الجمعة، 21 فبراير 2014

Her

كتب : عماد العذري

بطولة : واكين فينيكس ، أيمي آدامز ، روني مارا
إخراج : سبايك جونز

في الواقع يمكن للمرء توقع فيلمٍ كهذا من سبايك جونز ، عندما قرأت عن الحكاية التي يسردها هذا النص قبل بضعة أشهر لم أشعر بالإنبهار المفترض بالنظر طبعاً لأن من سيرويها هو رجلٌ سبق و قدم لنا Being John Malkovich و Adaptation ، و عندما شاهدت العمل منذ أيام و أعدته ليلة أمس أدركت أن شعوري كان صائباً ، و أن ما أنتظره من سبايك جونز يفوق في الواقع الحكاية التي سمعناها عن الرجل المنزوي الذي يقع في غرام افتراضي .

ما أن انتصفت مشاهدتي الأولى للفيلم حتى أدركت أنني سأضعه ضمن قائمتي لأفضل أفلام العام بنهاية الموسم ، و من النادر اجمالاً أن يحدث هذا معي ، سبايك جونز يتعدى الاطار البديهي لما يمكن أن تقدمه حكايةٌ كهذه ، بُعدها الساخر أو نبرتها التراجيدية ، معالجته لهذه الحكاية تذهب أبعد من ذلك إلى الغوص بعمقٍ و عبقرية في سيكولوجية العلاقة – التي اشبعت تناولاً – بين الإنسان و التقنية ، و بين الذكاء الطبيعي و الذكاء الاصطناعي .

النص الذي كتبه سبايك جونز – و لأول مرة منفرداً – يحكي قصة تيودور تومبلي ، كاتبٌ في شركةٍ مستقبلية يعمل على ارسال الرسائل المختلفة نيابةً عن الأشخاص الذين يحتاجونها بناءً على معلوماتٍ يمنحونها للشركة ، يكتب للآخرين عن الحب و العائلة و الصداقة و الفراق و الشوق و الحنين ، بالرغم من أن حياته الشخصية تبدو بعيدةً الآن عن أي معانٍ كهذه ، خصوصاً مع كم الفراغ الذي يعيشه في ظل إجراءات طلاقه من رفيقة الدرب كاثرين ، كل هذا يتغير مع نظام التشغيل الجديد الذي يضعه مؤخراً في حاسوبه الشخصي .

وفقاً للحكاية فإن ما يمكن أن نتوقعه من كاتبٍ مثل سبايك جونز يبدو واضحاً : الحديث عن العلاقة المخيفة بين الانسان و وسائل التواصل الاجتماعي و المدى الذي يمكن أن تذهب إليه بعيداً في التغلغل في أعقد و أصعب الحالات الانسانية : الوقوع في الحب ، عملياً يتجاوز سبايك جونز ذلك ، يدرك الى حدٍ بعيد ما ننتظره منه فلا يهمشه و لا يتجاهله بل يجعله جزءاً من الكل ، ثم يوسع من خلاله اطار معالجته لتبدو أكثر عمقاً و حقيقيةً و خيالاً مما يفترض .

