الأحد، 12 يناير، 2014

Gravity

كتب : عماد العذري

بطولة : ساندرا بولوك ، جورج كلوني
إخراج : ألفونسو كوارون

بالنسبة لي لا أجد ما هو أفضل لإفتتاح مراجعاتي عن أفلام 2013 من فيلم ألفونسو كوارون هذا ، كوارون يضع نفسه مجدداً في مكان خاص بين المخرجين العاملين في هوليوود اليوم ، رجلٌ قادرٌ على صنع الكلاسيكية تلو الأخرى و عدم الوقوف عند مرتبة صناعة الأفلام الجيدة ، بعد سنواتٍ طوال ستكون في مسيرة هذا المخرج مجموعةٌ من الأعمال المهمة التي سنتذكرها بكل التقدير و الإحترام ، و ربما سنكون سعداء أن عشناها لحظة اطلاقها .

سبعة أفلامٍ أخرجها الرجل حتى الآن ، شاهدت ستةً منها ، القاسم المشترك فيها هو رغبة كوارون التي لا يمكن أن نخطيء في التقاطها تجاه صناعةٍ عملٍ مختلف يتجاوز به المطمح التقليدي لأي مخرج في انجازٍ فيلمٍ ممتاز ، برأيي أفلام كوارون تبحث بقوة في هذا المسعى ، الذهاب أبعد من مجرد أن تكون أفلام ممتازة ، جميع أفلام سلسلة هاري بوتر كانت ممتازةً و في الموعد ، لكن عملاً واحداً منها سأتذكره على الدوام و سأبقى مصراً على أنه أفضلها ، The Prisoner of Azkaban الذي أخرجه كوارون ، الأمر ذاته ينطبق على A Little Princess ، و Y Tu Mamá También و Children of Men و بالتأكيد على Gravity .

في فيلمه السابع الذي كلّف 100 مليون دولار و أربعة أعوامٍ من العمل يحكي علينا كوارون في نصٍ كتبه بالشراكة مع إبنه يوناس قصة الدكتورة رايان ستون أخصائية الهندسة الطبية التي تنطلق في مهمةٍ على متن مكوك الفضاء إكسبلورر تحت قيادة رائد الفضاء مات كوالسكي لتركيب جهازها المبتكر للمسح على تلسكوب الفضاء هابل ، تتعرض المهمة لكارثة عندما يضربها حطامٍ قمرٍ صناعٍ روسي تم تدميره و سرعان ما يجدان نفسيهما أعزلين في الفضاء الواسع باحثين عن طريقة للخروج من محنتهما العصيبة .

