الأحد، 8 مارس 2015

El sur

كتب : عماد العذري

بطولة : سانسولس آرانغورن ، إيثيار بويايين ، أوميرو أنتونوتي
إخراج : فيكتور إيريثه

عندما يتذكر السينمائيون فيكتور إيريثه تراودهم دائماً حقيقة أن الإسباني لم يحقق سوى فيلمين روائيين طويلين كانت المسافة بينهما عشرة أعوامٍ كاملة ، الفيلمان نجحا بشكلٍ ملفت و صنعا للرجل قيمةً و أهميةً و اعتباراً من الصعب أن يصنعها عملان فقط ، يوم اختار نقاد أسبانيا أعظم الأفلام في المئوية الأولى لسينماهم ، وضعوا فيلمي إيريثه في قائمة العشرة الأولى .

بعد عقد من الزمان يعود مخرج The Spirit of the Beehive لممارسة هوايته المفضلة : العودة إلى طفولته (هو) ليستخرج من طفولتنا (نحن) شيئاً ندركه ولا نستطيع الإمساك به ، في فيلمه هذا المقتبس عن قصةٍ قصيرةٍ لآديليدا غارسيا موراليس يحكي علينا إيريثه حكايةً عن استريا ، فتاةٌ من جنوب أسبانيا تنتقل مع عائلتها للإقامة في إحدى بلدات ريف الشمال بعدما تعثرت مسيرة والدها الطبيب في الجنوب ، تبقى استريا مرتبطةً وجدانياً و ذهنياً بالأرض التي تنتمي إليها و نشأ فيها والدها دون أن تتاح لها فرصة التعرف عليها ، ارتباط نابعٌ في جوهره من علاقة هيامها و حبها الشديد لوالدها ، قبل أن تكتشف من مراقبتها الحميمية له الشيء الذي يغير نظرتها له للأبد .