منذ معرفتنا بملامح الحكاية لن نجد صعوبةً مع لقائنا الأول بتيودور تومبلي من تأكيد الصورة الافتراضية التي وضعناها عنه ، (فاقد الشيء الذي يعطيه) ، الموظف الذي يكتب للآخرين عن الحب و العائلة و الإشتياق دون أن يجد أي شيءٍ منها في حياته ، نسخةٌ مطورةُ و جديدة من سيرانو دي بريجيراك ، يعيش الوحدة و العزلة و الحاجة لعلاقاتٍ إجتماعيةٍ حقيقية بالرغم من أنه يمتلك الأدوات التقليدية للحصول عليها ، لا يبدو بأنه يبذل جهداً كبيراً للحصول عليها في هذه البيئة المستقبلية غير المحددة زمنياً و التي ترسم ملامحها الكتابة الاملائية على شاشات الكومبيوتر و الهواتف فائقة الذكاء و العاب الفيديو فائقة التفاعلية ، في هذه البيئة تبدو التكنولوجيا بالنسبة لتيودور تومبلي أكثر من صورتها المفترضة كوسيلة حياةٍ منطقية ، هي هنا جزءٌ من كيان الشخصية ذاتها ، هي مصدر رزقه ، و وسيلة تخفيف صدماته ، و إنشاء علاقاته ، كما أنها معينه الأول في الابتعاد عن العالم الحقيقي المؤلم له في هذه المرحلة تحديداً ، تيودور تومبلي يمارس من خلال التكنولوجيا عملية انكار الألم الذي ولدته الإزالة المفاجئة لشريكة العمر كاثرين من حياته ، يعلم جيداً مقدار المشترك الذي جمعهما ، و مقدار ما يعنيانه لبعضهما ، و يدرك في الوقت ذاته أن التفاصيل هي من زرعت تلك الهوة بينهما و قادتهما الى هذا المصير ، لذلك هو يبتعد قدر استطاعته عن التعاطي مع ذلك الألم ، يقضي لياليه بالتحدث إلى نساءٍ لا يعرفهن من خلال غرف المحادثة ، يمارس الجنس معهن ، و لا تسير امور مواعدته لإمرأةٍ حقيقيةٍ تدعى أوليفيا كما يرام و تنتهي بطريقةٍ دراماتيكية ، علاقته الحقيقية الوحيدة هي مع صديقة الجامعة ايمي صانعة الأفلام الوثائقية التي يزورها من حينٍ لآخر ، في هذه المرحلة تظهر سامانثا ، نظام التشغيل الجديد لحاسوبه الشخصي التي تملأ حياته ، كل هذا متوقع و مفهومٌ في سيناريو سبايك جونز ربما منذ أن عرفنا ملامح حكايته ، لذلك لا يستسلم جونز للشيء المتوقع الذي ننتظره في النص ، بل يذهب بعيداً في تكييف أحداث العمل بصورةٍ تمنحه العمق غير المتوقع منه ، ما تقدم سامانثا لتيودور بظهورها ليس الشعور بالتقبل أو التفاهم كما يفترض لنا أن نعتقد ، سامانثا تحيي في تيودور شعور الأمان ، الثقة التي يفتقدها بأن هناك شخصاً ما ينتظرك وحدك ، متوفرٌ لك دائماً ، و متكيفٌ تماماً مع نزعاتك و أهوائك ، سامانثا تحقق لتيودور ما يحتاجه أيٌ منا في بحثه عن الشريك : الشخص المفصّل على قياسنا ، سامانثا تحرر تيودور من التفصيل الأساسي الذي يقلقه في أي علاقة تواصلٍ حقيقيٍ يقيمها : قلق الفقدان و الخسارة ، القلق الذي يعيشه الآن بسبب زوجته كاثرين ، و القلق الذي يستحوذ على أوليفيا عندما تواعده فيدفعها إلى انهاء المواعدة ، سامانثا تحرره من قلق الخيبة و العواقب ، تمنحه الاحساس بأن هذا لن يحدث لأنها موجودةٌ على الدوام و مسخّرةٌ له على الدوام ، تمنحه الشعور بـ (الحقيقية) من خلال أكثر الأشياء بعداً عنها ، النظرة المعقولة لتزييف الأمور الغير قابلة للتزييف ، تحاول أن تصنع له نسخاً قابلةً للتصديق من الحب و الإلتزام و النشوة و السعادة .

