الاثنين، 27 أكتوبر 2014

The Wind

كتب : عماد العذري

بطولة : ليليان غيش ، لارس هانسن ، مونتاج لوف
إخراج : فيكتور سيستروم

أكثر ما يتذكره عشاق السينما عن فيكتور سيستروم – أبو السينما السويدية – هو قيامه بدور البروفسور إيزاك بورغ في رائعة إنغمار بيرغمان Wild Strawberries ، لكن قلة أولئك الذين يتعاطون مع مسيرته المهمة كمخرج قبل ذلك الفيلم بقرابة أربعة عقود و التي منحه بيرغمان ذلك الدور الأيقوني في فيلمه تقديراً لها .

بعد بضعة أعمالٍ ناجحةٍ في موطنه الأم أسست لأول سينما سويدية حقيقية كان من الطبيعي أن ينتقل سيستروم – كحال مخرجين أوروبيين آخرين – إلى هوليوود ، خلّف الرجل في هوليوود بضعة أعمالٍ بقي بارزاً منها He Who Gets Slapped الذي أدار فيه العظيم لون تشيني في ما يمكن اعتباره (أعظم أداءاته) ، إضافةً إلى النجاح الكبير الذي حققه في The Scarlet Letter الذي ادار فيه ليليان غيش و لارس هانسن قبل أن يعيد جمعهما مرةً أخرى بعد عامين محققاً هذه الكلاسيكية السينمائية العظيمة .

في الواقع لم يكن حال الفيلم هكذا عند اطلاقه ، أسندت MGM عملية إنتاج الفيلم إلى نجمتها الأثيرة ليليان غيش التي اختارت طاقم العمل و أصرت على لارس هانسن ليشاركها البطولة مجدداً كما اختارت فيكتور سيستروم ليتولى إدارة العملية أملاً بنجاحٍ مماثلٍ لذلك الذي حققوه سويةً قبل عامين ، كان نص الفيلم مغامرةً على كافة الأصعدة ، لك أن تتخيل معنى أن تخرج فيلماً في صحراء قاحلةٍ و في درجات حرارةٍ مهولةٍ و محاطاً بستة من محركات الطائرات لتوليد الرياح على مدار أحداث الفيلم ، كل ذلك لم يكن مجدياً مع جمهورٍ لم يفق بعد من دوي السينما الناطقة الذي انفجر قبل عامٍ واحد ، لم يحقق الفيلم النجاح المتوقع له و كان كارثة بمقاييس MGM جعلها تتحول بعده لإخراج الأعمال الناطقة ، قضى الفيلم تقريباً على مسيرة سيستروم في هوليوود ، و كان آخر فيلمٍ صامتٍ في مسيرة ملكة الأفلام الصامتة ليليان غيش ، مع ذلك عاش الفيلم لقرابة تسعة عقودٍ لاحقة !!

النص الذي كتبته الكبيرة فرانسيس ماريون عن روايةٍ لدوروثي سكاربورو يحكي قصة ليتي ، فتاةٌ ودودةٌ من فيرجينيا تنتقل إلى تكساس لتعيش مع قريبها الذي نشأت معه ، لكنها سرعان ما تكتشف أنها غير مرحبٍ بها من قبل زوجته التي تغار منها ، الأمر الذي يجعل من التودد المتكرر لراعي بقرٍ يدعى ليغ منفذاً جيداً لها للإبتعاد عن قريبها فتوافق على الزواج منه بالرغم من المسافة الروحية بينهما التي يدركها ليغ من الليلة الأولى قبل أن تختبر ليتي في تداعيات الفترة اللاحقة حاجتها له و مشاعرها تجاهه .

لا يوجد في الحكاية ما يجعلها تتفوق على عصرها ، ما يجعلها كذلك في الواقع هو النضج الواضح الذي كتبت به فرانسيس النص السينمائي ، هذا النضج برأيي يتجلى على محورين إثنين : الأول هو كتابة الشخصيات بصورة تدرك تماماً طريقة إشراكها و تفاعلها مع ما يريدنا النص أن نلتقطه في الحكاية ، و الثاني هو المساحات التي يخلفها النص حول تلك الشخصيات ليجعل من الرياح – كثيمٍ بصريٍ قصصيٍ يحيط بشخصياته – شيئاً ذو قيمةٍ أعلى و رمزيةٍ أكبر تتجاوز مفهوم الثيم البصري و القصصي .

