الخميس، 26 مارس 2015

Ratatouille

كتب : عماد العذري

بأصوات : باتون أوزوالت , إيان هولم , بيتر أوتول
إخراج : براد بيرد

بين مخرجي بيكسار كان براد بيرد أكثرهم قدرةً برأيي على إيجاد التوازن المطلوب بين الإبهار البصري للصورة و التشويق الذي تحمله الحكاية و العمق المرسوم في ثنايا الشخصيات و النجاح جماهيرياً و نقدياً ، في فيلميه مع بيكسار The Incredibles و Ratatouille كان ذلك واضحاً بذات المقدار ، توازنٌ ربما لم يلامسه جون لاستر أو أندرو ستونتن بذات المقدار بالرغم من أن أعمالهم أقرب لي من أعمال براد بيرد .

في ثامن افلام بيكسار يحكي علينا براد بيرد من خلال عمله الرسومي الرابع حكاية ريمي ، جرذٌ صغير ذو أحلامٍ كبيرة , حاستا شمٍ و ذوقٍ قويتين تمنحانه موهبة طبخٍ فذة , إيمانه بموهبته و إنجذابه لمقولات الطباخ الفرنسي الأشهر أوغست غوستو بقدرة أي شخص كان على أن يطبخ تجعل أحلامه أكبر بكثير من حجمه , لكن واقعه يبدو أصعب من أن تتحقق فيه أحلام كتلك , خصوصاً مع حقيقةِ كونِ عشيرته تسرقُ ما تأكل , لكن دوام الحال من المحال , بعد ليلةٍ عصيبةٍ يفترق ريمي عن عشيرته و يتوه في مجارير باريس ليجد نفسه بعد ذلك أمام مطعم غوستو ذي النجمات الثلاث بعدما نسفت مقالات الناقد الشهير أنطون إيغو سمعة مطعمه , المكان الذي يشعل في ريمي حلماً لا يكتمل إلا بظهور لينغويني في الصورة , الشاب الفقير المسئول عن تنظيف مطعم غوستو و الذي يجد نفسه فجأةً – بمساعدةٍ من ريمي - الطباخ الأشهر في باريس .

في ثامن أعمالها استمرت بيكسار في تجنب التعامل مع شخصياتٍ بشرية طبيعية ، أبطالها السابقون مجموعة دمى ، نمل ، وحوش ، أسماك ، سيارات ، و أبطالٌ خارقون ، في هذا العمل بطلنا هو فأرٌ تحيط به مجموعةٌ من الشخصيات البشرية التي تأخذ حيزاً غير مسبوقٍ في أعمال بيسكار ، في هذا السياق يمكن القول أنه أنضج فيلمٍ رسوميٍ شاهدته يقوم ببطولته حيوان ، دائماً ما تحاول الأفلام الرسومية التي يقوم حيوانٌ ببطولتها على جذب المشاهد من خلال محاولة رسم ملامح (البيولوجية) المختلفة التي ينتمي إليها ذلك الحيوان وفقاً لمقاييس (بشرية) ، بيكسار ذاتها فعلت ذلك مرتين في Bug’s Life و Finding Nemo ، هنا مع براد بيرد الأمور مختلفةٌ قليلاً ، جاذبية الفيلم هي حبكته ، هي انتماء الحكاية إلى عالم البشر ، هذه حكايةٌ عن (الغرابة) و عن رد الفعل الغريزي تجاه كل ما هو (غريب) حتى لو كان (عظيماً) ، حكايةٌ بشريةٌ موضوعةٌ في جسد حيوان ، كونه حيواناً هنا – على خلاف توظيف الشخصيات الحيوانية سابقاً – يكون هو مصدر تلك (الغرابة) ، أن يقوم بطهي أشهى المأكولات في باريس ، أكثر الحيوانات قذارةً و بؤساً ، يبدو التعامل مع بيولوجية الشخصية الرئيسية شيئاً نابعاً من صميم الحكاية و ليس مجرد محاكاةٍ لواقع بشري يقدم رسائل عن قوة الإتحاد في Bug’s Life أو عواطفنا الأزلية التي لا تصدأ في Finding Nemo .

