الجمعة، 18 أكتوبر 2013

2001: A Space Odyssey

كتب : عماد العذري

بطولة : كير دوليا ، غاري لوكوود ، ويليام سيلفستر
إخراج : ستانلي كوبريك

قرأت ذات مرةٍ لكوبريك ( إلى أي مدى سنقدّر الجيوكندا اليوم لو أن ليوناردو (دافنشي) كتب أسفل قماشها : هذه السيدة تبتسم بلطف فقط لأن أسنانها متعفنة ، أو لأنها تخفي سراً لحبيبها ؟!! هذا سينهي تقدير المشاهد و سيقيّده إلى حقيقةٍ تختلف عن تلك التي شكّلها ، لا أريدُ أن يحدث هذا مع 2001) ، هذه العبارة كلّفتني تسع مشاهدات و بضع كتب و عشرات القصاصات التي كتبتها على مدى خمسة أعوامٍ كاملة كي أحقق حلماً لي بالكتابة أخيراً عن هذا الفيلم .

من خلال هذا العبارة كان كوبريك يريد التأكيد على هدفه في الوصول الى لا وعي المشاهد و ملامسته داخلياً عوضاً عن تقديم التفسيرات المباشرة للأحداث التي يقدمها ، كان يريد أن يقارب ما يفعله فن الموسيقى في ملامسة لا وعي المتلقي ، دون أن يحصل منه كفن على أي نتيجةٍ ماديةٍ أو مفسرة ، و لا أراه ابتعد عن ذلك مطلقاً ، لطالما اعتبرت عمله هنا أقرب الى السيمفونية و اعتبرت قطعه الأربعة حركاتٍ موسيقية بدلاً من أن تكون مجرد فصولٍ في فيلم ، ذهبت بعيداً في كتابتي عن الفيلم ، استنزفت كل قصاصةٍ صغيرةٍ و كل ملاحظةٍ عابرةٍ دوّنتها عنه على مدى مشاهداتي التسع له ، قرأت الكثير عنه ، أصله الأدبي و الرواية التي اطلقت معه ، الكتب و المقالات التي كتبت عنه ، نيتشه و هوميروس و أي مصدر أثر فيه ، و حتى مقاطع الفيديو التي تناولته بشكلٍ أو بآخر ، و ربما كتبت الآن كي أوقف هذه المسالة عند حدها و أتخلص من عشقي الهوسي بواحدٍ من أعظم الإنجازات الفكرية و البصرية التي جادت به علينا شاشة السينما .

جاء هذا العمل في نهاية الأعوام الأربعة التي شهدت النجاح التدريجي لتحفة كوبريك Dr. Strangelove ، استمد فكرته من قصةٍ قصيرةٍ تدعى The Sentinel كتبها عملاق أدب الخيال العلمي آرثر سي كلارك ، اختارها كوبريك بين عددٍ من الأعمال الأدبية المتاحة لأنه كان يرى بأن الوقت قد حان لتقديمٍ عمل خيالٍ علمي في ذروة الصراع الدائر بين الولايات المتحدة و الإتحاد السوفيتي حول غزو الفضاء ، سرعان ما جلب كوبريك آرثر سي كلارك لمشاركته كتابة نصٍ للفيلم ، انجزا النص في 58 يوماً شهدت أواخرها انقساماتٍ عنيفةً و جدلاً عقيماً بين الرجلين حول الطريقة التي يرى كلٌ منهما ما يفترض أن تصبح عليه الصورة النهائية للنص ، لم يشأ كلارك بحس الأديب أن يبقي نصه معلقاً و صعب الفهم ، بينما رأى كوبريك (كما أوضحت في افتتاحية كلامي) أن التفسير قد يقتل عبقرية العمل و يضربه في مقتل و يسلبه جوهر سحره ، تماماً كما لو قام دافنشي بتفسير الابتسامة الغامضة للموناليزا ، مضى كوبريك في اكمال نصه كما يريد في حين أصر كلارك على توجهه الذي تابعه من خلال روايةٍ حملت الإسم ذاته أكملها بعد 130 صفحةً من كتابة النص و أطلقها بعد اطلاق الفيلم ببضعة أشهر ، كانت الرواية – كما القصة القصيرة – أحد الموارد الهامة التي ارتأيت البحث فيها لمحاولة فهم الفيلم بشكلٍ افضل ، لكنني سرعان ما اكتشفت مدى اختلاف كوبريك معها فوجدت في التطرق لتفسيراتها نوعاً من العبث ، و لم تنتهِ مواردي عن الفيلم هنا ، فالفيلم – و بجدارةٍ مطلقة – هو أكثر الأفلام التي كتب عنها في تاريخ السينما كله ، كانت القراءة ممتعةً أحياناً ، عقيمةً أحياناً ، و ساذجةً في كثيرٍ من الأحيان ، و من المنظور ذاته الذي رأى من خلاله كوبريك ان التفسير الحرفي للعمل يفقده سحره ، رأيت أن العمل بني على محاولة فهم التوجه العام الذي يرمي اليه عوضاً عن محاولة تفسيره و وضعه في قالبٍ جاهزٍ للتناول و التحليل ، مع مرور السنوات و تكرار المشاهدات لفن كوبريك بمجمله لفتني الولاء الذي يكنه الرجل لفلسفة الفيلسوف الألماني الأشهر فريدريك نيتشه في أعماله جميعها تقريباً و على الأخص في هذا الفيلم ، فأعدت قراءة كل ما اتصل بين هذا الفيلم و نيتشه ، ثم أعدت أيضاً قراءة ملحمة هوميروس التي أخذ الفيلم اسمها ، لم أفعل هذا مع أي فيلم ، كانت الكتابة عن هذا الفيلم حلماً مكتمل الملامح بالنسبة لي ، و ها أنا ذا أكتب عنه الآن !!

