الخميس، 22 مايو، 2014

كان 67 : بينيت ميللر و الداردينز يشعلان السباق


تواصلت على مدى الأيام الثلاثة الماضية عروض المهرجان في مسابقته الرسمية التي ما زالت في انتظار ملامح أربعة أفلامٍ فقط ، أفلام ديفيد كرونينبيرغ و بينيت ميللر و الأخوين داردين و ناومي كاواسي و ميشيل آزانافيسيوس و جان لوك غودار نالت عروضها الأولى ، في حين ما زال أمام المسابقة الرسمية يومٌ آخر قبل اسدال الستار على فعالياتها .

اليوم السادس من المهرجان كان شديد التباين على صعيد المسابقة الرسمية ، بينيت ميللر افتتح ثالث أفلامه Foxcatcher بعد النجاح الكبير الذي حققه فيلماه Capote و Moneyball ، في Foxcatcher يحكي ميللر قصةً حقيقيةً عن العلاقة التي جمعت ثرياً أمريكياً مختلاً يدعى جون دو بونت بالمصارع مارك شولتز شقيق حامل ذهبية الأولمبياد في المصارعة ديف شولتز ، دو بونت يقوم بدعوة مارك إلى أملاكه حيث قدم له صالة تدريبٍ سيقوم من خلالها بصناعة فريقٍ عظيم للمصارعة رأى فيه مارك وسيلةً للخروج من ظل أخيه البطل ، قبل أن تتطور الأمور في إتجاهٍ مأساوي غير متوقع .

بينيت ميللر أكد في هذا الفيلم قدرته التي باتت واضحةً جداً على تطويع القصص الحقيقية لتبدو جميلةً و مثيرةً و براقةً على الشاشة من خلال العمل الدقيق على التأسيس لشخصياتٍ حقيقيةٍ كاملة الأبعاد تحرك تلك القصص الحقيقية ، فعلها ببراعة مع ترومان كابوتي في Capote و أعادها مع بيلي بين في Moneyball و يجددها الآن مع Foxcatcher .

استقبال النقاد للفيلم كان عظيماً و فرضه واحداً من أفضل خمسة أفلام استقبلها كان هذا العام ، الأمر الذي يجعله مرشحاً بقوة لنيل احدى جوائز المهرجان الكبرى خصوصاً بعد الإشادة التي حظيت بها أداءات ستيف كاريل و تشانينغ تاتوم  ، و هو شيءٌ يبدو بأنه سيصبح اعتيادياً لأبطال بينيت ميللر الرئيسيين و المساعدين و هو الذي سبق و قاد فيليب سيمور هوفمان و كاثرين كينر و براد بيت و جوناه هيل إلى حفل الأوسكار .

و اعتبر بينيت ميللر أنه عمل على نصٍ متعدد الطبقات يمكن قراءته بشكلٍ اعقد مما يبدو عليه ، و اعتبر أن تجاهل التوفيق بين الظاهر و الباطن في أعمالٍ كهذه تستند إلى قصص حقيقية هو ما ينتقص منها ، في حين اعتبر أبطاله أن بينيت ميللر حقق لهم تماماً ما كانوا ينتظرونه من الدور عندما قرأوه ، خصوصاً تشانينغ تاتوم الذي بذل جهداً مضاعفاً من أجل ملائمة ذلك بالنظر للمتطلبات الجسدية لشخصية المصارع التي يؤديها و التي استلزمته ستة أشهرٍ من العمل تحت إدارة مارك شولتز نفسه !




في اليوم ذاته قدم الكندي الكبير ديفيد كرونينبيرغ فيلمه الثامن عشر Maps to the Stars الذي يدير فيه جوليان مور و ميا واسيكوفسكا و جون كيوزاك و روبرت باتينسن ، يتعرض كرونينبيرغ لجنون الشهرة الهوليوودي هذه المرة من خلال عائلةٍ تعيش على ضفاف الشهرة الهوليوودية من خلال ابنها المراهق بينجي و الشخصيات الأخرى التي تحيط به .

الفيلم كحال فيلمي كرونينبيرغ الأخيرين A Dangerous Method و Cosmopolis قسم النقاد و الجمهور بشدة خصوصاً لطبيعة الهجائية التي يقدمها لهوليوود ، الكثير امتدحها بقدر ما حط من قيمتها آخرون ، The Two Davids كانا متقاربين جداً في هذا الفيلم و الكثيرون من العشاق المشتركين الكثر لهما رأوا في فيلم ديفيد كرونينبيرغ استنساخاً غير سوي لروح ديفيد لينش خصوصاً في Mulholland Drive .

