الثلاثاء، 30 سبتمبر، 2014

It Happened One Night

كتب : عماد العذري

بطولة : كلارك غيبل ، كلوديت كولبير
إخراج : فرانك كابرا

عندما يتذكر المهتمون هذا الفيلم يتذكرون أهميته و قيمته و أثره البالغ في ترسيخ السكروبول كوميدي (أو سينما الحماقات و التهريج) التي كان أول من وضع الملامح المكتملة لها استناداً لعمليةٍ تراكميةٍ بدأت بكوميديات فجر السينما الأول و استندت في خطوطها العريضة لملاهي ويليام شكسبير التي تأثرت بصورةٍ أو بأخرى بالأدب الإغريقي القديم !

طريقٌ طويل مرت به الكوميديا حتى ظهور السكروبول كوميدي على شاشة السينما ، و بالرغم من هذا الطريق الطويل إلا أن الشرارة التي جعلت هذه النوعية من الأعمال واقعاً ملموساً ملأ الشاشة الهوليوودية لعقدين من الزمان كان الكساد الكبير الذي ضرب أميركا في الثلاثينيات ، في تلك الحقبة من المعاناة المادية لشرائح واسعةٍ من الشعب عانت السينما كثيراً من أجل جلب المشاهدين إلى دور العرض ، كان على الستوديوهات أن تفكر خارج الصندوق ، و لم يكن انسب لذلك من الكوميديا ، كانت الكوميديا على مدار العصور وسيلةً مثاليةً لينسى الشارع همومه ، أو يضحك عليها ، السكروبول حررت الكوميديا حتى من ذلك ، و بالرغم من أن ملامحها بدأت في التشكل مطلع الثلاثينيات إلا أنها تدين لهذا الفيلم تحديداً بتحولها إلى نوعٍ سينمائيٍ مكتمل الأركان و الملامح .

نص الفيلم كتبه فرانك كابرا و روبرت ريسكن عن قصةٍ قصيرةٍ لصموئيل هوبكنز آدامز ، يحكي حكايةً عن إيلي أندروز ، الفتاة المدللة و إبنة أحد أثرياء أميركا التي توشك على الزواج رغماً عنه من طيارٍ وصوليٍ وسيم ، لمنعها من ذلك يحتجزها والدها على متن يخته لكنها تفر منه سباحةً و تأخذ أول حافلةٍ إلى نيويورك للقاء حبيبها ، في الحافلة تتقاسم المقعد – بعد جدالٍ طويل – مع مراسلٍ صحفيٍ يدعى بيتر وارن سرعان ما يكتشف حقيقتها ليعقد معها صفقته الصحفية الأهم .

الحكاية بحد ذاتها كافيةٌ لتفسير قولنا أن السكروبول تدين لهذا الفيلم ، كابرا وضع في هذا العمل اسس نوعٍ مختلفٍ تماماً من الكوميديا قائمٍ في حكايته المحور على علاقة إمرأةٍ برجل خارج السياق التقليدي للقصة العاطفية ، تقوم هذه العلاقة على تحدي المفهوم السائد للذكورة فتشبع بعددٍ من المشاحنات و التحديات و الخدع و روح الدعابة على طول الخط ، محرك هذه العلاقة يقوم في أغلب الحالات على زواجٍ تم / سيتم / لم يتم / لن يتم ، على هامش الحكاية المحورية هناك شخصياتٌ ثانويةٌ تشبه شخصيات الأفلام النوار تحرّك إثارة الحدث كلما فترت ، و هناك الكثير من المفارقات الغريبة و سوء الفهم و التلاعب اللفظي و بديهة الرد ، و بالتأكيد رشةٌ من النقد المجتمعي هدفه مغازلة الجمهور الراغب بتوجيه بعض الإنتقادات لحياة الطبقة الغنية ، كابرا جمع كل ذلك و وضعه في فيلمٍ حوّله فوزه بالأوسكارات الخمسة الرئيسية – الأول بين ثلاثة أفلامٍ فعلتها – إلى نوعٍ سينمائيٍ قائمٍ بذاته سرعان ما قدم للسينما كلاسيكيات My Man Godfrey و The Philadelphia Story و Bringing Up Baby و His Girl Friday ، و مع ذلك لا أميل لإعتبار هذا الفيلم أعظم أفلام النوع كما يرى البعض ، برأيي أن السكروبول كوميدي بقدر ما دان له بالإنطلاقة إلا أنه استفاد كثيراً من اعمال مخرجين كثر تعاقبوا على النوع و أغنوه ، تدفق الحكاية معهم أصبح أفضل و أكثر تكثيفاً و تخلصاً من الثانويات ، زاد التركيز على مواطن القوة مثل سرعة البديهة الحوارية و الغنى بالتفاصيل التي تُترك للمشاهد لإلتقاطها ، و خفف من نقاط الضعف كفتور الإيقاع أو سير الحدث كما ينتظره الجمهور .

