الأحد، 30 نوفمبر، 2014

Scarface

كتب : عماد العذري

بطولة : بول موني ، آن دفوراك
إخراج : هوارد هوكس ، ريتشارد روسن

بعيداً عن تباين القيمة الفنية لها أعشق كثيراً الأفلام التي تنتمي في حكاياتها إلى متغيرات بيئتها الزمنية ، تتأثر بها و تستلهم روحها و تغازل في الجمهور مشاعرهم تجاهها ، و عندما شرع هوارد هوكس في العمل على فيلمه هذا كان في الواقع يتفاعل مع الحقبة الزمنية التي ينتمي لها عندما ضرب قانون حظر الكحوليات جوهر الحياة الأمريكية في فترة الكساد الكبير و حوّل رجال العصابات و حكاياتهم مع رجال الشرطة إلى ما يشبه الأساطير .

شخصياً أكن معزةً خاصةً لأفلام حقبة الحظر تحديداً ، تتنوع قصصها و معالجاتها لكنها تبقى على اختلاف مستوياتها الأقرب إلى قلبي بين سائر أفلام العصابات ، كان هذا الفيلم أول محاولةٍ سينمائية عظيمةٍ للتعامل مع تلك الحقبة بجديةٍ حقيقية ، مع ذلك لم يكن محظوظاً بما فيه الكفاية لتحقيق الأسبقية ، فالمشاكل التي تعرض لها مع الرقابة في فترة ما قبل الكود أخرت من اطلاقه عامين كاملين ، فرضت الرقابة عليه تغيير بعض المشاهد ، و إعادة النظر في الصورة البطولية التي يقدم من خلالها رجل العصابة ، علاوةً طبعاً على مشاهد العنف غير المسبوقة التي قدمها و النهاية (غير المحبذة) التي يعرضها لمجرمٍ يصمد حتى النهاية ، تلك الإعتراضات اصطدمت بمنتجٍ شرسٍ من طراز هوارد هيوز رفض التعاطي معها و حاول إطلاق الفيلم خارج سلطة الرقابة أو في الولايات التي لا تخضع لها بشكلٍ كلي ، لكنه في الأخير كان مضطراً للتعامل مع الواقع المفروض عليه ، فأضيفت لوحة الإفتتاح (التوجيهية الفجة) و أضيف مشهدٌ تلقينيٌ يناقش دور المواطن و الحكومة في التصدي لرجال العصابات ، و بالطبع أضيف العنوان الجانبي لإسم الفيلم The Shame of the Nation لتوضيح وجهة نظر صناع الفيلم في رجل العصابة ، ذلك الشد و الجذب الذي ساهم في تأخير صدور الفيلم أتاح الفرصة لفيلمين آخرين تناولا المواضيع ذاتها ، The Public Enemy و Little Caesar ، للإطلاق عام 1931 ، حصلت سينما العصابات الوليدة خلال 18 شهراً فقط على ثلاثٍ من أشهر و أكثر كلاسيكياتها نفوذاً ، كان الأمر أشبه بالمتنفس الذي وجدته السينما الناطقة لمغازلة الجمهور من خلال هذه المساحة التي يقدمها صنفٌ سينمائيٌ وليدٌ و جذاب ، خصوصاً و أنه يبدو نابعاً من رحم الحقبة التي يعيشونها ، و هي مغازلةٌ كادت تصنع حقبةً ذهبيةً لهذا النوع لولا كود هايز الذي أخضع المشهد السينمائي لشروطه ووقف حجر عثرة أمام هذه الولادة المبهرة ، بين تلك الكلاسيكيات الثلاث بقي فيلم هوكس هو الأعنف ، و الأكثر جرأة ، و الأكثر قيمةً و نفوذاً أيضاً .

نص الفيلم الذي كتبه بن هكت – و آخرون - خلال 11 يوماً إقتباساً لرواية آرميتاج تريل التي حملت الإسم ذاته يحكي حكاية طوني كامونتي ، رجل العصابة الإيطالية في شيكاغو و الذي عرف بالوجه ذو الندبة ، طموح طوني سرعان ما يقوده للإستيلاء على مناطق نفوذ خصوم عصابته التي يقودها زعيمه جوني لوفو ، قبل أن ينتزع السيطرة من زعيمه ذاته و يبسط نفوذه على سوق تجارة الكحوليات المحظور .

