الخميس، 18 سبتمبر، 2014

Great Expectations

كتب : عماد العذري

بطولة : جون ميلز ، ألك غينيس ، أنتوني واغر
إخراج : ديفيد لين

على مدار تاريخ السينما كان الأدب هو المعضلة الأبرز ، المزايا التي وفرها كوسيط واستطاع من خلالها التعاملَ مع الجمهور في الموضع ذاته الذي عجزت السينما عن التعامل معه ، لذلك أصبح من الملفت الحصول على اقتباسٍ سينمائيٍ جيد لعملٍ أدبيٍ مهم ، ميزة الإقتباسات العظيمة أنها قادرة على إثبات قيمتها بمفردها حتى لعشاق العمل الأدبي مهما كان كلاسيكياً و معروفاً ، هذا الفيلم يفعل ذلك .

على مدار ستة أسابيع صوّر ديفيد لين خامس أفلامه مباشرةً بعد النجاح الكبير لرائعته Brief Encounter مقتبساً كلاسيكية تشارلز ديكنز أو على وجه الدقة مقتبساً المسرحية الناجحة المقتبسة عنها و التي لاقت رواجاً كبيراً عند عرضها في بريطانيا في تلك الفترة ، و هو توجهٌ يبدو غريباً اليوم بالنظر لحقيقة أن ديفيد لين كان بعيداً كل البعد عن الأدب الديكنزي طوال حياته الخاصة ، غرابةٌ تزداد عندما يتبع الرجل نجاحه في هذا الفيلم بنجاحٍ آخر مع ديكنز في Oliver Twist بعد عامين ، الشيء الوحيد غير المستغرب هنا أن ديفيد لين كان عظيماً في النصف الأول - أيضاً - من مسيرته التي انحرفت في نصفها الثاني نحو تقديم الملاحم السينمائية الفخمة التي ارتبطت بإسمه حتى اليوم .

الحكاية – كما يعرفها قراء العمل الأدبي – تأخذ منظور الراوي ، بيب ، فتى من أسرةٍ متواضعةٍ تعيش في روتشستر ، يحظى بيب في طفولته برعاية أرملةٍ غامضةٍ تدعى السيدة هافيشام و سرعان ما يقع بحب ربيبتها الجميلة إستيلا التي لا توليه اهتماماً ، في سن الرابعة عشرة يعود بيب إلى عائلته ليتعلم الحدادة قبل أن ينتقل إلى لندن – بمكرمةٍ من شخصٍ مجهول – لينال العلم و المعرفة و يصبح جنتلماناً .

قيمة هذا الإقتباس أنه يعيد تشكيل الصورة التي يفترض أننا شكلناها للرواية ، ليس على صعيد السرد أو الحدث و إنما على صعيد الشكل و التكثيف ، يرسل منظور الراوي إلى الخلفية حتى لا يكاد المشاهد يشعر بوجوده ، و يخفف من حدة الطابع الديكنزي للسرد و القائم دائماً على العاطفة و الميلودراما و حيث يتحرك الحدث أحياناً بناءً على مصادفاتٍ غريبة و تفاصيل عابرة ، لا يزيل النص هذه الجزئية لكنها لا تعود صارخةً كما هي لدى ديكنز ، و في الوقت ذاته هو يضع النقد المجتمعي المعتاد في أدب ديكنز في الخلفية البعيدة للحدث و يكثف عمله على دراسة التغيرات التي تصيب شخصية بيب المنتقلة من تواضع المنشأ و بساطة الريف إلى بريق المستقبل و أضواء المدينة موازنةً فيها بين إرث الأول و أثر الثاني .

