السبت، 4 أكتوبر 2014

Wings of Desire

كتب : عماد العذري

بطولة : برونو غانز ، أوتو زاندر ، بيتر فولك
إخراج : فيم فيندرز

أخرج فيم فيندرز هذا الفيلم بعد سبعة أعوامٍ قضاها في الولايات المتحدة و شكلت مرحلةً جوهريةً جداً من مسيرته ، عندما أبصر النور أبهر البصر ، انهال الإحتفاء به من كل عاشقٍ للسينما ، أحبه الجمهور و النقاد على السواء ، لامس فيهم شيئاً قل ان اختبروه في عملٍ سينمائيٍ بهذه العظمة ، فيلم يأتي مرةً واحدةً فقط في العمر كله .

في أجنحة الرغبة الذي كتبه فيندرز مع بيتر هاندكه هناك دامييل و كاسييل ، ملاكان يحرسان مدينة برلين ، يتجولان فيها ليلاً و نهاراً ، يستمعان لأفكار أناسها ، يتطفلان على حياتهم ، و يراقبان تفاصيل يومياتهم ، وحدهم الأطفال من يستطيعون رؤيتهم ، تمضي أيامهم بهدوء لعصورٍ طويلةٍ من الدهر ، طبعاً مع نزعة احتياجٍ من حينٍ لآخر للتفاعل مع ما يرونه ، عصور من الحيادية القسرية حيث الألم و الفرح لا يغير من واقع ما يرونه شيئاً ، حتى يجد دامييل نفسه ذات يوم في سيركٍ متجول يراقب ماريون راقصة السيرك البهلوانية و يقع في حبها و يتخذ معها أخطر قراراته .