و بالرغم من نظرتنا الآنية للفيلم ، إلا أن الأمور في الواقع لم تسر في حينها كما أريد لها ، صحيح أن كوبريك استنزف كل هوسه بملامسة الكمال السينمائي في تحقيق معجزته البصرية الأعظم ، و صحيح ان الأمر وصل به لإستشارة أكثر من 50 جهةً و منظمةً لرسم أدق تصورٍ ممكن للمستقبل في العام الأول من الألفية المقبلة (بعد 33 عاماً من انتاج الفيلم) ، إلا أن هذا التفوق الفكري و البصري الواضح للفيلم و الذي جعله مختلفاً عن أي فيلم خيالٍ علميٍ جاء قبله أو بعده و جعله بالنسبة للكثيرين اليوم أعظم فيلم خيالٍ علميٍ على الاطلاق كلّف كوبريك كثيراً ، اطلاقه في ذروة حرب الفضاء بين الولايات المتحدة و الاتحاد السوفييتي جلعه فيلماً مرتقباً بشدة كلف أكثر من 10 ملايين دولار لإنتاجه (وهو رقمٌ ضخمٌ بمقاييس الحقبة) لكنه سرعان ما أصبح أيضاً فيلماً مخيّباً بشدة ، أطلق أول مرةٍ في نيويورك في 158 دقيقة ، سرعان ما قص كوبريك 19 دقيقةً منها كي يتجاوز الانتقادات العنيفة التي تلقاها ، لكن حتى ذلك الاقتصاص لم يفده كثيراً ، روّج للفيلم كعملٍ ممل و رتيب و شبه خالٍ من الحوار خصوصاً و أن أول جملةٍ تقال في الفيلم تأتي بعد 25 دقيقة على بدايته ، بينما تقال آخر جملةٍ فيه قبل 23 دقيقةً على نهايته ، كما انتقد لصعوبته و بطئه و غموضه غير المفسر حتى بعد الإنتهاء ، لم يحقق الفيلم النجاح المرجو و كاد يسحب من الصالات ، مع ذلك نال الفيلم بختام العام اربع ترشيحاتٍ للأوسكار و سقط من حسابات أوسكار أفضل فيلم بالرغم من ترشيح كوبريك لجائزة أفضل إخراج إلى جوار ترشيحين شخصيين آخرين ، لكن قيمة الفيلم سرعان ما تحسنت تدريجياً على مدى السنوات الأربع التالية حتى غدا بعدها أكثر أفلام 1968 تحقيقاً للإيرادات في أميركا الشمالية ، قبل أن يتحوّل الى كلاسيكيةٍ حقيقية بعد عقدٍ كاملٍ من الزمان عندما ساهم فيلم جورج لوكاس Star Wars في اعادة ولع الجيل الصاعد بأفلام الفضاء و دفعهم للبحث بطريقةٍ هوسية في مثل هذه النوعية من الأعمال ، تلك المساهمة هي ما جعلت الفيلم المثال الأبسط على القيمة السينمائية المنبعثة و على الفيلم الذي لم يقدّر في زمنه قبل أن يصبح كلاسيكيةً عظيمةً بمرور السنوات .

 الفيلم مقدم في أربع حركات ، في نهاية الحركة الأولى (فجر الإنسان) يقفز بنا كوبريك من خلال مشهد عبقري لقطعة من العظام تتحول إلى مركبة فضاء في القرن الحادي و العشرين في الحركة الثانية , حيث عالم الفضاء الأمريكي الدكتور هايوود فلويد يسافر لتقصي إكتشاف عمود أسود ضخم على سطح القمر , ثم في الحركة الثالثة بعد 18 شهراً رائدا فضاء ديفيد بومان و فرانك بول ينطلقان إلى المشتري على متن مركبة الفضاء ديسكفري برفقة ثلاثة رواد فضاء (في وضعية السبات) و كمبيوتر السفينة HAL 9000 الذي يدير السفينة كلها و الذي يتعرض لإختلال يدفعه لمحاولة قتل بومان لمداراة أخطاءه مما يدفع بومان للدفاع عن نفسه بالطريقة الوحيدة الممكنة , قبل أن ينطلق كوبريك ببومان بعدما اكتشف الغرض الأساسي من رحلته ليقفز بنا في الحركة الرابعة عبر بوابةٍ نجميةٍ ليقودنا إلى النهاية العبقرية لفيلمه.

يقول آرثر سي كلارك عن الفيلم (إذا ما فهمت 2001 بالكامل نكون قد فشلنا ، أردنا أن نطرح أسئلةً أكثر بكثير من تقديم الإجابات) ، و هذا ما أتفهمه جيداً و أنا أكتبه عنه ، بالرغم من أنني استهجن على كلارك محاولته الإطاحة بهذه المقولة من خلال  مقارباته التفسيرية في روايته التي اطلقت بعد أشهرٍ من اطلاق الفيلم و التي استهجنها وقلل من قيمتها كوبريك نفسه في أكثر من مناسبة ، في روح العمل هناك انغماسٌ حد النخاع في فكر نيتشه ، نص كوبريك المتأثر بنيتشه يعمل ببراعة على خطين متوازيين : الأول هو عملية الإرتقاء الثلاثية من الوحش نحو الإنسان المتفوق (المستلهمة من كتاب نيتشه هكذا تكلم زرادشت) ، و الثاني هو التوازن الديونيسي / الأبولوني للإنسان عبر تلك الرحلة (المستلهم من كتاب نيتشه مولد التراجيديا) ، في أول كتب نيتشه مولد الترجيديا (ترجمة شاهر حسن عبيد ، صدر عن دار الحوار عام 2008يرسي الرجل فكرة الصراع الوجودي بين الديونيسي (نسبة للإله ديونيسيس) و الأبولوني (نسبةً للإله أبولو) ، تقوم الفكرة على وجود تضادٍ دائم بين هذه القوى الميتافيزيقية المتعارضة إستخدمها نيتشه لتفسير الإبداع الفني ، الديونيسي : اللابصري / الحسي / الروحي (رأى في الموسيقى خير مثالٍ له) ، و الأبولوني : البصري / المادي / العقلي (و رأى في النحت أفضل من يمثله) ، كلا العنصرين هما اعادة تفسيرٍ للواقع ، أحدهما بصورته المبعثرة و الآخر بصورته المرتبة و المصنفة ، نيتشه اعتبر أن هذين العنصرين متصارعين على الدوام و كلاهما يحاول السيطرة على الوجود و هناك رغبةٌ دائمةٌ لدى كلٍ منهما لتدمير الآخر ، هذا الصراع الديونيسي الأبولوني تجلى على درجاتٍ متفاوتة في أفلام ستانلي كوبريك مثل Lolita و Barry Lyndon و Eyes Wide Shut لكنه بلغ ذروة عظمته و سطوته في الإنقلاب الذي يصيب شخصية أليكس في A Clockwork Orange ، هذا من ناحية ، و من ناحيةٍ أخرى يستمد الفيلم روح رحلته من أشهر كتب نيتشه جميعها هكذا تكلّم زرادشت (ترجمة فليكس فارس و صدر عن مطبعة جريدة البصير عام 1938) ، تشرّب كوبريك روح الكتاب تماماً و هو يضع نصّه هذا ، و لا يبدو من الصدفة اطلاقاً أن الرجل الذي يقرر هنا و للمرة الأولى استخدام الأعمال الموسيقية الكلاسيكية في افلامه يختار تحديداً موسيقى ريتشارد شتراوس (هكذا تكلّم زرادشت) لتترافق مع أهم مفاصل العمل (التعامد السماوي) والتي ارتبطت به لدرجةٍ لم تعد ترمز معها الى لكل ما له علاقة بالفضاء و الأجرام السماوية ، في هكذا تكلم زرادشت يتطرّق نيتشه لنظرية التطور من وجهة نظرٍ مختلفة ، مقدماً المراحل الثلاث لتحول العقل و نظرته للإنسان كحلقة وصلٍ مؤقتة بين القرد و الإنسان المتفوّق ، و هي النظرة التي ينضح بها عمل كوبريك في حركاته الأربع جميعها .