الجميل و العبقري في النص و أكثر ما أقدره فيه أن سامانثا تدرك عدم فهمها الكامل لتلك الجزئيات بالرغم من اهتمامها بذلك ، منذ أن قرأت حكاية الفيلم قبل بضعة أشهر و أنا أتخيل كيف ستتطور ما تعارف على تسميته بـ (عقدة ميتروبوليس) ضمن هذه القصة ، الذكاء الاصطناعي الذي ينمو الى الدرجة التي ينكر فيها اصطناعيته ، نص سبايك جونز فاجأني ، يذهب أبعد من جميع صور الذكاء الاصطناعي التي شاهدناها على شاشة السينما منذ Metropolis و حتى A.I ، لا يتوقف عند حدود الذكاء الإصطناعي الذي ينمو و يتطور من تلقاء نفسه مشكلاً مشاعره و أحاسيسه الخاصة التي تصل إلى درجةٍ من الغنى و الصدق لا يستطيع معها تمييز حقيقية مشاعره و بالتالي يبدأ بالإقتناع ببشريته و ينكر أي محاولةٍ لنفي ذلك ، سبايك جونز يذهب أبعد من تلك الصورة المعتادة ، ذكاء سامانثا الاصطناعي ينمو و يتطور و يجعلها تعيش أحاسيس و مشاعر مختلفة لكنه يستمر في نموه و تطوره و تحليله لما يجري و يتجاوز تلك المرحلة النمطية الى بعدٍ أكثر منطقية يجعلها تدرك أن تلك المشاعر غير حقيقية ، الذكاء الاصطناعي الذي ينمو ليتجاوز مرحلة الاقتناع ببشريته إلى مرحلة الشك بتلك البشرية و انكار تلك المشاعر ، و محاولة التأقلم مع ذلك و تحويلها الى شيءٍ حقيقيٍ قدر المستطاع (من ذلك مشهدٌ لطرفٍ ثالث يحاول تنفيذ علاقتها الجسدية مع تيودور) ، هذا عظيمٌ جداً ، النص ينحرف بعيداً عن المفهوم التقليدي لـ (عقدة ميتروبوليس) إلى شيءٍ أقرب بـ (متلازمة بينوكيو) عن الدمية التي رغبت أن تصبح بشرية ، كسرٌ حقيقيٌ للصورة التقليدية – التي أحبها جداً – في أفلام الذكاء الاصطناعي نحو نظرةٍ أكثر معقوليةٍ للمدى الذي يمكن أن ينمو إليه ذلك الذكاء ، تنقلب الآية هنا ، تشكك سامانثا في مشاعرها ، بينما يميل تيودور تومبلي لإنكار ذلك !! ، صورةٌ مختلفةٌ من HAL 9000 و رواد الفضاء في 2001 ، هذا الميزان بين شك سامانثا و اقتناع تيودور يغذيه النص بسخاء من خلال حاجة تيودور و شغفه بالعلاقة الجديدة الذي يجعله أكثر ميلاً لتصديق تلك المشاعر ، يعيد توصيف الحب من خلال دراسة مبررات هذه الحاجة ، علاقته الفاشلة مع أوليفيا / الناجحة مع سامانثا تصيب بشكلٍ مباشر جوهر الحب عبر التاريخ : التوازن الصعب بين بعده الرومانسي و جانب الالتزام الحياتي فيه ، التوازن الذي جعلته أوليفيا في صلب علاقتهما مبكراً مما أدى الى انهائها ، و التوازن الذي حررته منه سامانثا بالمطلق ، و سرعة تأقلمه هنا مع سامانثا نابعٌ في جوهره من مقدار المساحة التي احتلتها ، غدت السكرتيرة و المساعدة و الصديقة و الشريكة و المعالجة النفسية و رفيقة التجوال دون أن تطالبه بأي شيءٍ بالمقابل ، توفرت له في كل لحظة و في كل مود و خلصته بالمقابل من أي التزام !

في العمق يطرح النص تساؤلاتٍ عبقرية عن الحب و الشراكة و التآلف ، عن المعنى الحقيقي لـ (الشخصية) و (الوجود) في جوهر الحب ، و عن مقدار القيود الموضوعة أمام اجابة أسئلةٍ من قبيل : هل الحب غاية ؟ ، أم هو وسيلةٌ للإحساس بشيءٍ مختلف و بمعنىً مختلف ؟ ، هل تحقق ذلك مرتبطٌ بوجود ؟ بشخصية ؟ ، هل تحقق ذلك الإحساس المختلف يمكن أن يحدث بواسطة شيءٍ لا وجود له ؟ ، هل نرفضه حينها ؟ ، و إذا كان ذلك الشيء وهماً فهل الشعور الذي يملأ القلب و يرسم جوهر الحب وهمٌ أيضاً ؟ ، النص يطرح تساؤلاتٍ عميقةً جداً عن العلاقة الجدلية بين المادي و الروحي في الحب ، تيودور تومبلي أقام نوعين من العلاقات الافتراضية (ان صحت التسمية) ، الأولى من خلال غرف المحادثة ، و الثانية من خلال سامانثا ، كلا العلاقتين تفتقران للجزء المادي منها ، لكن ما جعل الأولى علاقةً عابرة و الثانية علاقة حياة هي (الشخصية) ، تعامل تيودور اللحظي مع (إمرأةٍ حقيقيةٍ) بإسمٍ وهميٍ و (شخصيةٍ وهمية) في غرفة المحادثة ، اختلف تماماً مع تعامله الدائم مع (إمرأةٍ وهميةٍ) بـ (شخصيةٍ حقيقية) هي سامانثا ، الفيلم من خلال مرارة الهجائية التي يقدمها يطرح تساؤلاً عبقرياً عن جوهر الحب ذاته و ارتباطه الأزلي الدائم بالشخصية ، البُعد الذي تلعبه الروح في اذكاء شعلة الحب حتى بغياب الجزء المادي منه .

