الخميس، 8 مايو، 2014

The Red Shoes

كتب : عماد العذري

بطولة : مويرا شيرار ، أنتون والبروك ، ماريوس غورينغ
إخراج : مايكل باول ، إيميريك بريسبيرغر

على مدار تاريخ السينما بقي من يحلو لعشاق السينما تسميتهم بـ(الماسترز) الأكثر ألقاً و قيمةً و إثارة للجدل و قابليةً للدراسة ، أولئك المخرجون الذين لم يكتفوا فقط بأن كانوا وراء مجموعةٍ من نخبة ما جادت به علينا شاشة السينما بل كانوا أيضاً بالغي الأثر في السينما التي جاءت من بعدهم ، لغتهم السينمائية الفريدة و أثرهم الذي بقي مقترناً بأسمائهم وحدها ، فورد و ويلز و وايلدر و كوروساوا و بيرغمان و فيلليني و تاركوفسكي و غودار و آخرين ، بعيداً عن هؤلاء كانت شريحةٌ أخرى مهمةٌ من المخرجين ، لم تقارعهم إطلاقاً في أثرهم ، لكنها خلفت ورائها الكلاسيكية تلو الأخرى ، سلسلةٌ بدأت مع تباشير السينما الأولى و وصلت اليوم إلى أسماء مثل بيتر وير و آنغ لي ، بين هؤلاء تحديداً يميل مايكل باول لأن يكون واحداً من أعظم الأعظم .

بالنسبة للكثيرين – و أنا منهم – يعد هذا العمل كلاسيكية مايكل باول الأعظم و بالتأكيد المفخرة الأهم للشراكة طويلة الأمد بينه و إيميريك بريسبيرغر ، و التي حملت إسم The Archers و أنتجت 24 عملاً ، إثنان من ذوي اللحى الخمس (مارتن سكورسيزي و برايان دي بالما) يعتبرونه واحداً من مفضلاتهم عبر العصور ، و في الوقت الذي كان فيه باول بالنسبة للكثيرين أهم مخرجٍ بريطانيٍ أنجز معظم انتاجاته في بلده ، كان هذا الفيلم واحداً من مفاخر السينما البريطانية في سائر عصورها ، تماماً كما هي مرتبته التاسعة على قائمة الـ BFI الشهيرة التي وضعت لهذا الغرض .

عند عرضه رشح هذا الفيلم لخمس جوائز أوسكار و فاز بإثنتين ، نال عاصفةً من الثناء ، و احتفي به على وجه الخصوص بإعتباره المأثرة السينمائية الأهم التي تتناول عالم الباليه إلى الدرجة التي اقترن اسمه بها تماماً كما اقترن عالم الموسيقى بفيلم Amadeus ، بقي لأربعة عقودٍ كاملة العمل البريطاني الأكثر نجاحاً في أميركا ، و بقيت العلاقة السينمائية التي شكلها مع كلمة (باليه) جزءاً لا يتجزأ من الإرث العظيم الذي تركه ، و منحته خصوصيةً تتجاوز بوضوح قيمة حكايته و تأثيرها .

كتب إميريك بريسبيرغر المسودة الأولى لهذا النص في الثلاثينيات اقتباساً لقصة الكاتب الدنماركي هانز كريستيان أندرسن التي حملت الإسم ذاته ، لكن ظروف الحرب التي استمرت سبعة أعوامٍ أعاقت انتاج العمل ، قبل أن تعاد كتابته من جديد بأبعادٍ ميلودراميةٍ و رومانسية رفقة مايكل باول الذي شاركه في اخراج تسعة أفلامٍ منذ بدأ زئير الحرب ، تبدأ الحكاية بمتابعة جوليان كراستر ، ملحنٌ شاب مكافح يحضر عرضاً لفرقة باليه ليرمنتوف ويتعرف إلى مقطوعته (قلب النار) ضمن العرض الذي يقود أوركستراه أستاذه البروفسور بالمر ، و عندما يرسل رسالة احتجاج لمدير الفرقة بوريس ليرمنتوف يستأجره الأخير لوضع لحنٍ جديد للباليه المقبل The Red Shoes الذي تبدو الراقصة الجديدة فيكتوريا بيج على وشك الظفر بدور البطولة الرئيسي فيه .