يفتتح كوبريك فيلمه بشاشةٍ سوداء على خلفية موسيقى الهنغاري جورجي ليغاتي Atmosphere لقرابة ثلاث دقائق ، ينقلنا من خلالها الى التعامد الثلاثي بين القمر و الأرض و الشمس على موسيقى Thus Spoke Zarathustra أو هكذا تكلم زرادشت والتي تبدو توجيهاً مبكراً جداً للكتاب خصوصاً و أنها تنتهي مع ظهور عنوان الحركة الأولى (فجر الإنسان) وثيق الصلة بكتاب نيتشه ، هذا التمهيد ليس عبثياً و هو يضرب في صميم الحبكة المفترضة لفيلمٍ لا يمتلك شخصياتٍ لتتطور أو حبكةً حقيقيةً بالمعنى المكتمل للكلمة ، في الحركة الأولى (فجر الإنسان) يطلّ كوبريك على الأرض قبل اربعة ملايين سنة ، حيث النشأة الداروينية للإنسان ، نطل على الإنسان القرد في فترةٍ ما من حياته الطويلة على الكوكب ، عشيرة القرود النباتية التي تبدو حياتها تجسيداً للجانب الديونيسي (الروحاني / الغريزي / العاطفي) من الذات ، تتغذى على الحشائش ، تتنافس مع الحيوانات العشبية الأخرى ، و تقع فريسةً لآكلات اللحوم ، و تعجز عن أن تحرّك ساكناً عندما تسيطر عشيرة قرودٍ أخرى على نبع الماء القريب ، حتى غريزة البقاء هنا لا تكون كافيةً لإحداث الفارق في حياتها ، تكتفي بالصراخ قبل أن تغادر مهزومةً امام عشيرةٍ لا تمتلك أي نقاط تفوقٍ عليها ، في هذه المرحلة المصيرية من حياتها تحين لحظة الحقيقة ، تستيقظ ذات يوم لتجد أمامها عموداً أسوداً ضخماً ، لا تجد له مصدراً أو تفسيراً أو هدفاً ، حتى كوبريك لا يحاول تفسيره بأكثر من موسيقى جورجي ليغاتي المقلقة Requiem والتي تبدو أقرب الى صوت فحيح ارواحٍ قادمةٍ من بعدٍ مختلف ، اكتشاف العمود يحدث في اللحظة التي يشتد بها الحال على القرود ، يجدونه عند (الفجر عندما يقف الرجل في منتصف الطريق بين الوحش و الإنسان الفائق) كما يقول نيتشه ، في هذه اللحظة يحدث التماس المادي للوحش (أو الكائن الأدنى في مواضع أخرى) و تحدث النقلة الإدراكية الشعورية الأولى في مسيرة تطوره مع الرسالة الغامضة القادمة من منظورٍ أعلى (يترك كوبريك للمشاهد امكانية فهم هذا المنظور و تفسيره : علمياً أو فلسفياً أو دينياً) ، ثم يحدث التعامد السماوي عند قمة العمود ، الرسالة السماوية أحدثت أثرها ، طّوّر الوحش (أدواته) كي يستمر ، تتعلم القرود استخدام عظام الميتة كسلاحٍ تواجه به اعداءها ، تحدث النقلة التطورية من خلال صورة زعيم العشيرة و هو يستخدم عظمةً في تحطيم عظامٍ أخرى على صوت الموسيقى ذاتها (هكذا تكلم زرادشت) لريتشارد شتراوس ، سرعان ما تتحول القرود من كائنات نباتية الى اخرى حيوانية تلتهم ذات الحيوانات العشبية التي كانت تنافسها فيما سبق ، ثم تستخدم العظام كسلاح في طرد العشيرة الأخرى التي تسيطر على نبع الماء ، هنا تختل السيطرة الديونيسية على الإنسان و يزداد جانبه الأبولوني (العقلي / المادي / المنطقي) قوةً و سطوة ، يقول زرادشت أو زارا كما يختصره الكتاب (القرد من الإنسان هو سخريته و عاره ، و كل كائنٍ أوجد من نفسه شيئاً يفوقه) ، مرحلة الإنتقال نحو الأعلى (نحو الكائن الذي يفوقه) تحدث – كما سنرى في النقلات الأخرى لاحقاً – على هامش الفناء كسبيلٍ للسيطرة و البقاء ، نيتشه يرى في جوهر نظرته الوجودية للتطور على لسان زرادشت أن مراحل تحول العقل ثلاثة : كيف استحال العقل جملاً (أن يقاوم و يتحمل من أجل أن يبقى) ، و كيف استحال الجملُ أسداً (من خلال نيل حريته و بسط سيادته) ، ثم كيف استحال الأسد طفلاً (بأن وصل الى مرحلة الطهر و التجدد و العقيدة المقدسة ، حصل أخيراً على الإرادة المطلقة) ، بنهاية هذه الحركة تحدث النقلة التطورية الأولى في رحلة زرادشت ، يستحيل العقلُ جملاً صبوراً قادراً على المقاومة و التحمل في صراع البقاء ، و قادراً على ترجمة ذلك التحمل خطوةً في طريق ارتقاءه من مستوى الوحش الى مستوى الإنسان المتفوق (السوبرمان) مروراً بالمرحلة الأكثر مصيرية في تطوره : أن يكون إنساناً .

