الأربعاء، 19 نوفمبر 2014

Love Me Tonight

كتب : عماد العذري

بطولة : موريس شيفالييه ، جانيت مكدونالد
إخراج : روبن ماموليان

عند إطلاقه عام 1927 لم يفتح The Jazz Singer الباب فحسب للحوار المنطوق ليستولي على هذا الوسيط الجديد ، بل فتح الباب أيضاً لصنفٍ جديدٍ لم تتح امكانيات ذلك الوسيط المتاحة حينها للجمهور اختبار قيمته و فعاليته و هم اللذين اعتادوا مشاهدته على خشبة المسرح ، The Jazz Singer لم يقدم للسينما الحوار المنطوق فحسب ، بل قدم لها أيضاً أول صورةٍ بدائيةٍ للفيلم الموسيقي .

مع ذلك لا يربط الكثيرون بين فيلم The Jazz Singer و الفيلم الموسيقي بالرغم من الأغاني السبع التي تضمنها ، ربما لأن دوي ثورة الفيلم الناطق التي أحدثها كان كبيراً بحيث طغى على كل شيء ، مرّ عامان بعد ذلك قبل أن نشاهد الصنف الوليد يعود للواجهة مجدداً من خلال تتويج فيلم The Broadway Melody بأوسكار أفضل فيلم ، مع ذلك بقي مخرجو الصنف مرتبطين بمرجعيته المسرحية و غير قادرين على استيعاب المساحة التي تحققها لهم السينما في استثمار هذه النوعية من الأعمال ، أول من كسر ذلك الجمود فعلياً كان الكبير إيرنست لوبيتش بأفلامه الموسيقية الثلاثة التي حققها في بداية مسيرته ، و هي الكلاسيكيات التي من الصعب تجاهل مقدار الأثر الذي أحدثته على عمل روبن ماموليان هذا بالرغم من أن شهرته فاقتهم بكثير .

كان ماموليان قد حقق نجاحاتٍ ملفتةً في برودواي على مدار الأعوام الثمانية التي قضاها هناك منذ قدومه من أرمينيا ، و كان من الطبيعي أن تصبح هوليوود وجهته التالية ، الملفت أن ماموليان – على خلاف ما أصبح يحدث عادةً – حقق النجاح ذاته في السينما منذ فيلمه الأول Applause الذي استقبله النقاد بالتصفيق و حظي بترحابٍ ملفت في شباك التذاكر ، و كان من الطبيعي لرجلٍ تشبع بروح برودواي على مدى ثمانية أعوام أن يراوده – بعد ثلاثة أفلامٍ أخرجها - حلم تحقيق عملٍ موسيقيٍ من خلال السينما .

الحكاية هنا - المقتبسة عن مسرحيةٍ لبول آرمونت و ليبارد مارشان - تدور حول موريس ، خياطٌ باريسي أنجز مؤخراً عدداً من الطلبات للفيكونت دو فاريزي الذي وعده بالدفع بعد الإستلام قبل أن يكتشف موريس أنه مجرد مراوغٍ يشتكي منه الكثيرون ، و بسبب ضغط الحرفيين الذين يعملون معه و مطالبتهم بمستحقاتهم يقرر موريس السفر إلى قصر الدوق عم الفيكونت لتحصيل أتعابه ، حيث يلتقي هناك بإبنة عم الفيكونت : الأميرة جانيت .