بنظرة مفرطة البساطة يمكننا تقسيم هذا النص إلى الحركات الثلاث التقليدية ، و لو فعلنا و راق لنا التعامل مع النص على هذا الأساس فإن الساعة و النصف الأولى من الفيلم تقدم واحداً من أفضل الـ First Act في تاريخ السينما كله ، قبل عقدة الفيلم أو ما يعرف بالحركة الثانية يضع النص على مدى 90 دقيقة كل ما لديه على منضدة ، و يبدأ بترتيبها بحذرٍ شديد ، أو بمعنى أدق يجعلها تبدو بأنها ترتّب ذاتها دون توجيه ، تنزلق بهدوء راسمةً ملامح حكايةٍ تقليديةٍ عن فتاةٍ تسعى نحو القمة ، ينسج شباك الشخصيات بهدوءٍ مستفز محققاً First Act عظيم و نادر المثل و طويل المدة أيضاً ، في الجوهر المسألة أعقد من الحركات الثلاث التقليدية التي تبدو في ظاهر النص .

في التفاصيل ، يتلاعب النص بمشاهده خلال الحركة الأولى ، يجعلها في البداية حكاية إثبات وجود لموسيقيٍ سُرق عمله ، نلحظ ذلك في صدمة جوليان كراستر بما فعله أستاذه ، و سعيه لإثبات ذلك ، مقابلته مع ليرمنتوف ، و محاولته الهزلية الوصول إليه صبيحة أول أيام عمله لديه ، و حكاية إثبات وجود لراقصةٍ موهوبةٍ تحاول أن تعثر على فرصتها في أشهر فرق الباليه في البلاد و التي يديرها رجلٌ مليءٌ بعجرفةٍ لا تستتر ، بائسان وضعتهما الأقدار تحت سطوة شخصيةٍ بالغة الرهبة و الغموض و الإختلاف منذ لحظات لقائنا الأول بها ، نرى ليرمنتوف هناك في شرفة العرض ، مختبئاً وراء ستار يدير من وراءه كل شيء ، رجلٌ لا يستطيع المجاملة في الفن حتى على مستوى الإستماع لمعزوفة بيانو في حفل إمرأةٍ ثريةٍ تدعى السيدة نيستون قدمها البروفسور بالمر له كـ (داعمةٍ للفنون) ، ليرمنتوف منذ لقائنا الأول به رجلٌ يسعى للكمال الفني ، الباليه بالنسبة له دينٌ أو عبادة كما يقول ، شخصيةٌ بقدر رهافة الفن الذي تديره بقدر ما هي صعبةٌ و معقدةٌ جداً ، مهيبةٌ و مرموقة و متعجرفةٌ و عمليةٌ و ذكيةٌ و لئيمةٌ في آن ، فيكي في الطرف المقابل تختلف عنه و تتلاقى به في الوقت ذاته ، شابةٌ أرستقراطيةٌ تقدر الفن ، تبقى مسمّرةً بالعرض عندما يبدأ ، جميلةٌ و بسيطةٌ و قريبةٌ من القلب منذ اللحظة الأولى التي نراها فيها تجلس هناك في الشرفة إلى جوار عمتها ، في الحفل يسأل ليرمنتوف فيكي (لماذا تريدين الرقص؟) ، فتجيب (لماذا تريد أن تعيش؟) يرد ليرمنتوف (حسناً أنا لا أعرف بالضبط ، لكن عليّ ذلك) ، فتخبره فيكي (هذا هو جوابي أيضاً) ، تجتمع الشخصيتان عند تلك العبارة I must ، ذلك هو دافعه لتوظيفها لاحقاً : الفتاة الحسناء التي (يجب) أن ترقص ، باكراً جداً نكتشف نقطة التلاقي التي جمعتهما ، عشقهما الهوسي لهذا الفن ، عشقهما المرتبط بعبارة I must و التي تجعل من الباليه المعنى الأبسط للحياة لديهما ، فيكي اشتركت مع ليرمنتوف في مسعى الكمال ضمن هذا الفن ، ليس المال أو المكانة بقدر ما هو تقديم الأفضل ، الشيء الذي يبقى للأبد ، لا أقل من ذلك يبدو شغف جوليان كراستر بما يقوم به ، حنقه على مقطوعته المسروقة ، موهبته ، و رغبته الملحة أن يحقق شيئاً مبهراً في هذه الفرصة التي سنحت له ، هنا اتفق المثلث ، و هناك اختلفوا ، في تفسير المعنى الحقيقي لجوهر الفن ، و ما الذي يعنيه في المقام الأول .

