الاثنين، 6 أبريل، 2015

Changeling

كتب : عماد العذري

بطولة : أنجلينا جولي , جون مالكوفيتش , جيفري دونوفان
إخراج : كلينت إيستوود

لا يوجد شيءٌ مشتركٌ في أعمال كلينت إيستوود الإخراجية يمكننا القول بأنه يراهن عليه دائماً ، الحكاية أو المعالجة أو الصورة أو الشخصيات أو الأثر أو قيمة الأداءات ، الشيء المشترك وسط هذا الموزاييك الذي قدمه الرجل منذ بدأ مسيرته الإخراجية أواخر السبعينيات يبدو مبهماً ، لكنه بالتأكيد موجود و يختبئ في عمق العمق لكل فيلمٍ يقدمه .

العمل الأول لإيستوود في عام 2008 يستلهم - عن أحداثٍ حقيقيةٍ حدثت في لوس أنجلوس عشرينيات القرن الماضي - قصة عاملة سنترال تعيش حياةً سعيدةً مع إبنها الوحيد بعدما تخلى والده عنهما , عندما تغادر كريستن بيتها ذات صباحٍ متوجهةً إلى عملها مودعةً صغيرها لم تكن تتوقع بأن حياتها ستتغير في هذا اليوم , إلى الأبد ، تعود كريستن إلى منزلها فلا تجد إبنها , تبدأ رحلة بحثٍ لأشهر قبل أن يبدأ اليأس بالتسلل إلى قلبها , في هذه اللحظات تجد الشرطة الولد , لكن القصة لا تنتهي هنا , بل تبدأ .

بعودة الولد تصر كريستن على أن من عاد إلى المنزل ليس إبنها , و تخوض صراعاً عنيفاً في مواجهة الفساد المستشري في دائرة شرطة لوس أنجلوس , الدائرة التي تضعها في مستشفى للأمراض العقلية , قبل أن تجد أخيراً من يساندها و يقف إلى جوارها : القس غوستاف برغليب , رجل الخير و الناشط الإجتماعي في المنطقة المدفوع تجاه كريستن من واقع عزمه على الإطاحة بأركان الفساد في شرطة لوس أنجلوس أواخر العشرينيات , لاحقاً تتطور الأحداث لتقودنا إلى ملفات جديدة في جنبات قضية معقدة وغامضة .

على غرار عمل بديع حققه ديفيد فينشر العام الماضي في Zodiac يأتي فيلم كلينت إيستوود Changeling ليستنطق الأبعاد الدرامية في الحوادث الإجرامية المستلهمة من القصص الحقيقية , لكن مع فارق يبدو على بساطته هو السبب الحقيقي في ذلك الإستقبال المتميز الذي لقيه Zodiac ، و ذلك الفاتر الذي تلقاه فيلم كلينت إيستوود : الأول أصر طوال مدة عرضه على أن يجعل القضية هي البعد الأهم بالنسبة للمشاهد , بينما لم يتمكن الثاني من الحفاظ على هذه الجزئية على إمتداد العرض كله فسقط في أمتاره الأخيرة في انفعالاتٍ درامية لم تكن فائضةً بقدر ما جاء وجودها على حساب الخط الدرامي للفيلم والذي إنتهجه طوال قرابة ساعتين كاملتين , قرب الختام ينجرف العمل في إفتعاليةٍ واضحة (كانت موجودةً منذ لحظاته الأولى و لكن بصورةٍ يمكن استساغتها و تجاوزها) ليرسم التشويش و الفراغ الذهني الذي يعيشه المجرم بطريقة تجعل المشاهد يتوه أكثر فأكثر ضمن قضيةٍ تبدو متماسكةً على غموضها , نص هذا الفيلم هو ثغرته الحقيقية , هذا النص لا يقف نصيراً للمشاهد ، لا يرفض فقط في ثلثه الأخير صنع جسر من التواصل الحقيقي بين إيقاعه و المشاهد , بل هو يهدم التواصل الذي حققه في ثلثيه الأوليين , و يبدأ – إنطلاقاً من اللحظة التي ترتسم فيها ملامح القبض على المجرم – رحلة هبوط في مستنقع الإختزالية و الأحداث المجتزأة و المفتعلة (كالطريقة التي يطلق بها سراح مرضى مستشفى الأمراض العقلية , أو القفزات التي تبني أحداث القبض على المجرم , أو حتى الآلية و النسق الذي يتطور معها التعاطف مع كريستن من قبل سكان لوس أنجلوس) بمقابل التكثيف على جزئيات لا تحتمل (كجزئية إختلال المجرم مثلاً) على حساب الجزئيات التي منحت الفيلم قوته في أحداثه الثلثين الأوليين – كالصراع المحموم مع دائرة الشرطة التي تحاكم بطريقة شديدة الإفتعالية - وهي مشكلة واضحة في النص لم يتمكن إيستوود من تداركها , من الصعب أن تستحوذ على اهتمام مشاهدك و تبقيه محصوراً في زاويةٍ ما لثلثي الفيلم ، ثم تقلل من قيمة ذلك الاستحواذ من خلال انتقالك الى زاويةٍ أخرى للحكاية ، لا يمكن أن يخفى على المشاهد أن هذه الإختزالية ساهمت بصورةٍ سلبية في إعطاءه إحساساً واضحاً بأن الفيلم لن ينتهي عند نقطةٍ ما ، يتحول التعامل مع النهاية إلى شيءٍ عبثي بفعل كم الأحداث التي افتعلها الثلث الأخير و جعل من فكرة الامساك بالنهاية شيئاً غير موثوقٍ لدى مشاهده ، النص يصر على توجيه المشاهد لترقب حدوث تلك النهاية عقب المحاكمات أولاً , ثم عقب إعدام المجرم , ثم عقب العثور على إبن السيدة كيلي , يتعامل مع التلاعب بالنهاية و كأنما هو هدفٌ لذاته و ليس عاملاً من عوامل الغموض و جزءاً من عمق رحلته الاستكشافية في الصراع الأزلي بين (الروح) و (المادة) ، و بين (عاطفة) أمٍ تلاشت أمامها كل الأدلة (المادية) التي تنكر عليها احاسيسها ، تلك الذروة – و إن كانت تضاهي ذروة Zodiac في هلاميتها – إلا أنها تعاني بفعل نصٍ متهور لم يجد توظيف غموض الحكاية لخدمة عمقه .

