الأربعاء، 31 ديسمبر 2014

The Savages

كتب : عماد العذري

بطولة : فيليب سيمور هوفمان , لورا ليني
إخراج : تمارا جينكينز

الفيلم الثاني للمخرجة تمارا جينكينز يحكي قصة الأخوين سافج الذين تضطرهما الظروف لوضع خلافاتهما جانباً من أجل حل مشكلة والدهما المريض , ويندي كاتبة مسرحية تقطن في نيويورك و تكافح في أعمال مختلفة لخلق إحساس حقيقي بذاتها بعيداً عن حقيقة فشل أعمالها المسرحية , علاوةً على مشاكلها العاطفية مع رجل متزوج يكبرها بثلاثة عشر عاماً , و قلقها الدائم و المستمر تجاه تظاهرها بالسعادة النابع من حقيقة نجاح شقيقها الأكبر جون .

جون بروفسور في تاريخ المسرح يقيم في بوفالو , حققت كتاباته نجاحات ملحوظة , الأمر الذي يشكل إحباطاً دائماً لدى شقيقته من فكرة المقارنة معه , لكن حياة جون لامعة في قشرتها فقط , الرجل يعاني مشاكل واضحة في التركيز على إكمال كتابه القادم , بالإضافة إلى إفشاله الدائم لمشروع زواجه من صديقته التي ستغادر الولايات المتحدة إلى وطنها بولندا , كل هذا يتغير عندما يضطر الشقيقان للوقوف إلى جوار بعضهما عندما يبدأ والدهما رحلته المريرة نحو الخرف .

هذا واحد من أجمل إنتاجات العقد الماضي و أقربها إلى قلبي ، لا طريقة استطيع أن اصف بها مقدار متعتي عندما استذكر مشهداً منه و لا أتذكر كم مرةً فعلتها منذ المشاهدة الأولى , تمارا جينكينز تتجاوز حقيقة الحبكة المكررة التي يعاني منها نصها , فتغذيه بأكبر قدر ممكن من الحميمية , و لو سلمنا بحقيقة أن تكرار هذه الحبكة - الذي يجعلك ترسم خط سيرها حتى النهاية أثناء المشاهدة - يُفترض أن يفقد المشاهد جزءاً من الإهتمام بأحداث الفيلم , إلا أن هذا لا يحدث بالصورة التي نتخيلها , فالحميمية التي تمد بها جينكينز نصها أبدعت في الواقع شخصيات حقيقية و حية , أزمة منتصف العمر التي يمر بها شقيقان في أواخر عقدهما الرابع تطفو على هذه الحبكة , و تجعل من التفاصيل التي تغذيها الشيء الأهم لدى المشاهد , أهم هذه التفاصيل هي جزئية التظاهر التي تصيبهما في هذه المرحلة العمرية , التظاهر بالنجاح , التظاهر بالسعادة , التظاهر بالإستقرار العاطفي , تظاهرٌ تعالجه جينكينز ببراعة من خلال البحث عن منبعه الأم ، (فقدان الإهتمام) , جينكينز تقول بأن المرء يبدأ بالتظاهر عندما يفقد إهتمام المحيطين به , ويندي و جون فقدا إهتمامهما تجاه بعضهما منذ زمن طويل نتيجة معاملة سيئة تعرضا لها في طفولتهما من قبل والد مهمل , إهتمام مفقود منذ الطفولة لدرجة أن ويندي تندهش عندما ترى صورةً قديمةً لشقيقها يضع تقويماً للأسنان في فمه !! , فقدان الإهتمام الذي يحدث يجعل كل منهما يتظاهر بنجاحه أمام الآخر , ربما في ذلك وسيلةٌ لإستعادة ذلك الإهتمام من خلال استدعاء الشيء المشترك الجميل الذي جمعهما ذات يوم ، و هو تظاهر ينتهي إلى مواجهة عندما تصر ويندي على نقل والدهم إلى مأوى جديد للمسنين بدلاً من مأوى الزنوج الذي يقيم فيه , إنتقال يراه جون أنانيةً واضحةً لأنه ينبع من حقيقة أن ويندي – بدافع من تظاهرها و حبها للشكليات - تحب (هي) أن تكون مرتاحة عندما تزور والدها في مأوى فخم كهذا و ليس من كون والدها سيكون مرتاحاً في ذلك المأوى !

فقدان الإهتمام الذي وَلّد هذا التظاهر قاد بطبيعة الحال إلى الغيرة , غيرة خفية من نجاح بعضهما البعض تجعل من فكرة نيل ويندي منحة لدى مؤسسة غوغونايم - التي رفضت جون ست مرات من قبل - أمراً غير مصدقٍ من قبله , فيسعى نحو حقيقة الأمر ليكتشف حقيقة شقيقته التي تتظاهر بنجاحها أمامه .

