الأحد، 19 يناير، 2014

Frances Ha

كتب : عماد العذري

بطولة : غريتا غيرويج ، ميكي سومنر
إخراج : نواه بومباك

من الجميل مشاهدة فيلمٍ مثل Frances Ha كل عام ، و لأننا لا نفعل ، فإن مقدار الإحتفاء و الحميمية التي نحملها لهذه التوليفة الجميلة التي يحققها الفيلم لا يكون أمراً مستغرباً ، نواه بومباك واحدٌ من افضل مخرجي جيله بالرغم من أنه لا يقف في واجهة ذلك الجيل ، أعماله على اختلاف مستوياتها هي قطعةٌ مختلفةٌ من الجمال نعيش معها ساعتين من السينما ، و نتذكرها كحلمٍ جميل عندما يتحرك بنا قطار العمر قدماً .

كتب نواه بومباك هذا النص بالمشاركة مع غريتا غيرويج التي شاركته نجاح فيلمه السابق Greenberg قبل العلاقة العاطفية التي جمعتهما في فترة انفصال بومباك عن زوجته الممثلة جينيفر جيسن لي ، و يبدو أن هذه الكيمياء قد انعكست بالفعل على هذا النص و تحديداً على تصميم شخصية فرانسيس هاليداي التي يتمحور حولها .

الحكاية عن متدربة رقصٍ من ساكرمانتو تعيش في نيويورك و تحاول أن تشق طريقها في هذا العالم بالرغم من معرفتها أن عمر السابعة و العشرين يبدو عمراً اعتزالياً للعمل في الرقص ، حياة فرانسيس لا تتجاوب معها خصوصاً و أن متعتها الأهم بالبقاء على مقربةٍ من صديقة الدراسة صوفي تتبدد عندما تغادر صوفي التي تعمل في مجال النشر للعيش مع حبيبها ، تبحث فرانسيس عن المسكن و العمل و تحاول أن تبقي حياتها متماسكةً و مشرقةً كما هي روحها .

عظمة هذا النص – شبه الوحيدة – هي شخصية فرانسيس ، دعك من معالجة الأحداث أو سيرها أو تطورها ، ربما تشاهد شيئاً كهذا في فيلمٍ جيد ، لكن هناك فرانسيس واحدة فقط ، أجمل ما في فرانسيس روحها الحية ، النص يحافظ في الشخصية على اتزانٍ دقيق بين الإنسحاق و الإنجراف فيما يجري من حولها أو تجاهله ، كمية التجاهل التي تحملها الشخصية يعمل بحذر على توليد مقدارٍ عالٍ من الحميمية تجاهها تقيها أي تفاصيل قد لا تروقنا فيها ، لذلك تبقى قريبةً من قلوبنا لأننا لا نشعر ظاهرياً بأن تلك الدوامة التي وضعت فيها قد هزتها بعنف أو أثرت فيها ، لا نشعر في الظاهر مع فرانسيس بأن هناك شيئاً قد فُقد ، لا نشعر بحس الولع أو اللهفة أو الإستياء المبالغ به ، حتى عندما تتركها صوفي نشعر بأن قلقها آتٍ من الخوف من اعتيادٍ جديد و طريقة حياةٍ مختلفة ، إستيائها بالرغم من علاقتها الطويلة بصوفي هو مزيجٌ من الرهبة و الإنكار و انعدام التوازن ، و الجميل في الأمر أن النص لا يتيح لنا لحظياً التفكير في كل ذلك ، الحياة تستمر و فرانسيس تستمر ، لا يناقض شخصيته من خلال الإسترسال في أبعادٍ عاطفيةٍ فائضة ، حتى لقاءات فرانسيس و صوفي تنأى عن هذا ، يتجرد معنى احتياجهما لبعضهما تدريجياً و يجد المنحى المنطقي لتفريغه عندما تبدأ فرانسيس بالتحول الى ما يشبه الرقيب على الحياة الجديدة التي فضلتها صوفي ، منحىً منطقي لأنه يشكل ذروة الإحساس بأن منعطفاً جديداً في الحياة قد بدأ و أن فرانسيس عليها أن تعلم بأن علاقتها بصديقتها المقربة يجب أن تأخذ أشكالاً جديدةً لأنها لن تستمر بالكيفية ذاتها للأبد ، و في العمق تحمل فرانسيس من البساطة و الحقيقية ما يجعل ميزانها من الإنجراف تجاه ما يجري أو تجاهله شيئاً جذاباً لنا كمشاهدين ، قرارها سهل ، أمنياتها سهلة ، و سعادتها بإقترابها من تلك الأمنيات أو ابتعادها عنها بسيطة ، نلتمس ذلك و نحن نراها تفقد مسكنها ، ثم تقرر الانتقال الى شقة أصدقائها ، تسافر إلى باريس ، تذهب لزيارة والديها في ساكرمانتو (لعب دورهما والدا غريتا غيرويج و في مدينتهم الأم) ، تتقبل العمل الجديد ، و تحاول اصلاح الأمور مع صوفي ، جمال الشخصية أنها تبدو حالمةً كثيراً في ظاهرها رغم أننا لا نستطيع تجاهل ألمها و حيرتها و ارهاقها الداخلي ، جميعها تتحرك تحت القشرة الخارجية للشخصية و تربطها بقوة بروح المتلقي ، تلامس المشترك فيه أكثر بكثير من شخصيةٍ تطفو فيها تلك الدواخل على السطح أو تحاول ذلك على الاقل ، روح فرانسيس عظيمة ، حيويتها تشعر بأنها ستبقى معها طوال عمرها ، المزيج الحذر من الجمال و الجنون و التصرفات الخرقاء و النوايا الحسنة ، الروح القادرة على الاستمرار دون توقف حتى لو كان ذلك من خلال نزواتٍ تخديريةٍ مؤقتة ، نراها تركض في الشارع على صوت موسيقى مجنونة ، تدخل منزلها فجأةً فتبتر الموسيقى و ينتهي كل شيء ، كل شيءٍ ما زال كما هو و بومباك و غيرويج يمارسان ذلك علينا في أكثر من مناسبة للتأكيد على جوهر و حيوية شخصيته التي تتماهى مع حيوية و روح نيويورك التي تقيم فيها : صخب نيويورك و جنونها و عدم استقرارها و توقفها عند شيء ، الروح التي أتمنى أن أشاهدها بعد سنوات عندما تبلغ فرانسيس هاليداي الخمسين أو الستين أو السبعين من عمرها.