بالنسبة لي فإن ما يعانيه هذا الإنجاز السينمائي العظيم و المبهر يأتي دون شك من نصه الذي يعاني في أكثر من موضع ، يحاول نص كوارون من خلال هذه الحكاية رسم ملامح واضحة لغريزة البقاء التي سيرت الإنسان منذ خطى خطواته الأولى على سطح الكوكب ، هذا الرسم يعتمد كما يراه النص على محورين : الأول معركة البقاء التي ينسجها الحدث و صراع بطلته نحو بر النجاة ، و الثاني هو البعد العاطفي النفسي الذي يبقى في خلفية صراع البقاء لدى البطلة ، هذان الخطان لا يتوازيان برأيي و لا يدعمان بعضهما سوى ببعض الطاقة الوهمية التي لن تجد لها ملامح حقيقية لو ارتددت قليلاً إلى الوراء أو حاولت النظر بصورةٍ أعمق فيهما بعيداً عن الصورة العظيمة التي يحيطها بها كوارون ، المحور الأول يطغى بصورةٍ كاملةٍ على الثاني ، صحيح أن هذا يحدث بعيداً تماماً عن الإبتذال ، لكنه يحدث بالرغم من كل شيء ، لا يدرك كوارون تماماً أن المحور الثاني من المنطقي جداً أن يتلاشى و يصبح أشبه بالتغريد خارج السرب أمام عظمة و رهبة المحنة التي يصورها المحور الأول ، بطلته تعيش الآن في وضعٍ كل خطأٍ صغيرٍ فيه قد يكلفها حياتها دون أن تجد حتى من يسمع – مجرد أن يسمع – نداء استغاثتها ، هذا المحنة برأيي يجب – و من المنطقي – أن تطغى على كوكتيل الذكريات و الماضي و العواطف التي يحاول النص اشراكنا فيها من خلال المحور الثاني ، لذلك لا يكون اكتراثنا بذلك الكوكتيل حقيقياً أو على أقل تقدير لا يكون مكتملاً ، الصورة الكبيرة للمحنة التي تعيشها البطلة تتجاوز الحاجة التقليدية لرسم عمقٍ من خلال خلق صورةٍ ثلاثية الأبعاد للبطلة ، الصورة الكبيرة للمحنة هي عمقٌ عظيمٌ بحد ذاتها ، كائنٌ فقد كل وسائل اتصاله بالحياة ، يجلس وحيداً في عزلته ، يعاني نقص الأكسجين ، و قلة الوقود ، و قلة الخبرة ، و حريق المركبة ، و موجةً ثانيةً من الحطام ، و بالتأكيد انعدام الجاذبية ، يقاوم كل ذلك بدافعٍ من غريزة البقاء التي تحكمه كما تحكم بقية الكائنات ، النص يجتهد ليحرر (غريزة البقاء) من ارتباطها بـ (دوافع البقاء) ، فيقحم تلك الدوافع المتلاشية (العمل الذي ينتظرها في المستشفى / الإبنة الراحلة / غياب أي علاقةٍ عاطفيةٍ أو عائلية) كي يجعلنا – من خلال تلاشيها – نشعر بإستسلام بطلته التي لا تجد ما يستحق أن تقاتل للعودة من أجله في الأسفل فتستلم للموت عندما توقف مد الأكسجين إلى البزة الفضائية التي ترتديها ، ثم– من خلال مشهدٍ تخيلي لمات كوالسكي يعود ليحضها على الإستمرار فقط لأنها يجب أن تستمر و تمضي في حياتها – يجعل غريزة البقاء تعود إلى حقيقته الأبسط و الأهم : أنها غريزةٌ قبل كل شيء ، يحررها من الارتباط بالدوافع و يجعلها دافعاً بحد ذاتها ، هذه المسافة بين ما يريد النص أن يقوله و بين الطريقة التي يقوله بها تخلق فجوةً في عمق العمل تتجاوزها الى حدٍ ما الصورة الكبيرة له ، و برأيي تبدو هذه المسألة ماركةً مسجلةً لكوارون ، هو قادرٌ في الواقع على جعل حبكة الفيلم الرئيسية مؤثرةً و قيمةً بحد ذاتها دون الحاجة لتقديم حبكاتٍ ثانويةٍ أو محاور فرعيةٍ للحكاية أو حتى الغوص في ابعادٍ أخرى لشخصياته ، ومع ذلك هو يصر على فعل ذلك كل مرة لسببٍ لا أعلمه ، و حقيقةً لم استسغ تماماً شخصية مات كوالكسي بمجملها ، ابتداءً بلهجته الواثقة التي تصبح مفتقرةً للآدمية بسبب شخصية جورج كلوني التي تتلبسها و لا تستطيع تحريرها بما يتناسب مع حساسية أصعب امتحانٍ يمر به المرء في حياته فتبقى ساخرةً و باسمةً طوال العمل ، بالإضافة طبعاً لفدائيتها غير المبرر درامياً حتى على الأقل بالنسبة لشخصيةٍ استنزفت دورها في الفيلم في توجيه الشخصية الأخرى وتنجح كل مرة بينما لا تحاول حتى أن تطلب منها و لو فعل شيء بسيط عندما يمس الأمر حياتها ، فقط تستسلم للموت ، دون أن أنسى أنني أجد في ذلك المشهد الإستسلامي برمته خطأً تقنياً عندما ندفع للتصديق أننا بعد قرابة نصف ساعةٍ من السباحة في الفضاء نصبح فجأةً أمام لحظةٍ دراميةٍ مفتعلة مطالبين بالإقتناع بأن مصير أحدهم معلقٌ بحبل يمنعه من الإنزلاق في المجهول بالرغم من غياب الجاذبية أساساً حيث سحبةٌ بسيطةٌ من ستون وفقاً لهذه الشروط كافيةٌ لإنقاذ كوالسكي ، تبدو مشكلتي الحقيقية مع الفيلم تدور بصورةٍ أو بأخرى في فلك شخصية مات كوالسكي (بنائياً و أدائياً ودرامياً) ، بعيداً عنها يعشق كوارون المباشرة و الرمزية الواضحة بصورةٍ تبدو جزءاً من فنه ، و لا أعتقد أن رمزية مشهد ستون وهي تتكور كالجنين أو فكرة المنقذ الذي يبقى بجوارنا في أشد لحظات عزلتنا و ضعفنا قد لامستني كما يجب على اعتبار أنني أرى أن الحدث الرئيسي برهبته و قلقه لا يحتاجها و هي تكسبه في الواقع نوعاً من الانفعالية التي لا يصعب على اخراج كوارون المدهش أن يقفز عليها ، حتى محاولة اعطاء لحظة الفيلم الختامية معنى تطورياً و رمزيةً لبداية جديدة من خلال السباحة خارج الماء ثم القبض على الطين ثم الزحف و محاولة الوقف و أخيراً الوقوف و المشيء ببطء على الجاذبية الأرضية اراها محاولةً تحوم حول الفكرة و لا تحققها بالرغم من جماليتها .

