الأحد، 10 أغسطس، 2014

The Crying Game

كتب : عماد العذري

بطولة : ستيفن راي ، ميراندا ريتشاردسن ، جاي ديفدسن
إخراج : نيل جوردان

منذ اطلاق الفيلم قبل أكثر من عقدين ما زال اسمه مرتبطاً بالسر الذي تبوح به حكايته في منتصفها لدرجة بات معها ذلك السر بصمة الفيلم المميزة و واحداً من أشهر التويستات التي قدمتها شاشة السينما على مدار تاريخها ، و في الواقع فإن هذا الإرتباط يبدو وكأنما كان مجحفاً إلى حدٍ ما في تأطير قيمة رائعة نيل جوردان هذه .

كتب نيل جوردان هذا النص في منتصف الثمانينيات تحت إسم The Soldier's Wife لكن انتاج العمل تعثر في أكثر من مناسبة ، ثم نصحه صديقه المقرب ستانلي كيوبريك بتغيير اسم الفيلم تحسباً لسقوط الفيلم فيما لو توقع الجمهور فيلماً حربياً و لم يجده كذلك ، و هذا ما فعله نيل جوردان الذي اختار اسم أغنية ديف بيري الرائجة في الستينيات - و التي تغنيها ديل في الفيلم – لتكون عنواناً جديداً له .

خيبة الأمل لم تأتِ من الإسم ، كان العمل سيء الحظ عندما ترافق اطلاقه مع عمليات تفجيرٍ قام بها الجيش الجمهوري الإيرلندي ، الأمر الذي جعل من الصعب جداً أن يتعاطف الجمهور مع شخصيةٍ تنتمي له تحت أي مبرر ، لكن لحسن الحظ أن ميراماكس (شركة الأخوين واينستين الوليدة حينها) التقطت الفيلم و قامت بتسويقه بشكلٍ جيدٍ في الولايات المتحدة ليحقق نجاحاً غير متوقع قياساً للظروف السابقة ، قبل أن تساعده ترشيحات الأوسكار الست (بما فيها ترشيحه لأوسكار أفضل فيلم و مخرج) في تحقيق النجاح العالمي الذي يستحقه .

الحكاية عن فيرغس ، عنصرٌ متطوع في الجيش الجمهوري الإيرلندي يشارك في خطف جنديٍ بريطانيٍ أسود يخدم في إيرلندا الشمالية يدعى جودي ، يأمل رفاق فيرغس في الإستفادة من جودي كورقة مساومةٍ للإفراج عن رفاقهم القابعين وراء القضبان ، لكن شعور التعاطف الذي يبديه فيرغس تجاه جودي أثناء فترة حراسته له يغير كل شيء .

الجزء الأهم من قيمة هذا النص – الذي منح نيل جوردان أوسكار أفضل سيناريو أصلي – يكمن في تقديمه البارع لعلاقةٍ عاطفيةٍ شائكةٍ للغاية يتشابك فيها الإختلاف السياسي و العرقي و الجنسي في آنٍ واحد ، شخصياته تحاول أن تتآلف بعيداً عن عداوتها السياسية و تباينها العرقي و اختلاف ميولها الجنسية ، تآلفٌ يبدو شبه مستحيلٍ على الورق ، و يحققه جوردان بفضل ورقٍ مكتوبٍ جيداً و أداءاتٍ متفهمةٍ جداً نالتها شخصيات العمل .

