الثلاثاء، 13 أغسطس 2013

Ivan's Childhood

كتب : عماد العذري

بطولة : نيكولاي بيرلييف ، فالنتين زوبكوف ، يفغيني زاريكوف
إخراج : أندريه تاركوفسكي

سببت لي الكتابة عن هذا الفيلم حالة عقمٍ كتابي ، عندما وضعته على قائمتي للأفلام التي سأقوم بالكتابة عنها لم أجد نقطة بدايةٍ جيدةٍ تدفعني للحديث عنه ، ربما لأنها المرة الأولى التي أكتب فيها عن تاركوفسكي ، ليس في الموضوع رهبة بقدر ما هي حالةٌ من ضياع الأفكار و المفردات و وسائل التعبير عندما تقرر الحديث عن الفيلم الذي أطلق واحداً من أقرب المخرجين إلى قلبك و أكثرهم خصوصيةً و قيمة .

أحياناً أتمنى لو عشت بداية تاركوفسكي قبل أكثر من نصف قرن ، لا لشيء إلا لمجرد الرغبة بمعايشة الأثر الحقيقي الذي أحدثته سينماه في عصره و ليس في عصرنا ، شاهدت أعمالاً سينمائيةً تنتمي لإثني عشر عقداً و هذا أتاح لي ربما فهم التطور الطبيعي للسينما من منظور شخصٍ يتلقاها في ثاني عقود الألفية الجديدة الآن ، مع ذلك أرى في تاركوفسكي حالةً فريدةً قد لا تكون مؤثرةً بقدر ما هي صعبة التكرار ، عندما أتأمل بدايته هنا في هذا الفيلم الذي منحه في تجربته الروائية الطويلة الأولى أسد فينيسا الذهبي عام 1962 أجد نفسي في صورة كم كان هذا الفيلم شيئاً مختلفاً تماماً عن أي شيءٍ شاهدته من حقبةٍ سبقته ، و ربما لو وضعت قائمةً بأكثر المخرجين خصوصيةً في تاريخ السينما فسأضع تاركوفسكي على رأسها ، لا شك عندي في ذلك.

في Ivan’s Childhood يحكي علينا تاركوفسكي قصة إيفان ، فتىً في الثانية عشرة من عمره تمحى قريته من قبل جيش ألمانيا النازية و ينتهي به المطاف في معسكر إعتقال ، يهرب الفتى المتمرد و يصل إلى الكابتن خولين في المعسكر السوفييتي حيث يقرر ارساله الى المدرسة الحربية ، قرارٌ يرفضه إيفان الراغب بمساعدة الجيش السوفييتي راغباً بالإنتقام لما جرى لعائلته.

في هذا الفيلم الذي كتبه فلاديمير بوغومولوف و ميخائيل بابافا بالتعاون مع تاركوفسكي يبدو جلياً لنا منذ البدايات أن فكرة أن يكون بطلنا هنا (طفلاً) هي فكرةٌ مدروسةٌ جداً ، ينأى كتاب النص في تقديمهم لهذه الدراما التي تدور في أتون الحرب عن الطابع المستهلك في التناول ، بنائهم لهذه القصة المتمحورة حول إيفان (ممثلاً لشخصية تاركوفسكي ذاتها) و نظرتهم في توظيفها لخدمة الرسالة التقليدية لأي فيلمٍ من أفلام الـ Anti-War هي ربما النظرة الأكثر نقاءً و شاعريةً لحقيقة ما يجري في أي حرب ، لا يمكن برأيي لأحدٍ أن يعبر عن تاركوفسكي ضمن حدثٍ كهذا أكثر من طفل ، هو يمزج فيه و من خلاله الحنين للماضي مع ذكريات الطفولة و العائلة و براءة التلقي و صفاء الطبيعة كإنعكاسٍ بصريٍ مدهش للشخصية ذاتها ، و يوظف ذلك في قصة نضوجٍ تقليدية بالمفهوم البسيط للحكاية التي تتناول براءة الطفولة المسحوقة تحت عجلات الآلة العسكرية ، أحياناً أشعر بأن هذا الفيلم مثل غرنيكا بيكاسو : محاولةٌ لإستخلاص الجمال و الفن من بين قسوة الحرب ، جميع الأفلام الدرامية التي تبنى حكايتها على خلفية الحرب تتماهى في تلك الحكاية مع تكوين الفيلم الحربي بدرجاتٍ مختلفة ، إلا مع تاركوفسكي ، غريبٌ ما يفعله هنا ، هو ينسل من القالب المتوقع للدراما الحربية (و لن أقول المعتاد نظراً لعدم ثباته) ليقدم عملاً شاعرياً وثيق الصلة بالطبيعة التي هي عنصرٌ رئيسيٌ في تكوينه عوضاً عن أن تكون مجرد خلفيةٍ بصريةٍ للحدث كما تفعل في أي دراما حربية ، و تاركوفسكي من خلال إستثماره هذا لإيفان كشخصية رئيسية يضع اللبنة الأولى لتحقيق ما اصطلح عليه لاحقاً بـ (الشاعرية الذاتية) ، فينطلق من العلاقة التي لا تخطئها العين لشخصية إيفان بشخصية تاركوفسكي ذاته ، و يقدم زلزاله البصري الذي يحقق مفهوم الشاعرية الفريدة و الغير مسبوقة التي ارتبط اسمها به ، و أعظم ما في تاركوفسكي في هذا الفيلم برأيي هو أنك لا تعود تهتم بالحدث مع تقدمه قدر اهتمامك بطبيعة السينما التي يحققها فيه ، يبقى طوال أحداث الفيلم يذكرنا بأنه يقدم لنا وجبةً سينمائية لم يسبق لأحدٍ أن تذوقها ، لدرجةٍ لن يكون من السهل على المرء تذكر تفاصيل الحدث في هذا الفيلم بمقدار السهولة التي سيتذكر بها العيد البصري الذي عاشه فيه ، شاعرية تاركوفسكي هنا – بكل الهالة و الزلزال الذي أحدثته في أول ظهورٍ لها – ذاتيةٌ جداً و ضاربةٌ أكثر من الحكاية ذاتها ، و هي تصنع الفارق أكثر من البعد الفلسفي أو الأخلاقي للحكاية ، و هذا إثباتٌ برأيي على أن الرجل تطور لاحقاً و بشكلٍ ملحوظ عند تقديمه روائعه التالية حيث توازى البعد الفلسفي للحكاية مع القيمة الرفيعة لسردها بصرياً ، لذلك يبدو هذا الفيلم إلى حدٍ ما أقل رسوخاً في الذاكرة من أفلام تاركوفسكي اللاحقة حتى تلك التي لم تتفوق عليه في قيمته السينمائية أو في الأثر الذي أحدثته.