عندما يبدأ عملهم مع ليرمنتوف لا يتذكرهم الرجل ، جديته و هوسه بما يقوم به لا يجعله يكترث لهم ، أو – وهذا هو الأهم – تجعله يدّعي ذلك و يتظاهر به ، أجمل ما في هذا النص مع شخصية ليرمنتوف هو ما يطفو تحت السطح و ليس ما يبرز فوقه ، يقدم في ليرمنتوف - بفعل أداءٍ بارعٍ يزيد الشخصية عمقاً من أنتون والبروك – شيئاً أعقد من هوس النجاح أو السعي نحوه ، شيئاً أعقد من الصورة النمطية للطموح و الرغبة بملامسة المجد ، حتى عندما تستفز مشاعره العاطفية و غيرته من جوليان لاحقاً تبدو المسألة أعقد من الشكل الإفتراضي للحب أو القالب التقليدي للغيرة ، النص في كل تفصيلٍ من ليرمنتوف لا يجعل الأمر يبدو بهذه البساطة حتى و إن كان ، ربما لأن المشاعر الحقيقية في جوهرها لا تبدو أساساً بهذه البساطة ، و هذا يزيد من أبعاد الشخصية و عمقها و يجعلها قابلة للقراءة و إعادة القراءة مراراً و تكراراً .

شعورنا هذا تجاه ليرمنتوف لا يلبث أن يتأكد في العرض المنفرد لبحيرة البجع الذي يمنحه لفيكي و هو المشهد الذي حياه دارن أرونوفسكي على طريقته في Black Swan ، لا تبدو فيكي بالنسبة له هنا تلك الفتاة التي تجاهلها عندما جاءت إلى مسرحه كما طلب منها ، أو تلك التي تجاهلها حتى وهي برفقة صديقٍ لهما ، ليرمنتوف يبدو هنا و كأنما لاحظها منذ البداية ، منذ أوائل الأشياء ، هناك في حفل عمتها الذي يتذكر حواره لاحقاً في الثلث الأخير من الفيلم ، النص لا يتيح لنا هنا أن نحدد على وجه الدقة سبب ذلك ، هل هي العين الثاقبة لليرمنتوف في اصطياد المواهب التي يبحث عنها ، أم أن في المسألة ما هو أعمق من ذلك ، هذا الإزدواج في المعنى و هذا الغموض فيه عبقري و يمنح الفيلم ديمومةً لا يمكن نكرانها لأنه يبقى فعالاً طوال الفيلم و حتى آخر لحظةٍ فيه ، و مع كل مشاهدةٍ للفيلم ستجد في كل نقطة التقاءٍ بين ليرمنتوف و فيكي شيئاً مزدوج المعنى يمكن تفسيره لحظياً و يمكن تفسيره في السياق العام للحكاية ، و النص لا يجعل أياً من هذه التفسيرات خاطئاً ، كما لا يجعله صحيحاً أيضاً .