و بالرغم من هذا التفصيل الذي آخذه على نص كوارون إلا أن هذا لا ينفي أن عظمة التسلسل في الحدث الرئيسي تأخذ على عاتقها ثقل النص بإمتياز ، خيال الرجل عظيم و قادر على رسم تسلسلٍ دقيقٍ و منطقيٍ للحدث الرئيسي تقوم عليه عظمة الصورة لاحقاً ، جزء من رهبة و قيمة و أثر الحدث الرئيسي أولاً أنه يدور في الفضاء القريب ، في محيط كوكب الأرض ، صورة الكوكب في الخلفية ، ضخامتها و استيلائها على فضاء الصورة ، شيءٌ مختلف الأثر عما اعتدناه في أفلام الفضاء السحيق و الواسع حيث السواد يلفنا من جميع النواحي ، هذه الصورة الجديدة بقدر ما هي مطمئنة ، بقدر ماهي مخيفةٌ بسبب معقوليتها و منطقيتها ، أكثر الأمور اثارةً للهلع و الرعب هي أكثرها ارتباطاً بالمعقول ، و الهلع الذي يصيبنا في الفضاء بسبب حطام قمرٍ اصطناعيٍ يدور في فلك الأرض هو أشد و أقسى من الهلع الذي قد نتخيله من مركبةٍ فضائيةٍ تهاجمها مخلوقاتٌ مريخية ، الأمر الثاني ان متوالية الحدث ما أن تبدأ حتى تستمر دون توقف ، دون جاذبيةٍ كما هو عنوان الفيلم ، شلالٌ من الفعل و اثره لا يمكن ايقافه الا بنجاة البطلة ، و هي أيضاً صورةٌ غير اعتياديةٍ لفيلم الفضاء حيث صراع المركبات و الأسلحة و الخدع التقنية المتعددة ، كوارون يلامس رعبنا الأعمق تجاه الفضاء ، رعب المعقول و الممكن : العزلة و الوحدة و الإنقطاع عن كل شيء ، و الإختناق ، و انعدام الحيلة ، يدرك أن تصوير هذه التفاصيل بصورةٍ حقيقيةٍ صادقة أكثر رعباً و إثارةً من مخلوقاتٍ متطاولة الراس ذوات أعين خضراء لامعة ، و يدرك أن يداً تنزلق محاولةً التشبث بسلّمٍ جانبيٍ لمحطةٍ فضائية ، أو باباً يفتح بعنف موشكاً أن يقذف ببطلته في الفضاء المفتوح هي امورٌ ربما أشد اثارةً للأعصاب من أي أشعةٍ ليزرية ، والأمر الثالث هو مقدار المعايشة و التشاركية التي وضع كوارون نصب عينيه أن يجعلنا نحصل عليها من مرافقة بطلته ، يقحمنا في المسألة أكثر مما فعل في Children of Men ، نصبح جزءاً مما يجري ، نتورط – حتى في مشاهدةٍ ثانية – في الإنفعال بصدق مع ما يجري لستون لحظةً بلحظة ، توقها للخلاص – بأي صورة – يصبح مفهوماً و واضحاً و تشاركياً ، و عندما تهبط بسلام و تخطو خطواتها الأولى في انبعاثها سيراود المشاهد يقينٌ بصعوبة ما جرى و سيتذكر لوهلة أين كانت هذه المرأة قبل دقائق و ما الذي عانته كي تصل الى هنا .