في هذا الفيلم يعود فيكتور إيريثه ليغازل مجدداً ذات الثيمات القصصية / البصرية التي صنعت تحفته الأولى : الطفولة و العزلة و البلدة و الطريق و الأشجار و الأسرة و الماضي و الشروق و الغروب ، ووحده مخرجٌ عظيمٌ ذلك الذي يطرق الثيمات ذاتها ليصنع شيئاً عظيماً و مختلفاً مرةً تلو أخرى ، لن تحتاج لوقتٍ طويلٍ لتلامس ملامح العظمة هنا ، إفتتاحية الفيلم شيءٌ للذكرى ، يستقبلنا إيريثه بلقطةٍ ثابتةٍ بالإضاءة الطبيعية يتدرج فيها المكان من الظلام نحو الإشراق ، ضوءٌ ينسل إلى غرفةٍ على أصوات كلبٍ ينبح ، تتكشف ملامح الغرفة شيئاً فشيئاً لنجد استريا ابنة الخامسة عشرة ، أثناء تأملها يدير إيريثه الحدث في خلفية الكادر غير المرئية ، زوجةٌ لا تعثر على زوجها ، تبحث عنه ، تتحدث على الهاتف ، كلبٌ ينبح في البعيد ، استريا تحاول النهوض من فراشها لتعثر على بندول والدها تحت وسادتها ، هنا أدركت أن كل شيءٍ إنتهى ، و أنه ذهب و لن يعود مرةً أخرى ، ثم دمعةٌ تسقط على ضوء شمسٍ إكتملت ، واحدة من أجمل الإفتتاحيات التي شاهدتها في حياتي ، إيريثه يثبت منذ المشهد الإفتتاحي كم هو عظيمٌ في استخدام التوليف الموسيقي لإينريك غرانادوس ، و في إدارة الميزانسين ، و في التعامل مع الضوء الطبيعي بحس فنانٍ تشكيلي ، سكون الصورة – على مدار الفيلم – بلاغةٌ بصرية ، يجعلك تشعر برغبةٍ في تحريك الكادر و كأنما هو تحريك لسكون الحياة التي يضعها على الشاشة ، صورته تتعامل مع السيمترية دونما انضباط ، نراها في الطريق و الحديقة و الممرات و الكنيسة بعيداً عن نمطيتها الهندسية و هذا يمنحها شكلاً أكثر حميمية ، يختصر بصرياً – على صوت بطلته في سنٍ متقدمة – حقيقة هذه الحكاية ، حكايةُ شيءٍ في الظلام يتكشف بمرور الوقت ليبدو قاسياً في صورته المكتملة عند الشروق ، المشهد التالي استكمالٌ لذلك ، يبدأه إيريثه من الظلام نحو الإشراق ، ليكشف قدرة الأب التي لطالما فتنت الأخرين (التنبؤ) ، شاهدته استريا يفعلها عشرات المرات و هو يكشف جنس الجنين أو يكشف موقع المياه الجوفية ، لن نحتاج لفترةٍ طويلةٍ لندرك مقدار الوله الذي يربط استريا بوالدها ، عندما نرتد سبعة أعوامٍ إلى الوراء لنلتقي استريا مطلع الخمسينيات في سن الثامنة لا نحتاج للكثير من التفكير لندرك أن إيريثه يعود مجدداً إلى طفولته الشخصية ، إلى مرحلةٍ متقدمةٍ عن تلك التي عايشناها معه في The Spirit of the Beehive ، المرحلة التي وضعت الحرب فيها أوزارها و أصبحت البلاد وحدةً جغرافيةً في كيانين (الشمال و الجنوب) ، حكايةٌ تعود روحها إلى إيريثه ، الطفل الشمالي الذي قضى جزءًا كبيراً من حياته في الجنوب ، سرعان ما سيبدو واضحاً – للمرة الثانية – أن الخلفية التاريخية للحكاية هي جزءٌ لا يتجزأ من نسيج الواقع الذي تعيشه الشخصيات ، بعض التفاصيل ستختلف بالطبع ، علاقة استريا بوالديها ألطف بكثير مما كانت في فيلمه السابق ، ربما لأنهما يمثلان الجزء الأهم في العالم الذي تستكشفه طفولة استريا ، سرعان ما يلجأ إيريثه لتحييد ألوان الصورة مستخدما نفس تكنيك الإضاءة الذي استخدمه في الإفتتاح ليتعامل مع مرحلة الإستكشاف هذه ، ماضي الوالدين لا يكون مهماً لأستريا طالما أنه لا يوجد فيه ما يستفز مخيلتها ، و عندما تسمع لأول مرة قصة الجنوب تبدأ في اشباع فراغات الحكاية ، ربما هو شعورٌ بالإنتماء إلى أرضٍ لم ترها ، أو شعورٌ بالغرابة من علاقةٍ غير وديةٍ جمعت والدها بوالده (على عكس ما تعيشه هي مع والدها) ، هذه المشاعر لا تلبث تشتعل مع وصول الجدة و المربية ميلا غروس إلى المنزل ، طوال تلك المسافة يولد فينا إيريثه المخرج شعوراً قهرياً ببعد الجنوب جغرافياً و كأنما هو كوكبٌ آخر ستعجز عجوزان عن تحمل مشقة المجيء منه براً ، هو الجنوب كما تراه استريا ، لا يبدو غريباً أن تنجذب استريا لشخصية ميلا غروس أكثر من انجذابها لجدتها ، ميلا غروس هي من ربت والدها ، و كل شيءٍ تحبه استريا يدور في فلك والدها ، ذاكرتها في الواقع لم ترتبط فقط بوالدها ، ذاكرتها جاءت عن طريق والدها ، كان هو منفذ استقبالها للعالم ، ملامحها و هي تحادثه ، ترافقه ، تبتسم بإندهاشٍ و هي ترى اعجاب الآخرين به ، يبدو مثيراً لها أن تعرف عن طريق ميلا غروس عن الإختلاف السياسي الذي فرق والدها و جدها بوقوفهم على جانبي الحرب ثم سجن والدها بعد ذلك ، تخبرها ميلا غروس عندما تكتشف أن والدتها هي من حكت لها حكايات الجنوب (ألم يكن بإمكانها اخبارك بأمورٍ ألطف ؟ أو الإنتظار قليلاً ، لديكِ الكثير من الوقت لإكتشاف كل هذا) ، يسمح نص إيريثه لمشاهده إدراك قيمة (الإستكشاف) في روح هذه الحكاية ، هو ليس عن الحقائق التي تتكشف ، هو عن الحقائق التي نحاول أن نجعلها تتكشف ، عن (الإكتشاف قبل الأوان) ، المستوى الذي لا تسمح فيه قدراتنا العقلية و العاطفية لنا بتقبل الشيء المكتشف فتعمد إلى ملئه بما يجعله ملائماً لتلك القدرات ، الشيء الذي لا نستطيع تقبله في طفولتنا ثم يصبح واقعاً عندما نكبر ، هذا الرجل يدهشني ، يعود مجدداً إلى الطفولة ليخبرنا عن عوالمها القابلة للإكتشاف بعين الرجل البالغ و ليس بعين الطفل الذي عاشها حينها ، استريا تستقبل العالم عن طريق والدها ، تستكشفه عن طريق علاقتها به ، في مشهد مناولتها الأولى تكون فكرة حضور والدها إلى الكنيسة هي أول ما تفكر به و هو الذي لم يذهب إلى هناك من قبل ، تتغير ملامحها عندما تعلم أنه ذهب للصيد صبيحة يوم المناولة ، نحن لا ندرك تماماً توجهات والدها السياسية أو الفكرية أو العقائدية ، لكننا نفهمها كما تفهمها استريا التي لم تر والدها في كنيسةٍ من قبل و تتساءل عما إذا كان والدها من الأشرار أو الأخيار في الحرب ، وجهها يضيء – حرفياً – عندما تراه هناك في الكنيسة قادماً من الظلال نحو النور ليراها ، إضاءة مدير التصوير العبقري خوسيه لويس آلكايني في هذا المشهد – كما يفعل على الدوام في الفيلم – تقسم المساحة البصرية إلى نصفين عرضياً ، مساحةٌ من الضوء و مساحةٌ من الظل ، تتحرك العناصر ضمن المساحتين لتأسر لهفة استريا برؤية والدها المختبيء في الخلف يطل عليها في هيئتها الملائكية ، (فعلها من أجلي) تقولها بسعادة في أداءٍ فعالٍ من سانسولس آرانغورن.