تتعزز تلك الإزدواجية مع إعلان راقصة المجموعة الرئيسية إيرينا بورينسكايا في بروفات الجولة الباريسية أنها خطبت و ستتزوج قريباً ، نقطة التمهيد التي تحققها الحركة الأولى في إتجاه الحركة الثانية ، رد فعل ليرمنتوف هنا يوضح ما الذي يمقته الرجل في الفن ، اللحظة التي تطغى فيها العاطفة على مسعى الإنسان نحو المجد ، يرى ليرمنتوف في التعامل بقسوة مع العواطف في هذه المهنة وسيلةً من وسائل الإرتقاء ، ليرمنتوف بالرغم من ذائقته الفنية و باعه الطويل في هذا المجال يحمل مقتاً شديداً لذلك ، يتناسى كم العاطفة التي نشأت منها روح الفن ، أي فن ، يجد في الحب عدواً لمسعى الكمال في الفن متناسياً أن الفن حبٌ في الأساس ،  نراه هناك في المشهد التالي منطوياً في حجرةٍ نصف مضاءة ، يدخن ، يفكر ، ثم يعرض باليه (الحذاء الأحمر) على جوليان كراستر كرد فعلٍ ربما على ما فعلته إيرينا ، حكاية (الحذاء الأحمر) هي حكايةٌ موازيةٌ لما افتقده ليرمنتوف في اعلان إيرينا : الحذاء الأحمر الذي لا يتعب و لا يجدر بصاحبه التخلي عنه لأنه لن يسمح له بذلك ، كل شيءٍ يمضي ، الوقت و الحياة و الحب ، إلا الحذاء الأحمر ، كما يقول ليرمنتوف ، رسالةٌ يلقيها على مسامع فيكي على أعتاب العرض الفرنسي قبل أن يتخلى عن إيرينا كراقصةٍ أولى في فرقته ، هنا تبدو ملامح مشروع ليرمنتوف القادم واضحة : جوليان كراستر سيضع ألحان (الحذاء الأحمر) الذي ستلعب فيكتوريا بيج دور البطولة الرئيسية فيه ، اللقاء الصريح الأول بين جوليان و فيكي يحدث بعد خمسين دقيقة كاملة ، نراهما هناك يجلسان عند حافة الفندق المطلة على سكة الحديد حيث المكان ذاته الذي تنتهي فيه حياة فيكي لاحقاً ، يتحدثان قليلاً عن حياتهما الجديدة ، تغادر فيكي المكان فتتعثر بصحيفةٍ تعرض صورتها إلى جوار صورة جوليان كراستر مقترنين بالأخبار الجديدة حول الحذاء الأحمر ، صخب الشهرة الذي لا يمكن فصله بأي حالٍ من الأحوال عن مسعى الكمال الفني الذي يسيطر على فيكي من البداية حتى الختام ، الصخب الذي كان مستحوذاً على جوليان عندما سألها منذ قليل عن (شعور من يستيقظ صباحاً ليجد نفسه مشهوراً) !.

في فترة الإعداد – و طوال الفيلم عموماً – يولي باول و بريسبيرغر اهتماماً دقيقاً جداً لعالم الباليه ، يجعلون مُشاهدهم جزءاً مرتبطاً بهذا العالم ، المهمات المختلفة فيه ، صرامة العمل ، جاذبيته ، و مسعى اكتمال اللوحة الفنية التي ينشدها جميع من يعملون فيه ، تبقى فيكي على الدوام جزءاً من هذه المنظومة و ليست محوراً لها ، و يمنحها – من خلال الصورة - ما تحصل عليه فقط من النص و بأدق وحدة قياس ، تكون مهمشةً في الصورة عندما تكون مهمشة ، تصبح موضع اختبارٍ و اثبات وجود في الصورة عندما تكون الشخصية كذلك ، ثم تحتل الصدارة عندما تصبح فيكي ملء السمع و البصر ، و هذا جزءٌ من عظمة الكيفية التي صنعت من خلالها الحركة الأولى – إن جاز التعامل مع الفيلم على هذا الأساس – فيكي و جوليان يبقيان على مدار ساعةٍ و نصف شخصيتين رئيسيتين دون أن ترتقيا إلى مرتبة الشخصية المحور ، تقتربان و تبتعدان عن ذلك المحور بمقدار أهمية و قيمة الشخصيتين في الحدث القائم ، بينما تندفع الهالة المتدفقة من شخصية بوريس ليرمنتوف لتكون محور كل شيءٍ ، بمسعاها و تناقضاتها و هوسها الذي لا يتوقف ، و عندما يصبح جوليان و فيكي على أول الطريق نحو المجد المنشود ، يضع النص موهبتي ليرمنتوف الجديدتين مع بعضهما لفترةٍ طويلةٍ من الزمن بفعل ليرمنتوف ذاته الذي يحرّك الحدث من البداية إلى النهاية ، ليرمنتوف لا يكتفي بمجرد التقارب الروتيني بل يطلب من جوليان عزف موسيقى (الحذاء الأحمر) لفيكي مع كل وجبةٍ تتناولها ، و عندما يسأل لاحقاً عن بداية هذه العلاقة بين فيكي و جوليان ، يخبرونه أنها بدأت مع (الحذاء الأحمر) ، بكل ما يحمله الحذاء من دلالة : هوس الكمال ، و رغبة الإرتقاء ، و مسعى المجد الفني الذي جمعهما لكن بطريقةٍ تتناقض مع رؤية ليرمنتوف للقيد الذي تضعه الحياة - بواقعها و أحلامها و عواطفها و ضغوطها - على العملية الإبداعية ، و هي الرؤية التي سيسوّق من خلالها محاولته لاحقاً الإطاحة بهذه العلاقة الوليدة كإطار خارجي لعاطفةٍ محتملةٍ حملها لفيكي .

