السبت، 18 أكتوبر 2014

The Cabinet of Dr. Caligari

كتب : عماد العذري

بطولة : فيرنر كراوس ، كونراد فايت ، فريدريتش فير
إخراج : روبرت فاينه

البعض يعتبر هذا الفيلم أول فيلم رعبٍ مكتمل الملامح على اعتبار أنهم يرون في التجارب التي سبقته مغازلاتٍ لسينما الرعب دون أن تكون تأسيساً لصنفٍ مكتمل الملامح و الطقوس ، و هو رأيٌ لا يمكنني أن أتفق معه أو أختلف ، ما أنا واثقٌ منه هو أن هذا الفيلم متواضع التكلفة و الذي كان أحد مشاريع الكبير فريتس لانغ هو واحدٌ من أعظم منجزات التعبيرية الألمانية و واحدٌ من علامات السينما الكبرى و واحدٌ من أكثر الأفلام أهميةً و تأثيراً على الإطلاق .

في هذا الفيلم الذي ذهب لاحقاً لروبرت فاينه بعد إعتذار لانغ لإنشغاله بتصوير فيلمه The Spiders يصور لنا كارل ماير و هانز يانوفيتش حكايةً - إستلهمها الأخير من كابوسٍ راوده و من حادثةٍ كان شاهداً عليها – بطلها الدكتور كاليغاري خبير التنويم المغناطيسي الذي يصل إلى بلدةٍ ألمانيةٍ صغيرةٍ رفقة رجله سيزار الخاضع للتنويم و الذي يقدم كاليغاري من خلاله عروضاً خاصةً في كرنفال البلدة ، عندما تبدأ بعض جرائم القتل في تعكير الصفو .

عظمة هذا الفيلم تتفرع على محورين : الأول هو القفزة المهمة التي حققها على مستوى السرد في فترةٍ لم تعتد السينما أن تقدم لجمهورها قصصاً بهذا المستوى من التعقيد ، و الثاني هو المهرجان البصري الذي يحقق من خلاله فاينه أول إرساءٍ عظيمٍ و مكتمل الملامح لطقوس التعبيرية الألمانية بصورةٍ منحتها النقلة الحقيقية الأولى نحو عالم السينما الوليد و هي النقلة التي سرعان ما انعكست على كم الأعمال العظيمة التي قدمتها هذه المدرسة خلال السنوات القليلة التي أعقبت هذا الفيلم .

على المحور الأول سبق الفيلم زمنه بكثير ، قدم هذا العمل أول بنيةٍ سرديةٍ تعتمد بشكل كاملٍ على الحكاية المؤطرة أو ما يعرف بالـ Frame Story حيث تقدم الحكاية داخل حكايةٍ أخرى ، و هذه البنية استدعت بالتأكيد توظيفاً مختلفاً للفلاش باك جعل هذا الفيلم أول من استخدمه بشكلٍ كلي لسرد حكايته بعدما كان مجرد أداةٍ متواضعة في فيلمٍ أو فيلمين سبقوه لتقديمه ، الفلاش باك هنا هو الحكاية كلها و من خلالها تتحقق بنية السرد القائمة على حكايةٍ تؤطر حكايةً أخرى ، فيلم فاينه أتاح للسينما – و لأول مرة - إختبار المستوى الجمالي لهذه الأداة و المدى الذي يمكن أن تبلغه في أسر الذاكرة و الإسترسال فيها كعنصر بالغ الفعالية سبقها إليه الأدب بكافة صنوفه ، هذا التوظيف الذي يحدث على مستويين من السرد (قصة كاليغاري ثم قصة المدير الذي سيتحوّل إلى كاليغاري) جعل من بنية الحكاية المؤطرة جزءاً لا يتجزأ من عمق الفيلم ، و مع أن ذلك حدث رغماً عن ماير و يانوفيتش و بناءً على مقترحٍ من لانغ تمسك به فاينه و أضافه إلى النص ، إلا أن ذلك التمسك حقق شيئاً إيجابياً للعمل ، منحه من ناحية القدرة على تحقيق حالة الوهم و اللاواقع التي وظف من أجلها فاينه رؤيته البصرية الفريدة جداً للحكاية ، و حقق من خلاله ربما أول ملامسةٍ فعالةٍ لمفهوم (نسبية الحقيقة) و إيصال شعورٍ يفتك بالمشاهد الذي لا يعلم على وجه الدقة حقيقة ما جرى و هل ما جرى جرى فعلاً و هو المفهوم الذي تحوّل إلى ثيمٍ قصصيٍ على يد أكيرا كوراساوا في Rashomon بعد ذلك بثلاثة عقود .