عالم الفئران ذاته - كبيولوجيةٍ مختلفة – يقدّم هنا بصورةٍ مبررة ، تقديم خيارٍ سهلٍ و مريح للبطل يجعله يعيش نمطية الحياة و روتينها عوضاً عن الإرتهان لفعل (الغرابة) الذي يمارسه ، صنع حاضنة للعالم الذي ينتمي إليه معظم البشر تقف كنقيضٍ للعالم القاسي الذي ينتمي إليه أولئك الذي قرروا تحديه مؤمنين بغرابتهم ، في احدى عمليات سرقة الطعام يخبره والده (إنها ليست سرقة ، لا أحد يريد الطعام) ، يرد ريمي (إذا لم يكن أحدٌ يريده ، فلماذا نسرقه ؟) ، محاولة إبراز التناقض الأخلاقي لعالم الوداعة ، العالم الذي لا تحصل فيه على شيء ، فقط تخسر ذاتك يوماً تلو آخر مقابل كبت غرابتك ، مع ذلك لا يراهن نص براد بيرد على حس (الغرابة) وحده ، هذا وحده ليس كافياً و ليس منطقياً للإنسلاخ من الحاضنة التي يوفرها عالم الوداعة ، ريمي لديه (موهبة) ، موهبته هي فرقه عن شقيقه إميل ، النظير المثالي له في عالم الوداعة ، هذا واحد من أجمل الأفلام التي تناولت الموهبة و الحلم , يتطرق لها بعمق و رهافة حس واضحتين , ريمي يقدم للعالم حقيقة أنه يطبخ ألذ الأطباق في باريس لكن هذه الحقيقة لا يمكن تجاوزها لدى البشر مهما بلغت درجة إبداعه , الفيلم يتناول بعظمة فيها الكثير من المتعة : الفن ، الريشة التي لا يهم بأي يدٍ كانت طالما هي تنثر إبداعاتها على القماش , المظاهر و الشكليات و الشذوذ عن القاعدة , الأمور التي نوقن بعبقريتها و إبداع صنعها لكننا نتجنبها بحثاً عن بريق مفقودٍ في مظهرها , الإصرار الذي نمارسه كل يوم عندما نفضل أن نحصل على الخدمة ذاتها - دون أي زيادة - من شخص مرصع بالشهادات فضلاً عن أن نأخذها من هاوٍ , في ذروة ذلك هناك تعاملٌ مدروس مع سيكولوجية الحالم ، تعاملٌ يطرح سؤالاً معضلاً و متوقعاً : إلى أي مدى يمكننا تحمل أن نقاتل من أجل حلمٍ يتحقق ثم نرى غيرنا يكافأ عليه ؟! , لينغويني تسرقه أضواء المجد و عاطفته مع زميلته فينسى ريمي , يرينا قيمة الوقوف أمام طاقم المطعم أو أمام الناقد أنطون إيغو معلناً عن وجوده ربما على حساب حلمٍ يوشك أن يدمّر بإغلاق المطعم ، براد بيرد يتناول كل ذلك بالكثير من المتعة و الحيوية و الظرافة ، ثم لا يحاول تجميل هذه الحقيقة أو صناعة رؤية أفلاطونية غير موجودة على الواقع : هو يغلق مطعم غوستو عندما يصبح معروفاً نوعية الطاهي الذي يقف على رأسه , و يفتتح مطعماً آخراً في ختام الفيلم لن يكون ريمي ظاهراً فيه لأحد .

بعيداً عن ثنائية الغرابة / الموهبة ، هذا فيلم رائع عن الحلم الذي نتبعه و يستحوذ علينا , يحرضنا على أن نتبعه أينما ذهب و مهما بلغ حجمه , و مهما كان أصلنا و منشأنا ، و مهما كان واقعنا مراً , و مهما كانت الطريق نحو الحلم طويلةً و شاقة , لا يبطن و لا يراوغ ، و هذا تحديداً ما أحبه في أعمال بيكسار ، لا يحاول أن ينمق ما يقول أو يوصله بطرق غير مباشرة , بل يقوله بجرأة ووضوح : لا يمكن لأي شخص أن يكون طباخاً جيداً , لكن الطباخ الجيد يمكن أن يكون أي شخص .

في عمليه يبدو جلياً لي أن براد بيرد هو أفضل من يصمم شخصياتٍ لأفلام بيكسار ، اهتمامه المسرف بالتفاصيل الشكلية و عمله الواضح على اعطاء كل شخصيةٍ روحها الخاصة أجده يستحق التقدير دوناً عن بقية أعمال بيكسار على عظمتها ، ريمي و غوستو و لانغويني و سكينر و آنطون إيغو تذهب أبعد من تلك التفاصيل الشخصية و الشكلية ، براد بيرد يمنحها لغة جسدٍ لا يضاهيها أي شيءٍ آخر في بقية أفلام بيكسار ، عيون الشخصيات و حركة أجسادهم و ملامح وجوههم تتكلم كثيراً بمقدار ما تتكلم مشاهد كثيرةٌ فاتنةٌ في هذا الفيلم ، المشهد الذي يتذوق فيه الناقد أنطون إيغو وجبة راتاتوي لأول مرة مستذكراً بها مذاق الوجبة التي كانت تقدمها له والدته عندما كان طفلاً هو واحد من تلك المشاهد البراقة التي يثبت براد بيرد أنه يجيدها بالتخصص ، افتتح براد بيرد فيلمه هذا لأول مرة على مسرح كوداك في هوليوود ، الكثيرون من أنطون إيغو كانوا هناك لتقييم وجبة الراتاتوي التي قدمها ، بسببها عاد إلى ذات المسرح بعد بضعة أشهر ليكرّم بأوسكاره الثاني عن واحدٍ من أجمل الأفلام الرسومية التي قدمها العقد الماضي .

التقييم من 10 : 10