لكن بعيداً عن ذلك فإن كلينت إيستوود يبقى مخرجاً مختلفاً , لا أعتقد أنه يمكن لمخرجٍ اليوم أن يكثف الصور العاطفية في المآسي الإنسانية كما يفعل هذا الرجل , و لا يخفى مقدار الجهد الواضح الذي بذله الرجل تجاه خلق التوازن الصعب لهذا النص المتراوح الإيقاع و الذي يبدو مزيجاً من Zodiac و Capote و Dead Man Walking , أمر نلمسه من خلال 4 جزئيات مهمة صنعت الثقل الإخراجي الحقيقي للعمل : أولها الترويض المحنك لملامح أنجلينا جولي و كأنما استخرج منها ايستوود كل مقومات الحزن الذي يضرب إمرأةً مفجوعة بإختفاء إبنها الوحيد , أداء أنجلينا جولي (الذي نالت عنه ترشيحها الثاني للأوسكار) فائق الإحساس , مقدارٌ كبيرٌ من الصدق الأدائي النابع من التوحد مع شخصيتها و أرى أنجلينا تليق فعلاً بأدوارٍ كهذه , الأمر ذاته أراه ينطبق على الأداء المتمكن من جيفري دونوفان الذي يرسم في الكابتن جونز شخصية فاسدةً بحق و قادرةً بطريقة عفوية – لا تخلو من لؤم – على قلب الحقائق لصالحها , ثاني تلك الجزئيات يكمن في قدرة إيستوود – من خلال تمكنه المشهدي رفيع المستوى – أن يتجاوز ثغرات النص و يقنعنا بما لا يعقل , جزئية نلمسها في مشاهد عدة أهمها ربما المشهد الذي تلتقي فيه كريستن المنهارة في مستشفى الأمراض العقلية بالطبيب المسئول عن حالتها و المصر على إشعارها بأنها مريضة فعلاً , و ثالثها هو الفيلم المصغر الذي يضمنه إيستوود في فيلمه هذا سارداً من خلاله قصة ما حدث لأولئك الفتية المختطفين , مشهدٌ - على إهتزاز أداء الممثل الذي يلعب دور الفتى المغرر به – يبدو مؤثراً للغاية و سريع النفوذ و التأثير في نفسية المشاهد علاوةً على كونه يأتي ضمن تحول دراماتيكي مفاجئ ليصنع منحىً جديداً في إثارة الفيلم و هو أمر يحسب لإيستوود قبل أن يحسب للنص , و رابعها أن إيستوود في خضم التدهور الذي يشهده النص في ثلثه الأخير يبقى قادراً على صناعة لبٍ مؤثرٍ و قاتمٍ و فظيعٍ في مشهد ذهاب كريستن لزيارة المجرم في سجنه ليخبرها الحقيقة ليلة شنقه و هو مشهد فيه من الترقب و الرهبة الكثير ، إستطاع فيه إيستوود أن يصل بالحالة إلى المدى الذي تستحق مخففاً من خفة و اهتراء ذروته : الصراع بين رجل خسر كل شيء و لم يتبقَ له في هذه الحياة سوى يومٍ واحد , و إمرأة ستقضي كل حياتها لا تعرف : هل مات إبنها أم لا .

Changeling كان يمكن بسهولة أن يكون أفضل بكثيرٍ مما كان , لو إمتلك نصاً متفهماً للمنبع الذي يجعل مزيج فيلم الإثارة و الغموض و أفلام التحقيقات شيئاً قيماً و مؤثراً ، إدراك الفارق بين الغموض كهدف و مسعى و الغموض كوسيلةٍ و أداةٍ تدفع بالحدث إلى حيث عمقه و قيمته ، و ربما بسبب إيستوود - الذي يستطيع دائماً استنطاق المأساة في صميم أي حكايةٍ سينمائيةٍ قدمها – يصبح هذا فيلماً جيداً و قابلاً للمشاهدة و التقدير .

التقييم من 10 : 7