أعظم ما في هذا الإقتباس هو تخلصه المدروس من الحبكات الثانوية دون أن يقطع صلاتها بالحكاية الرئيسية مخلفاً فراغاتٍ تهز قيمته ، هذا فعال بطريقةٍ لن يقدرها سوى قراء العمل الأدبي ، لذلك لن ترى من شخصيات هافيشام و إستيلا و ماغويتش و هربرت و جو و المحامي جاغرز سوى الجزء الذي يغذي محور السرد السينمائي (بيب) ، العمل في جوهره هو عن العلاقات الفطرية التي شكلناها ، نمت و كبرت معنا و كانت دائماً هناك في كل منعطفٍ من حياتنا ، لا يفقد لين امساكه بهذه الجزئية أبداً ، تبقى محور مراقبته لبيب منذ البداية و حتى الختام و من خلالها يرتبط بجو و هربرت و إستيلا و هافيشام ، كل ذلك يحركه الماضي دائماً ، تشعر بأن الماضي هو شخصيةٌ إضافيةٌ في الفيلم منذ اللحظة الأولى لبيب في المقبرة ، يمنح لين للمشهد فعاليةً اضافية من خلال الجو القوطي الذي يضفيه عليه ، لا يجعل المشاهد – خصوصاً ذلك الغريب عن الرواية – يشعر بأنه مشهدٌ عابر أو افتتاحي ، الماضي هو روح العمل ككل ، لا يتورع عن التدخل في جميع مفاصل حياتنا : علاقة بيب بماغويتش ، علاقة بيب بهافيشام و إستيلا ، مبارزة الأيدي التي تحولت إلى علاقةٍ صداقةٍ طويلةٍ بين بيب و هربرت ، و حتى علاقة المجرمين ببعضهما ، وحدها علاقة بيب بزوج شقيقته جو من كانت تحتاج لعنايةٍ خاصةٍ من النص ، حتى من منظور المشاهد العادي الذي لم يقرأ العمل الأدبي تبدو العلاقة منقوصةً القيمة ، تلامس بخجل الأثر الذي ولدته رعاية جو الطويلة لبيب و التطورات التي رافقت علاقتهما على مدار سنوات .

في العمق يقدم هذا الإقتباس في بيب شخصيةً حقيقيةً من لحمٍ و دم ، فيها صدق الريف و نبل الإنسان الذي أنقذ محتاجاً ذات يوم و في الوقت ذاته الرغبة المعجونة بالطموح تجاه أن يصبح سيداً محترماً له قيمته في المجتمع ، النص يتعامل كما ارادت الرواية أن تتعامل مع روح بيب ، رحلتها الموزاييكية ، إيجابيتها الدائمة ، احساسها الذي لا يتوقف تجاه إستيلا ، و المكانة التي تحتلها لدى السيدة هافيشام بكل جنونها و غموضها ، (من ناحية) هو يوظف ذلك ليخدم قيمة الماضي في تشكيل الشخصية – أي شخصية – و الأثر الذي يخلفه ارتباطنا الدائم به ، و معنى أن نمنح الماضي قيمةً تفوق وجوده كذكرى ، فيسيّر حاضرنا و يستولي عليه ، و المشهد العظيم لفتح ستائر المنزل هو خلاصة الحكاية على هذا الصعيد : نهاية عالمٍ بكامله استولى على منزل هافيشام لسنواتٍ طوال ، و (من ناحيةٍ أخرى) يجيد التقاط التطورات التي طرأت على شخصية بيب بعناية و يقدمها بشكلٍ جيد ، بيب يتغير تدريجياً تجاه ماضيه لكن دون رعونة لأنه فتى طيب في جوهره ، ينظر النص بعمق في شخصية بيب كما أراد العمل الأدبي أن يخبرنا : بيب لم يكن يحتاج لهذه الرحلة الطويلة نحو المدينة ليصبح رجلاً و جنتلماناً ، لأنه رجلٌ منذ البداية ، ندرك منذ المشهد الإفتتاحي أنه شخصٌ يمكن الإعتماد عليه ، ربما يفتقد للمظهر الملائم ، لا يمارس سلوكيات السادة ، لا يمتلك المال الكافي للإنفاق على كل ذلك ، لكن النبل يجري في دمه ، شكّل الماضي كل أوجه حياته ، لكنه بقي بيب الذي عرفناه في البداية .