علاوةً على ذلك و في سياق السبق الزمني الذي يحققه الفيلم على صعيد بنيته السردية يقدم هذا العمل ربما أول صورةٍ حقيقيةٍ مكتملة لمفهوم الـ Twist-End حيث ينتهي العمل السينمائي بمفاجأةٍ أو صدمةٍ أو تحولٍ غير متوقعٍ أو غير منطقي ، و هي صورةٍ تفوق جداً ما كان الجمهور البسيط يمكن أن ينتظره من شاشة السينما في العقود الأولى لهذا الفن ، و هو هنا – بعد قرابة مائة عام – يتجاوز المفهوم المبهر – و الذي نعشقه – للتويست إند ، لا يقدّمه فاينه هنا للمتعة الخالصة بل لجعله يعيش و يؤثر و يضرب في صميم عمق الحكاية عن أوهام العقل الباطن التي استقاها الكاتبان من روح التعبيرية الألمانية كحركةٍ فنيةٍ قامت في الأساس نتيجة شعور الخيبة و المرارة و الإنكسار لدى الشعب الألماني عقب الحرب العالمية الأولى كما يقول زيغفريد كراكاور في كتابه الشهير From Caligari to Hitler و كرد فعلٍ ربما على الإنطباعية ، قامت الإنطباعية على تفسير الواقع الخارجي للفنان من خلال إنطباعاته و أحاسيسه الداخلية ، بينما جاءت التعبيرية لتعبّر عن دواخل الفنان من خلال عالمه الخارجي و انفعالاته الظاهرة ، فقدّمت العاطفة على العقل ، و الوسيلة على الغاية ، و الرمزية على الحرفية ، و قامت بإلغاء التفسير الذاتي للمشاعر من خلال تكثيف الشكل الخارجي للمشاعر (بصرياً / صوتياً / أدائياً) في منحىً واضحٍ لا يحتمل الحياد ، و هذا ربما ما يفسّر النجاح الذي حظيت به التعبيرية في فجر السينما عندما كان الوسيط الفني الوليد يفتقد لأحد أكثر عناصره قدرةً على تأطير تلك المشاعر (الحوار) ، هذه العناصر التي قامت عليها التعبيرية الألمانية كثفها كاتبا النص ماير و يانوفيتش من أجل تقديم صورةٍ مختلفةٍ لألمانيا الجريحة من ناحية ، و من أجل التعبير عن توجههم المناهض للسلطة ممثلةً في حكومة فايمار القائمة حينها و هو ما جعل كراكاور في كتابه يميل لإعتبار كاليغاري استعارةً ضمنيةً لتلك الحكومة من خلال سلطويتها و تأثيرها الجارف و النتائج الكارثية التي خلفتها ورائها و التلاعب بالروح الذي سيطرت به على الآخرين كطريقٍ ممهدٍ لصعود الرايخ الثالث بعد 13 عاماً ، من هذا المنظور يمكن تفهم وجهة نظر كتاب السيناريو في اعتراضهم على فكرة الحكاية المؤطرة و التويست إند التي قللت بشكلٍ واضحٍ من قيمة توجهاتهم السياسية المضمّنة في الفيلم و صوّرت البطل في الختام مجرد شخصيةٍ مجنونة ، و هي ضريبةٌ ربما كان لا بد منها مقابل القفزة السردية العظيمة التي حققها النص بفن كتابة السيناريو .