لقاءنا باستريا يحدث في مرحلةٍ عمريةٍ تسبق فتاتي خلية النحل ، لذلك فالجانب المؤثر في تفاعل خيالها مع حياتها مختلف ، لا وجود هنا لروحٍ أو شبح أو مغامرة ، هناك فقط جزءٌ من ماضي والدها ، صلته الروحية بالجنوب هي ما تجعل استريا تشتعل ، الجنوب هنا هو حلم / مسعى / هاجس ، الشيء الذي يبدو لوهلةٍ منتمياً إلينا لكننا نعجز عن الوصول إليه و ملامسته ، ذاكرة طفولتنا – كما في خلية النحل – تشكلها هواجس و أوهامٌ و صورٌ غير حقيقية ، محاولاتٌ غير حقيقية لفهم العالم من حولنا ، عندما نكبر إما أن ندركها باكراً ، أو أن تكبر معنا و يكبر معها أساها الذي يحرق القلب ، الجنوب هو اسطورة الحكاية ، فرقه عن فيلمه السابق أن الأسطورة ليست فانتازية ، هي مكانٌ حقيقي شكّل جزءاً مهماً من وعي والد استريا و احتضن جزءاً من حياته و ماضيه و أسراره ، إيريثه يتحرى مجدداً قدرة خيالنا على التعامل مع الأسطورة ، خلقها و التفاعل معها و إيجاد تفسيراتٍ مقنعةٍ لها ثم الصدمة عندما تتلاشى ! ، الفيلم هو عن مرحلةٍ يكون فيها تفاعلنا مع الحياة قائماً على استكشاف ما نحب ، رغبتنا في كشف ما خفي عنا ، رسم ملامح ترضينا له و التعامل معها ، المرحلة التي يكون أقسى ما يواجهنا هو أسطورةٌ تتلاشى و صورةٌ مغايرة رسمناها لشيءٍ أحببناه ، مجال تأثير الحكاية هنا يقبع في مستوىً غير ملحوظٍ أو غير اعتيادي ، ظاهر الحكاية غير مؤثر ، لكنها تترك أثراً لا يزول من الذاكرة بعد المشاهد ربما لأن مستوى ربطها بشيءٍ غير محسوس من ذاكرة طفولتنا – كما حدث في خلية النحل – فعالٌ جداً .