على المحور الأول تكتب فرانسيس ماريون شخصياتها بشكلٍ جيد ، تهتم بتفاصيلها و تجعلها منطقية الدوافع و معقولة التفاعل مع غيرها ، تنافس ليغ مع سوردو على خطف قلب ليتي لا يتجاوز ذلك إلى توليد كراهيةٍ أو حقدٍ بينهما و لا يترتب عليه أي أثرٍ لاحقاً لأنهما صديقين في الاساس ، الشعور الذي نلتقطه أولاً من ويرت رودي على متن القطار لا يذهب بعيداً عن الشعور الذي يبقى معنا في الختام ، بيفرلي قريب ليتي هو شخصيةٌ ودودةٌ تعطف على ليتي و تسعد بلقائها ، لكنها لا تمتلك الكثير لتفعله عندما تصبح ليتي تهديداً للعائلة من وجهة نظر زوجته ، دفاعه عنها لن يصل لمستوى تدمير عائلته ، بالمقابل زوجته كورا كان يمكن أن تكون الشخصية الشريرة في الحكاية ، لكنها تبقى بالنسبة لنا مجرد شخصيةٍ غيورة على شخصٍ لها الحق الطبيعي فيه و ليست وحشاً ، هي لا تترك ليتي وحيدةً عندما يفشل إرتباطها برودي ، غضبها و تهديدها المتكرر لها لا يتعدى تلك الغيرة إلى أي شيءٍ آخر ، و من النادر جداً في ذروة الحدية التي طبعت شخصيات التعبيرية الألمانية حينها أن نجد في الحقبة ذاتها خصماً نتفهم دوافعه و مبرراته و لا نلومه كثيراً على أفعاله .

في محور ذلك كله هناك ليتي ، كتبت فرانسيس ماريون شخصية ليتي بطريقةٍ تسمح لليليان غيش بتطويرها من خلال الأداء ، لا توجد أحداثٌ حرفية ذات حوافٍ واضحة ، هناك تحولات تحيط بالشخصية و تغير مسارها و هناك في خضم هذه التحولات مساحةٌ حولها يتيح لنا النص من خلال تعابير غيش فهمها و التعامل معها ، و بالتالي نشاهد في هذا الفيلم موزاييكاً ناعماً قل إختباره من المشاعر و الإنفعالات في وجهٍ بشريٍ واحدٍ على مدار فيلم جاءنا من تلك الحقبة ، التعبيرية الألمانية – و أثرها فيما سواها - جعل تلك النعومة نادرةً جداً ، هنا سنشاهد غيش – ضمن تلك التحولات – تبتسم و تضحك و تتفاءل و تعبس و تتشاءم و تنفر و تنهار و تجن ، هذه المساحات تتيح للمشاهد التفاعل الدائم مع الشخصية و السفر ضمن مخيلته لوهلة و ربما استباق الحدث ، لذلك تمضي تلك التطورات كل مرة في طريقٍ لم نكن نتخيله ، و الرجل الذي استقبل ليتي نيابةً عن قريبها في تلك الليلة العاصفة هو من أصبح زوجها وحبيبها في الختام ، و الرجل الذي تودد لها في القطار و وعدها بزيارته قتلته في النهاية !

من أجل جعل ذلك ممكناً يعمل النص بجدية على تفسير المخاوف الذاتية لشخصية ليتي من خلال علاقة الإنسان بالطبيعة ، الطبيعة التي تتحكم بمصير الإنسان أو يتحكم بها كما يقول الفيلم في بدايته ، ليست الطبيعة بمعناها البيئي ، و إنما الطبيعة بمعناها الفطري المؤطر و المستولي على مفاتيح تحرر الإنسان مما يقيده ، الشيء الذي تشعر بأنه يمنعك من أن تكون ما تريده لأنه (طبيعي) و لأنه (أمرٌ واقع) ، هنا آخذ على النص بشدة عدم وضع أي إضاءةٍ من أي نوعٍ كان على الخلفية التي جاءت منها بطلته ليتي ، نراه يكتفي بتبرير سفرها في البداية من خلال عبارة (For Good) التي لا تتجاوز معناها الإيحائي و التوراتي و لا تخدم درامية الحكاية ، نحن لا نفهم على وجه التحديد لماذا غادرت ليتي فرجينيا بصورةٍ نهائية كلفتها كل ما تملك ، و لماذا جاءت إلى تكساس ، و لا نتفهم مطلقاً ما الذي يمنعها من العودة إلى فرجينيا (المال كما تقول) و يدفعها لإتخاذ قرارٍ مصيريٍ كالزواج و الإقامة في هذه البيئة الصعبة ، النص على هذا المستوى يحاول أن يمسك بالبعد الرمزي الإيحائي لشخصيته كإنعكاسٍ لرحلة الإنسان الدائمة (For Good) دون أن يشبع فضول متلقيه بما يتناسب مع شخصيةٍ حقيقيةٍ ذات ظروفٍ و دوافع .