كرونينبيرغ الذي يشارك في المسابقة الرسمية للمرة الخامسة و سبق وكان رئيساً للجنة التحكيم قبل 15 عاماً و فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة عام 1996 عن فيلمه Crash رأى في فيلمه ما هو أبعد من النظرة التقليدية له كهجائيةٍ لهوليوود ، و اعتبره أنه نظرةٌ في جيلٍ كاملٍ بات شديد الهوس بتحقيق النجاح و كسب المال ، و محاولة سبرٍ لطريقة حياةٍ مختلفة باتت تطغى اليوم .




سابع أيام المهرجان حمل للجمهور العمل السينمائي المرتقب للأخوين داردين Two Days, One Night مع ماريون كوتيار في تعاونها الأول معهم إلى جوار فابريتزيو ريجيوني الذي يديرونه للمرة الخامسة ، الحكاية عن ساندرا التي تكاد تفقد عملها ، أملها الوحيد في ألا يحدث ذلك هو اقتناع زملائها في العمل بالتخلي عن مكافآتهم ، المشكلة ان تلك المكافئات تعني الكثير لهذه الطبقة العاملة ، و كل ما لدى ساندرا هي عطلة نهاية الأسبوع ، يومان و ليلة واحدة كي تنجز مهمتها و تقنعهم .

لوهلة ذكّر هذا الفيلم النقاد و الجمهور بفيلم الداردينز عام 1999 ، Rosetta ، الذي حاز السعفة الذهبية يومها ، ربما مع تغير المناخ الإجتماعي و الاقتصادي السابق ، و ربما المزيد من الحفر في الشخصية الرئيسية ، و هو ما أثمر استقبالاً نقدياً و جماهيرياً ممتازاً للفيلم يليق كالعادة بأفلام الأخوين داردين و لغتهم السينمائية المختلفة و يفرضه بين كبار القوم المتنافسين على نيل جوائز المهرجان الكبرى ، ماريون كوتيار في الوقت ذاته تبدو مرشحةً فوق العادة للفوز بجائزة أفضل ممثلةٍ في المهرجان ، الطريف أنها كادت أن تفعلها مع فيلم جاك أوديار Rust and Bone قبل عامين ، ذات الفيلم الذي عرّفها بالأخوين داردين يوم كانت تصوّر بعض مشاهده في بلجيكا !!

و قال صناع الفيلم أنهم سعوا إلى ترسيخ صورةٍ عن بعض قيم التضامن الإجتماعي التي ما زال بالإمكان استفزازها في مواجهة القسوة المادية للحياة اليوم ، دون أن يغفلوا الحديث عن لغة الداردينز السينمائية التي تبدو على وشك نيل سعفةٍ ذهبيةٍ ثالثةٍ في انجازٍ غير مسبوق ، كوتيار و ريجيوني تحدثوا عن فن إدارة الممثل لدى المخرجين البجليكيين و البروفات الدقيقة للغاية التي تم تنفيذها بغرض الحصول على حس ارتجالٍ حقيقي بالرغم من أنه لا شيء مرتجل في حقيقة الأمر .




في اليوم ذاته عرضت المخرجة اليابانية ناومي كاواسي فيلمها الروائي الطويل الثامن Still The Water ، كاواسي تذهب في الفيلم إلى جزيرة آمامي اليابانية حيث التقاليد المتاثرة بالطبيعة ما زالت تحكم كل شيء ، رقصات اكتمال البدر في أغسطس هي احدى تلك التقاليد التي يكتشف خلالها الفتى كايتو جثةً تطفو على سطح البحر سيحاول رفقة صديقته كيوكو فك لغزها وسط هذا المجتمع الذي تحكم تقاليدٌ صارمةٌ دورة الحياة و الموت فيه .

كاواسي استمرت في فيلمها الجديد بمغازلة الطبيعة كما فعلت على الدوام ، خصوصاً في فيلمها الأشهر The Mourning Forest الذي منحها جائزة لجنة التحكيم الكبرى يوم أدار ستيفن فريرز المسابقة الرسمية قبل سبعة أعوام ، استثمرت هذا الغزل لتقدم حكايةً مختلفةً عن عالمٍ ليس محكوماً بالصورة الظاهرية فقط لتقاليده ، و إنما بروح الماضي الذي يستحوذ على الحاضر و يوجهه نحو المستقبل ، و هو ما قالت كاواسي بأنه استمدته من جذورها و خلفيتها العائلية و زيارتها لهذه الجزيرة قبل ثمانية أعوام .