ينقلنا كوبريك بنهاية هذه الحركة - و من خلال لقطةٍ عبقريةٍ لعظمةٍ مرميةٍ نحو الأعلى تستحيل قمراً صناعياً يجول حول الأرض بعد 4 ملايين عام - إلى المستقبل عام 2001 ، نقلة على مستوى التقنية و (الأدوات) التي رافقت هذا الكائن و منحته سيادته على غيره ، على مدى خمس دقائق تقريباً يدعونا كوبريك الى حفلٍ راقصٍ خاطف على صوت مقطوعة The Blue Danube ليوهان شتراوس ، في الدقائق الخمس نلقى نظرة على التناغم الراقص لمجموعة الأقمار الصناعية التي تجول في المجال الجوي للأرض و التي لا يُخفي علينا تباينها الشكلي حقيقة انتسابها الى دولٍ مختلفة كتعبير عن صراع الفضاء الذي يتوقع كوبريك أن يسود مع مطلع الألفية الثالثة ، هذه المقطوعة الراقصة للأقمار الصناعية مع الأجرام السماوية جوهريةٌ جداً لعقد المقارنة مع المقطوعة البصرية التي تفتتح الحركة السابقة (فجر الإنسان) لترسم حدود البيئة التي حكمت النقلة التطورية الأولى ، في هذه المقطوعة الموسيقية الراقصة يقدم لنا كوبريك أقماراً مختلفة ، دولاً مختلفة ، توجهاتٍ و مرجعياتٍ مختلفة ، ذات التنوع في الحياة البرية التي حكمت افتتاحية الحركة الأولى : صورةٌ مختلفةٌ لقطعان الحيوانات التي شاهدناها في (فجر الإنسان) ، أصبح الهم مختلفاً ، و صراع البقاء مختلفاً ، و صارت نزعة الإنسان نحو الإنسان المتفوق مختلفة ، خمس دقائق فاتنة أشبه بإستراحة قبل حدوث العقدة التي تقض مضجع هذا الإنسان (مثل نبع الماء في الحركة الأولى) ، العظام صارت أقماراً صناعية ، مجدداً تتغير (أدوات) الإنسان ، فيتغيّر هو أيضاً ، نشاهد عالم الفضاء الدكتور هايوود فلويد يجلس مع العلماء السوفييت في البهو ذو الأرائك الحمراء ، صورةٌ مبهجةٌ و مريحةٌ للبصر لكنها لا تختلف في جوهرها عن اجتماع عشيرتي القرود على بركة الماء ، ما زال صراع البقاء القائم على القوة هو الحاكم ، تغيرت الأدوات ، تضخمت القوة ، فهدأت النبرة ، لم نعد نسمع صياح القرود الغاضبة في وجه بعضها البعض ، و إنما حديثاً ودياً جداً يكاد يصبح حميمياً و شخصياً لكنه يخفي بين سطوره الكثير من صراع القوى بين القاعدتين الفضائيتين للدولتين العظميين على سطح القمر ، التعبير عن القوة و العنف يأخذ منحىً مغايراً لطبيعة العنف ذاتها ، و هي جزئيةٌ ينقدها كوبريك بقدر نقده للعنف ذاته ، ينقد توجيه العنف خارج اطاره الغريزي المألوف (وعمله المكتمل على هذا الصعيد حدث في A Clockwork Orange) ، ردود الفعل الودودة جداً بين الدولتين العملاقتين اللتين تتصارعان على السيادة و القوة هي مرحلة انتقاليةٌ في الحدث نحو الروبوتية التي ستتجلى في الحركة الثالثة ، هذا التقديم مهمٌ جداً في تقديم العقدة ، العقدة تبرز مجدداً في الصورة ذاتها : حقيقة ما يجري على سطح القمر ، و حقيقة الوباء الغامض الذي ضرب القاعدة الامريكية هناك كما أشيع ، يرفض فلويد الإفصاح بأي شيءٍ لـ (أصدقاءه) السوفييت ، لكنه لا يروي عطش أبناء جلدته أيضاً عندما يلتقيهم في القاعدة القمرية عقب انتهاء كوبريك من حفله الراقص ، كلا العشيرتين (القردية في الحركة الأولى و البشرية في الثانية) تجتمع على أعتاب المجهول و في لحظة توقٍ شديدٍ للتفوق و في حاجةٍ ماسةٍ للمزيد (المعرفة) : الشغف الذي لا ينتهي و الجوع الذي لا ينطفئ ، بذات سياسة القطيع نراهم يصفقون للدكتور فلويد دون أن يعرفوا شيئاً عن حقيقة مهمتهم هناك ، الفرق الذي يحدث بين العشيرتين يحدث بسبب اختلاف التوازن بين الجانب الديونيسي و الجانب الأبولوني في الإنسان لصالح الأخير ، نراه أكثر تجرداً من روحانيته و غرائزه (بما فيها غريزة القوة و العنف) و اكثر احتكاماً الى عقلانيته و مادياته (حتى مع خصومه الأعنف) ، صراع نبع الماء اختلف تماماً الآن بفضل هذا التوازن ، و هذا التوازن هو ما يجعل من هذا المرحلة مريحةً بصرياً و فلسفياً للمشاهد ، الإنسان يحقق التوازن المطلوب و يتابع سيره في درب تطوره ، تجتمع العشيرة لمناقشة موضوع العمود الأسود الغامض الذي وجد مدفوناً على سطح القمر منذ 4 ملايين سنة (هي ذات الفترة ربما التي وضع فيها العمود الأول في الحركة الأولى) ، تبدو الصورة الواسعة أقرب الى مجموعة أعمدةٍ نثرت في ارجاء الكون لتقود الإنسان في رحلة تطوره تلك ، يعيد كوبريك مجدداً جمع القطيع حول العمود الغامض بكل هالته و رهبته على أنغام موسيقى Requiem المقلقة و المثيرة للرهبة ، تحدث الملامسة مجدداً ، ثم تحدث النقلة من خلال الإشارة الصوتية القوية التي يطلقها العمود عند الإصطفاف السماوي للشمس و الأرض و نفهم مغزاها لاحقاً ، تستمر رحلة زرادشت مع الإشارات القادمة من القوة العلوية في توجيه رحلة الإنسان من الوحش نحو الإنسان المتفوق ، تغيرت فقط الأدوات و تغيّر معها التوازن الديونيسي الأبولوني للوجود الإنساني .

