما كان الربيع بالرغم من جماله مرحلةً إنتقاليةً بين نقيضين ، و هو في تداخله هنا مع حقبة ما بعد الحرب يخلق معنى مزدوجاً للزمان ، شيءٌ أشبه بنبوءةٍ عن مصير العملاق الأصفر الذي يسير في درب جاره السوفييتي الذي يقوده الحمر منذ ثلاثة عقود ، مو فاي يتجاوز من خلال حكايته ما يمكن أن تقدمه لنا سطورها المجردة عن مثلث حب و إمرأةٍ سحقتها العاطفة ، ما بين السطور بليغٌ جداً لأن أحاسيس شخصياته تجاه بعضها ظاهرٌ جداً ، لا وجود هنا لشخصياتٍ سلبية ، مع ذلك هو قادرٌ على توليد الصراع بين السطور مستغلاً عواطف الشخصيات و تفاعلها (الظاهر و الباطن) مع تلك العواطف ، و في هذا الموزاييك لا نحتاج للكثير من الحفر أو الكثير من الحوار لنستشف ما تحمله الشخصيات الأربع لبعضها ، لا أدري كيف فعلها ، لكنني أقدر عمله جداً على هذا المستوى .

لا أستطيع أن أراهن على أن مو فاي شاهد الكثير من الأعمال السينمائية في تلك الحقبة من تاريخ الصين ، لكن لغته الإخراجية فيها الكثير من تدفق كاميرا ميزغوتشي و إطارات أوزو الثابتة ، مع شيءٍ من روح أوفولس و سيرك تشع داخل كل كادر ، و بالتأكيد بعضٌ من إيقاع ديفيد لين في بداياته حيث تتحرك الأحداث و لا تتسارع ، و بقدر ما يبدو من الصعب الرهان على كونه تأثر بأيٍ منهم يبدو حتى الرهان على كونه أثر في الآخرين صعباً ، ربما يمكن بسهولةٍ أن نربطه بـ Hiroshima mon amour و Red Desert وصولاً إلى In the Mood for Love ، علاقته بالمكان على سبيل المثال تبدو مؤثراً ربما غير مباشرٍ في سينما تاركوفسكي ، صحيح أن تاركوفسكي تأثر بالأساس بميزغوتشي ، لكن مشاهدة السور في هذه الحكاية ، العشب ، المنزل ، الحديقة الخلفية ، جميعها تستحث حميمية مخرجٍ يستذكر شيئاً من ذاته و ماضيه بصورةٍ غايةٍ في الشاعرية .

تعرض مو فاي للإضطهاد بسبب الأفكار اليمينية المحافظة التي رأتها ثورة الحمر في فيلمه ، بعد سنواتٍ من اعادة انبعاثه على يدي مخرجي الجيل الخامس كرّم في أكثر من استفتاء كـ (أعظم فيلم في تاريخ السينما الصينية) ، بعيداً عن اتفاقك مع ذلك أو اختلافك يبقى هذا الفيلم العنوان الأبرز لدى كل عاشقٍ سينمائيٍ يرغب في الذهاب بمشاهداته أبعد من حدود مخرجي الجيل الخامس في السينما الصينية .

التقييم من 10 : 10