شعور المعايشة و التشاركية هذا ما كان ليتحقق – بالرغم من قيمته في النص و جوهريته بالنسبة لبناء الحدث الرئيسي – لولا العمل الجبار من ألفونسو كوارون المخرج ، عظمة منجز كوارون تكمن قبل كل شيء في الكم الواسع من الخيال الذي نسجه في رأسه قبل أن يفرغه على الورق و من خلال الصورة ، وضع تصورٍ عام للشكل الذي يفترض أن تكون عليه الصورة الختامية للفيلم هو شيء مدهش ، ما يحدث هنا برأيي يجعل من السهولة على هذا الجيل فهم الطريقة التي استقبل بها العالم ما فعل ستيفن سبيلبيرغ قبل أربعة عقود في Jaws ، تشكيل الفكرة و اختمارها بحد ذاته عظيم ، ثم محاولة تحويل تلك الفكرة الى حقيقة واقعة هو ضربٌ من الإعجاز ، لا مبالغة في ذلك ، عندما أشاهد ما وراء كواليس الفيلم تصيبني حالة ذهول ، المسالة تتجاوز برأيي المفهوم التقليدي للإبهار البصري ، كوارون يخلق عالماً في مخيلته و يحوله تماماً الى شيءٍ حقيقيٍ جداً ، ليس حقيقياً على صعيد مشاهدته ، بل حقيقياً على صعيد المعايشة ، في منتصف العمل – و حتى في مشاهدتي الثانية – شعرت بأن العالم من حولي يسير ببطء كما هي حركة ستون و كوالسكي ، في الإعادة مثلاً كنت أخاف – لا ارادياً – من انزلاق يد ستون كلما امسكت شيئاً ، و هذا برأيي هو ذروة تجاوز المفهوم التقليدي لتطويع التقنية و الابهار البصري الى ما هو أبعد من ذلك ، يتحقق ذلك لكوارون برأيي من خلال اللقطات الطويلة قبل أي شيء آخر ، اللقطات الطويلة في هذا الفيلم – الذي يقوم على 156 لقطةً فقط - هي الأكثر فعاليةً في مسيرة الرجل ، لأول مرة تتجاوز تماماً بعدها الإعجازي أو البصري الى أكبر قدرٍ من المساهمة في اشراكنا في القصة ، و ما يخلق لدى المشاهد هذا الكم من الذعر و القلق هو في الواقع اللقطات الطويلة التي تدفعه - من خلال بطئها و تنوع مسارها و طول مدتها - الى الإنزلاق مع البطلة على طول المسار و معايشة ما تعيشه و الخشية مما تخشاه ، و ما كان للقطات القصيرة و المونتاج أن يحدثا ذات التأثير أبداً ، و هذا النهج في التكوين البصري للفيلم هو ما يجعله يتجاوز بنظري إطار الـ 3-D الذي صنع عظمته لدى شريحةٍ واسعةٍ من المشاهدين ، بقي بالنسبة لي مثيراً و حقيقياً حتى في المشاهدة الثانية المنزلية ، اعتماده على التكنيك لا يقف حجر عثرةٍ أمام خصوبته البصرية و قدرته التي لا يمكن انكارها على صناعة إثارةٍ مختلفةٍ شديدة التكثيف قياساً لساعةٍ و نصف ، و من الصعب الوصول بالمشاهد الى هذا الكم من التشاركية و الإنغمار في التجربة خلال ساعةٍ و نصف فقط .

رجل كوارون في كل ما جرى هو مواطنه مدير التصوير إيمانويل لوبيزكي الذي شاركه أعماله الإخراجية جميعاً ، عمله التصويري العظيم هنا مرهقٌ جداً كتكنيك ، متابعة الممثلين بحركة كاميرا توازي بطء الحركة في الفضاء ثم الذهاب لإلتقاط تعابير وجوههم وراء خوذاتهم ثم الإنتقال بعد ذلك لرؤية ما يرونه (تخيلياً في ذهن لوبيزكي) ثم الحركة وفقاً لرد الفعل  التخيلي المفترض و في لقطاتٍ طويلةٍ جميعها تحتوي على مؤثراتٍ بصرية – بإستثناء 17 لقطةً فقط في الفيلم كله – هو أمرٌ مرهقٌ بالفعل ، ثم موسيقى ستيفن برايس التي تفعل ذات ما فعلته موسيقى جون ويليامز في Jaws : الإنسلال في خلفية الصورة بهدوء و تغذية قلق المشاهد و غمره في الحدث متناسياً ربما أنها الصوت غير البشري الوحيد الذي يسمعه في هذا الفضاء الصامت ، ثم استثمار كوارون لكل ذلك في الحفاظ على إيقاعٍ ممتاز و نسق اثارةٍ متصاعدٍ لثلاث مشاهد ذروةٍ متتالية في الفيلم قبل رحلة الخلاص الختامية ، كل هذا يثبت قيمة الهارموني العالي الذي حققه كوارون ابتداءً من النص وصولاً الى إستخراج أجمل مافي موهبة ساندرا بولوك التي تجود بأفضل أداءٍ في مسيرتها ليرسم بالنتيجة صورةً عظيمة تليق بمطمح الرجل الدائم صناعة أفلامٍ تتجاوز المفهوم التقليدي للفيلم الممتاز أو الناجح إلى ما هو أهم و أكثر خلوداً من ذلك .

هذا الفيلم هو عملٌ مهمٌ و للذكرى عن غريزة البقاء النابعة من الداخل ، من كونها غريزةً قبل أن تكون نابعةً من دوافع أو مبررات ، فيلمٌ عن المرونة النفسية في تلمس تلك الغريزة و استفزازها عندما نشعر بأن كل ما حولنا يشعرنا بأننا فقدناها ، صورةٌ عظيمةٌ تطغى بأريحية على هفوات النص لتقدم واحداً من أجمل ما قدمته السينما عن الفضاء ، و بالتأكيد واحداً من أفضل أفلام العام .

التقييم من 10 : 9