الأحد، 4 مايو، 2014

The Twilight Samurai

كتب : عماد العذري

بطولة : هيرويوكي سانادا ، نينجي كوباياشي ، ميتسورو نوكيكوتشي
إخراج : يوجي يامادا

اقترن اسم يوجي يامادا على مدى أربعة عقود بـ Tora-san السلسلة السينمائية التي استمرت منذ أواخر الستينيات و حتى منتصف التسعينيات و تضمنت 48 عملاً سينمائياً أخرج يامادا 46 منها ، محور الأفلام هي شخصية تورا سان التي تعاني في كل مرة من سوء الحظ الذي يعاندها كلما قررت الوقوع في الحب ، حققت السلسلة نجاحاً مهماً في اليابان و لم تتخطاه إلى خارجها ، و صارت جزءاً من التراث السينمائي الياباني ، وقع يوجي يامادا أسيراً لهذه السلسلة و لم يتحرر منها ، و عندما قرر مطلع الألفية تحقيق ثلاثيةٍ سينمائيةٍ عن الساموراي ، كان يعلم جيداً معنى أن تكون أسيراً لواقعك .

في فيلمه هذا الذي نافس على دب برلين الذهبي و اكتسح جوائز الأكاديمية السينمائية اليابانية و منح اليابان أول ترشيحٍ لأوسكار أفضل فيلم أجنبي عام 2003 للمرة الاولى منذ 22 عاماً يقدم لنا يامادا سيبي إيغوتشي ، سليل الساموراي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر و الذي يمارس عملاً مكتبياً و يدير بعض الأمور المالية للعائلة و يهتم بحسابات القلعة و مواردها ، نراه هناك يرعى والدته العجوز و إبنتيه بعد رحيل زوجته ، يعاني روتين العمل ، و قلة الدخل ، و عاطفةً لا يملك لها ردعاً مع عودة صديقة الطفولة للظهور مجدداً في حياته ، و بالتأكيد ، الحياة التي لا يدوم لها حال .

قبل كل شيءٍ يمكنني أن أقول أن يامادا ينجز في هذا الفيلم أقرب و أصدق صورةٍ لعالم الساموراي شاهدتها على الإطلاق ، يصوّر هذا الفيلم الساموراي كطبقةٍ إجتماعية ، لها عائلاتها و أنسابها ، و علاقاتها الإجتماعية ، و أعمالها اليومية ، و بالتأكيد مدارس القتال التي تنتمي إليها ، يحرر النص عالم الساموراي من القيد الذي وضعتها فيه السينما اليابانية لعقود مع بعض الإستثناءات الخجولة ، الساموراي هنا إنسانٌ مسالم ، إجتماعي ، له يومياته و خططه و طموحاته ، له أصدقاء طفولة ، لديه عائلةٌ ينتمي إليها ، و لديه أبناء و زوجةٌ و أم ، لديه عملٌ يومي و محصولٌ لا يكفيه ، و القتال ليس خياره الأول بل هو وضعٌ إجتماعيٌ يجب عليه أن يتماشى معه كلما اضطر للقيام بذلك .