على المحور الثاني كان العمل سابقاً لعصره بقصه شريط التعبيرية الألمانية سينمائياً و هو الباب الذي فتح على عاصفةٍ من الكلاسيكيات السينمائية التي لم تكتفِ بأن جاءت من رحم البيئة الزمانية و المكانية و الظرفية لها – كأي حركةٍ أو مدرسةٍ أدبيةٍ أو فنية – بل سرعان ما حققت مدّاً عالمياً أثر كثيراً على السينما الأوروبية و بلغ منتهى تأثيرها في تشكيل الثيم البصري للفيلم النوار ، كثّف فاينه مبادىء التعبيرية من خلال خلقه لعالمٍ مختلفٍ بالكامل على صعيد بنيته البصرية ، عالم لا يشبه عالمنا مطلقاً ، و هو تفصيلٌ لم تقارعه فيه أهم الإنجازات السينمائية للتعبيرية الألمانية لاحقاً ، كان هذا العمل أول توظيف حقيقيٍ مكتملٍ لـ (الصورة) في التعبير عن مضمون الحكاية و عمقها ، قبله كانت الصورة وسيلةً لسرد الحكاية، إستخدم فاينه بشكلٍ مكثف الـ Iris Shot لخلق إحساسٍ حقيقيٍ بالذكرى و مذاقٍ بصريٍ مختلف لمن يطل من خلال الصندوق السحري على عالمٍ غريبٍ لا يعرفه ، أدرك مبكراً قيمة الكلوز آب كنعصرٍ فعال في التقاط التفاصيل يغني بصورةٍ بديهية الطقوس البصرية للتعبيرية القائمة على تكثيف الماديات و المحسوسات ، ثم خلق ذلك العالم الغريب من خلال أفكار المصمم هيرمان وورم الذي استخدم مواقع تصويرٍ مصممةٍ بالكامل و عدداً وافراً من اللوحات الحائطية لتوليد شعور الإبحار في المتاهة العقلية للراوي و الذي يزيد بصورةٍ أو بأخرى من تعقيد حكايته ، رسم الضوء و الظلال على الأرضيات و الخلفيات ، صمم الأشجار و الجدران و النوافذ و الطرقات بصورةٍ يكثف ميلانُها و حديةُ حوافها من الإحساس بالمتاهة ، و مزج ذلك مع طبيعة شخصياته و مستوى الاضاءة عليها كإنعكاس للحالة النفسية المتولدة ، شخصية جين على سبيل المثال هي البعد الرومانسي للحكاية و التي تُكسر من أجلها الشروط البصرية التي تحكم العمل ، وجودها في الحكاية ناعمٌ جداً كما هو حال منزلها لطيف التصميم و اللون الوردي الذي يختص بها وحدها على خلاف ألوان الفيلم التقليدية في النسخة المصبوغة (السيبيا و الأزرق التقليديين لتفسير إضاءة المشهد أو إعتامه)، ماكياج سيزار بالمقابل يضع الكثير من السواد حول عينيه للتعبير عن فترة نومه الطويلة ، لا تحاول الكاميرا التقاطه في لقطاتٍ مقربة كتعبيرٍ عن ابتعاد النص عن محاولة الإقتراب منه نفسياً لأنه ليس عمق الحكاية ، سيزار ليس وحش فرانكنشتين ، هو كابوس صنعه كاليغاري من خلال التلاعب بطبيعته ، مشكلته مع كاليغاري كانت (العبث بطبيعته) ، بينما وحش فرانكنشتين كان وحشاً بطبيعته ، مشكلته مع الدكتور فرانكنشتين هي (وجوده) بحد ذاته ، لذلك تأخذ قصة فرانكنشتين منحىً أكثر انسانية و يأسر الوحش اهتمامنا هناك ، بينما يستولي الصانع ذاته على الحكاية هنا ، هذا التفصيل يغذَّى بصرياً بصورةٍ مسرفة ، تستلذ الصورة بإلتقاط كاليغاري ، حركته البطيئة المتدحرجة ، خبثه ، نظرات عينيه ، ضحكته ، بينما لا يبقى في ذاكرتنا من سيزار سوى الصورة الكابوسية له برداءه الأسود و جسمه الرفيع .

هذا فيلمٌ عظيمٌ و ثوريٌ و سابقٌ لزمانه ، في ساعةٍ و ربع قدم للسينما (الحكاية المؤطرة) و (السرد من خلال الفلاش باك) و (التويست إند) و استخدم تخمة الصورة و حديتها للتعبير عن مضمون الحكاية بدلاً من مجرد سردها ، نجاحه كان بالغ الأثر على طقوس فيلم النوار ، تماماً كما كان بالغ الأهمية على طابورٍ من صناع السينما تأثروا به و استلهموا عناصر عظمته ، إبتداءً عند مورناو و إنتهاءً عند تيم بيرتن .

التقييم من 10 : 10