الأربعاء، 13 أغسطس 2014

Un Chien Andalou

كتب : عماد العذري

بطولة : بيير باتشيف ، سيمون ماراي
إخراج : لويس بونويل

كان بونويل يعمل كمساعدٍ للمخرج و المنظّر الفرنسي جون إبشتاين عندما جلس مع صديقه المقرب سالفادور دالي و أخبره عن حلم الليلة الماضية الذي شاهد فيه قمراً تقطعه السحاب الى نصفين ، فأخبره دالي عن حلم رآه في الليلة ذاتها شاهد فيه يداً يخرج منها النمل ، فقال بونويل (هذا هو الفيلم) ، و كان !

أعترف بأن نظرتي لهذا الفيلم تغيرت بمرور الزمن و كثرة الأعمال السينمائية التي شاهدتها و تعدد مشاهداتي له بحكم مدته الزمنية القصيرة ، و هذا التغيير لم ينجم في الواقع عن فهمٍ أفضل للشيء الذي شاهدته أول مرة ، بل جاء من فهمٍ أفضل للطريقة التي يريدنا بونويل ان نرى فيلمه من خلالها .

حقق بونويل هذا الفيلم خلال فترةٍ قياسية لم تتجاوز الأيام العشرة و بميزانيةٍ متواضعةٍ جداً استدانها من والدته ، و كان محظوظاً بالحصول على عرضٍ باريسيٍ محدود حضره جون كوكتو و بابلو بيكاسو ، قيل بأن بونويل ملأ جيوبه بالحجارة تحسباً لخيبة أملٍ قد تضطره لرمي الجمهور بها قبل مغادرته محبطاً ، لكن الجمهور احتفى بالفيلم و حوّل العرض المحدود إلى نجاحٍ نسبيٍ جيد و هذا ولّد خيبة أملٍ لدى سالفادور دالي الذي توقع فشل الفيلم !! ، كان ذلك النجاح نصراً جوهرياً لبونويل على البرجوازية (الفرنسية تحديداً) التي استلذ بمهاجمتها في أعماله اللاحقة ، في تلك الفترة كانت السينما الطليعية قد كرست نفسها لإرضاء غرور الطبقة البرجوازية بصناعة أعمالٍ غير جماهيرية لا يفهمها (أو يدعي فهمها) سوى هذه الطبقة التي تتباهى بذلك ، تقديم بونويل لعملٍ سرياليٍ يتقبله الجمهور العادي في الصالات كان نصراً حقيقياً له سرعان ما تحوّل إلى احباط عندما أعجب البرجوازيون ذاتهم بفيلمه !! ، لكن بونويل تجاوز ذلك لاحقاً مع الأبواب المغلقة التي فتحها له هذا النجاح ، يكفيه أن رائد السريالية أندريه بروتون رحب به و اعتبره أول فيلمٍ سينمائيٍ سريالي ، نجاحٌ دفع عائلة دو نواي الثرية لتقديم مقترحٍ بتمويل جزءٍ ثانٍ من الفيلم سرعان ما تعرّض لسيلٍ من التعديلات قبل أن يتحول إلى مشروعٍ مستقل شكّل نجاح دالي و بونويل التالي The Golden Age .

لا توجد حكايةٌ في الفيلم لتروى ، و هذا جزءٌ من خيبة أمل بعض من سيشاهدونه ، الفيلم صنعه الرجلان دون حكاية ، بعيداً عن المنطق ، خالياً من الترميز ، و الطريقة الوحيدة لمحاولة فهم بعضٍ مما يجري هي التحليل النفسي كما يقول بونويل نفسه ، مجموعةُ متتاليةُ من الصور السريالية غير المترابطة سردياً تجمعها الصدمة التي تولدها في المشاهد و النابعة من غرائبية ما يجري ، يعتمد الفيلم آلية (الحلم) في السرد السريالي و هو شيءٌ أثّر لاحقاً بقوة على أفلامٍ مثل Meshes of the Afternoon و Eraserhead و زاد من قيمته بنظري ، تقوم السريالية على تحرير النفس من ارتباطات (الواقع) و (الوعي) من أجل تفسيرٍ جديد لـ (واقعٍ بديل) عن طريق (اللاوعي) ، بمعنى اعادة تشكيل جزء مما نعيشه في الواقع ، و هذا ما يقوم عليه هذا النص ، سبر الكثير من المواضيع عن الغرائز و الجنس و الذكورية و الأنثوية في آنٍ واحد دون تفسيرٍ أو تأويل قد يُسقط منطق الواقع البديل الذي تقوم عليه السريالية ، و هذا التفصيل كان معاكساً تماماً للتعبيرية التي راجت بفضل سطوة السينما الألمانية في تلك الحقبة ، تتعامل التعبيرية مع الأدوات البصرية لإدراك الشعور المحسوس في المشهد ، بينما تقوم السريالية على التعامل مع الأدوات البصرية لإدراك ما لا يرى و ما لا يمكن وضعه في المشهد ، الأولى تستثمر البصر من أجل اعطاء قيمةٍ لما تراه ، و الثانية تستثمره من أجل اعطاء قيمةٍ لما لا تراه .

