الخميس، 27 مارس 2014

The Broken Circle Breakdown

كتب : عماد العذري

بطولة : فيرله بايتنز ، يوهان هيلدنبيرغ
إخراج : فيليكس فان غرونينغن

ساعتان من أجمل ما حصلت عليه خلال العام الماضي ، ربما تظافر في ذلك المود العام ، و التوقيت ، و الحماس تجاه الفيلم لكنها تعززت بقيمة الفيلم و ما وجدته فيه أولاً و أخيراً ، ربما ارتبطت صورة السينما البلجيكية في أذهاننا لفترةٍ طويلةٍ بأسماء مثل شانتال آكرمان و الأخوين داردين و جاك فان دورميل ، و من الجميل في هذا السياق أن نشاهد عملاً لمخرجٍ ينتمي للجيل الصاعد في السينما البلجيكية .

الفيلم الذي رشح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي العام الماضي يحكي في نصٍ كتبه فيليكس فان غرونينغن رفقة بطله يوهان هيلدنبيرغ عن مسرحيةٍ للأخير قصة إليز أخصائية الوشم التي تقع في الحب من النظرة الأولى مع ديدييه عازف البانجو في إحدى فرق الغناء الشعبي الفلامنكي ، سرعان ما ينجبان طفلةً جميلةً اسمها مايبيل تصاب بعد ست سنواتٍ بسرطان العظام و يختبر والديها رابطهما الروحي و معتقداتهما و قلق الفقد في هذه المحنة التي تغيّر حياتهما للأبد .

قيمة هذا الفيلم برأيي تدور حول ثلاث جزئيات ، أولها هي تكنيك السرد الذي يستخدمه و يوظفه بفعالية عالية لتقديم هذه الحكاية ، و ثانيها شخصياته و الطريقة التي تتطور بها وفقاً لهذا التكنيك السردي غير الخطي ، و ثالثها قيمة الطرح الذي يقدمه و القضية التي يتناولها من خلال تلك الشخصيات التي أعدها بشكلٍ جيد و جعلها تنزلق بإحترافية من خلال آلية السرد المستخدمة وصولاً إلى المرحلة التي يتغير فيها كل شيء للأبد .

سردياً يقوم النص على تنقلٍ مدروسٍ جداً بين الـ Flash-back و الـ Flash-forward ، يستخدمه منذ المشهد الإفتتاحي للإنتقال بالتناوب بين لحظات السعادة و لحظات الحزن في حياة الزوجين على مدى الأعوام السبعة ، يسير في خطين متوازيين و متناوبين يبدأ أحدهما باللحظة الراهنة حيث يختبر الزوجان قسوة المرض الذي يفتك بإبنتهما و ينطلق الآخر من لحظة ميلاد الحب بينهما ، عملياً هو عظيمٌ جداً في النتيجة التي يحققها ، ربما لا يكون جديداً أو مبتكراً و قد ذكرني في أكثر من موضع برائعة ديريك سيانفرانس Blue Valentine بدون تناوبٍ سردي طبعاً ، لكنه يأتي بالطريقة التي يحتاجها المحتوى تماماً ، العلاقة المتداخلة جداً بين الماضي السعيد و الحاضر المؤلم ، بين ما يحدث و ما حدث ، يبتعد قدر استطاعته عن المنحى التقليدي للسيناريو القائم على تكثيف الحدث ، هو يسرد كل شيء لكن بطريقته الخاصة ، يزاوج بين لحظات الحزن التي يعيشها الزوجان و لحظات السعادة التي عاشوها ، يريك كيف كانوا و كيف أصبحوا على طول المسار ، و هو يستفيد من ذلك التكنيك على ثلاثة أصعدة : أولاً هو يحافظ على حيوية العمل و ديمومته و يجعله قابلاً للمشاهدة مراراً و تكراراً ، ممتعاً و قابلاً للإستكشاف في كل مشاهدة خصوصاً مع الألعاب المونتاجية التي يمارسها ضمن المشهد الواحد ، و ثانياً يتجاوز به الترقب المحتمل لدى المشاهد من خلال عرض متوازٍ للبدايات و النهايات معاً و بالتالي يوجهه أكثر نحو فهمٍ أعمق للشخصيات ليسهّل من خلال ذلك طرحه للقضية التي يتناولها ، و ثالثاً يمنعه تماماً من الإنجراف في أي متاهاتٍ ميلودراميةٍ قد تحوله إلى فيلمٍ سينمائيٍ عن عائلةٍ تفقد إبنها الوحيد ، يحضّرك للفقد مبكراً و يناوب ذلك مع لحظات سعادةٍ كثيرةٍ في الماضي فيخفف قدر الممكن من الميلودراما المتوقعة ، عندما تأملت في المشاهدة الثانية ما منحه السرد للفيلم على تلك الأصعدة الثلاثة زاد تقديري له أكثر مما كنت أتوقع .