ملامح الحكاية واضحةٌ جداً بالرغم من أن السيناريو يسيّرها بصورةٍ مختلفةٍ عما يمكن توقعه فيها ، يفتتح الفيلم بواحدة من أجمل افتتاحيات الأفلام الموسيقية على الإطلاق ، سيمفونية تعزفها أصوات الحرفيين في حارات باريس التي تستيقظ على خيوط الشمس الأولى ، بدعةٌ على الرغم من أن لوبيتش سبقه إليها قبل عامين في Monte Carlo إلا أن ماموليان يصنعها بإمتلاءٍ و بهجةٍ تجعلها تبدو و كأنما هي بدعته الخاصة ، سيمفونية هواءٍ طلق تبدأ بصوت واحد تتيح له أن يؤسس علاقته مع أذن المشاهد قبل أن تضيف له صوتاً جديداً يفعل الشيء ذاته ثم يتيح لصوتٍ ثالثٍ فرصته و هكذا ، يجعل ماموليان باريس تستيقظ بالمعنى البصري للكلمة ، ربما هي محاولة تبشيرٍ من ماموليان بالشكل المختلف الذي يرى فيه - من خلال فيلمه - صورة العمل الموسيقي في السينما ، ماموليان هنا – بفضل تأثره إلى حدٍ بعيد بموسيقيات لوبيتش – حرر العمل الموسيقي من مرجعيته المسرحية ، نقل الأغاني من المسرح إلى المنازل و الشوارع و الحقول ، حرر الكاميرا ذاتها في تعاملها مع الأغاني ، صنع تمازجاً مميزاً جداً و فريداً في عصره بين الحوار المكتوب لشخصياته و الأغاني التي نسمعها على لسانها ، أعتق الأغنية من توقيتها المرتبط بخشبة المسرح و جعلها تنسل من بين ثنايا الحوار لتسيطر عليه ، بل و منحها المساحة المناسبة لتقدّمَ من خلال أكثر من شخصية بعيداً عن القيادية (أوبرالية المنشأ) التي طبعت النوع الوليد قبله ، هذا التفصيل نكون شاهدين عليه باكراً عندما يُتبع ماموليان افتتاحيته البديعة بأغنية That's the Song of Paree التي يغنيها موريس في الشوارع بمشاركة كل من يلتقيه من جيرانه ، أمرٌ سرعان ما سيصل ذروة إبهاره في أهم مآثر الفيلم عندما يغني موريس Isn't It Romantic? عندما تنتقل الأغنية التي يغنيها موريس في متجره عبر شوارع المدينة إلى محطة القطار و منها إلى الحقول لتصل إلى الأميرة جانيت ، متواليةٌ تثبت مبكراً طموح ماموليان لتقديمٍ شيءٍ مختلفٍ تماماً عما قدمه الصنف الناشيء و اختبار المساحات الفارغة التي ما تزال متاحةً أمام من لديه الجرأة الكافية للإستيلاء عليها ، ماموليان يفعل ذلك بجرأةٍ حقيقية .

الجميل في الحدث الذي يقدمه ماموليان في هذا الفيلم أنه يتدفق بصورةٍ تجعله يبدو عفوياً جداً ، مجموعة أحداثٍ متتالية تسير في إتجاه لنجدها تصل بنا إلى إتجاهٍ آخر ، الخطوة التالية لا تسير تماماً كما ننتظر بالرغم من أن الحكاية ككل تبدو متوقعة ، سبب ذلك برأيي يكمن في تغذية النص للحكاية المحور التي تبدأ بموريس في متجره الباريسي و تنتهي به في حضن الأميرة الأرملة ، تغذيةٌ تتمثل في تفاصيل الشخصيات التي يصممها النص لتحيط بشخصيتيه الرئيسيتين ، شخصيات ثلاثية الأبعاد فعلاً بعيداً عن الحكاية المحور ، تشعر بأن لكل شخصيةٍ منها عالمها الخاص قبل النص و بعده : الدوق الصارم الذي يحكم مملكته الصغيرة دون نقاش ، الفيكونت الدون جوان الذي يتهرب من دفع فواتيره و من أزواج عشيقاته ، الكونت ذو الأنف الذي لا يهدأ و الطامح في أن يكون سعيد الحظ الذي يبتسم له قلب الأميرة ، و الكونتيسة الشابة المولعة بالرجال ، و العمات الثلاث اللواتي يشبهن ساحرات شكسبير ، كل شخصية لها عالمها الخاص الذي نلامس فقط جزءاً منه بمقدار ما تحتاجه حكايتنا ، هذا التفصيل يروقني في النص و يخفف جزئياً من خفة لا تخطئها العين فيه ، حتى تلك الخفة لا تنبع برأيي من سطحيته بقدر ما هي تأتي من تبسيطه لحكايةٍ يفترض أن تبدو معقدة ، هو يخلق شخصياتٍ جيدة و حقيقية ، موريس المبتهج و الشغوف و القريب من القلب و الذي تبدو طيبة قلبه سبباً في معاناته مع الفيكونت المراهق ، و جانيت الأرملة في الثانية و العشرين بعد زواجٍ استمر عامين بعجوزٍ في الخامسة و السبعين و التي ترفض الحب بسبب القالب الذي هيئت له مسبقاً حيث يفترض بالقلب أن يفتح بابيه لرجلٍ يكافئها عمراً و مكانة ، مع ذلك لا ترتقي الحكاية لمستوى شخصيتين بهذا التباعد ، بطلاه يبدوان و كأنما هما محضران سلفاً ليحبا بعضهما ، و هذا التبسيط قد تفلح الكوميديا و الأغاني إلى حدٍ ما في تخفيف أثره لدى المشاهد و جعله يبدو متقبلاً ، لكنها قد لا تكون كافيةً بمفردها لجعل الحكاية تعلق في البال طويلاً ، كوميديا الفيلم و أغانيه هي ما يبقي في الذاكرة و ليس حكايته الرومانسية .