بناءً على ذلك ينبع جزءٌ من روح السريالية – كمدرسة و كنهج و كوسيلة تعبير – من صلب التحررية و التمردية التي قامت من أجلها ، التمرد على النسق السردي و البصري و الزماني و المكاني ، الفيلم يفكك بشكلٍ كلي – و للمرة الأولى في تاريخ السينما – آليات السرد التقليدية المتّبعة و يعيد بناء صورته الخاصة التي تستنطق سيكولوجية (الحلم) البشري ، لا يريد أن يبدو كـ (حلم) بل هو حلمٌ حقيقيٌ مكتمل الأركان ، مهما أوغلت في الامساك بمفاتيحه ستكتشف لاحقاً أن الصورة أعقد مما تبدو عليه ، خذ مثلاً المشهد الافتتاحي المعنون بـ (حدث ذات مرة) ،  رجلٌ (يؤديه بونويل نفسه) يشحذ شفرة حلاقة و يتأمل السحابة التي تقطع القمر الى نصفين ، سنشاهد في اللوحة التالي الرجل يقطع بشفرة الحلاقة عين امرأةٍ إلى نصفين في مشهدٍ كلاسيكيٍ شهير ، قد تبدو اللوحة لوهلة متسقةً من الناحية الشكلية للسرد بالرغم من غرائبيتها و عدم تفسيرها ، في اعادة المشاهدة أجد بأنه حتى تلك الأمور التي تبدو متسقةً لوهلة هي ليست كذلك أبداً ، تأمل القميص الذي يرتديه الرجل و تأمل الساعة في يده اليمنى في الافتتاحية ، ستكتشف أن مشهد شحذ الشفرة شيءٌ مختلفٌ تماماً و مستقل السياق عن مشهد العين المقطوعة الذي يؤديه رجلٌ بقميصٍ مخطط و ربطة عنق و دون ساعة يد ! ، الفيلم يستلهم البنية السردية للحلم القائمة على (التدفق الشكلاني للصورة) ، اللوحة التي تنقلك من خلال تفصيلٍ بصريٍ ما الى لوحةٍ أخرى مستقلةٍ لا تمت للأولى بصلة ، في لوحةٍ تالية نشاهد حفرةً يخرج منها النمل في يد شاب ، ينقلنا (شكلها) إلى ابط امرأةٍ نائمة سرعان ما يرسلنا (الشعر الموجود فيه) إلى قنفذٍ يقودنا (تكوّره) إلى Iris Shot تتسع على أناس يحتشدون في شارع ، إعادة تجسيد للبنية السردية للحلم القائمة على (اللامنطق) لأن الحلم آتٍ في الأساس من (اللاوعي) ، يبدأ في منطقة و ينتقل إلى أخرى بناءً على (مشتركاتٍ بصرية) ، بناءً على تلك المشتركات مثلاً يمكن أن تبدو اللوحة الأولى (حدث ذات مرة) على النحو التالي : شفرة حلاقة في يد رجل / الشفرة تتوازى بصرياً مع السحاب الذي يقطع القمر / القطع يتوازى بصرياً مع قطع عين امرأة / المرأة هي ذاتها التي نراها في اللوحة التالية مباشرةً (بعد ثماني سنوات) ! ، و تفكيك السرد هذا لا يقوم فقط على البنية الشكلية للصورة بل أيضاً على العبث بالزمان و المكان ، الإنتقال العبثي من غرفةٍ الى أخرى ، و من المنزل الى الشاطيء ، بعد ثماني سنوات مثلاً نرى المرأة دون عينٍ مقطوعة ! ، قبل 16 عاماً نرى الشاب ذاته دون تغيير عمري ! ، تعرف تلك الملامح المشوشة من حلمٍ تستيقظ منه و تتذكر فيه أنك شاهدت جارك المتوفي متزوجاً من ماري أنطوانيت و يحاول استدانة بعض النقود منك كي يستطيع الإنفاق على دراستك ؟! ، هذا ما يحاول أن يفعله بونويل و دالي هنا ، السريالية تسقط عندما نمنطق آليتها السردية لأننا نقع في تضادٍ مع روحها القائمة على إعادة تعريف الوعي البشري للواقع (حياتنا الإعتيادية التي نعرفها) من خلال استنجاد اللاوعي و تقديم الواقع بصورةٍ (أقل واقعية) ، لذلك فالمنطق المعاكس لإعادة تفسير أي عملٍ سريالي و القائم على (ردم المساحة بين الصورة الأقل واقعية القادمة من اللاوعي (أو الحلم هنا) و بين صورتها الواقعية الأصلية القادمة من الوعي (منطق الحياة التقليدي)) هو منطقٌ قائم في أساسه على عقلية المتلقي و طريقة تفكيره ، لذلك لا يمكن الخروج بتفسيراتٍ متشابهة أو كاملة مع  العمل السريالي و هذا يفسر ارتباطه الوثيق بعالم الأحلام حيث يبلغ (اللاوعي) منتهى فعاليته و تأثيره .