الحركة الثالثة (مهمة المشتري) - التي تجري بعد 18 شهراً على الحركة الثانية - يفتتحها كوبريك بموسيقى آرام خاتشاتوريان Gayaneh Ballet Suite التأملية ، نلقي نظرة مطوّلةً على المركبة الفضائية بشكلها الذي يشبه النطفة (لغايةٍ قد تفسّر لاحقاً) ثم نذهب الى الداخل لتأمل الرتابة و الخواء و الروبوتية التي تخلقها مراقبة رائد الفضاء فرانك بول في جولة الركض الصباحي حول محيط الجزء الكروي للمركبة ، ثمّ سرعان ما يرسّخ كوبريك مقولة زرادشت عن أن (ما فطرنا عليه هو أن نخلق كائناً يتفوق علينا) ، هذا الكائن نلتقيه مباشرةً عقب تلك المقدمة ، كمبيوتر مكوك الفضاء ديسكفري HAL 9000 ، الجيل الذي لم يرتكب خطأ واحداً من حواسيب ناسا العملاقة ، واحدةٌ من صور الذكاء الإصطناعي العديدة في أفلام الخيال العلمي بدءاً بـ Metropolis وصولاً إلى A.I : Artificial Intelligence مشروع كوبريك الذي أنجزه سبيلبيرغ بعد وفاته بعامين ، ظهور هال بالنسبة لنا هو ظهور مراقبة ، إحساسٌ نستخلصه من خلال الكادرات و المونتاج بأن هال يسيطر على كل شيء ، يدعمه بقوة نبرة صوتٍ مدروسةٌ بعبقرية قدمها دوغلاس رين و مزج فيها بإتزان جمود الروبوت و حميمية البشر ، يدخلنا كوبريك في توازيات متتالية بين بشرية الروبوت و روبوتية البشر ، يبدو هال أكثر حميميةً في تقديمه من بومان و بول ، التواصل بين رائدي الفضاء يكاد يكون معدوماً ، نراهما – في لقطاتٍ متتالية من اليمين و اليسار – يجلسان على مقربةٍ من بعضهما - دون تبادل كلمةٍ واحدة - يستمعان للأخبار و يأكلان طعاماً إسفنجياً فقد حقيقيته ، و لا نحتاج لأكثر من مشهد فرانك بول يتلقى اتصالاً عبر الفضاء من والديه بمناسبة عيد ميلاده لندرك الروبوتية التي كست تصرفات الرجلين اللذين عاشا وحيدين لعامٍ ونصف على متن مركبةٍ فضائية ، شيئاً فشيئاً تصبح كاميرات هال ذات البؤرة الحمراء عنصراً أكثر انسانيةً بالنسبة لنا ، يراقب و يفكّر و يخطط و يدير الأمور (كتمهيدٍ فعالٍ جداً ليصبح خصماً حقيقياً بعد ذلك) ، نلمس فخره و دبلوماسيته و ذكاءه من خلال اللقاء الصحفي الذي تجريه معه BBC و الذي يبدو حيلةً نصيةً فعالةً من كوبريك لتقديم الشخصيات (التي تكاد لا تتكلم أساساً) ، يأخذ الحدث دفعةً قويةً مع التساؤلات التي يثيرها هال حول هدف الرحلة ، من المثير جداً ملاحظة أن هال هو من يبدأ في الشك في نوايا الرحلة التي يقومون بها و ليس الرواد ، ذكاءه الإصطناعي المتفوق أوصله الى مرحلة الشك و بالتالي منحه بعداً انسانياً اعلى من المتوقع ، و أسئلة هال عن حقيقة الرحلة هي أسئلةٌ وجوديةٌ في الواقع ، ذات الأسئلة التي سألها الإنسان من قبل ، ربما هو يشكك في سبب وجوده و في الغرض الذي وجد من أجله ، التشكيك الذي لم يراود بال ديفيد بومان عندما يفاجئه هال بأسئلته ، تبدو هذه العقدة مرحلةً متقدمةً من فلسفة التوازن الديونيسي / الأبولوني التي سيّرت الحكاية منذ البداية ، يختل التوازن بعنف لصالح الديونيسية لدى هال فتكتسب القيم الروحانية معنى أكثر أهمية بكثير مما يفترض ، و يختل بعنف لصالح الأبولونية لدى رائدي الفضاء فيكتسب المادي / المنطقي معنى سائداً على ما سواه يجعلهم يبدون أقرب الى روبوتات ، هذا الخلل في التوازن يفسر الى حدٍ بعيد فلسفة الخطأ الذي تقوم عليه العقدة عندما يبدأ الحاسوب الذي لا يخطيء في ممارسة ألاعيبه ، يبدو الخطأ نابعاً من صميم انسانية الإنسان ، لذلك يرتكبه هال عندما يغدو أكثر انسانيةً مما يفترض ، و عندما يمتلك الرغبة في الدفاع عن المهمة التي أوجد من أجلها أكثر مما يفترض ، في حين يبتعد البشر عن مسعاهم نحو الإنسان المتفوق عندما يختل ذلك التوازن المطلوب ، لذلك نحن نبدأ بالتعاطف مع رائدي الفضاء عندما نبدأ بالشعور بأنهما يفكّران (مشهد الإجتماع السري في الكبسولة و قراءة الشفاه) ، الخطأ الذي يرتكبه هال (أو الكذبة كما يحب البعض تفسيرها) يبدو مزدوج الاتجاه : هو من ناحية نقطة قوةٍ لصالحه تظهره بمظهر المتحكم و المسيطر الذي لا يمكن الوقوف في وجهه ، و نقطة ضعفٍ ضده لأنه تنسف نظرية التفوّق التي يتشدق بها بخصوص جيل 9000 من حواسيب ناسا ، مستوى الذكاء الإصطناعي الذي أوصله الى هذا الإختلال غير المسبوق في ديونيسيته يجعله أكثر ميلاً لارتكاب الخطأ (الذي يفترض أن يكون سمةً بشرية) دون أن يكون قادراً على ادراك أنه أخطأ اساساً و هذا ما يجعل ما يقوم به خطيراً ، لذلك نراه يعزو خطأه في توقع الخطأ (كما تصفه الادارة الأرضية لناسا) إلى خطأ بشري في مقارنته بتقييم حاسوبي HAL 9000 الموجودين في القيادة ، سعي الإنسان نحو المرحلة التالية من تطوره (سعيه نحو الإنسان المتفوق) أخطأ طريقه عندما حاول الإنسان (من خلال الذكاء الإصطناعي) منح صفاته للكائن المتفوق الذي أوجده ، و هي الصفات التي أدت الى تدمير الكائن المتفوق و اختلال توازنه كلما حصل على المزيد منها ، عقب الـ Intermission التي يأخذها كوبريك بعد مشهد الإجتماع السري (و التي يبدو الغرض منها تشويقياً و ليس زمنياً بالنظر لفيلمٍ لا تتجاوز مدته الساعتين و نصف) ننتقل الى مرحلة الصراع الحقيقي بين الإنسان و الكائن المتفوق الذي أوجده ، التوازن المضطرب بين ديونيسيس / أبولو هو ما يزيد بشرية هال و بالتالي يحوّله الى قاتل في مسعى البقاء و الحفاظ على وجوده ، يطيح بفرانك بول في الفضاء و يقتل الرواد الثلاثة في كبسولات السبات ، لا تبدو عبارته عندما يرفض فتح باب المركبة لديفيد بومان (أعتقد أنك تعرف المشكلة مثلي تماماً) صادرةً عن روبوت ، هنا يحاول الإنسان اعادة الأمور الى نصابها في مواجهة الكائن الذي أوجده في مواجهةٍ إبتكارية تحاول تصحيح التوازن الديونيسي / الأبولوني الذي اختل كسبيلٍ نحو متابعة ارتقاءه للوصول الى الكائن المتفوق ، و بالرغم من تأثر كوبريك الشديد بنيتشه الا أنه لا يسايره في كل الأمور ، هو يبقي التوازن بين ديونيسيس و أبولو محورياً في قصة الارتقاء لكن من منظوره الفلسفي الخاص ، الإنسان قتل خالقه في (هكذا تكلّم زرادشت) ، لكن كوبريك لا يسمح لمحاولة هال قتل بومان أن تنجح ، هذا التفصيل هو برأيي نظرة في عمق التوجه الديني لكوبريك الذي لم يكن مؤمناً باي دين وهنا يلتقي مع نيتشه ، لكنه على خلافه كان مؤمناً بأن لهذا الكون إلهاً بناءً على حقيقة أن هناك 100 مليار نجمٍ في مجرتنا وحدها ، و هناك 100 مليار مجرةٍ في هذا الكون ، و كل تلك المنظومة تعمل بدقةٍ متناهية و بمساراتٍ فائقة التصميم ، يرى هنا من خلال عظمة الصورة التي يقدمها للفضاء أن مفهوم الألوهية هو روح هذا الفيلم لكن ليس بالمنظور التقليدي الديني له و إنما بالمنظور العلمي القابل للقياس ، لذلك يحاول من خلال رحلة الإرتقاء الملحمية تلك من الوحش نحو السوبرمان أو الإنسان المتفوق مقاربة مفهوم الألوهية على طريقته و تحرير ذاته و بسط سيادته كأساسٍ لتلك المقاربة ، هذه الرحلة الملحمية تتقاطع حتماً في صراعات بقاءها مع ملحمة هوميروس التي تحمل إسمها ، و اعتقاد المشاهد أن مخلوقات السيكلوب Cyclops العملاقة ذات العين الواحدة هي الهامٌ و مرجعيةٌ لجيل 9000 من حواسيب ناسا قد لا يكون اعتقاداً خاطئاً بالمرة ، الإنسان في ملحمته يواجه احد تلك السيكلوب (بوليمفوس ابن بوسيدون) الذي يحتجز أوديسيوس في جزيرته (مركبته) و يلتهم رجاله واحداً تلو الآخر (كما فعل هال) قبل أن ينتصر عليه أوديسيوس فيفقأ عينه و يقضي على نقطة تفوقه ، هنا يصبح الإنسان الذي يستعيد توازنه المختل على مرمى حجر من تحقيق ارتقاءه التالي ، يستحيل الجملُ اسداً من خلال نيل حريته و بسط سيادته ، و بالتأكيد ازداد شغفه لـ (المعرفة) و لـ (المزيد) مجدداً عقب فناء أحدهم ، فناء هال يوقّت مباشرةً لظهور تسجيل الدكتور فلويد الذي يفسّر لديفيد بومان هدف المهمة : استكشاف مصدر الإشارة التي حصلوا عليها على سطح القمر و احتمالية وجود حياةٍ ذكيةٍ على سطح المشتري ، هال ائتمن على المهمة حمايةً لها من السوفييت ، ائتمن بسبب روبوتيته ، لكنه فقدها لاحقاً و استحال بشراً يدافع عن بقاءه الذي على وشك أن يتبدد بوصول المركبة الى المشتري ، هنا ينطق الفيلم آخر كلماته قبل أن يرسلنا في رحلته الختامية الصامتة .