 مع ذلك تكتسب حكايته الرومانسية عمقها من ملامستها لقشور الحب و تساؤلها عن مقدار تأثير تلك القشور عندما يختبر الحب ذاته ، جانيت بقيت عصيةً على الحب لأنها لم تجد في الطبقة التي تنتمي إليها ما يغريها و عندما تجد لا نعلم نحن كمشاهدين على وجه الدقة هل هي كسرت ذلك الحاجز من أجل موريس (كشخصيةٍ مجردة) أم من أجل موريس (كشخصيةٍ جذابةٍ تمتلك مع جاذبيتها وضعاً إجتماعياً مرموقاً) ، هذا يبدو حقيقياً على الشاشة ، لذلك تبدو عبارتها لموريس (مهما كنت ، في أي زمان ، و في أي مكان ، أحبك) إختباراً حقيقياً لتلك العقدة التي ربما لن تتحقق كما يجب لولا أن شعورنا بأن موريس (كشخصية) قد جذب جانيت فعلاً ، و بالطبع لا مانع من أن يكون (أميراً يسافر متخفياً) !

حول ذلك كله يطعّم ماموليان فيلمه بالكثير من الكوميديا التي تتسق مع متواليات الحدث اللذيذة و الممتعة و التي تبدو مزيجاً غريباً من السكروبول كوميدي و اللمسة اللوبيتشية بالرغم من أن ماموليان يجعلها تبدو منتميةً إليه وحده ، مشاهد تحدي الخيول ، أو مشهد تعديل ملابس الفروسية لجانيت مروراً طبعاً بالملامسة الحذرة للبعد الطبقي في الحكاية من خلال عبارة (رجل الثورة الفرنسية) أو أغنية I am an Apache وصولاً طبعاً إلى مشهد الختام ذاته ، مشاهد فيها من الطرافة و البهجة ما يسمح للفيلم أن يبقى حياً بمرور الزمن ، يخدم كل ذلك عملٌ عظيم من ماموليان على تقديم شيءٍ مختلف في الفيلم الموسيقي ، عمله هنا غيّر الصورة النمطية التي نشأ عليها الفيلم الموسيقي بصورةٍ ستجعله النقلة النوعية التي أثرت بشكلٍ كبير من جهة على موسيقيات الباروك و الصالونات التي قدمت في الخمسينيات و الستينيات و من جهةٍ أخرى على أعمال الكبيرين فينسنتي مانييلي و بوب فوسيه ، تصميم الأغاني الذي ينجزه ريتشارد روجرز و هارت لورنز هو المفخرة الأولى لهذا الفيلم ، أغاني الفيلم لا تنسى ، من السهل تذكرها ، ربما من الصعب أن نتذكر إيقاع أغاني الحقبة الموسيقية الأولى من السينما ، لكننا مع هذا الفيلم نفعل ، أغاني Isn't it Romantic و Love Me Tonight و Mimi صديقةٌ للأذن فعلاً ، و ماموليان - بتأثرٍ واضحٍ بإرنست لوبيتش و رينيه كلير - يخدمها بطريقةٍ تجعل كلاً منها مرتبطاً بالمتوالية البصرية التي تم تقديمه فيها ، و هذا جزءٌ من قيمة العمل الإخراجي لماموليان هنا ، الرجل يستخدم تقنياتٍ كثيرةً لجعل الصورة في فيلمه هذا شيئاً مختلفاً ، يقدم السلوموشن و الفاست موشن ، و القطع الإيقاعي ، و القطع بالذوبان ، يقسم الشاشة إلى نصفين في مشهد الحلم ، يستخدم لقطتين متتاليتين من الـ Zoom-out يربطهما مونتاجياً لإعطاء شعور اللقطة الواحدة الطويلة من سرير جانيت إلى مشهدٍ يطل على منزلها من الخارج ، ماموليان يقفز على خفة حكايته و بساطتها من خلال إخراجٍ بالمسطرة يحفظ إيقاع فيلمه و يحقق فيه التوازن المطلوب لقصة الحب الطبقية مع الكوميديا و الأغاني و تتالي الأحداث الذي يحيط بها مستثمراً أيضاً الكيمياء الممتازة بين نجمي موسيقيات لوبيتش موريس شيفالييه و جانيت مكدونالد ليصنع عملاً موسيقياً مختلفاً و ذو شخصيةٍ لا تشبه أي شيءٍ جاءنا من حقبتها ، بالتأكيد واحدٌ من أكثر الأعمال الموسيقية تأثيراً على الإطلاق .

التقييم من 10 : 8.5