في العمق يتناول العمل التوازن الذي يحكم الإنسان بين (المادي) و (الروحي) في حياته اليومية ، إبنة سيبي لا تعرف أين تسير في تعليمها : هل بإتجاه دروس كونفوشيوس (الروحية) ، أم بإتجاه دروس الخياطة (المادية) ، هو ذاته يُعاب على عدم إهتمامه بـ (نظافته الشخصية) عند زيارة كبير العائلة لتفقد العمل بالرغم من (دقته الشديدة و مثابرته الواضحة في عمله) ، صديقة طفولته السيدة توموي تتخلى عن زواجها (المادي) ، و تبدأ بالبحث عن (روحها) من خلال إحياء علاقتها به ، حتى و هو يقرر التدخل في المبارزة مع زوجها السابق يختار العصا الخشبية عوضاً عن السيف ، النصر (الروحي) هو ما يهمه و ليس القتل (المادي) ، و عندما يعرض عليه خاله الزواج ثانيةً ، لا يعنيه الزواج (المادي) الذي يراه خاله : "الحاجة المادية لزوجةٍ صحيحة الجسم بأفخاذٍ كبيرةٍ لحمل الأطفال" ، بالنسبة له يبقى الجزء الروحي (في مشاهدة بناته يكبرن يوماً بعد آخر) أهم و أغنى ، و عندما يقرر خوض المواجهة الأخيرة من أجل العشيرة لا يكون منبع تردده الجزء (المادي) من الموضوع كما يخبرهم عن تدريبه ، خصوصاً و أنه خرج للتو منتصراً من قتالٍ بسيفٍ خشبي ، مشكلته (روحية) ، أن المسألة "تتطلب ضراوة و هدوء السباع ، و ليس بي شيءٌ من هذا الآن" ، روحه ابتعدت كثيراً عن الحاجة لقتال أحد ، عن ضراوة الصراع مع أحد ، بقي فقط منتسباً بشكله (المادي) إلى واقعه ، أسيراً لحقيقة أنه ينتمي إلى هذه الطبقة الإجتماعية ، عالقاً (روحياً) في مكانٍ ما خارج هذا العالم ، يعيب عليه زملاؤه في العمل عدم مشاركتهم الشراب ، يعيبون رائحته و اهتمامه بنظافته ، يعيب عليه خاله رفضه للزواج ، كل ذلك لأنه لا ينتمي إلى (عالمهم) ، ثم يهللون له ، و يمتدحونه ، و يلجأون إليه عندما يجدون فيه ما ينتمي إلى عالمهم ، حيث الولاء العشائري ، و ضراوة السباع التي يستدعيها الساموراي من حينٍ لآخر .

بصرياً هي الصورة الأجمل و الأكثر أناقةً لعالم الساموراي منذ رائعة ماساكي كوباياشي Harakiri ، ربما لأن النص في الأساس يحضر بشكلٍ جيدٍ لهذا العالم كي يتم تقديمه بصرياً بعد ذلك ، النص في الوقت الذي يقربنا فيه من الساموراي و يجعله شيئاً أليفاً لنا ، لا يتجاهل الخلفية الثقافية لوجودهم ، العشائر ، و القلاع ، و الأتباع ، و الموارد المادية ، و التنظيم ، و الطقوس ، و قيمة الولاء في ذلك العالم ، و في الوقت ذاته لا يصوّر القوة كمرتكزٍ لوجودهم و هذا بالغ الأثر و القيمة ، و لذلك لا نراها إلا بمقدار ما يحتاجها النص ، عوضاً عنها تغمرنا الحميمية الشديدة للصورة من خلال تفاصيل أخرى : المنازل ، و الطقوس ، و اليوميات ، الناس في أعمالهم ، و الطلاب في مدارسهم ، و بالتأكيد الطبيعة الجميلة التي تؤطر ذلك كله .

يوجو الذي يقاتله سيبي في الختام هو رجلٌ كان أسيراً لواقعه لفترةٍ طويلةٍ من الزمن ، كان محكوماً بالولاء للعشيرة ، يعمل و يكد من أجل حياةٍ كريمةٍ دون أن يتناسى أنه ساموراي ، و أن لهذا الساموراي عشيرةٌ يجب أن يمتثل لما تراه ، هناك يلتقي مع سيبي الرهين لحياته و واقعه أيضاً ، و هنا بالذات تبدو حميمية فكرة أن يصنع هذا العمل رجلٌ كان رهيناً لصورةٍ واحدةٍ ارتبطت به على مدار أربعين عاماً ، طوال تلك السنوات كان يوجي يامادا هو مخرج سلسلة Tora-san ، بعد هذا الفيلم صار يوجي يامادا مخرجاً لـ The Twilight Samurai .

التقييم من 10 : 9