يفتتح فيندرز فيلمه بقصيدة (عندما كان الطفل طفلاً) التي يبقى رنينها في أذن المشاهد طويلاً بعد المشاهدة ، مقدمةٌ فعالةٌ للحديث عن الثابت و المتغير الذي يتحراه النص لاحقاً ، الحركة الأولى من السيناريو طويلةٌ جداً ، تذكرني بنصوص مايكل باول و إيميرك بريسبيرغر خصوصاً في The Red Shoes و Black Narcissus ، و بالرغم من الوقت الذي تستهلكه في مراقبة الشخصيات دون حبكةٍ حقيقية ، إلا أن النص لا يستغرق الكثير من الوقت ليقدم لنا بطليه دامييل و كاسييل و زملائهم الأخرين الذين يملؤون سماء برلين ، شخصيات فيندرز مخلوقاتٌ غير بشرية ، تكون شاهدةً كل يوم على كوكتيلٍ لا ينضب من المشاعر الإنسانية ، و القرارات ، و الخيبات ، و الآمال ، و الآلام ، و بالتأكيد المتع البسيطة التي لا يستطيعون اختبارها ، يجرد فيندرز حكايته من منظورها الإيماني ، لا يتكلم عن الخالق أو الدين أو ما قبل كل شيء أو ما بعد كل شيء ، يتكلم فقط عن هؤلاء الملائكة كشهودٍ على كل شيء ، هذا التفصيل يمنح الحكاية دفعةً شاعريةً عظيمة لا يمكن أن يخطئها المشاهد ، مخلوقات فيندرز أزليةٌ ، كانت هناك قبل تشكل برلين ، قبل أن يجري النهر ، و تنمو الأشجار ، و يوجد البشر ، و بالرغم من وحدة الغاية التي وجدوا لأجلها ، إلا أننا لا نحتاج للكثير من التفاصيل لإدراك الفارق بين دامييل و كاسييل ، نظرة كاسييل المادية / الحسابية / التحليلية لما يراقبه ، و نظرة دامييل الشاعرية / العاطفية / الحسية للشيء ذاته ، نظرتان ترافقان المشاهد على مدار الحركة الأولى من السيناريو لتفسر لاحقاً التحولات التي ستطرأ على بطلينا في الحركات التالية ، نظرة دامييل للحياة مبهجة ، يستمتع بإلتقاط تفاصيلها ، تغريه و تفتنه و تحرك رغباته ، الشعور بالإمتلاء و اللامحدودية يسيّر حاجة دامييل للمحدودية ، لأن يتخلى عن اكتماله و خلوده مقابل تجارب بسيطةٍ شاهدها ملايين المرات عبر عصورٍ من المراقبة : أن يشرب القهوة ، و يطعم القط ، أن ينزف ، و يلوث يده بحبر الجريدة ، أن يرى العالم ملوناً ، و يتبادل العاطفة مع شخصٍ ما ، كاسييل على النقيض منه ، يحتفظ بذاكرة الحرب التي خيمت على المدينة فتستحوذ عليه المعاناة و يبدو بعيداً كل البعد عن رغبات دامييل و عاجزاً ربما حتى عن مجرد التفكير بها ، نحس بألمه و وحدته ، نستشف الحاجز الذي يبقيه بعيداً عن مجاراة ولع دامييل بما يشاهد ، هذه المقارنة تبلغ منتهاها في مشهدين عظيمين يراقب فيهما فيندرز بطليه شاهدين على المسافة الفاصلة بين الحياة و الموت ، في المشهد الأول نشعر بعذابات كاسييل الذي لم يستطع منع أحدهم من الإنتحار ، يرسلنا تسلسلٌ مونتاجيٌ في تلاحقٍ بصريٍ مجنون لنلامس ردة الفعل العنيفة في دواخل كاسييل بعدما سقط الرجل أمامه من شاهق عاجزاً عن أن يمد له يد العون و يخفف من ألمه ، في المشهد الثاني يغوص بنا فيندرز – بعبقريةٍ خالصة – في عمق النظرة الشاعرية التي يحملها دامييل للحياة ، حادث اصطدام يودي بحياة سائق ، ينطلق دامييل الى الموقع ، تبدأ الكاميرا اللقطة من الجهة المعاكسة للسير ثم تسير على الخط المنصف حتى تصل إلى موقع المصاب في الجهة الأخرى ، تدفق الكاميرا المدروس و حركتها يولدان شعور الحركة التدفقية للملاك – كما تفعل في أرجاء الفيلم كله – خلال هذه اللقطة تتبادر إلى مسامعنا الهمسات الأخيرة التي يحدث بها المصاب نفسه ، مجرد همساتٍ مبعثرة لإنسانٍ معلقٍ بين الحياة و الموت ، يأخذ دامييل موقعه وراء الرجل المحتضر ، و تراقبهم الكاميرا – عاجزةً – بحركةٍ بندوليةٍ من اليمين إلى اليسار معطيةً تكويناً بصرياً مختلفاً مع كل حركة في إنعكاسٍ فعالٍ لإنسانٍ معلقٍ – في لحظاته الأخيرة – بين عالمي الحياة و الموت ، كل حركةٍ للكاميرا تأخذ وقعاً مختلفاً ، في الحركة الأولى (نحو اليمين) يحاول دامييل مساندة المصاب من خلال توجيه روحه  نحو تكثيف مشاعره الحياتية في تلك اللحظة الخاطفة التي تسبق موته ، نستمع لدامييل يهمس شعراً في أذنه رغبةً في التخفيف عنه ، في الحركة الثانية (نحو اليسار) يبدأ الرجل بمشاركة دامييل همساته ، في الحركة الثالثة (مجدداً نحو اليمين) يصمت دامييل و يستمر الرجل منفرداً في سرد ذكرياته ، خطابٌ لحبيبةٍ كان يتمنى لو أسعفه الوقت لتصحيح خطئه معها ، و استذكارٌ لكل ما مر : الأماكن ، و الأشخاص ، و اللحظات ، و التفاصيل ، لحظة الألم التي نستمع فيها لكل ما يراود الإنسان قبل الإغماضة الأخيرة ، ثم في الحركة الرابعة (مجدداً نحو اليسار) يتسلم موقع دامييل من يبدو بأنه أحد أقارب الرجل ، يغادر دامييل بعدما أصبح همس الرجل / ذكرياته / ما بقي له في أمتار حياته الأخيرة أقوى صوتاً مما سمعناه لحظة حضور دامييل إلى الموقع ، هذا المشهد العبقري يضرب في صميم شخصية دامييل ، إيجابيتها و عاطفتها و شاعرية نظرتها للحياة ، قدرتها – على خلاف رد الفعل الإرتدادي لدى كاسييل تجاه مشهد الإنتحار – على استخلاص الجمال و الشاعرية من صميم الألم ، استنطاق بهجات الحياة على مشارف أولى دقائق الموت .