في الوقت ذاته يغني النص العمل من خلال الأغاني الجميلة التي يتيح لها الإنسلال في جنبات هذا التناوب السردي ، و هذا منح تدفق الحكاية حيويةً أكثر و دفعاً روحانياً لا يمكن نكرانه خصوصاً في المشاهدة الثانية التي يتخلى فيها المشاهد عن مراقبة الحدث كحدث و يكثف جهوده أكثر على المعالجة و الشخصيات ، يزيد حضورها من القيمة الأساسية التي يقوم عليها السرد و المتمثلة في خلق تتالٍ مدروس بين الحزن الذي نعيشه و السعادة التي عشناها ، و لا أفضل لرسم ملامح تلك السعادة من أغنية ! ، الأغاني جميلةٌ جداً ، ممتعةً و صديقةٌ للأذن و لا تفصل المشاهد عن الحدث مطلقاً بل هي تنبع من صميمه و من الحياة اليومية لشخصين تشكل الموسيقى جزءاً مهماً من حياتهما .

بعيداً عن السرد يبني الفيلم شخصياته بشكلٍ جيد ، ديدييه الذي يمتلك ورشة لحام و يقيم في مزرعةٍ صغيرةٍ و يجني بعض المال من الحفلات الموسيقية التي يستمتع بإحيائها مع بعض أصدقائه و الذي يقع في حبٍ من اللقاء الأول مع إليز التي يغير ظهورها نمط حياته البوهيمية بالرغم من أن إليز لا تختلف عنه كثيراً ، الشعور بالإلتزام و المسؤولية تجاه حمل إليز الذي رفضه أول مرة يعزز بقوة الرابط الروحي الذي جمعهما ، النص لا يقدم النموذج التقليدي للأسر السعيدة ، السعادة هنا تقوم على أمورٍ أخرى ، شخصين غريبين ، لا يمتلكان الكثير ، لا يتشاركان رومانسيةً بالمعنى التقليدي المعتاد لها ، تجمعهما انسيابية و توافقٌ عاليين ، تكاملٌ ملحوظ ، حياةٌ جنسيةٌ مفعمة ، و نمط حياةٍ يوميٌ مختلف يتعزز بإنضمام إليز الى الفرقة لتشارك ديدييه تقريباً كل شيء ، نمط الحياة السعيدة التي يقدمها النص لا نشاهده كل يوم ، فيه الكثير من البساطة و الكثير من الحرية و ربما البوهيمية أيضاً ، و هذا في الواقع لا يأتي من النص عبثاً ، في خلفية الشخصيات هناك إليز ، إمرأةٌ مسيحيةٌ ، تؤمن بشدة بالأمور الروحية أكثر من كونها متدينة ممارسة ، و هذا الروحانية مترجمةٌ عملياً في روحها الرقيقة و طريقة تعاملها العاطفية مع الأمور ، في الجانب الآخر ديدييه ، رجل ملحد ، يسيّر حياته و علاقته بزوجته و ابنته من خلال تجاهل معتقدات الزوجة و تساؤلات الإبنة ، ديدييه إنفعالي ، طيب القلب ، يعتبر أميركا أرض الأحلام لكنه في الوقت ذاته يستاء لأنها مسيرةٌ بالمعتقدات الدينية ، أعظم ما في النص على هذا الصعيد أنه لا يتذاكى إطلاقاً في تقديم تلك الخلفية الدينية لبطليه ، المعتقد يشكل بالنسبة لبطلينا خلفية محاكمة الأمور و مرجعية تقبلها و التعامل معها و لا يمثل أبداً الغذاء الروحي أو التعبدي لهم ، لا يضرب في صميم يومياتهم و لذلك لا يشغلنا به النص الا بمقدار ما يحتاجه الحدث ، تماسنا الحقيقي الأول معه يحدث من خلال صليبٍ تحتفظ بها إليز و يكتسب أهميته لديها في الواقع من قيمته العائلية وليس من قيمته الدينية ، قبل أن تسأل مايبيل والدها عن الطائر الميت ، ذات السؤال الذي سأله الفتى باول لوالده الذي لا يؤمن سوى بالعلم في الوصية الأولى من تحفة كيشلوفسكي The Decalouge ، هذا ذكيٌ جداً من النص ، النص يثبت على هذا الصعيد أنه يستثمر تكنيكه السردي إلى أقصى حد ، فالتناوب الذي ينهجه يؤكد بشكلٍ أو بآخر على أهمية المحن في اختبار تلك المعتقدات التي وضعها النص في خلفية شخصياته ، الإستفزاز الذي تمارسه المحنة للمعتقد الذي نبقى متصالحين معه طالما الحياة متصالحةٌ معنا ، لذلك يسير بنا النص مع الحبيبين المتصالحين حتى النهاية ليجعلنا نعيش تلك المحنة و ذلك الاستفزاز و بالتالي يدفع بالمعتقد (المنكفىء ، المخدّر في خلفية العلاقة) إلى واجهة تلك العلاقة عندما يتم استفزازه في حالات المحن في تفهمٍ ذكيٍ و مدروسٍ جداً من كاتبي النص للعلاقة الأزلية بين (المحنة / الألم / الأمور التي لا تسير على ما يرام) ، و بين (المعتقد / الدين / الملجأ الروحي الذي يحاول أن يجعل تقبلنا لتلك الأمور يسير على ما يرام).