علاوةً على ذلك يتجاوز سبايك جونز (من خلال شخصياته العالقة بين ذاتها و عالمها الضيق جداً وهي الشخصيات التي يجيد تقديمها دائماً) المعنى المفترض لإسقاط حكايته على علاقاتنا اليوم ، هو يدرك بأن علاقاتنا الاجتماعية أصبحت كذلك فعلاً في جزءٍ كبيرٍ منها و لا تحتاج لأي اسقاطاتٍ أصلاً ، يدرك أن علاقتنا اليوم بالإفتراضي تجاوزت المفهوم التقليدي للوسيلة ، صارت غايةً و نمط حياة و قيداً إجتماعياً لا يمكن تجاهله أو نكرانه ، لذلك هو لا يقدم هجائيةً صريحةً عن (إلى اين نمضي ؟) بل يمزج ذلك مع الكثير من التراجيديا الناعمة عن التساؤل ذاته (إلى أين نمضي ؟) ، يربط معالجته بالواقع و يترك لمشاهده حرية تشكيل وجهة النظر التي يرغب ، و لا يؤطر ذلك عن محور العلاقة بين الإنسان و التقنية بل يعممه ليتناول بصورةٍ اقل مباشرة التعامل بين الإنسان و الإنسان على هامش تلك العلاقة ، تقبّل الآخرين لأي علاقةٍ غريبةٍ أو مختلفة ، نلمح ذلك في قصص أيمي عن أشخاصٍ يعيشون علاقات حبٍ مع حواسيبهم ، و علاقتها الجديدة بنظام تشغيل حاسوب زوجها ، و نلمح ذلك أيضاً في النزهة المزدوجة لتيودور و سامانثا مع زميل العمل و صديقةٍ حقيقية .

و قرب الختام و كعادته – حتى في الأفلام التي أنجزها مع تشارلي كوفمان – يميل سبايك جونز لإعادة ترتيب الأمور مجدداً و لا يحاول أن يمضي بها أبعد من ذلك ، و هذا الترتيب يأتي هنا بسرعةٍ أصابتني كمشاهد ببعض التشويش بالرغم من منطقيته و تبريره ، يعيد تحرير الحب من الأنانية التي غلفه بها وجود سامانثا ، شعور الأنا الشديد الذي أرضته : أن تجد شخصاً ينتظرك ، يحادثك ، يتوق لسماع كلامك ، يضحك لنكاتك ، يناقشك و يتعلم منك ، شعور السيطرة و التحكم الذي سلبته اياه العلاقة الحقيقية مع كاثرين القائمة على التشارك و التجاوز ، و عندما يفقد تيودور سامانثا يدرك أن ما حدث ذهب بالحب أبعد من الإطار الذي يجب أن يوضع فيه ، خلصه من خوفه و قلقه دون إدراك أن الخوف و القلق شعوران متلازمان مع الحب ، و أن الخوف من عبء التغيير و الالتزام تجاه الآخر كان الهيكل الأساسي الذي يقوم عليه الحب و المحرك الأساسي الذي يبقيه يقظاً و فاعلاً ، لذلك يخاطب تيودور كاثرين في ختام الفيلم عن الشيء الجميل و المختلف الذي لم يجده إلا معها .