ثنائية دامييل و كاسييل يجعلها فيندرز مقياساً لشخصياته الأخرى ، ملائكةٌ يملئون فضاء برلين ، تجثم المدينة المقسمة تحتهم و لا يعنيهم انقسامها في شيء ، وجودهم يلغي جدارها التاريخي ، يقفون هناك شاهدين على جمالها ، يستخلصون منها – من خلال عملٍ بصريٍ / صوتيٍ عظيم - الحب و الرثاء و السخرية و الأمل ، الروحانية التي نعيشها في مراقبة تلك الكائنات لسكان برلين تتمازج مع المدينة التي تستعيد روحها – قبل بضعة أعوامٍ فقط على سقوط جدارها – تتجول فيها الكاميرا لتجعلها شخصيةً من شخصيات الفيلم ، نرى ماضيها و حاضرها ، شوارعها و أزقتها و معالمها الرئيسية من خلال عيون ملائكتها الحارسين الذين يبعث وجودهم على الطمأنينة لكنه لا يغير من الواقع ، نراهم و نشعر بوجودهم في كل مكان ، بعضهم موجودٌ في أماكن أحبها ، و بعضهم إلى جوار أشخاصٍ يحبهم ، بيتر فولك الذي يقوم هنا بأداء شخصيته الحقيقية هو واحدٌ منهم ، الممثل الأميركي القادم إلى مدينة الملائكة لإنجاز عملٍ فني قبل أن يكشف لدامييل و كاسييل حقيقته التي تفتن الأول و لا تؤثر في الثاني .

فتنة دامييل تأتي من خلال ماريون ، راقصة الألعاب البهلوانية في السيرك التي لا سقف لطموحها ، يحاول نص فيندرز و هاندكه خلق ثنائية تناقضٍ مدروسة بين دامييل (الخالد الذي يريد أن يصبح بشرياً) ، و ماريون (البشرية التي تريد أن تصبح خالدة) كتمهيدٍ لعاطفةٍ ستجمعهما ، مع ذلك فالنص لا يوجد ماريون فقط من أجل منح بعدٍ عاطفيٍ مقحمٍ للحكاية ، ماريون هي جزءٌ من مراقبتنا لدامييل ، هي إنسانٌ قبل كل شيء ، الفوكسة عليها تختبر ما يريد النص تحريه في تلك الكائنات البشرية التي تثير فضول دامييل : طموح الإنسان ، قسوة الحياة ، أحلامها المعلقة بالسماء ، إحباطها ، نزواتها ، قلقها ، موزاييك العواطف التي تستولي عليها ، شخصيةٌ مثاليةٌ للدراسة ، كوكبٌ معزولٌ مثل مجموعة الكواكب البشرية التي تتجول الملائكة بجوارها كل يوم ، لكلٍ منهم حكاية ، نراهم هناك في الطائرة ، و البيوت ، و القطار ، و سيارة الإسعاف ، و المكتبة ، يأكلون و يشربون و يتحدثون ، يقرأون و يكتبون ، يشعرون بالفخر و النشوة و الألم و الإحباط ، يجدون ما يدفعهم للإستمرارية فيتعلقون بأمل ، أو لا يجدون فينتحرون ، ماريون هي فقط الجزء البشري الذي حول شغف عصورٍ متراكمةٍ في صدر دامييل إلى حقيقة ، جزءٌ مما جذبه إليها مفهوم : الجمال و الوحدة و التوق و رهافة الحس و اليوميات المعلقة بين السماء و الأرض في عروض السيرك ، هي تشبهه إلى حدٍ ما ، ما يتبقى بعد ذلك يبقيه النص غامضاً غموض الحب ذاته ، فيندرز يتأمل في عبثية توصيف الحب ، التقاطعات التي تجمع العين و الأذن و الروح و الظروف و الزمان و المكان و التي لا تشبه مثيلتها لدى أي  شخصٍ آخر ، دامييل كان هناك لعصور ، راقب ملايين الفتيات في برلين ، لكن ماريون وحدها ، كيانها الذي لا يشبه في التقاطعات السابقة أي كيانٍ آخر ، هو ما أجبره على عيش التجربة ، و في الواقع : هذا هو الحب ! ، ولادته هنا هي سبرٌ فاتنٌ في المدة التي ينتقل فيها الكائن من حالة المراقبة إلى حالة المشاركة ، مثل عامل الهاتف المتنصت الذي يقرر التصرف أخيراً تجاه أمورٍ لا يعلمها سواه ، ملامسةٌ عبقرية لعمق تحولاتنا و قراراتنا المصيرية ، تلك التي لا تحكمها الظروف ، أو الزمان ، أو السعادة ، أو الرضا ، يحكمها فقط أزمةٌ تظهر بين العقل و القلب فتنفجر لتعصف بكليهما .

