الثلاثاء، 26 أغسطس 2014

Invasion of the Body Snatchers

كتب : عماد العذري

بطولة : كيفن مكارثي ، دانا وينتر
إخراج : دون سيغل

كتب دانيال مينورينغ هذا النص اقتباساً عن روايةٍ كتبها جاك فيني عن ثلاث قصص نشرها مسلسلةً في احدى المجلات ، قيل بأن سام بكنباه (المقرب جداً من سيغل) أعلن في أكثر من مناسبة أنه ساهم في كتابة جزءٍ منه ، الأمر الذي أنكره مينورينغ و هدد باللجوء إلى نقابة الكتاب الأمريكيين لإيقاف بكنباه عن ادعاءاته ، و في الواقع ما تزال حقيقة الدور الذي لعبه بكنباه (الذي سيصبح مخرجاً كبيراً بعد سنوات) في كتابة هذا النص مجهولةً ، الشيء الوحيد الثابت في الموضوع أن هذا النص العظيم أنتج فيلماً سينمائياً عظيماً .

الأجواء لم تكن مشرقةً إلى تلك الدرجة حينها ، دون سيغل استغرق في هذا الفيلم 23 يوماً فقط ، و انتجه بممثلين مغمورين تناسباً مع الميزانية المحدودة ، و النقاد لم يتقبلوا الفيلم كما يجب مع أنهم لم يضطهدوه أيضاً ، لكنه سرعان ما اكتسب أهميةً إضافيةً بفضل الظروف الزمنية التي انتج فيها حيث مرحلة ما بعد الحرب الكورية و ذروة الحرب الباردة و قوائم المكارثية السوداء ، تزايدت قيمة الفيلم بمرور الوقت و أصبح كلاسيكيةً بارزةً في صنفه ، و المنجز السينمائي الأهم لأحد أبرز معلّمي سينما الإثارة و التشويق في تاريخ هوليوود ، الكبير دون سيغل .

الحكاية عن مايلز بينل ، طبيبٌ في بلدة سانتا ميرا بكاليفورنيا يتعرض لمجموعةٍ من الحالات التي ينكر فيها أصحابها على المقربين منهم شيئاً من روحهم و حميميتهم ، و يبدأون في الشك بأنهم (ليسوا هم) ، تلك الحالات لا تلبث أن تتحول إلى كابوسٍ من الهيستيريا الجماعية التي تضرب البلدة حول غزوٍ فضائي على صورة أقرب المقربين إلينا .

النص عظيم منذ سطوره الأولى ، طريقة ادخالنا في الحكاية غايةٌ في السلاسة ، نراها تتدفق و تتطور بسرعةٍ لا تدفعنا للشعور بأي حاجةٍ لمكابح أو استراحات ، باكراً يبدو الحدث مشرقاً و مغرياً لنا ، و في الوقت ذاته مثيراً للفضول و القلق ، لا يبدأ بعيداً حيث الشق الرومانسي من الحكاية ، بل يبدأ في الصميم حيث الحبكة الرئيسية ، ثم يطور حكايته الرومانسية المساندة فتبدو جميلةً جداً لأنه يجعلها تنسل ضمن فراغات الحكاية التي ما زالت تختمر عن أهل البلدة اللذين لم يعودوا كما كانوا ، الحبكة الثانوية تأتي بدون مقدماتٍ أو تفاصيل ، الحب القديم الذي يعود إلى الجوار ، نظرة التأمل التي نحتاجها لرؤية كل ما جرى في الماضي بطريقةٍ مختلفة ، إلى أين كانت ستمضي بهما الأيام (لو تزوجت بيكي من طبيب) ، و رغبة أن يكونا إلى جوار بعضهما في الفترة الراهنة ، هكذا بكل بساطة ، لا أكثر و لا أقل ، على ضفاف هذه الحكاية و من بين ثناياها تبدأ الحبكة الرئيسية بالتدفق من كل ثقب لتملأ الصورة شيئاً فشيئاً مع تصاعد نبرة الإثارة دون أن تجعل الحكاية الثانوية تتراجع الى الخلف بل تصب معها في المجرى ذاته حتى آخر نفس ، النص مشبعٌ جداً على صعيد الحدث و التطورات النفسية قياساً لثمانين دقيقةً فقط هي مدة الفيلم ، و الجديد في الحدث لا يتوقف و لو لثانية ، و أجمل ما في علاقة الحب التي نراها تستعاد مطلع الفيلم هو المقدار الذي يشغله الحدث الرئيسي منها مع كل تطور ، يبدأ صغيراً و لا يلبث أن يأخذ مساحةً أكبر بعد ثلث ساعة قبل أن يضربها في صميمها عندما تتحول إلى رحلة هروبٍ مزدوجة : حفاظاً على الكائن الذي أحببنا ، و حفاظاً على كونه كائناً قبل كل شيء ، هذا حقيقي وفعال جداً ، لا تصبح الحكاية الرئيسية رئيسية إلا بمقدار استحواذها المنطقي على حياة بطلينا و المساحة التي تشغلها منها مع تقدم الأحداث .