و بالرغم من أن النص يقوم على اعادة توصيف العلاقات الاجتماعية المستقبلية ضمن جوٍ ينتمي تصنيفياً إلى الخيال العلمي إلا أن سبايك جونز يحقق نسخةً أنعم و أدفأ بكثير مما اعتدناه في الصنف ، و يوظف الصنف بصورةٍ ممتازة لخدمة علاقات (التحوّل) التي ستصيب الجنس البشري مع زيادة حجم التماس الذي يجمعه بـ (التقنية) ، يبدو بالنسبة لي الفيلم الأكثر دفئاً الذي لم يخرجه ديفيد كرونينبيرغ ، و الجميل في عمل سبايك جونز الاخراجي هنا هو أنه بالرغم من الصورة التشاؤمية و النبرة الهجائية و تراجيدية الحكايا إلى حدٍ ما ، إلا أنه لا يقدم فيلماً كئيباً أو قاتماً بل على العكس ، صحيح أنه يعاني من بعض فترات الملل التي لا يمكن مراوغتها في منتصفه و التي قد يبررها ارتكاز الحدث في الحكاية على الحوار المتدفق بين شخصيةٍ نراها و اخرى لا نراها ، إلا أن المتعة حاضرة في معظم أجزاء العمل تقريباً و هذا ربما يزيده قسوة و يجعله نظرةً أكثر واقعيةً في مآلنا القريب لا تستلزم أي نوعٍ من القتامة أو الكابوسية لتقديمها لأننا لن نشعر بذلك عندما نعيشها يوماً ما ، الصورة جميلةٌ فعلاً ، يتوازى فيه بإمتياز عملٌ مقدرٌ جداً في تصميم الانتاج قام به كي كي باريت و عملٌ تصويريٌ محترم من هويت فان هويتن الذي أعيد الانفتان بعمله كما فعلت سابقاً في Tinker Tailor Soldier Spy ، لا يمكن وصف إلى أي مدى يعمل هذا التوازي على تجسيد (العزلة) التي تقوم عليها شخصية تيودور ، احساسنا بالعزلة بصرياً عالٍ جداً ، ليس ذلك المتعلق بتصميم الشخصية قليلة الكلام و البعيدة عن الآخرين ، بل ذلك الإحساس بأن العالم المحيط بها يعيش في عزلة حقيقية ، صورةٌ لعالمٍ مثاليٍ وردي (بالمعنى البصري اللوني أيضاً) مسلوبٍ من قيم التواصل الحقيقي بين أطرافه ، مجموعاتٌ هائلةٌ من الكويكبات الصغيرة التي تعيش في مداراتها الخاصة المنفصلة على سطح كوكبٍ كبير .

و بالتأكيد ما يفعله واكين فينيكس و سكارلت جوهانسون شيءٌ مقدر أيضاً ، واكين يقدم أداءً أحادياً ممتازاً و مؤثراً ، يسأل و يرد و ينفعل و يحاول ملء الشاشة بمفرده ، احساسنا بالقرب من تيودور و فهمه و تقدير ما يجري له سلسٌ جداً ، احساسنا بعزلته و رغبته الخجولة و المشروطة لكسرها يصلنا دون حواجز ، ممثلٌ يثبت فيلماً تلو الآخر أنه واحدٌ من طينة الكبار ، بالمقابل يعتمد وقوع تيودور تيمبلي في حب سامانثا على مقدار الاغواء و الحقيقية التي ينضح بها نظام التشغيل هذا ، و هذا يتحقق بفضل الأداء الصوتي من سكارلت جوهانسن الذي لا يبدو غريباً مقدار الاحتفاء الذي حظي به و مقدار الجوائز التي نالها ، جوهانسن تحقق مع فينيكس درجة كيمياء عاليةٍ بين ممثلين لا يظهران معاً على الشاشة و لا يقومان بأي حوارٍ أصلاً ، صحيح أنه من الصعوبة القول أن الأداء الصوتي هنا يصل إلى حافة العلامة التي تركها الأداء الصوتي لشخصية دارك فيدر أو HAL 9000 لكننا بالمقابل نلتقط بسهولة كم هو فعالٌ جداً و جذاب و قادرٌ على الذهاب بنا أبعد من الإطار المفترض للأداء الصوتي .

من الأمور الجميلة لأي عاشقٍ للسينما أن يرتقي الفيلم الذي ينتظره إلى مستوى طموحاته ، و أن يجد الفيلم الذي يتوقع أن يصبح واحداً من أفضل أفلام العام و قد أصبح فعلاً واحداً من أفضل أفلام العام .

التقييم من 10 : 9