في عمق العمق يبدو العمل بالنسبة لي سبراً في الفجوة التي تولد في منتصف الطريق نحو مرحلة منتصف العمر عندما يجد المرء أن الأمور تغيرت و أن هناك الكثير من التفاصيل التي يجب أن نتعامل معها بطريقةٍ مختلفةٍ الآن ، و نتقبلها بطريقة تختلف عما مضى ، الشعور بالضياع المفاجيء و انعدام الوزن و الحاجة لشيءٍ فقدناه و لا ندرك كنهه تماماً ، تختبر فرانسيس كوكتيلاً مدروساً وحقيقياً جداً من المشاعر و العلاقات : المرح و الصدق و الخيانة و الغضب و المشاركة و الرغبة و الإحباط و التوجيه و ربما الغيرة ، من المثير أن ذلك الكوكتيل يمزج بعيداً عن علاقة حبٍ حقيقيةٍ للشخصية و هو أمرٌ أقدرهُ في النص كثيراً ، من الصعب برأيي صناعة نصٍ عن شخصيةٍ كهذه دون علاقة حبٍ في أي مرحلةٍ من مراحله ، لكن هذا ينجح هنا ، يبقي النص جوهره القائمة على دراسةٍ واعيةٍ وغير متكلفةٍ في الصداقة طويلة الأمد دون أن يجرفها ولو مقدار شعرة بإتجاه بعدٍ عاطفيٍ قد يهزها ، لذلك تأسرنا هذه الفتاة الـ Undateable كما تسمى ، نتفهمها و ننجذب لها و نفتن بها و نفهم دواخلها دون الحاجة لأي استفزاز عاطفيٍ أو وجداني و من خلال توازنٍ درامي كوميدي لا أبالغ إذا ما وصفته بأنه الأجمل هذا العام ، مع ذلك يتورط النص في مواضع قليلة و بنسبٍ متفاوتة في بعض الإنفعالية التي تهز – و إن بلطف – إيقاع التوازن الكوميدي الدرامي للنص و تغرد خارجه و خارج الإطار الذي تقبلنا من خلاله شخصية فرانسيس و نوعية اتزانها .