عندما تبدأ الإثارة بالإستحواذ على الصورة لا يقدم نص مينورينغ و إخراج سيغل شيئاً اعتيادياً أو متوقعاً ، إثارة الفيلم رفيعة المستوى حتى بعد قرابة ستين عاماً على اصداره ، غير مبتذلةٍ في زمننا ، و غير اعتياديةٍ في زمنها ، جانبها الذي يستمد قيمته من سينما الرعب مختلفٌ تماماً عن رعب حقبته حيث عادةً ما يكون مصدر الرعب في الحكاية شيئاً سهل التمييز ، مخلوقاتٌ غريبةٌ أو كائناتٌ ممسوخةٌ أو مشوهة ، مينورينغ يرى في حكايته أن أكثر الأشياء رعباً على الإطلاق هو (نحن) ، لذلك يأتي الرعب هنا على صورتنا نحن ، هيئتنا البشرية ذاتها التي لا مثيل لها في القدرة على الحاق الضرر بنا ، ليس هذا فحسب ، هو يتفوق على اقرانه في الطريقة التي يعالج بها تعامل الإنسان مع الكارثة ، عادةً تبدأ الكارثة في منطقةٍ صغيرة و سرعان ما تتفشى كالوباء في كل مكان ، مينورينغ و سيغل يضعان هذه الصورة النمطية جانباً ، يصنعان حكايةً أكثر تأثيراً و رعباً في بيئةٍ ضيقةٍ لمنطقةٍ صغيرة قبل مرحلة التفشي ، يجعلك تعيش كابوسية ما يحدث دون الحاجة للبهرجة البصرية المعتادة في تقديم حكاياتٍ كهذه ، رعب الفيلم يأتي من وضع مجموعةٍ من البشر رهن جنون الإرتياب في بلدةٍ صغيرةٍ لا يعلم فيها أيٌ منهم حقيقة المحيطين بهم ، لا يعلم فيها أيٌ منهم حقيقة نفسه أيضاً .

جنون الإرتياب هذا تظافر مع قوائم المكارثية المسعورة حينها ليضيف للفيلم قيمةً تحتملها حكايته عن الوباء الذي ينتشر إلى الدرجة التي تتلاشى معه الحواجز بين الصديق و العدو ، و بين من يستحق الثقة و من لا يستحقها ، صحيح أن دون سيغل قال في أكثر من مناسبة أن اسقاط الحكاية على المكارثية كان أمراً جماهيرياً صرفاً و لم يكن في حسبانه بالرغم من انكار بعض العاملين في الفيلم لكلام سيغل ، إلا أن الفيلم يذهب بالفعل أبعد من هذا الإطار الضيق ، يتجاوز هستيريا المكارثية بوضوح ليصبح قابلاً لكل الأزمنة و الأمكنة ، و بغض النظر عن صحة استلهامها من عدمه فالنتيجة الختامية عممت محتوى المكارثية على كل رد فعلٍ هستيريٍ شعبوي تجاه أي شيءٍ مختلف ، و من هنا يكتسب النص جزءاً من عمقه و قيمته ، يحفر في عمق ثنائيةٍ أزليةٍ عن الحليف و العدو ، يلامس بارانويا الهوية حول (هل ما زالوا هم ؟) و (هل ما زلت أنا ؟) ، محاولاً استنطاق المعيار في كونهم (ما زالوا) أو كوني (ما زلت) ، الشك هنا يفتك بالبلدة شيئاً فشيئاً ، و الغزاة هنا يصورون أقرب الحلول للتخلص من هذا الرعب الهيستيري - القائم على الشك – من خلال الإنضمام إليهم ، وحده الإنضمام اليهم يسقط ذلك الشك و ينهي كل شيء ، الفيلم يتعامل مع هذا البعد في حكايته و يذهب به أبعد بكثير من أن يرتبط بحقبة المكارثية ، و هذا ما يفسر تناول هذا البعد في ثلاث اعاداتٍ حظي بها الفيلم خلال العقود التي تلته ، كل اعادةٍ استلهمت ثنائية الحليف و العدو و بارانويا الهوية في حكايةٍ مختلفةٍ ، و هنا تكمن مرونة النص و قيمته الحقيقية .