هذا العمل أصيلٌ إلى درجةٍ تشعر معها أنه قطعةٌ من الأدب العالمي ، و فيندرز (في وجود كلير دوني كمساعدةٍ له) يقفز بأصالة الحكاية و أبعاد شخصياتها إلى الذروة ، هذا فيلمٌ فائق العظمة ، حالة التوق التي تستولي على دامييل يملأ بها فيندرز الشاشة ، تشعر بأنها كائنٌ حيٌ مكتمل الملامح يستولي على كل ما نراه : نظرات عيني برونو غانز ، نبرة صوته ، همسات البشر التي تستحوذ على شريط الصوت ، الحاجز البصري الفاتن بين الأبيض والأسود و الملون (مع مسحة خفيفةٍ من السيبيا تمت إزالتها في نسخٍ أحدث) و الذي يبقي عالم دامييل مفصولاً بحدة عن عالم من يراقبهم و بالتالي يبرر الرغبة التي تستحوذ عليه بمرور الوقت تجاه ألوان الحياة ، توظيفٌ بالرغم من أنه سبقه إليه في المساحة ذاتها عمل مايكل باول العظيم في A Matter of Life and Death إلا أن هنري ألكان في إدارة التصوير يجعله يبدو و كأنما هو ابتكاره الخاص ، المصور الأسطوري الذي عمل مع ويليام وايلر و آبل غينس و جان كوكتو يحلق عالياً من خلال ادارةٍ فخمةٍ للمشاهد السماوية ، حركة الكاميرا بإتجاه المنازل ، صعودها و نزولها ، حركتها بين الجموع ، مستوى الرأس الذي تحافظ عليه في المشاهد الداخلية لتعطينا احساس المراقبة و التجوال ، مشهد المكتبة العظيم و الحركة التدفقية التي تأسر حركة الملاك و تذكرنا بالمنجز التصويري العظيم لألكان مع كوكتو في La Belle et la Bête ، متعةٌ فائقةٌ للبصر و نشوةٌ سينمائيةٌ لا نعيشها كل يوم .

ينتهي هذا الفيلم أولاً بعبارة To Be Continued التي بدت غريبةً و شاعريةً ربما لبضع سنوات قبل أن يحولها فيندرز الى حقيقة من خلال فيلمٍ آخر حمل اسم Farewell, So Close منحه جائزة لجنة التحكيم الكبرى في كان عام 1993 ، و ثانياً بإهداءٍ جميلٍ من فيندرز إلى الملائكة الذين كانوا بيننا ، يخص منهم ياسوجيرو و فرانسوا و أندريه ، الثلة التي جعلت لـ(حياتنا) معنى أجمل ، هذا الفيلم إحتفاءٌ عظيمٌ بالحياة ، بكل ما فيها ، كل ما قدرناه و كل ما لم نكترث له ، بهجاتها العابرة ، و تفاصيلها العظيمة ، و رغباتها البسيطة ، و ملذاتها الأبسط ، نظرةٌ في عمق المدروج الإنساني لحب الحياة : بين ذلك الذي يقدر كل ما فيها فيستطيع أن يعيشه ، و ذلك الذي يعجز عن خلق تواصلٍ معها فتلفظه أو يلفظها ، لا فرق .

التقييم من 10 : 10