في الصورة الكبيرة لا يمكن للعين تجاهل محبة بومباك لوودي آلن (و تحديداً في Manhattan) ، أو للموجة الفرنسية خصوصاً لتروفو و رومر (الذي سمى ابنه بإسمه) ، ليس فقط على صعيد تصويره هذا العمل بالأبيض و الأسود من أجل منح علاقة فرانسيس و صوفي الحميمية و التاريخ ، لكن أيضاً على مستوى الروح التي يمزجها بومباك هنا مع لغته السينمائية الجميلة القائمة على السرد الحيوي و البتر الأنيق الذي يجعل كل مشهد و كأنما يخلّف موجة صدى في المشهد الذي يليه ، يتناغم كل مشهد حاملاً شيئاً مما قبله بصورةٍ أشبه بالحلم تزيد البهجة التي منحنا اياها في شخصية فرانسيس بهجةً بصريةً إضافيةً لا تخطئها العين ، و بالرغم من أناقة تصوير سام ليفي (الذي كان ليكون جميلاً و قيماً حتى بالألوان) إلا أنه لا يصنع (على خلاف وودي و تروفو و رومر) علاقةً وثيقةً بالمكان بالرغم من كون الحدث يدور في نيويورك و باريس و هي نقطة تفوقٍ تصب في صالح صديقه المقرب و شريكه في نصّين ويس أندرسون عندما أفكر في مقارنة أعمالهما التي تتشارك حلاوة الروح و حميمية الصورة و جمالية شريط الصوت الذي يلف ذلك كله ، و بالرغم من هذه الجزئية إلا أن علاقة الكاميرا بالمقابل مع الشخصيات حميميةٌ جداً و لا يمكن انكار ذلك أو القفز عليه ، كل شيءٍ سواهم لا يتعدى مفهوم بيئة التصوير ، كل شيءٍ أمامهم أو خلفهم أو بجانبهم ثانوي جداً ، نشعر بأنهم دمى ضمن صندوق الدمى : هم حقيقة الصورة و بؤرتها و سر جاذبيتها ، و هي جزئيةٌ ساهم بها تصوير الجزء الأكبر من المشاهد الخارجية بشكلٍ سريٍ و بكاميرا غير مرئية خلقت هذا الشعور و جردت الصورة من المذاق التقليدي لموقع التصوير و حس الماكياج البصري الذي قد نتوقعه ، لذلك لا تندهش أبداً إذا ما استشعرت موقع تصويرٍ مختلف ، أو إذا ما شاهدت أحد المارة ينظر مباشرةً إلى الكاميرا !

و بالتأكيد لا يمكن أن نمر على الفيلم دون الحديث عن غريتا غيرويج ، هي الروح النابضة و الدينامو المحرك و العنصر الأكثر فعالية في تقبلنا لذلك التوازن المدروس في شخصية فرانسيس ، كتابتها للشخصية ساهمت بالتأكيد في تلك السلاسة غير المنكرة في رسم ملامحها و تاريخها و دواخلها ، صحيح أن شخصية غريتا الحقيقية تطغى على فرانسيس التي تشبهها أساساً إلى حدٍ بعيد (و من شاهد فيلمها الآخر Lola Versus قد يتفهم قصدي) ، إلا أن هذا يتوارى ببساطة بسبب جاذبية روح غريتا / فرانسيس ، لذلك نعشق أدائها بسهولة و دون إهتمام بالحدود الفاصلة بين الإثنتين ، مع ذلك يترجم ذلك الطغيان تصنعاً في بعض الإنفعالات الزائدة على النص برأيي هنا و هناك ، لكن ذلك بمجمله يمر بسهولة و لا ينتقص إطلاقاً من قيمة الكاراكتر الذي تصنعه و تتوحد معه إلى الدرجة الذي قد تبدو معها بعض حواراته مرتجلةً من قبل غيرويج و نابعةً من صميمها ، أداءٌ صادق و حيويٌ و قريبٌ جداً من القلب ، لا تملك إلا أن تقع في حب فرانسيس من خلاله .

نيسا صديقة ليف تخبر فرانسيس عن تصورها لفارق العمر بينها و بين صوفي  Like, a lot older.. but less, like, grown up ، و في مرارة هذه العبارة يكمن كل شيء بالنسبة لفرانسيس ، فيلم جميل عن حلاوة الروح ، عن صخبها ، و ديمومتها ، عن التضاريس التي تنحتها ، و الأحلام التي تغذيها ، و عن صعوبة ادراك المسافة بين أن (نشيخ دون أن ننضج) أو (ننضج دون أن نشيخ) ، هذه إحدى بهجات 2013 .

التقييم من 10 :  9