في عمق ذلك يتناول إيريثه مفهوم العزلة و السعادة ، و مقدار الإرتباط بين السعادة و التواصل مع الآخر ، يبدو التواصل هنا بحد ذاته ألماً ، و العزلة – دونما تخطيطٍ لذلك – جزءاً من مسعى السعادة ،  تقول استريا مختصرة رحلة ثمان سنواتٍ من النضوج في مونتاجٍ ذوباني لا ينسى من إيريثه (كبرت تقريباً مثل أي شخصٍ آخر ، تعودت أن أكون وحيدةً و ألا أفكر كثيراً بالسعادة) ، محاولتها التواصل مع الآخر – في جسد أقرب إنسانٍ إليها – هو ما منحها كل هذا الألم ، العزلة قد لا تمنحها السعادة ، لكنها قد تخفف آلامها ، الأب مثالٌ صريحٌ على ذلك ، و ربما نسخةٌ مستقبليةٌ عن استريا ذاتها ، هو ليس غامضاً بقدر ما تبدو عزلته جزءاً من نسيجه ، جزءاً من ملحمة هروبه من الجنوب كما تراها استريا ، الجزء القليل جداً من ماضيه لا تحصل عليه استريا منه ، تعرفه عن طريق والدتها و مربيته ، هذه العزلة هي ما تجعله بالنسبة لإبنته بيئة استكشافٍ خصبة حتى تصبح علاقته القديمة بإيريني ريوس الممثلة هي السماء و الأرض بالنسبة لإستريا ، في السينما يجلس الأب ليشاهد قطعةً من ماضيه ، بصرياً يمنح ايريثه ألواناً باهتةً لصورة الأب في السينما تتوازى مع حالته : الحنين و الماضي و مسعى السعادة الهارب ، مجدداً - و كما فعل بوحش فرنكنشتين في فيلمه السابق – تحرك السينما شغف الطفولة و فضولها ، تحتل صورة إيريني ريوس هواجس استريا في مزاوجةٍ لاحقةٍ ذكيةٍ مع ملصقٍ لفيلم هيتشكوك Shadow of a Doubt الذي يشترك مع هذا الفيلم في روح حدثه عن فتاةٍ تكتشف أن أقرب المقربين إليها ليس تماماً كما يبدو عليه ، والد استريا مات منذ زمن ، روحه بقيت معلقةً بأرضٍ لا يستطيع الذهاب إليها ، ردة فعل استريا تجاه إيريني ريوس ليست ردة فعلٍ تجاه امرأةٍ غريبةٍ تسرق والدها من زوجته ، هي تسرقه من استريا ذاتها ، تشوه الصورة التي رسمتها له و هذا ما يؤلم استريا بحق ، يبرع إيريثه في هذه المرحلة في تجسيد حجم العزلة – نفسياً و بصرياً – الذي يلف والدها عندما تبدأ استريا بالشك به ، تلقينا لشخصيته يأتي من عيني استريا ، شيءٌ يصر إيريثه على التأكيد عليه من خلال جعلها تنظر مباشرةً في الكاميرا في أكثر من مناسبة ، عبرهما تنسل كل الشحنة العاطفية التي نستلذ بمراقبتها تملأ جو العلاقة بين استريا و والدها ، كل لحظةٍ تجمعهما عظيمة ، درس الإضاءة العظيم الذي يقدمه إيريثه في مشهد تعليم استريا التعامل مع البندول لا ينسى ، اللحظة التي تضع رأسها على نافذة المطعم و تطرق عليها منبهةً والدها لوجودها شيءٌ للذكرى ، رقصتهما احتفاءً بمناولة استريا الأولى واحدةٌ من أجمل اللحظات السينمائية التي عايشتها ، و بالتأكيد إيثيار بويايين التي تسرق مشهد جلوس استريا مع والدها في مشهد الغداء الأخير تمهيداً لوداعٍ ملؤه الأسى قبل أن يتذكر – هو تحديداً – من خلال موسيقى العرس المجاور رقصتهما الفاتنة ، جميعها لحظاتٌ ترحل معنا من مشاهدةٍ لأخرى .

كان إيريثه يعتزم أن يصور فيلمه هذا في ثلاث ساعات يتضمن نصفها الثاني متابعة رحلة استريا نحو الجنوب ، أخبره منتج الفيلم فجأة بقرار التوقف لظروفٍ إنتاجية ، عبقرية إيريثه كانت في الإكتفاء بما تم تصويره لتقديم نهايةٍ لا تقل عظمةً عم كان يعتزمه ، لاحقاً أعلن منتج الفيلم أن قرار التوقف لم يكن مادياً و أنه رأى أن ما تم تصويره فعلاً قد وصل بالحكاية إلى منتهاها ، بعيداً عن حقيقة الدوافع يبدو لي هذا واحداً من أكثر قرارات المنتجين فنيةً و صواباً على الإطلاق ، من الجميل ربما أننا لم نشاهد الجنوب و احتفظنا بالحس الأسطوري لتناول المكان الذي لطالما فتن قلب استريا دون أن تراه لأننا نحن أيضاً لا نراه ، أفلام هذا الرجل تجعلك تتفاعل معها بطريقةٍ غريبة ، تتمنى أن تكون جزءاً منها ، لا أخيار و لا أشرار في الفيلم ، لا يرسم شخصياتٍ مكتملة و لا يحفر فيها و لا يجعلك تشعر أساساً بحاجتك للحفر فيها ، يظهر لك تماماً المقدار الذي تحتاجه للتفاعل معها من خلال الثنائيات التي يقدمها (الأب و الإبنة ، الحقيقة و الخيال ، الشمال و الجنوب) ، إيريثه يثبت لنا مرةً أخرى كم كانت طفولتنا مليئةً بالسحر ، سحرٌ لا يفصلنا عنه سوى الإستسلام لخيالنا ، لكذبةٍ نقتنع بوجودها ، أو لوهمٍ نرتاح أنه هناك ، لا ندرك تماماً عندما نكبر هل كشف الحقيقة هو المؤلم أم أن فقدان استغراقنا في الزيف هو المؤلم ، هل الألم هو فقداننا للحلم ، أم هو اكتشافنا أنه مجرد حلم ، في مشاهدةٍ ثالثة أصبح واحداً من أقرب الأفلام إلى قلبي .

التقييم من 10 : 10