محور العظمة لكل شيءٍ في الفيلم هي الحكاية الموازية التي يقدمها باليه (الحذاء الأحمر) ذاته ، واحدة من أعظم القصص المتوازية في تاريخ السينما كله ، العمل الذي صور في ستة أسابيع و استهلك 120 لوحةً مرسومةً و قيل بأنه فتح الباب على مصراعيه لتقديم هذا النوع من المقطوعات الإستعراضية القائمة بذاتها في أفلام An American in Paris و Singin in the Rain و The Band Wagon مطلع الخمسينيات ، بائع أحذيةٍ يغري النساء بما يبيعه ، راقصةٌ ترقص مع حبيبها بحذاءٍ أبيض ، تشاهد الحذاء الأحمر في متجر الإسكافي ، يغريها خيالها مرتديةً ذلك الحذاء ، ترتديه فيبتعد محبوبها ، ترقص فيه طوال اليوم ، يقودها إلى عالم العجائب حيث يتماهي الإخراج الفني العظيم للعمل مع النص ليقدّم مقطوعةً فنيةً قائمةً بذاتها تستمر لـ 17 دقيقةً من الدراما و الموسيقى و الرقص ، يتهاوى كل شيءٍ في عالمها الفاتن الجديد و تجد نفسها في عالمٍ مهجور ، تعجز عن دخول منزلها لأن الظل يلاحقها و يحاول الإمساك بها ، ترى في بائع الأحذية (ليرمنتوف تارةً ، جوليان تارةً أخرى) ، الهوى الذي تقاسمها كلٌ في اتجاه و الذي تعلن لهما لاحقاً في الختام (دعوني و شأني ، كلاكما) ، تهرب الفتاة إلى عالمٍ غريب مقفر ، تتعثر بصحيفة كتلك التي تعثرت بها فيكي عندما قبلت دورها في الحذاء الأحمر ، صخب الشهرة الذي يراقصها الآن قبل أن يستحيل بشراً ثم يتهاوى ، يتابع الإسكافي اغراءاته لها و يذهب بها إلى عالم الموتى ، المنتهى الذي يأخذها إليه الحذاء الأحمر ، باول و بريسبيرغر يغردان في هذه المقطوعة خارج أي سربٍ يمكن أن تتوقعه في عملٍ أربعينيٍ كهذا ، تتزاوج الكادرات مع الإضاءة المسرحية و اللوحات الحائطية المرسومة مع حركة العناصر الدقيقة ضمن كل كادر و مع الموسيقى التصويرية التي تحيل هذا الباليه قطعةً فنيةً راقصةً قائمةً بذاتها بعيداً عن أي قيمةٍ إضافيةٍ تحققها للعمل السينمائي ، تجد الفتاة نفسها وحيدةً في جزيرة ثم ترقص لاحقاً في قصر و تصل الرقصة ذروتها مع موج البحر الهادر القادم مع تصفيق الجمهور ، يمنحها الإسكافي سكيناً لتتخلص من الحذاء لكنه يستحيل غصن شجرة ، تنزلق في عالمٍ موغلٍ في الحمرة يتسق مع دلالات الألوان و مستويات الإضاءة في الفيلم ، تتحرر من الحذاء الأحمر ، تموت ، و يبدأ بائع الأحذية إغراءً جديداً ، مقطوعةٌ مبهرةٌ لنا كمشاهدين حتى بعد قرابة سبعة عقود على ولادتها ، الإبهار الذي قد يقودك كمشاهد للتصفيق كما فعل الجمهور لفيكي يومها ، شيءٌ من أجمل ما وضع على فيلمٍ سينمائي في سائر العصور .