و عندما يحدث ذلك الإنفجار العقائدي أثره لدى الزوجين في ذروة الفيلم يكون هذا هو المراد منه تماماً ، المعتقد الذي بقي في الخلفية العميقة للشخصيات طوال الحدث ، تجاهلوه و أنكروه لأن الأمور تسير على ما يرام ، لأن الحياة متصالحةٌ معهم ، وجدوا الكثير من المشترك فقفزوا على القليل المختلف ، لذلك يفاجئهم ذلك الإنفجار العقائدي كما يفاجئنا تماماً ، لم يكونوا يعلمون مقدار تأثيره عليهم حتى اختبرتهم الفاجعة ، هذا عمليٌ جداً و منطقيٌ جداً ، ديدييه يرى في ملصق الصقر (كاستعارةٍ للديني و الروحاني) وهماً للطيور من أجل أن (تستمر في حياتها) ، أن (تعيش بشكلٍ أفضل) ، يرى أن إدراكها لـ (الموت) متمثلاً في الزجاج لا يحتاج إلى وهمٍ أو اعتقادٍ خاطيءٍ بأنها ستعبر إلى ما بعد الزجاج ، هي إما أن تعيش و إما أن تموت ، لا يوجد عبور إلى شيءٍ آخر كما حاول أن يشرح لإبنته سابقاً دون أن يجرؤ على ذلك ، ديدييه تجاوز تدخين إليز و شربها و عوامل الوراثة أثناء حملها لأن (الأمور تسير على ما يرام) ، لكنه ألقى باللوم على تلك الأمور (العلمية بإمتياز) عندما ماتت ابنته بالسرطان ، إرتد تماماً إلى (معتقده) بسبب (الفاجعة) ، و بالمقابل تفسر إليز رغبة ديدييه بعودة الأمور الى طبيعتها الآن برفضه السابق لفكرة حملها من الأساس ، هو لم يفكر أساساً بفعل شيءٍ مميزٍ لإبنته ، وحدها إليز من كانت تحرص على كل شيء ، لم يكن البعد الروحي ليسيّر حياة إليز كما يفعل الآن عندما فجعت بفقدان ابنتها ، احست بذلك الجوع الشديد لأن تحتضنها و تبقى بجوارها ، لذلك إزداد يقينها و ولعها بالعالم الآخر الذي ينكر ديدييه وجوده ، و لذلك رأت في ملصق الصقر حمايةً للطيور من الارتطام و الموت ، كلا الزوجين اكتشف في الآخر - بتأثير تلك الفاجعة – عمق و تأثير المعتقد الذي كان موجوداً و معروفاً له لكنه كان يرقد منكفئاً على نفسه في الخلفية العميقة للحدث ، و الجميل في كل ذلك أن النص لا يفقد المشاهد تواصله مع شخصياته و لا يتبنى آرائهم كذلك ، تتعاطف مع إليز بمقدار ألمك لخسارة ديدييه ، يجعلنا نكتشف على حافة الفراق مقدار الحب الذي جمعهما للدرجة التي استطاع من خلالها على مدى سبعة أعوام أن يجعل تلك الهوة العقائدية الشاسعة بينهما مردومة تماماً .

و بالرغم من بعض التفاصيل التي قد تكون مزعجةً أو غريبةً لوهلة (استماع الجمهور الغريب لخطبة ديدييه ، أغنية الختام في المستشفى على سبيل المثال) إلا أنك تقفز عليها أمام هذه الوجبة السينمائية الشهية : نصٌ عظيم ، و عمل كاميرا في غاية الفخامة من روبن إيمبنز ، و مونتاج يستحق رفع القبعة من نيكو ليونن ، و أداءاتٌ ممتازةٌ من فيرله بايتنز و يوهان هيلدنبيرغ و خصوصاً من الطفلة نيل كاتريسه ، و بالتأكيد If You needed me التي ستبقى في ذاكرتك طويلاً .

التقييم من 10 : 9