يقول زارا (إنني أحب من لا غاية لهم في الحياة الا الزوال ، فهم يمرون إلى ما وراء الحياة) ، (أحب من لا يتطلبون وراء الكوكب معرفة ما يدعو إلى زوالهم أو ما يهيب بهم الى التضحية ، لأنهم يقدمون ذاتهم قرباناً للأرض ، لتصبح هذه الأرض يوماً ميراثاً للإنسان المتفوق) ، يستهل كوبريك الحركة الرابعة (المشتري و ما بعد الزوال) مجدداً من خلال موسيقى Requiem بكل ما فيها من روحانيةٍ و قلق تخلقه صورة العمود الأسود الثالث الأكثر ضخامةً من سابقيه يتجول هناك حول المشتري ، يطرح كوبريك في هذه الحركة الأسئلة الأكثر عمقاً عن مصير الإنسان و موقعه ضمن هذه المنظومة التي يسير فيها ، يحمل العمود ذات المعنى الذي حمله نظراؤه في الحركات السابقة ، رغبة (المعرفة) و عطش (المزيد) و أيقونة الارتقاء و الإشارة القادمة من بعدٍ علويٍ بكل ما للمفهوم من معانٍ مختلفة ، معانٍ لا يطرحها كوبريك بصورتها المباشرة بل يترك تفسير بعدها الفلسفي للمشاهد ، يؤكد من خلال هذا معنى الجملة الحوارية الأخيرة في الفيلم والتي يقولها الدكتور فلويد – في نهاية الحركة الثالثة - عن إشارة العمود الثاني (أصلها و الهدف منها ما زال لغزاً مطلقاً) ، هنا نظرة كوبريك لمغزى رحلة الحياة بمجملها ، و لمغزى الاشارات العلوية و الرعاية الالهية التي وجهت تلك الرحلة في أهم مفاصلها ، و هذه المعاني الغامضة التي يتركها كوبريك لتفسير مشاهده لا يكون غموضها هدفاً بحد ذاته ، هي غامضةٌ غموض المعنى الحقيقي لرحلة الإنسان و مصيره و غاية ارتقاءه ، و هو معنىً لكل شخصٍ أن يفسره و يفهمه بطريقته ، تماماً كما يتيح له كوبريك أن يفعل .