لو تجاوزنا الباليه كقيمةٍ فنيةٍ منفردة ، فإن قيمته في سياق العمل السينمائي بالغة الأثر ، نظرة رثائية تتوازى مع قدر بطلته الإنقسام بين هوسها بالمجد الفني و عاطفتها التي لا تستطيع التخلي عنها ، بائع الأحذية الذي يظهر لفيكي مرةً بشكل ليرمنتوف و مرةً بشكل جوليان هو اغراء العاطفة التي حكمتها ، العاطفة تجاه ما تود أن تكون مع ليرمنتوف ، و العاطفة تجاه ما تعيشه الآن مع جوليان ، لا يتيح لها الحذاء الأحمر التفكير في ذلك ، يقودها في اتجاهٍ واحدٍ لا رجعة فيه ، تراقصها الشهرة ، و العجز ، و الوحدة ، و هدير الجمهور الذي لا يتوقف ، هذا من ناحية ، و من ناحيةٍ أخرى يبدو الباليه مفصلياً في محاولة فهم جزءٍ من طبيعة العلاقة التي جمعت فيكي بليرمنتوف ، يسال ليرمنتوف فيكي بعد نجاح الباليه (ماذا تريدين ؟) فتجيبه على الفور (أن أرقص) ، يبدو ليرمنتوف هنا بحذاءه الشيطاني و كأنما يعقد صفقةً من طرفٍ واحدٍ مع فاوست ، يعد بتقديم أعظم راقصةٍ في العالم ، يقودها إلى نجاحاتٍ متتاليةٍ في (المتجر الغريب) و (كوبيليا) و غيرها ، لوهلة لا يجعل النص هذا الهارموني يبتعد عن فكرة راقصةٍ موهوبةٍ تحقق مجدها الشخصي من خلال الرؤية الشخصية للنجاح التي يرتأيها لها مديرها ، الرجل الذي يرى في العاطفة خطراً محدقاً لأي سعيٍ حقيقيٍ نحو الكمال الفني ، يبدو كمن ذاق أثره مرةً بعد مرة ، إيرينا بورينسكايا هي المثال الأخير على ذلك ، لكن المشكلة أن فيكي – كما كانت إيرينا من قبل – ليست فاوست الذي سيعقد هذه الصفقة الإستحواذية ، حتى بالرغم من ادراك فيكي أن الحذاء الأحمر لن يحررها من أن تكونه ، هنا يبدو الفيلم ابعد عن الصورة التقليدية لفيلم الحركات الثلاث ، حركته الثانية و إن بدت عقدة الحكاية التي تروى علينا إلا أنها تبدو كذلك على مستوى الشكل فقط و ليس على مستوى عمق و أبعاد شخصياته المحور ، تبدو العقدة و كأنما تكررت مراراً (ذات العقدة المتكررة التي وضعها دارن أرونوفسكي لاحقاً في محور Black Swan حيث راقصةٌ يتقدم بها العمر فيتم التخلي عنها من أجل راقصةٍ جديدةٍ سيتم التخلي عنها لاحقاً عندما يتقدم بها العمر) ، و هنا بالذات ستبدو العاطفة التي حملها بوريس ليرمنتوف لفيكتوريا بيج أعقد مما تبدو عليه ، تتجاوز الشكل التقليدي للحب ، هي عاطفته تجاه المنتَج الذي صنعه ، حنقه على زواج إيرينا هو من دفعه لصناعة فيكتوريا و ليس قبل ذلك ، و رحيل فيكتوريا لاحقاً هو ما يدفعه لمحاولة الإلتقاء (صدفة) بإيرينا مجدداً ، و في كلا الحالتين استمرت أخبار الفتاة المغادرة محور اهتمامه ، تابع أخبارهما بشغف فقط كي يثبت نظريته ، يسأل عن زواج إيرينا عندما تغيب ، تماماً كما يسال عن زواج فيكي و يذهب بخياله أثناء قراءته رسالتها لليوبوف : يراها و زوجها نائمين على سريرين منفصلين ، يراها تنهض لتفحص أحذيتها ، و نرى هناك في خزانتها حذاءً أحمراً ، خيارٌ من خياراتها التي قد تحتاج إليها يوماً ما ، خيال ليرمنتوف لم يتخلَ عن فيكي تماماً كما لم يتخلَ عن إيرينا من قبل ، حذائه الأحمر بقي محور اهتمامه بهما ، ذات الحذاء الأحمر الذي يستعيده الإسكافي في الباليه و يعيد الترويج له من جديد بحثاً عن طامحةٍ جديدة ، الباليه يدفع العقدة في هذا الإتجاه بشكلٍ واضح ، و مع ذلك لا يجعل النص هذا التفصيل بديهياً أو حقيقياً تماماً و هذا أحد أسرار ديمومته ، يحاول ليرمنتوف حجز مكانٍ في مطعم لعشاء شخصين قبل أن يكتشف مغادرة الجميع للإحتفال بعيد ميلاد ليوبوف ، ليرمنتوف يفتقد فيكي بسهولةٍ في الحفل ، لكنه لا يشعر بغياب جوليان (و هو فردٌ مما يسميها : عائلته) ، يتعزز لدينا هنا الشعور الذي كنا نقترب منه و لا نلامسه : عاطفة الحب التي يحملها ليرمنتوف لفيكي ، يرى في نقمته أن فيكي (كانت تحلم ، و الحلم رفاهيةٌ لا أسمح بها في عملي) ، يصبح أداؤها الراقص و أداء جوليان الموسيقي سيئاً بنظره ، نشعر هنا بحجم الفجوة الواضح في عمل ليرمنتوف الإحترافي الذي يتشدق به ، أبعد من انكاره لقيمة الحب و تناسيه أن ما يجعل الفن فناً هي انسانيته ، و أن روح تلك الإنسانية هو الحب و الروح و العاطفة ، بدونهم تغدو المنحوتات قوالب صخرية و اللوحات مطبوعاتٍ ملونة ، الأشياء التي لطالما رأى أنها تدمر مجد الفن هي ذاتها من دمّرت شراكته العظيمة مع جوليان و فيكي ، تتحقق نبؤة ليرمنتوف التدميرية من حيث لم يكن يعتقد ، نراه يتخلى عن جوليان ، و لا يأبه لقرار ليوبوف ترك العمل إذا ما حدث ذلك ، نراه مجدداً بعد زواجهم يجلس في الإضاءة الخافتة ، مكتئباً ، وحيداً ، يدخن ، يحرر جوليان من عقده و يحتفظ بالحذاء الأحمر ، (الحذاء الأحمر لي) تماماً كما فعل الإسكافي في الباليه ، يستعيد إيرينا و يسوقها مجدداً ، قبل أن يقدم لاحقاً اغراءه الأخير لـ(منتوجه الفاخر) فيكي : (إلبسي الحذاء الأحمر ، فيكي ، و ارقصي لنا ثانيةً) ، هنا تنهار فيكي أمام سطوة الحذاء الأحمر ، أمام هوس الكمال و المجد و الخلود الفني ، الكلمات البراقة التي قفزت بها فوق عاطفةٍ جارفةٍ حملتها لجوليان ، هنا بالذات يتخلى النص عن حياديته تجاه ليرمنتوف الذي اشترك مع فيكي في تلك الرغبة الخالصة ، الرجل الذي وقف بجوار فيكي و لم يكن سيئاً معها ، الرجل الذي منحها فرصتها من العدم تماماً كما فعل مع جوليان ، نراه الآن في ذروة شيطانيته عندما وصلت القوة التدميرية التي لطالما مقتها إلى ذروة سطوتها على هذا المثلث : الروح ، و العاطفة ، و الحب الذي يقضي على كل شيء .