الفيلم يقسم عملياً إلى مرحلتين ، واحدة في ايرلندا الشمالية و الأخرى في لندن ، و كلا المرحلتين تساهمان بذات المقدار في تحقيق تلك العلاقة الشائكة ، في مرحلة الإختطاف - التي تستمر 40 دقيقةً و تنتهي بمشهد اقتحامٍ صادم – يكون فيرغس – بفضل أداءٍ بارعٍ من ستيفن راي – مسؤولاً عن اظهار كمٍ من الفراغ النفسي و التشوش العاطفي أثناء هذه المرحلة دون اهتزازٍ حقيقي ظاهر ، و هذا يتحقق بالفعل ، و على خلاف ما يفترض بشخصية متطوعٍ في الجيش الجمهوري الإيرلندي تبدو شخصية فيرغس هشة ، مجرد عبدٍ مأمور ينتمي جغرافياً و فكرياً إلى أرضٍ قدّر عليها أن تعيش التبعية البريطانية و التمرد الإيرلندي ، و هي جزئيةٌ تبقى مع الشخصية طوال الفيلم عندما نراه يخاطب صورة جودي قرب الختام : "كان يجب أن تبقى في موطنك" ، لا يتوانى راي عن اظهار ذلك في فيرغس من خلال ملامحه المنهكة التي أعيتها رتابة الأمر و تكراره و بالتالي يبرر للمشاهد بسهولة من خلال ذلك الضعف الكيفية التي ستسير عليها الأحداث لاحقاً ، في هذا المفصل تحديداً إما أن ينجح كل شيء أو ينتهي كل شيء .

في المرحلة الثانية يوظف النص تلك الهشاشة الملموسة في فيرغس لتبرير العلاقة المعقدة التي سينتجها لقائه بـ (ديل) ، جزءٌ من ذلك التبرير يبدو في أساه لتدميره حياةً يفتقدها هو ذاته ، نرى ذلك في حديثه مع جودي و تأمله لصورة محبوبته ، و من الإلتزام النضالي الذي سخر حياته له ، فيرغس متطوعٌ لخدمة قضيةٍ ربما لم يعد يؤمن بها ، أو على وجه الدقة لم يعد يؤمن بوسائل خدمتها ، حياته قائمةٌ على الخطر و الخطف و التعذيب و القتل ، يلتقي شخصاً من الجانب الآخر ، الجانب الشرير المقدّم كعدو ، ينعم بحياته ، لديه امرأةٌ يعود إليها ، و حياةٌ حقيقيةٌ تنتظره ، يمتزج ذلك مع الضعف الداخلي لدى فيرغس خصوصاً فيما يخص قضيته النضالية لينتج حالة تشويشٍ حقيقية تضربه في الصميم ، نراه – في ذروة الفيلم في النصف الثاني – يصر على معرفة طبيعة الشخصية التي كلف بتصفيتها ، ما يحدث لفيرغس بنهاية المرحلة الأولى هو شيءُ أعقد من حالة التحول – التي قد تبدو مبتذلةً لو سوّقت بهذه الطريقة – يبدو شيئاً أقرب إلى حالة رفضٍ ذاتية منشأها التناقض الذي يعايشه بين سمو الغاية و حقارة الوسيلة ، تناقضٌ تجعله عملية الإقتحام الدموية التي تنهي المرحلة الأولى يتحوّل إلى حالة هروب ، و هو هروب مزدوج المعنى ، هروبٌ من الأرض المغصوبة إلى الأرض الغاصبة ، و هروبٌ من ذلك الماضي الذي حكم جسده و عقله لسنوات ، إلى حاضرٍ مختلف لا يدري عنه شيئاً ، ينتقل فيرغس إلى لندن و يصبح جيمي ، و يبدأ ربما رحلة تكفيرٍ عن ذنبٍ ارتكبه بحق شخصٍ غريب لم يذهب فيرغس بمبرر ارتكابه أبعد من عبارة "كان يجب أن تبقى في موطنك" التي يقولها أمام صورته قرب الختام .