خمس دقائق من الموسيقى و التناغم الفضائي تنتهي بحدوث التعامد بين المشتري و أقماره و تصالب العمود معهما ، يغادر بومان مركبته الفضائية و يندفع تجاه العمود بكبسولته فينفذ الى بوابةٍ نجميةٍ تحقق رحلة الإنسان الأخيرة في عملية ارتقاءه ، ينجز كوبريك من خلال هذه الرحلة (التي تستمر 10 دقائق على الشاشة) فكرة السفر عبر الزمن من خلال نظرياته المعروفة ، يخترق بومان البوابة النجمية و يسافر بسرعةٍ خارقةٍ (تفوق سرعة الضوء كما تفترض النظريات) دون أن يتلاشى (كما تفترض النظريات) ، يقطع الحاجز الزمني بكبسولته (نطفية الشكل) ليجد نفسه في السديم (الرحمي) حيث يولد عالمٌ جديد ، (الحب الجنسي لبلوغ المثل الأعلى) كما قال نيتشه ، ليست المرة الأولى التي يعطي فيها كوبريك للآلة معنى جنسياً و لم تكن الأخيرة كذلك ، نشاهد مرحلة تشكل العالم الجديد ، الصور الجنينية الهيئة التي نراها في السديم ، و صورة الكبسولة (المنوية) البيضاء التي تسافر في الفراغ الكوني ، تصل الكبسولة الى أرضٍ بكر (في عملية تلقيحٍ رمزية واضحة) ، هذه الرحلة التي يمر بها بومان الى ما وراء الحياة كما يقول زرادشت هي الصورة النمطية لجوع المعرفة الأزلي لدى الانسان ، الجوع لإيجاد الحد الذي تتوقف عنده (أدواته) عن المضي قدماً في رحلة ارتقاءه ، يبدو الكون في الرحلة أشبه بدهليزٍ لا يشبعنا الا فتح كافة أبوابه و منافذه ، هو رحلة بحثٍ (عما خفي) ، عن الأمور الأكثر غيبيةً في أوديسا الإنسان ، و عن القوة العليا / الخالق / الإله الذي وجه تلك الرحلة ، بومان الذي استعاد في صراعه مع هال توازنه الديونيسي / الأبولوني و تابع طريق ارتقاءه نحو التفوق يجد نفسه في ختام الرحلة في غرفة بديكورات القرن السابع عشر (أو الثامن عشر لا أعلم) ، يشيخ بسرعة بولوجه العالم الجديد ذو المقاييس الزمنية المختلفة ، نراه يتأمل في تداخلاتٍ غير مفسرة المراحل التالية في حياته : رائد الفضاء الشاب في الكبسولة ، ثم رائد الفضاء الكهل ذو الشعر الابيض في الغرفة ، ثم الشيخ ذو الرداء الأسود يتناول طعامه ، ثم الهرم العاجز ذو الرداء الأبيض الذي يرقد في السرير ، يجسّد لنا كوبريك في هذه المتوالية الصورة التقليدية الأخيرة لـ (الإنسان) قبل ارتقاءه الأخير : أربع مراحل عمرية ، ما زال يستخدم الحمام ، ما زال يأكل ، ما زال ينام ، لكنه لا يفسر لنا التداخل المادي للحيوات الأربع الموجودة ، و هو يتجاوز التقدم الزمني الفائق الذي قد نفترضه ، فنرى بومان الأول يتأمل نسخته الثانية من داخل الكبسولة ثم يختفي من الصورة ، ثم نرى بومان الثاني يستمع الى صوت حركة الطعام لبومان الثالث مترافقةً مع صوت تنفس بومان الثاني ضمن سترة الفضاء ثم ينتهي بومان الثاني مباشرةً ، نشاهد بعدها بومان الرابع من زاويةٍ يتعمد كوبريك أن تظهر كتف بومان الثالث الذي ينتهي مسلماً الصورة لنسخته الأخيرة (الرابعة) التي تستفيق على منظر الظهور الرابع للعمود داخل الغرفة ، صورة الحارس و الراعي ، محاولة التجسيد الأزلية للقوة العليا و الرعاية الالهية ، معنى يؤكده كوبريك من خلال اشارة بومان بأصبعه نحو العمود (التلامس الذي حدث في المرات الثلاث السابقة كموجّهٍ لعملية الإرتقاء) ، إشارةٌ تذكّر بوضوح بلوحة مايكل أنجلو The Creation of Adam على سقف كنيسة السيستين حيث يحاول آدم ملامسة اصبع الرب في إشارةٍ للخلق ، الخلق يتجدد في ذروة الحركة الرابعة لفيلم كوبريك ، و موت بومان هنا هو موت مرحلة من مراحل الارتقاء ، موت الجنس الأقل تفوقاً (كما يقول نيتشه) كمقدمةٍ لظهور الجنس الأكثر تفوقاً ، الإنسان المتفوق أو السوبرمان الذي يبدو وفقاً لنيتشه (المسعى) ذاته و ليس (النتيجة) ، مسعى الإنسان نحو الكمال و التفوق يتحقق في رحلته الأزلية برعاية علوية (يترك كوبريك لمشاهده اريحية تفسيرها) ، تحدث المرحلة الأخيرة من التحول كما حدث للوحش قبل 4 ملايين سنة ، نرى جنين الجنس الجديد يقبع هناك على سرير بومان الذي يتلاشى من الصورة ، فناءٌ آخر في رحلة الارتقاء تلك (تحويل الموت ليصبح وسيلةً للظفر و المجد) كما يرى نيتشه ، يقول زارا (لن يخرج من الإنسان كوكبٌ وهاجٌ للعالم حتى تزول بقية السديم من نفسه ، و هذا السديم لم يزل فيكم) ، هذا السديم انتهى الآن ، وصل الإنسان الى (مرحلة الطهر و التجدد و العقيدة المقدسة) ، حصل أخيراً على (الإرادة) فـ (استحال الأسد طفلاً( كما يقول زارا ، ولد الإنسان المتفوق ، خاتمة رحلة الارتقاء في فكر نيتشه ، مخلوقاً نجمياً أو Star Child كما سمّته الرواية ، تتويج لإشارات الولادة و الخلق الكثيرة في الفيلم ، ولادةٌ جديدةٌ لمخلوقٍ مختلف (يتقصد كوبريك اظهار عينيه مفتوحتين لتمييزه عن الجنين البشري) ، جنسٌ سماويٌ مختلف ربما فضاؤه و بيئته هو الكون بأكمله ، القوةٌ العليا ، أو ربما الاله (النجمي) الواحد الذي ناجاه زرادشت في تعبداته .