إذاً هل يعني هذا تفسير أي عبثٍ بصريٍ على الشاشة بأنه سريالية ؟! ، بالطبع لا ، تفكيك البنية السردية (بصرياً و زمانياً و مكانياً) لا يعني فقدان المعنى و إنما تحرير (لاوعي) المشاهد لإدراك ما يشاهده (وعيه) و بالتالي محاولة ترتيبه و فهمه بالطريقة الأقرب إليه ، شيءٌ أقرب الى لوحة فسيفساء مشبعة الألوان يراها كل شخص من منظور اللون الذي يحب دون أن ينكر بالمجمل الفسيفساء ذاتها ، القيم التي قامت عليها السريالية هي نقد القمع الأخلاقي و الاجتماعي بكافة صوره و أشكاله ، و لوحات الفيلم المبعثرة قابلة للقراءة مراراً و تكراراً في هذا السياق بتفسيراتٍ متفاوتةٍ و نسبية : الذكورية ، و الانثوية ، الإزدواج الجنسي ، الغرائز ، الأوديبية ، التسلط ، الأبوية ، العنف ، المشاعر المقموعة ، ذاتية الفن ، قيود المجتمع ، سطوة الدين ، الموت ، تفاصيل كثيرة تفقد اتساقها السردي و تبدو ذاتيةً جداً و خارجةً بالفعل من أحد أحلام بونويل و هذا يفسر تكرار تناولها بصورةٍ أو بأخرى في أفلامه اللاحقة .

بونويل برأيي هو أعظم من قدم السريالية سينمائياً ، أحب فيه بصورةٍ أكبر أعماله السريالية اللاحقة التي لا يراودني فيها الشعور الملح بسريالية ما أشاهد ، أفضّل فيه The Exterminating Angel و The Discreet Charm of the Bourgeoisie على هذا الفيلم مع اقراري بأن فكرة أن هذه التجربة انجزت في عشرينيات القرن الماضي مثيرةٌ بحد ذاتها خصوصاً في ملامستها غير المباشرة للجدلية المعروفة حول معنى (الفن) و هل هناك معنى قابل للقياس لـ (الفن) أم أنه مقاربة لا شعورية لشيءٍ في لا وعي الانسان يقترن بالجمال و هنا تكمن نسبيته و نسبية تعاملنا معه ، بذات الطريقة تأتي نسبية ما نشاهده مع بونويل و محاولة فهمه ، أي محاولةٍ لتفسير الفيلم قائمةٍ على (الوعي) ستسقط لأنها ستحاول أن تدرك بقوانينه المحصورة ما يفترض أن يدركه (اللاوعي) عبثي القوانين ، لذلك وجدت كتب تفسير الأحلام ، و لذلك أخرج بونويل هذا الفيلم .

التقييم من 10 : 9