في واحدٍ من أشهر مفاصل العمل يحكي جودي لفيرغس حكاية العقرب و الضفدع ، (هناك نوعان من البشر ، أولئك الذين يعطون و أولئك الذين يأخذون ، العقرب و الضفدع ، عقربٌ يريد أن يعبر النهر لكنه لا يستطيع أن يسبح ، ذهب للضفدع الذي يستطيع السباحة و طلب منه أن يوصله ، فقال الضفدع : إذا أخذتك على ظهري كي أوصلك ، فسوف تلدغني ، فأجاب العقرب : ليس من مصلحتي أن ألدغك ، فطالما أني على ظهرك فسنغرق نحن الإثنان ، فكر الضفدع في ذلك لفترة ثم قبل العرض ، أخذ العقرب على ظهره و واجه المياه ، في منتصف الطريق شعر الضفدع بحرقةٍ في جانبه ، و أدرك أن العقرب قد لدغه رغم كل شيء ، و بينما كانوا يغرقون تحت الموج ، كان الضفدع يصرخ : لماذا لدغتني يا سيد عقرب ؟ ، نحن الإثنان سنغرق الآن ، فأجاب العقرب : لم أستطع أن أمنع نفسي ، هذا من طبيعتي) ، حكايةٌ تبدو مزدوجةً مع فيرغس ، فيرغس فعل بجودي ما هو طبيعته ، قاده إلى الموت ، ثم حاول أن يبدو على غير طبيعته عندما ذهب يبحث عن ديل ، هكذا تبدو الصورة لوهلة ، لكن العكس تماماً هو ما حدث ، ما كان يفعله فيرغس مع جودي هو في الواقع ما يناقض طبيعته ، و لذلك كاد يتسبب بهرب جودي من الموت ، لأن هذه هي طبيعته ، لأنه (طيب القلب) كما يخبره جودي ، و عندما رحل للقاء ديل كانت طبيعته هي من تقوده قبل الهروب من الماضي و الرغبة في التكفير و السعي لبدء حياةٍ جديدة ، كان عقرباً غلبته طبيعته فتصرف بدافعٍ منها قبل أي شيءٍ آخر ، جمال النص أنه بقدر ما يربطك بواقع شخصياته إلا أنه يترك أمامك مساحةً خاليةً لفهم طبائعهم و تخيل الحدث وكيف سيسيّر حياتهم ، لا يقدم مسلّمات ، يستفزك مع كل خطوة قد تراها لوهلةٍ صعبةً أو غير منطقية ، نراه في البداية يلعب في منطقةٍ مؤطرةٍ بالإختلاف السياسي بين الشخصيات قبل أن يتحول بمرونةٍ لتناول شيءٍ مختلف عن التباين العرقي و الجنسي لا يكاد المشاهد يشعر بسلاسة الإنقلاب الذي يحصل فيه ، ليقدم في ذروته علاقةً عاطفية متوترة بين شخصين هما على الورق الطرفان النقيضان لبعضهما ، مرحلة فيرغس الإنتقالية هذه كانت تحتاج لشيءٍ مثل ديل ، شخصٌ يقدّم له الكثير روحانياً على عكس روحه التي أمتصّت خلال سنواته الماضية ، و حقيقة ديل تهز هذه المرحلة لحظياً ، فيرغس لم يكن مقتنعاً بعد معرفة حقيقة ديل ، شعر بالصدمة ، ثم شعر بالتشويش ، قاوم الفكرة و رفضها ، تمنى لو لم يكتشف ذلك ، ثم قرر التظاهر بعدم وجوده ، قبل أن يزداد اندفاعه تجاه ديل – بدوافع عدة واجِهتها التجرد من الذنب – عندما يظهر ماضيه في الصورة ، لا يترك النص للمشاهد تقبل العلاقة أو رفضها بل يعالج هذه العقدة من خلال الإنزلاق مجدداً في البعد السياسي للقصة في ذروة الفيلم عندما يحولها من مجرد حكايةٍ عاطفيةٍ ذات بعدٍ انعتاقي إلى قصة حمايةٍ و انقاذ يحاول من خلالها فيرغس - الدخيل هو على حياة ديل – ابقائها بعيداً عن مستنقع ماضيه الذي يطارده ، و هذه المسافة التي يسبق النص مشاهده بها في الذروة - فلا يتيح له من خلالها الاسترسال لإيجاد ثغراتٍ فيه - تبدو فعالةً أكثر في المشاهدات اللاحقة و أقرب إلى ذروة تطهيريةٍ / انعتاقية ، و ان كنت لا أحبذ نوعية النهايات التي سار اليها الفيلم في مشهده الأخير ، و لو أن تفضيلي الشخصي لا يقلل مطلقاً من قيمة العمل ككل .