و بالرغم من قيمة هذه الأبعاد الفلسفية التي يحفر فيها كوبريك بعبقريةٍ في نصه إلا أن الفيلم يبقى عظيماً جداً حتى بدون ادراك أبعاده الفلسفية ، و بالرغم من عمقه الفلسفي الواضح الذي حاولت أن أجلو بعضاً منه إلا أنه يبقى في الحقيقة فيلماً لتشعر به أكثر من أن تحلله ، و هذا ما أراده كوبريك في عبارته التي افتتحت بها مراجعتي ، هالة الغموض التي يوفرها لنصه الذي يشع عظمه تقيه كثيراً من تقلبات الزمن و تفتح في كل مشاهدة منافذ أوسع للتأمل و التأويل و الفهم الأعمق لما يجري ، من الصعب أن نشهد شيئاً مماثلاً في عملٍ سينمائي لا يتجاوز الساعتين و نصف ، هذا التفصيل منحه ديمومةً و عظمةً و خصوصيةً لا مثيل لها سببها في رأي هو قدرة كوبريك على منح ذلك النص العميق و المهم و الجدلي و الغامض صورةً يستحقها من خلال واحدٍ من أعظم الإنجازات الإخراجية التي قد تشاهدها في حياتك ، لا أتذكر كم شخصاً قابلته عاد لي مبهوراً بعد مشاهدته الأولى للفيلم ، صوّر كوبريك – كعادته – هذا الفيلم في أكثر من 200 ضعف من الحجم النهائي لشريط السينمائي ، كان ينشد الكمال في كل مشهد حتى لو اضطر لتصوير مائة مرة ، و لا أجد في كلام آرثر سي كلارك مبالغةً عندما شكك في أن الأكاديمية منحت اوسكاراً شرفياً خاصاً لافضل ماكياج عام 1968 (الجائزة غير الموجودة في حينها) لفيلم Planet of The Apes لأنها اعتقدت ربما أن قرود 2001 كانوا حقيقيين !! ، كان المنجز الاخراجي هنا خارقاً بكل مقاييس الصنعة ، عندما أتأمل كيف كانت أفلام الخيال العلمي في عصره : مواضيعها ، و قصصها ، و ثيماتها البصرية ، و كيف استمرت بعده ، أدرك جيداً إلى أي حدٍ كان هذا الفيلم فريداً جداً عما سبقه أو لحقه ، على الأخص في مقدار الحقيقية التي وفّرها لفيلم الفضاء ، إنظر مثلاً لبطء حركة المراكب الفضائية الذي يتنافى تماماً مع الصورة التقليدية (التجارية ربما) للمراكب التي تنطلق بسرعة الصاروخ في الافلام الفضائية الأخرى ، هذه الحقيقية كانت عنصراً مهماً برأيي في توليد الحالة التأملية لأسئلة الفيلم : إلى أين يمضي الإنسان ؟ و ما غاية وجوده ؟ مستغلاً غياب الحبكة و العمل على الشخصيات و غياب الإثارة التقليدية لفيلم الخيال العلمي لصالحه على عكس ما يفترض ، هو يجعل ذلك الغياب دافعاً قوياً للمشاهد للتأمل و التفكير و التساؤل ، علاوةً على أن هذا الحفر بقوة في تجسيد الواقعية الشديدة لفيلم الفضاء جعل من التفاصيل الرمزية (مثل العمود الأسود) بالغة الأهمية و محوريةً جداً للمشاهد بسبب اختلافها و بسبب قيمة التزاوج البصري / الموسيقي الذي يوفره لها كوبريك ، و من السهولة الاقتناع بأن كوبريك استطاع هنا بعبقريته وتوظيفه السليم تخليد المقطوعات الموسيقية الكلاسيكية التي وضعها في فيلمه لتصبح و كأنها ملكه الخاص ، و ليصبح استماعك لـ (هكذا تكلم زرادشت) في أي عملٍ آخر تمهيداً رمزياً قوياً لتناول الفضاء الخارجي ، هذا عظيمٌ و لا يمكن نكرانه ، علاوةً على ذلك تتجلى عظمة كوبريك المعتادة في تقديم المكان و تصميم الإخراج الفني لأفلامه و الذي دائماً ما كان فائق الفخامة حتى بمقاييس العقود التي لحقته ، لا يصنعه فحسب فخماً و مؤثراً و عالقاً بسهولة في الذاكرة ، بل يوافقه بذكاء مع حركة الكاميرا و حركة الممثلين و عناصر التكوين السينمائي للصورة ، و هي جزئيةٌ تبهرني دائماً في كوبريك و تجعله بنظري أفضل مخرجٍ على الاطلاق في مزج مدرستي التعبير البصري (الميزانسين و المونتاج) في أفخم صورةٍ ممكنة ، لا أحد يجيد هذا التوفيق اطلاقاً أكثر من كوبريك ، هذا من ناحية ، و من ناحيةٍ أخرى يتجلى هنا عشق كوبريك الأزلي للتناظر ، الطريقة التي يجيد بها دائماً شطر معظم كادراته الى نصفين : يمين / يسار ، أعلى / أسفل في توازنٍ بصريٍ لا يجيده سواه ، يعمل بإحترافية في هذا الفيلم على تقنية الـ One Point Perspective ليخلق شعور الرتابة و التكرار و الأبدية و احساس الرحلة الملحمية بإمتيازٍ يليق بإسمه .

و أعظم ما في هذا العمل الأسطوري على محاولة ملامسة الكمال الاخراجي أن تلك الدقة الشديدة و العمل الخارق الذي بذله كوبريك في صناعة فيلمه هذا على مدى 3 أعوام جعلت من النتيجة الختامية غير مرتبطةٍ بزمنها و حقبتها حتى على الصعيد التقني ، و لو أخبرك أحدهم أن هذا الفيلم صنع في الألفية الجديدة أو في أواخر التسعينيات (على فرض طفرة CGI في الألفية) فلن تجد صعوبةً اطلاقاً في تقبل الموضوع ، مؤثراته ما تزال حتى يومنا هذا عبقريةً فكريةً في التصميم و معجزةً بصريةً في التنفيذ ، خصوصاً و هي تأتي عام 1968 قبل سنواتٍ طوال على توظيف الـ CGI في افلام الخيال العلمي ، و بالرغم من العلامة التي خلّفها وراءه على هذا الصعيد الا أنه لم يستخدم سوى 205 لقطات مؤثرات خاصة و هو رقم يعد متواضعاً جداً قياساً للنتيجة ، عمل كوبريك في هذا الجزء مع دوغلاس ترومبل الذي استطاع بمساعدة كوبريك ترجمة تلك الأفكار العبقرية الى شيء استثنائي لا مثيل له في زمنه ، إستخدما مجسماتٍ بالغة الدقة لتصوير الكواكب و مداراتها و المراكب الفضائية حولها ، و إستخدما مجسماً دواراً للسفينة الفضائية لتقديم صورةٍ حقيقيةٍ لركض فرانك بول كل صباح في محيط المركبة من خلال احذية الفضاء ، قدما صورةً غير اعتياديةٍ للتعامل مع الصوت في الفضاء بالطريقة العلمية الصحيحة حيث خلت مشاهد الرواد خارج المركبة الا من أصوات تنفسهم داخل السترة ، وظفا تقنية الـ Slit-Scan Cinematography في أفضل صورةٍ ممكن لتصوير السفر عبر الفجوة النجمية بطريقةٍ جعلتها رحلةً زمنيةً مقنعةً جداً ، و الأهم توظيفهما العبقري لتقنية Front-Screen Projection لتصوير حياة القرود على سطح الكوكب البكر ، أو سير الانسان على القمر ، التقنية السابقة لزمانها و التي كانت أحد منابع التشكيك الكبرى في حقيقة النزول البشري الوحيد على سطح القمر بعد ذلك بعام ، و هي التقنيات التي منحت ستانلي كوبريك أوسكاره الوحيد طوال مسيرته .

لا أدري حقيقةً كيف يمكن أن انهي حديثي عن هذا الفيلم ، لكنني أعتقد أنني حققت الآن أحد أحلامي الكتابية ، أعود الى العبارة ذاتها التي افتتحت بها حديثي ، أجد ما كتبته هنا خارج المنحى التفسيري للفيلم ، أنا هنا لا أبحث في سبب الابتسامة الخافتة للموناليزا و أنما أحاول فقط أن اوجد اجابتي الخاصة التي ترضيني عن تساؤل أبسط : لماذا تبدو ابتسامة الموناليزا جميلةً الى تلك الدرجة ؟ الآن حققت حلمي أخيراً بالكتابة عن 2001 ، و الآن أصبح يمكن أن أموت في سلام .

التقييم من 10 : 10