ويرت رودي يخبر ليتي مبكراً في القطار بأنها لن تتحمل الريح و أنها سرعان ما ستدفعها للجنون ، الريح هنا (في دلالةٍ جميلةٍ يحملها البوستر الاشهر للفيلم) هي مخاوف الإنسان ذاته التي ينفض بقاياها من حينٍ لآخر كما تنفض شخصياته ملابسها كلما أصبحت في الداخل ، الريح هي الحواجز التي يضعها الإنسان في داخله بإرادته أو دونها ، هي القمع الجسدي و الروحي الذي نمارسه على أنفسنا فيزداد تارةً و يخف تارةً أخرى و نضيع نحن بين هذا و ذاك ، دلالة الريح تملاً الفيلم ، و سيستروم لا يكتفي بالإعتماد على نصه لخلق تلك الدلالة ، بل يسخر الصنعة الإخراجية العظيمة في فيلمه لجعل الريح تملأ الفيلم بالفعل ، مشاهد الرياح – على غرار مشاهد التحليق في Wings قبل عام - عظيمةٌ و غير إعتيادية ، صورة الريح التي نشاهدها في اللقطات الخارجية غامرة و لا حد لها ، وصورته عبر النوافذ مخيفة ، نشعر بأصوات الريح دون وجود صوت ، يصلنا إحساس ليتي المتصاعد بالريح كإنعكاسٍ بصريٍ لما تشعر به ، و ككنايةٍ بصريةٍ للقلق الإجتماعي الذي يسيطر على فتاةٍ وحيدةٍ منبوذةٍ تجد نفسها في منزل رجلٍ تلفه الريح من كل جانب و تعيش من خلاله غربةً مزدوجةً مع المكان و الشخوص ، سيستروم يجعلنا نشعر بصرياً بحجم الضغط النفسي الذي تعيشه ، الجحيم الذي هي فيه ، ثم يجعلنا من خلال المقارنة بين صورة ليتي في بدايات الفيلم و صورتها تواجه الريح بذراعين مفتوحتين في ختامه ندرك أن هذه الفتاة تغلبت على مخاوفها عندما كسرت الحواجز الذاتية التي ولدت تلك المخاوف ، و أدركت أن الكثير من الأمور ليست تماماً كما نحاول أن نفهمها في البداية ، هذا التجسيد البصري يتيح للحكاية ضمن تلك المساحات التي تتركها حول الشخصيات و تحولاتها أن تبدو أعقد مما هي عليه : مخاوف ليتي و خيالاتها ، صورة الخيول القادمة في الريح الشمالية ، عدم إنزعاج ليغ من قتلها لرودي و عدم وجود رودي أساساً في قبره ، كل ذلك هو امعانٌ في مزاوجة البصري/المرئي مع التخيلي/الرمزي لتجسيد قيمةٍ أعمق للريح التي تواجهها ليتي في الختام و تعلن أنها لا تخافها .

من العظيم أن يتذكر المشاهد سيستروم من خلال هذا الفيلم دوناً عن أي منجزٍ آخر قدمه ، هذا الفيلم متخمٌ بالسينما ، الصورة العظيمة و الكابوسية التي يجسّد من خلالها الريح كإنعكاسٍ لقلق الإنسان الدائم و أزماته المتتالية ، التصوير الفخم الذي يتحفنا به جون آرنولد من خلال لقطاتٍ غير اعتياديةٍ في حينها مثل تصوير الأقدام كإنعكاسٍ لردود الفعل في مشهد ليلة الزواج الكلاسيكي الذي نختبر فيه خلال عشر دقائق سيلاً من المشاعر الإنسانية المبررة : الرغبة و الغرابة ، الحب و الإنكار ، الضحك و الأسى ، المسايرة و التعالي ، الخوف و التوق ، التقارب و النفور ، و الأمل و الألم ، بفضل أداءٍ موزونٍ و غير فائض ، متحررٍ بشكلٍ واضحٍ من أثر التعبيريين البديهي على مخرجٍ سويديٍ يعمل في هوليوود ، نشاهد شخصيتي ليتي و ليغ تنضجان أمامنا على الشاشة – بالمعنى الحرفي للكلمة – بفضل عظمة ليليان غيش و لارس هانسن ، عادةً ما أتجنب التعامل مع جملٍ تبدأ بكلمة (أفضل) إلا بعد أن تبلغ ثقتي برأيي منتهاها ، في هذا السياق أعتقد أن السويدي الرائد حقق واحداً من أفضل منجزات السينما الصامتة على الإطلاق .

التقييم من 10 : 9