مايكل باول و إيميرك بريسبيرغر حققا منجزهما الأعظم هنا ، ليس فقط على مستوى ضبط ايقاع حكايةٍ بهذا التشعب و التعقيد ، و المستوى الرفيع الذي يحققانه دائماً في تصميم الإنتاج و مواقع التصوير ، بل أيضاً على مستوى الدفء الواضح الذي تحصل عليه الصورة من خلال العلاقة بين ماكياج الممثلين و مستوى اضاءة المشهد و طبيعة اللقطة ، كل كلوس آب في هذا الفيلم ستتذكره لفترةٍ طويلةٍ من الزمن كما ستتذكر الإنطباع الذي يستخلصه من كل شخصيةٍ فيه ، و فوق ذلك ، المدى الذي يذهبان إليه في إنتزاع جزءٍ من عمق الشخصيات ذاتها من خلال أداءات أبطاله ، روحٌ حقيقيةٌ و أبعادٌ متعددةٌ يمنحها أنتون والبروك و مويرا شيرار لكل ردٍ فعلٍ يقدمانه للمشاهد ، هذا بمفرده يكون قادراً بكل بساطة على منح الحكاية شيئاً أكثر تعقيداً و غموضاً مما قد تبدو فيه على الورق .

الحذاء الأحمر مأثرةٌ سينمائيةٌ عظيمةٌ عن هوس الكمال و القمة ، فيلمٌ عظيم عن السعادة المأسورة ، و عن الرغبة الخالصة التي نرسم من خلالها وجهتنا و مآلنا ، و عن المدى الذي يمكن أن يذهب بنا إليه استحواذ رغباتنا تلك علينا ، و إلى أي حدٍ يمكن أن تأكل الروح ، و تقيّد الساقين ، شيءٌ من أعظم ما شاهدت في حياتي .

التقييم من 10 : 10