نيل جوردان المخرج لم يكن أقل من نيل جوردان الكاتب ، ايقاع فيلمه صعبٌ جداً ، مزيجٌ من فيلم الإثارة و الرومانس و الدراما السياسية ، جوردان يطوع ايقاع ذلك المزيج في توليفةٍ لا تظلم أي جزءٍ فيه ، إثارته حقيقية و رومانسيته فعالة و دراماه السياسية مؤثرةٌ و مقنعة ، صورته جميلة ، و عمله ممتازٌ جداً على اللقطات الداخلية المتوسطة التي تعزز رحابة المكان سواءً في مكان الإعتقال في النصف الأول أو في شقة ديل في النصف الثاني ، لا توجد بهرجةٌ بصرية ، لقطاته تأخذ في معظمها منظور احدى الشخصيات فتكون غالباً فوق مستوى الوجه أو تحته و هذا عزز من حميمية اللقاءات الثنائية في الفيلم خصوصاً عند الإنتقال الى اللقطات المقربة ، و مشاهد مثل حوار جودي و فيرغس عن النساء أو حلاقة شعر ديل هي امثلةٌ يسهل تذكرها في هذا السياق .

و بقدر ما يوفر النص لمؤديه مساحةً ممتازةً للتعامل مع دواخل شخصياتهم ، إلا أنهم يخدمونه كثيراً بالمقابل ، ستيفن راي عظيم في الدور ، الهشاشة و التشتت الذي يقدمه في فيرغس لا يبتذل مقدار شعرة ، يبقيه شخصاً مرتاباً كثير التساؤلات من الداخل ، متماسكاً و واضح الأفكار من الخارج ، و يمسك بهذا الميزان طوال الفيلم فيبرز جزءاً على حساب آخر في السياق المناسب تماماً ، تقلبات شخصيته عنيفة ، تنزلق بتدرج من الارتداد عن عالمها ، نحو التزامٍ انسانيٍ قائمٍ على وعدٍ قطعه لغريب ، مدفوعاً بذنب ارتكبه بحقه ، إلى الإنجذاب ، ثم التعلّق ، ثم الصدمة ، و الإنقاذ ، راي يمنطق كل تصرفات الشخصية و يمنحها عمقاً يغذيها و يبرر تحولاتها العنيفة دون انفعالٍ أو ابتذال .

بالمقابل يقبض جاي ديفيدسن على الدور بصورةٍ مبهرة ، دوافع قبوله للدور و حصوله عليه و قصص ما وراء الكواليس التي حكيت عنه أشبه بدعابةٍ كبيرةٍ ، قيل بأنه شعر ذات مرةٍ بتوعكٍ أثناء التصوير الأمر الذي استلزم استدعاء الطبيب الذي اشتبه بعد تشخيصٍ مبدأي بأن ديفدسن (حامل) !! ، قبل أن يشعر بحرجٍ شديد عند معرفته الحقيقة ، ديفيدسن ينسحق بشخصية ديل على مدار النصف الثاني من الفيلم ، و ينقلها من مغنية البار التي تنجذب لغريبٍ و تقوده إلى منزلها إلى ذروةٍ دمويةٍ تنتقم فيها للرجل الذي أحبته سابقاً و تحمي فيها الرجل الذي أحبته لاحقاً ، و كل ذلك الحديث عن التويست العنيف الذي يحققه كشف سر ديل منتصف الفيلم هو أكبر تأكيدٍ على قيمة أداء ديفدسن الذي يخدع المشاهد نفسه قبل أن يخدع فيرغس و هو ذروة الأثر المطلوب منه ، حتى عندما يقوم فيرغس بحلاقة شعر ديل محولاً إياها إلى ذكر من أجل حمايتها نستمر في التعامل مع ديل كأنثى تنكرت بشكل ذكر و ليس كذكرٍ أزال تنكره ، في اعتقادي هو أفضل أداءٍ من نوعه على الإطلاق .

سر الحكاية طغى مع مرور السنوات على الحكاية ذاتها ، فيلمٌ عظيمٌ يتجاوز سر حكايته المثير و يحتفظ بألقه حتى و أنا أشاهده للمرة الثالثة ، توليفةٌ نادرةٌ من التشابك السياسي / العرقي / الجنسي في حكايةٌ جميلةٍ عن الهروب من الماضي ، جسدياً و نفسياً ، محاولة التأسيس لعالمٍ جديدٍ قائم على رغبةٍ لا تهدأ في التكفير عن الذنب و الانتصار للروح .

التقييم من 10 : 10