في العمق ترتكز المشاحنات التي يقدمها نص كابرا و ريسكن هنا لأبعادٍ نفسية : الإعتقاد المستمر بأننا على صواب / حس الإضطهاد الذي نعانيه من الآخرين في قراراتنا المصيرية / أزلية التمسك بالرأي الآتية من اعتقادنا الدائم أننا نعرف كل شيء عن أي شيء / و بالتأكيد الفجوة غير المدركة بين العقل و العاطفة ، الفيلم يستند في مشاحنات حكايته لتلك الابعاد سردياً ، لكنه لا يقدم معالجةً لها كأفكار تستحق البناء عليها ، و بالرغم من أن ذلك يفقده ميزة الحصول على (نصٍ ثانويٍ) قوي يجعله أغنى و أكثر ديمومة لكنه يجنبه الإضرار بطبيعته ككوميديا رومانسية ، و هذا بحد ذاته اصبح شبيهاً بالقالب الذي استمرت عليه السكروبول كوميدي من بعده ، النص يكثف تلك المشاحنات لصناعة سلسلةٍ متواليةٍ من المفارقات تغني كوميديته بصورةٍ فعالةٍ و من الصعوبة جداً إنكارها ، يقر كابرا هنا بشكل واضح أنه ليس مخرجاً نخبوياً و لا يحب أن يتخلى عن المفهوم التقليدي للحكاية الشعبية في عصره – بالرغم من أنه فعل ذلك بعظمة في  It's a Wonderful Life – لذلك لا يُحمّل حكايته أكبر مما يستطيع – و ليس أكبر مما تحتمل – يترك الكوميديا تتسيد الموقف ، يغازل ولع الجمهور برؤية نسخةٍ معاصرةٍ من (ترويض الشرسة) خصوصاً عندما لا تنتمي تلك الشرسة للطبقة التي طحنها الكساد الكبير ، و لا يتوانى عن نثر تلميحاتٍ واضحةٍ عن الجوع و تقلص فرص العمل و التباين الطبقي ليؤكد صورته كفيلمٍ ينتمي لحقبته .

و بالرغم من فعالية ذلك إلا أن النص يعاني من مشكلةٍ في الإنجذاب العاطفي الذي يحكم شخصيتيه ، و الذي لا يكون متسقاً تماماً مع إيقاع الحكاية ، فيأتي مندفعاً و غير مؤقتٍ بصورةٍ دقيقة ، لذلك لا تروقني الكيفية التي يحصل بها اعتراف إيلي بحبها لبيتر و أجدها خارج السياق ، علاوةً على أن تلك الجزئية تكتمل بأن تسير الحكاية كما يريدها المشاهد تماماً فتتخلى إيلي عن زواجها في اللحظة الأخيرة ، و هو تفصيلٌ تحول إلى ما يشبه التقليد لدى أفلام هذا النوع ، لكن نخبتها استطاعت أن تجعله منطقياً و مبرراً بصورةٍ أفضل عندما يحدث .

خفة الحكاية على هذا الصعيد يعوضها العمل الإخراجي لكابرا الذي عانى مشاكل عديدة كانت ستزيد لو لم يطلق الفيلم قبل خمسة أشهرٍ فقط على قانون هايز ، رُفِض الدوران الرئيسيان في الفيلم من قبل عددٍ كبيرٍ من نجوم هوليوود حينها مما دفع كولومبيا بيكتشرز لإستعارة كلارك غيبل من MGM و كلوديت كولبير من بارامونت ، كلا النجمين لم يكونا راضيين عن النص ، و لم يكونا راضيين عن بعضهما البعض ، بل أن كولبير اعتبرته لاحقاً أسوأ فيلم قامت ببطولته و حزمت حقائبها للسفر في اجازةٍ يوم حفل الأوسكار لدرجةٍ دفعت القيمين على الحفل لإحضارها بحقيبتها من محطة القطار لتتسلم جائزتها ، ربما هي أسوأ الظروف الممكنة لتنتج عملاً كوميدياً ، لكن كابرا فعل ، صحيح أن الرجل لا يقدم الجديد مطلقاً على صعيد التكنيك الإخراجي – و لا يمكن وصف أي سكروبول كوميدي بأنها فعلت – لكنه يعوّض ذلك من خلال إخراج افضل ما لدى غيبل و كولبير ، ساير غطرستهم و نجوميتهم و نفورهم من بعضهم و استغلها لصالح حكايته عن شخصين متنافرين ، يكفي ان تعلم انه ابتكر (أسوار أريحا) مثلاً للإلتفاف على رفض كولبير خلع ملابسها في المشهد ! ، كابرا تفهّم بشكلٍ ممتاز كاريزما بطليه و جاذبيتهم فجعلهم مرجع الإهتمام عندما يفتر الحدث ، تلك الكاريزما هي من تجعل الحكاية تسير بسلاسة عندما لا تكون كذلك على الورق ، تدفعها بلطف نحو الأمام و دون شعورٍ بالإبتذال حتى عند الشعور بخفة الحكاية ، هذا برأيي هو ما جعل كوميديا الفيلم مقاومةً للزمن ، دائماً يتغيّر ما يضحك الناس بمرور الزمن و هذا ما يجعل الكوميديا أكثر الأصناف صعوبةً في القدرة على الصمود ، كوميديا هذا الفيلم صمدت بقوة و بلغت عامها الثمانين الآن ، من السخرية و العبث – في سكروبول كوميدي تقوم على السخرية و العبث – أن هذا الفيلم كان عملاً سينمائياً مفضلاً لديكتاتورين مثل هتلر و ستالين !

التقييم من 10 : 8.5