النص هو مزيجٌ من الحبكة و الدراسة السلوكية معاً ، كلاهما مهمٌ جداً للآخر ، دراسة شخصية كامونتي سلوكياً تنطلق في الأساس من تطورات الحبكة التي تستلهم في الواقع – و بشكلٍ واضح – حياة آل كابوني ذاته و ملحمة الصعود المجنونة لرجل العصابات الشهير الذي أعجب كثيراً بفيلم هوكس هذا ، و هي دراسةٌ حذرةٌ و متأنية و لا تحاول أن تطغى ولو قليلاً على جاذبية الحبكة للمشاهد كعادة كلاسيكيات هوكس دائماً ، كامونتي - منذ تعرفنا الأول عليه في غرفة التحقيقات - شخصيةٌ هلامية ، الطموح يشع من عينيها ، ما هو أهم من الطموح فيها هي نبرة الثقة التي تتكلم بها ، حالة اللامبالاة و الإزدراء التي تسيطر على تعاملها مع كل ما يحيط بها ، تفاصيل تحكم الشكل الظاهري للشخصية ، كامونتي بدأ حياته كحارسٍ شخصي لزعيم العصابات بيغ لوي ، يقتله مطلع الفيلم لصالح جوني لوفو الذي يصبح كامونتي بعدها قائداً لعملياته الميدانية ، شخصية كامونتي تبدأ بالتعبير عن أفكارها المجنونة التي استحوذت عليها للسيطرة على سوق تجارة الكحوليات الرائج حينها ، أفكار كامونتي التوسعية تنصدم - منطقياً - بالطريقة الحذرة التي يدير بها جوني لوفو أعماله ، لذلك يبحث كامونتي عن مساحةٍ فارغةٍ تجعل تلك الأفكار قابلةً للتنفيذ كي يفرض أمراً واقعاً على زعيمه ، مفهومه للقوة نابعٌ من صميم معناها : زعيم العصابة لا يجب أن يكون مسالماً ، ذلك يتعارض مع طبيعة شخصيته كزعيم عصابة ، عمل العصابة العنيف يستلزم العنف و عدم احترام المنافس كيلا تتحول المسألة إلى لعبةٍ رياضية ، كامونتي يعتبر زعيمه جوني لوفو Soft Guy ، و الطريقة الوحيدة برأيه لجعله يتخلى عن موقفه هي فرض الأمر الواقع عليه و وضعه في موقع المواجهة مع خصومه الشماليين ، ثم ما أن يتحقق ذلك و تدين المناطق الشمالية لكامونتي حتى يجد نفسه في مواجهةٍ - منطقية - مع زعيمه جوني لوفو يحسمها بالطريقة الوحيدة التي يفهم من خلالها القوة ، تماماً كما فعل مع زعيمه السابق بيغ لوي .

أعمق من ذلك يهتم النص بالتفاصيل الشخصية لكامونتي ، كامونتي الذي يقدمه النص إنسانٌ بسيطٌ جداً في داخله ، نكون شاهدين على بساطة تعامله مع سكرتيره الساذج ، و زياراته المتكررة لمنزل والدته ، نراه على وشك تفويت ضربةٍ حاسمةٍ لخصومه بسبب رغبته حضور الفصل الأخير من مسرحية ، لكننا نشهد بالمقابل هوسه بالقوة الذي لا حدود له ، ولعه هنا بإبقاء نفسه محصناً – بالرجال أو بالنوافذ الحديدية – لا تخطئه العين ، نظرة النشوة التي تبدو في عينيه و هو يشعر برهبة الآخرين تجاهه ، ارتياده المطاعم و المقاهي مع كتيبةٍ تحرسه ، القمصان الحريرية التي يستبدلها كل يوم ، علاقته الهوسية بشقيقته ، و جاذبيته لدى النساء التي يشتريها كما اشترى بوبي فتاة زعيمه السابق التي قدمها له واصفاً إياها بـ (الفتاة باهظة الثمن) ، النص يقدم لنا نموذجاً مخيفاً من خلال سلبية كامونتي الفاتنة ، حياته – بكل سلبياتها – تسير كالحلم ، كل شيءٌ موجودٌ على أطراف أصابعه و لا شيء يمكن أن يقف في طريقه ، و ما نراه فيه هو نموذجٌ لصورة الحلم الأمريكي الذي أشع بقوة في حقبة الحظر و شاهدناه من مسافاتٍ مختلفةٍ في كافة أفلام النوع اللاحقة ، إبتداءً عند The Public Enemy و انتهاءً عند Lawless مروراً طبعاً بـ The Godfather و Once Upon a Time in America ، دائماً استحوذت صورة الحلم الأمريكي على خلفية الصورة ، تماماً مثل لوحة The World is Yours الإعلانية التي لطالما فتنت كامونتي هنا .