بذات العناية التي أدرك بها النص روح العمل الأدبي يثبت ديفيد لين أنه مخرجٌ كبير وهو يسيّره ، ينجز هنا برأيي أفضل اقتباسٍ سينمائيٍ شاهدته للرواية و واحداً من أفضل الإقتباسات السينمائية عموماً ، يتحرك مع ديكنز في الأبعاد الثلاثة (الزمانية و المكانية و النفسية) لشخصيته الرئيسية ، لا يحاول السير عكس المشترك الذي تولّد في ذهن قارئ العمل الأدبي ، يدرك خصوبة الخيال الذي سيستقبل العمل المقروء في ذهن كل متلقي فلا يتحداه ، يمسك بالشيء المشترك فقط ، ينجز بفضل العمل المقدر لمدير التصوير غاي غرين و مدير الإخراج الفني جون برايان – و كلاهما كرّم بالأوسكار – الحاضنة البصرية القادرة على جعل الأجواء و التطورات تبدو مألوفةً للقارئ (و هي ذات الجزئية التي أقدرها أيضاً في فيلم جاك كونواي A Tale of Two Cities) ، يمكن أن أستثني من ذلك مشهد المقبرة الإفتتاحي و مشاهد الذروة في قصر هافيشام التي تبدو قطعةً من فيلم رعبٍ قوطي لأسبابٍ دراميةٍ جلية تخدم قيمة الاقتباس و تتفوق على ورق الرواية .

يمكنني أن أضيف لمأخذي على الفيلم بخصوص علاقة بيب و جو مأخذاً آخر يتعلق بالكاستنغ ، جون ميلز الذي من الصعب الإلتفاف على حقيقة أنه كان في الأربعين و هو يؤدي دور بيب في التاسعة عشرة ، جودة أداءه لا تلغي أن مظهره بحد ذاته يجعل الشخصية تبدو أكثر نضجاً مما يفترض خصوصاً و أن النضوج بحد ذاته هو ركنٌ أساسيٌ في رحلتها الموزاييكية ، مشكلةٌ أخرى مع فاليري هوبسن التي يُضرُّ بها أن تلعب الدور ذاته الذي لعبته جيان سيمونز في النصف الأول من الفيلم ، هوبسن – التي تؤدي دور والدة استيلا كذلك – لا تستطيع منحنا ذات الأبعاد التي وضعتها سيمونز في شخصية استيلا ، جيان سيمونز اختيار موفقٌ جداً من لين في الدور ، جمالها و عجرفتها تبقيان معنا تماماً كما بقيت مع بيب و تطغى على صورة استيلا الكبيرة ، نفهم من خلال سيمونز لماذا أحبها بيب و تمسك بحبها طوال تلك السنوات ، مثل سيمونز يملأ فرانسيس سوليفان دور المحامي جاغرز تماماً ، كتلةٌ من الصرامة و العملية مع ملمح قلبٍ طيب يخفيه وراء الصورة ، مشهده وهو يحكي لبيب الحقيقة باقٍ معي على الدوام.

عام 1999 وضع معهد الفيلم البريطاني BFI هذا الفيلم خامساً ضمن أعظم الأفلام البريطانية عبر العصور ، ثم في المرتبة الرابعة عشرة في استفتاءه اللاحق عام 2004 ، البعض يعتبر أن ديفيد لين بعد نجاح Oliver Twist كان يمكن أن يصبح بالنسبة لتشارلز ديكنز ما كانه لورانس أوليفييه بالنسبة لويليام شكسبير ، لكن ديفيد لين لم يستمر في ذلك المنحى و فضل البحث عن تحدياتٍ جديدة تثبت عظمته الإخراجية ، وجدها بعد سنوات في الملاحم السينمائية التي صنعت عظمة شراكته الطويلة – التي بدأت هنا – مع ممثله الأثير ، السير أليك غينيس .

التقييم من 10 : 9