و لم يحظ الفيلم بما كان ينتظر منه بالرغم من المديح الذي نالته شاعرية كاواسي التي لم تكن كافيةً في عددٍ من المراجعات التي تناولت العمل للإرتقاء به إلى مستوى التنافس على جائزةٍ مهمةٍ في المهرجان ، خصوصاً في غياب الفيلم المعلم حتى هذه اللحظة و انفتاح الأبواب أمام عددٍ من الأفلام لتحظى بنجومية المحفل السينمائي الشهير .




بالمجمل كان وضع فيلم كاواسي جيداً جداً بالمقارنة مع ما جرى في اليوم التالي لفيلم المخرج الفرنسي ميشيل آزانافيسيوس The Search الذي يبدو حتى الآن أقل الأفلام مستوى ضمن المسابقة الرسمية ، آزانافيسيوس في أول أفلامه منذ النجاح الكبير لفيلم The Artist يحكي حكايةً عن الحرب الروسية الشيشانية عام 1999 حيث صبيٌ يهرب من قريته بعد مقتل والديه و ينضم إلى اللاجئين ، يلتقي كارول رئيسة بعثة الإتحاد الأوروبي (تؤديها زوجة آزانافيسيوس النجمة بيرينيس بيجو) التي تغمره بعطفها ، في حين تبدأ شقيقته الكبرى رايسا رحلة البحث عنه بين النازحين .

و اعتبر آزانافيسيوس أن فيلمه ليس بسيطاً كما يبدو ، و أنه يأخذ زوايا رؤيةٍ متعددة للنظر في القضايا الإنسانية الشائكة التي يتطرق لها ، دون أن يتخذ في الوقت نفسه موقفاً سياسياً محدداً ، و قال بأنه صنع فيلماً عن الناس العاديين الذين ذاقوا ويلات الحرب ، مهما اختلف الطرف الذي يقفون فيه .

و ربما لم تكن تلك النوايا كافيةً لملامسة شيءٍ حقيقيٍ في الجمهور و النقاد على السواء ، خصوصاً مع الإستقبال المتواضع جداً الذي تلقاه الفيلم ، و الكلام عن النسيج الهش الذي يحرك من خلاله شخصياته و الفراغ الواضح الذي يخلفه الحدث و المتاهة التي يضع مشاهده فيها ، الأمر الذي جعل من الفيلم العمل الأقل قيمةً بين أفلام المسابقة الرسمية حتى الآن .




ختام عروض اليوم الثامن كان مع أكثر أفلام المسابقة الرسمية انتظاراً ، Goodbye to Language الفيلم التاسع و الثلاثون للأسطوري جان لوك غودار و السابع له في المسابقة الرسمية ، غودار ما زال يفاجىء الجميع في سن الرابعة و الثمانين من خلال امعانه في العزف المجنون على غيتاره السينمائي حتى الرمق الأخير من العمر ، هذه المرة من خلال الـ 3D .

الفيلم في الواقع هو مجموعة من السكتشات يواصل من خلالها غودار كعادته التمرد على كل شيء من خلال قصةً عن امرأةٍ متزوجة و رجل أعزب يقعان في الحب ، لكن بالطبع لن تكون الحكاية بهذه البساطة مع الفرنسي الكبير الذي يستثمر أسلوبه المجنون و تقنية الثري دي التي يتعامل معها للمرة الأولى ليسبر أبعاداً جديدةً للتوظيف السينمائي لهذه التقنية تستمد قوتها من الألوان الصارخة و حركة الحياة و لوحات الطبيعة التي يأسرها غودار و يضعها على شاشة .

الفيلم نال استقبالاً نقدياً جيداً و ان مالت معظم المراجعات لوصفه بأنه (مربك) و (معقد) و من الصعب التقاط كل ما يريد قوله دفعةً واحدة ، فيه الكثير من الفلسفة ، و الكثير من الأدب ، و التخمة من غودار (اللعيب) والذي لا يبدو بأنه تخلى عن موهبته تلك منذ بدأ التعبير عنها قبل أكثر من نصف قرن .