هوكس بالرغم من جمالية الدراسة التي يحققها على الورق يبدو هنا أعظم من الورق ، يجعل من فيلمه منجزاً إخراجياً حقيقياً بالقياس للصنف الوليد الذي يتعامل معه و شروط الإنتاج التي جعلته ينتهي من تصويره خلال ثلاثة أشهر دون توقفٍ ولو ليومٍ واحد ، فيلمه حيويٌ جداً على صعيد الصورة ، يفتتحه بواحدة من أجمل الإفتتاحيات في تاريخ السينما ، لقطةٌ طويلة مدتها خمس دقائق تبدأ من عمود الإنارة في الشارع و تستخدم التراكنغ لتتوازى مع حركة مالك المطعم عبر واجهة مطعمه قبل أن تصل إلى حوارٍ على طاولة يديره الزعيم لويس كاستيللو ، نستمع للحوار قبل أن نصل إلى رجلٍ غامض يطلق النار على بيغ لوي مع حرف X يرتسم بالسيلويت أثناء العملية ، افتتاحيةٌ عظيمةٌ و مغريةٌ جداً للمشاهد لتوقع ما يمكن أن ينتظره في هذا الفيلم ، هوكس يقدم هنا مشاهد عنفٍ حقيقية ، كادرات بديعةٌ فعلاً ضمن المساحة الضيقة لصناعة فيلم عصاباتٍ تستحوذ المشاهد الليلية على معظم حيزه الزمني ، لا أبالغ في هذا السياق اذا اعتبرته أكثر فيلمٍ هوليووديٍ أثر على تطور الفيلم النوار لاحقاً ، وجبة هوكس السينمائية هنا مشبعة ، كاميرا لي غارمرز فعالةٌ و ذكيةٌ جداً ، تستثمر تأثر الرجل بالتعبيريين لتقديم شيءٍ مختلف بنكهةٍ هوليووديةٍ واضحة ، هوكس – كما هو الحدث ذاته - ينقل العنف إلى الشوارع ، تصويره لمشاهد العنف فيها يجعل من النتيجة شيئاً لا يشبه أي شيءٍ آخر جاءنا من تلك الفترة ، مطاردات سيارات ، و رصاصٌ متطاير ، و تصفياتٌ جسديةٌ عنيفةٌ منفذةٌ ببراعة تستحق الثناء ، دون ان ننسى اللمسة الإيحائية التي يحاول ان يستخدمها للتعبير عن الحالة من حينٍ لآخر : البيرة المتدفقة – على سبيل المثال – في المصب المفتوح كنايةً عن (رواج تجارتهم) ، و أوراق الروزنامة التي تتطاير بواسطة سلاحٍ رشاش كنايةً عن (ايامٍ من العنف) ، و المشهد الشهير لإغتيال توم غافني و القطعة الخشبية الأخيرة التي تقاوم السقوط أمام كرة البولينغ قبل أن تنحني في النهاية ، و بالتأكيد حرف X (الرمز التقليدي للجثة في الأعراف الجنائية) و الذي يرتسم بصورةٍ أو بأخرى مع كل جريمة قتل تحدث في الفيلم ، هوكس – الذي يجرد فيلمه من الموسيقى التصويرية التي كان يحتاجها بشدة – عظيمٌ بالمجمل على صعيد الصورة و الإيقاع كما هو عظيمٌ أيضاً على صعيد استخراج أفضل ما يمكن من بطله بول موني الذي ينجح هنا بإمتياز في جعل كامونتي جذاباً للمشاهد ، أداءه عظيمٌ و غير مستنسخ في حقبته بالرغم من لهجته الإيطالية المدعية ، نبرة صوت موني و حركة يديه و نظرات عينيه و لغة جسده الساخرة ثم لحظاته الإندفاعية المجنونة ، كلها تفاصيل تمنح عمقاً إضافياً للتطور السلوكي للشخصية خصوصاً في محاولة تفسير الهوس الجنوني الذي يستحوذ عليه تجاه شقيقته و هو هوسٌ قد يجعل من العلاقة ذاتها شيئاً مريباً للمشاهد و يحتمل أكثر من معنى ، موني يجعل من علاقة كامونتي بشقيقته الجزء البشري الوحيد المنسل وسط قسوة الرجل و عنفه ، و يبرر بالتالي انعكاس ذلك العنف على ذلك الجزء البشري الوحيد ، هذا ينجح من طرفه بالرغم من أنه لا ينجح تماماً من طرف آن دفوراك التي تؤدي دور شقيقته تشيسكا ، إنكسارها الممتزج بعبثها يصل للمشاهد لكنه يفلت منها عندما تنقسم على نفسها عقب مقتل زوجها و إنضمامها الى شقيقها عوضاً عن قتله بالرغم من أن ذلك قد يبدو مبرراً على الورق ، ذلك الإنقسام يبدو مصطنعاً مع آن دفوراك كما كان انحناء هوارد هيوز للرقابة - من خلال اللوحة الإفتتاحية و المشهد الخطابي عن دور الإعلام – مزعجين لي كمشاهد أحب ما شاهده في الفيلم .

معهد الفيلم الأميركي وضع هذا الفيلم سادساً على قائمة أعظم أفلام العصابات ، و جان لوك غودار اختار هذا الفيلم عام 1963 كأفضل عملٍ هوليووديٍ ناطق ، متفوقاً على Vertigo و The Searchers ، بعيداً عن اتفاقك أو اختلافك مع غودار لن تستطيع انكار الأثر الواضح الذي أحدثه هذا الفيلم في الطقوس البصرية لفيلم النوار بصورةٍ يتوازى بها مع فيلم فريتس لانغ M ولا يتفوق بها عليه أي فيلمٍ هوليووديٍ آخر ، عندما تنظر اليوم لدراسته السلوكية و انتمائه الزمني و عنفه و تطورات حكايته لا تملك إلا أن تقر بأسبقيته الواضحة و أثره السينمائي العظيم .

التقييم من 10 : 9