ويندي بالمقابل تنهي علاقتها العاطفية مع الرجل المتزوج عندما تدرك بأنها تتظاهر بأنها سعيدة معه , و عندما تشعر بفقدان الإهتمام الحقيقي تجاهها المتبلور (الآن) في حقيقة أنه قتل نبتتها عندما تركتها لديه للإعتناء بها في رمزية بسيطة لفكرة الإهتمام المفقود , هذا الإهتمام تجده ويندي في شاب نيجيري يشرف على رعاية والدها و يمنح كتاباتها إهتماماً حقيقياً و يبدي رأيه المتواضع فيها , وهو أمر دفعها في لحظة نشوة نادرة لتفعل ما فعلته مع الشخص الوحيد الذي قدرها و قدر ما تفعله , ذات الأمر الذي يتكرر مع جون الذي يبكي في كل مرة تطبخ له صديقته البيض , محور تزينه الخاتمة المملؤة بالأمل التي تصنعها جينكينز عندما يمنح جون قليلاً من الإهتمام و التقدير لشقيقته و يحضر بروفات مسرحيتها الجديدة .

كل ذلك الحديث عن التوازن الذي تخلقه جينكينز بين الإهتمام المفقود و التظاهر المستدعى ما كان ليبلغ قيمته كما يجب برأيي لولا أداءان عظيمان من الرائعين دوماً فيليب سيمور هوفمان و لورا ليني ، واحدة من أجمل حالات الكيمياء التي حققها العقد الماضي ، سيمور هوفمان يملأ دوره تماماً ، لا نشعر معه بأي ضغينةٍ من أي نوع تجاه شقيقته ، ظاهرياً يندهش من حجم قدرتها على الإنكار و التمسك بماكياج أزيل نصفه ، و داخلياً هو يرثي لها مدفوعاً بعاطفة الشقيق تجاه شقيقته التي احتل وجودها جزءاً كبيراً من عالمه ذات يوم ، دون أن يخفي حالة الإستثارة التي تطبع تصرفاته عندما يشعر – مخدوعاً – بأن ويندي تفوقت عليه في شيء ، سيمور هوفمان يمنحنا ذلك بالحد الأدنى من الحوار الذي تصرفه الشخصية في الواقع للحديث عن نفسها و ليس عن مشاعرها تجاه الآخرين ، بالمقابل تجسد ليني في ويندي تظاهر إمرأةٍ بائسةٍ لا تتماهى مع القناع الذي ترتديه و تحاول من حينٍ لآخر أن تتحسسه لتتأكد أنه لم يلتصق بوجهها بعد ، محبتها لشقيقها واضحة ، لكنها بالمقابل تحب أن يشعر هو تجاهها بذات الشعور مدفوعاً بإحترامه و تقديره لما تقوم به و ليس برابط الدم الذي يجري في عروقه ، و هي قنوعةٌ بالمجمل ، كلمةٌ واحدةٌ تكون كافيةً لإرضائها و جعلها تشعر بكينونتها ، ليني تمزج ذلك بإتقان و تقدمه بتمكنِ ممثلةٍ تجيد القبض على جوهر مشاعر الأخوّة كما فعلت قبل سبع سنواتٍ في You Can Count on Me ، أدائها الآخر الذي منحها – كما هنا – ترشيحاً للأوسكار .

جينكينز تمكنت بطريقة ما من تجاوز بساطة و تقليدية و تكرارية حبكتها عن المحنة التي تجمع الفرقاء و تعيد صياغة حياتهم من خلال عمل يُحترَم على التفاصيل و تكثيف ممتاز على لغة الجسد لملء فراغات المشاهد شبه الصامتة ثم الدفع من حينٍ لآخر بمواجهةٍ حواريةٍ بين الشقيقين تبدو جينكينز و كأنما تدرك تماماً ما تعنيه للمشاهد في أفلامٍ كهذه ، جينكينز تستلذ بتقديم المواجهات الحوارية ، و هي مواجهاتٌ عززها من جهة الإستناد لواحدةٍ من أجمل المباريات الأدائية التي شاهدتها خلال السنوات القليلة الماضية , و من جهةٍ أخرى تدفقٌ قصصي / مشهدي يمنح لكل مواجهةٍ منها مذاقاً خاصاً لذيذاً مع كل إعادةٍ لها .

في عمق العمق لا يبدو هذا فيلماً عن علاقة أخوةٍ مستفزةٍ من أجل والدٍ لا يبدو - في الخلفية البعيدة غير المبتذلة للحدث – و كأنما كان والداً جيداً لجون و ويندي ، الفيلم هو عن إعادة ترتيب و تشكيل علاقاتنا و روابطنا الأزلية التي لا مجال لإنفصامها أو التملص منها على هامش استفزازها الذي يحدث من حينٍ لآخر ، لسببٍ أو لآخر ، عن إعادة وضع معايير تتناسب مع الحالة التي تمر بها أطراف العلاقة تكفل لها بقائها حيةً و نابضةً على الدوام .

التقييم من 10 : 9