أعمق من ذلك لا يكتفي النص بتناول التضاد المفترض بين المادي و الروحي (و الذي أشبعته السينما تناولاً) بل يتقصى حقيقة الشعور الهلامي بأن ما يجعلنا ضعفاء في الواقع هي (روحنا) ، و أنه كلما اختل التوازن بين الروحي و المادي لصالح الأخير كلما غدا الإنسان أكثر قوةً و سعادة ، الفيلم على العكس يجدد الإيمان بالروح و يجعلها مصدر الثقة الوحيد في تمييز الصحيح و الخاطئ ، مخلوقات الفيلم (الروحانية مطلع الفيلم) تشتكي ، تقصد الطبيب ، ترفض التأقلم مع احساسها المشوش بأن أقرب المقربين إليها (ليسوا هم) ، يتجاوز الجزء المادي فيهم و الذي يصر الجميع على أنه (لم يتغير) و يفتح نافذةً على الروح نختبر فيها ثقتنا بها و بأن ما تخبرنا إياه الأن عن أقرب المقربين إلينا حقيقيٌ جداً ، و صادمٌ جداً ، و يجعل من مرجعية تقييم الكارثة ذات البعد (العلمي) أمراً (روحانياً) محضاً ، لا يوجد فحصٌ ما أو آليةُ طبيةٌ منهجيةٌ لمعرفة مَن مِن هؤلاء البشر (تحوّل) و من منهم ما يزال إنساناً ، مرجعية ذلك هو ما تدلنا عليه الروح وحدها ، نرى بطلنا الطبيب مايلز بينل يميّز حبيبته - مازحاً - من خلال قبلة ، ثم يقول لاحقاً في أخلد مشاهد الفيلم (لم أعرف الرعب أبداً ، حتى قبّلت بيكي) ، يقدم لنا الفيلم شيئاً مهماً جداً عن مرجعية (السلوك الشاذ) ، هل هو شيءٌ في طبيعة السلوك ذاته تدفعنا لإعتباره (شاذاً) ؟ ، أو هو شيءٌ مستمدٌ من النفوذ المحدود لذلك السلوك مجتمعياً و الذي يسقط عنه صفة الشذوذ بمجرد أن يطغى و يستفحل ؟ ، و في الوقت ذاته لا يبدو النص سلطوياً في ذلك و لا يضع أحكاماً مطلقة ، فقط يعيد التأكيد على القيمة الساحقة للفرد في احداث الفارق دون أن يسبغ على شخصيته الرئيسية الملامح التقليدية للبطولة ، مايلز بينل حارب شيئاً اعتبره شاذاً في بلدته حتى غدا هو الشيء الشاذ في البلدة ، النص ينأى به عن الصورة النمطية للبطل و يخرجه هنا من رحم معاناة (النفوذ المنحسر للسلوك السائد) أمام (الصعود المتنامي للسلوك الشاذ) ، ويمنحه في الختام – بناءً على ضغوطٍ إنتاجية – نهايةً بها قليلٌ من الأمل .

أفلامٌ كهذه تعيش عقوداً لأن ورائها مخرجين من طينة دون سيغل ، كل لحظة و كل منعطف و كل كادر في الفيلم ينطق بعظمة دون سيغل الذي وظف أداء مدير تصويره إلسويرث فريدريكس في خدمة إيقاع مدروس بأدق وحدة قياس ، التقاطه لتفاصيل المدينة و لعبة الضوء و الظلال التي يتفنن في ادارتها في المشاهد الداخلية شيءٌ عظيم ، و كأنما وضع دون سيغل قالباً للفيلم كله ثم صبّ فيه كل كادر و كل حركة و كل ضربة موسيقى لتأخذ شكلاً رسمه بدقة في مخيلته ، فيلمٌ عظيمٌ و معلمٌ من معالم الصنف .

التقييم من 10 : 10