في العمق لا يتحقق هذا لتاركوفسكي بسهولة و هو أمرٌ منطقيٌ لمخرجٍ شاب يخطو خطوته الأولى في دنيا الأفلام الروائية الطويلة ، و لا يبدو من الصعب ملاحظة أن تاركوفسكي هنا لم يكن قد تحرر تماماً من الإرث السينمائي الذي يحمله و يشكّل وعيه نحو ترسيخٍ نهجٍ سينمائيٍ جديد بدى أكثر قوةً و سطوة في عمله اللاحق Andrei Rublev ، من ناحية يدين تاركوفسكي ببعض الولاء لسينما جون رينوار و للمدرسة التعبيرية الألمانية خصوصاً في المشاهد الداخلية حيث تتجلى لعبة الضوء و الظلال و التكوين القوطي للصورة كإنعكاسٍ لحدية الشخصيات ، علاوةً طبعاً على أنه يلجأ في أكثر من موضع لتوظيف اللقطة الألمانية فينظر لشخصياته بشكلٍ مائلٍ من الأعلى أو الأسفل في أكثر من مناسبة ، صحيح أن اللقطة الألمانية صارت أكثر رقةً مع تاركوفسكي لكنها أبقت الفيلم – بالرغم من البون الشاسع على صعيد الحكاية – وثيق الصلة و التأثر برينوار من جهة و بالتعبيريين الألمان من جهةٍ أخرى ، و لا أجد في ذلك مدعاةً للتفسير و التأويل على اعتبار أن ذاتية العمل تنطق على الشاشة كما هي في سائر أعمال تاركوفسكي ، هذه الذاتية العالية – و غير المزعجة – قدمها تاركوفسكي ابتداءً من هذا الفيلم بحيث تكون سهلةً و طيعةً في يد المتلقي ، و مشاهد الحلم التي يقدمها في حكاية إيفان هنا هي جزءٌ منطقيٌ من الوعي الباطن لشخصيةٍ فتى نضج قبل أوانه و شاهد قريته تمحى أمام ناظريه دون الحاجة لتفسير كينونة أو رمزية الحلم ذاته – بما فيها مشهد الحلم الشهير لإيفان و عربة التفاح – على اعتبار انه مرتبطٌ بذاتية تاركوفسكي و نابعٌ منها و هذا بحد ذاته يجعله أكبر من أن يكون غايةً مجردةً بقدر ما هو وسيلةٌ لترسيخ دعائم الشاعرية الذاتية التي اقترنت بإسم تاركوفسكي على مدى نصف قرنٍ بعد ذلك.

و بالرغم من تأثر تاركوفسكي المنطقي بالإرث السينمائي الذي شكّل شخصيته السينمائية ، إلا أن مكمن قيمته الحقيقية هنا يكمن في المساحة التي استطاع تفريغها و إمتلاكها لنفسه بين مدرسة المونتاج بقيادة سيرجي إيزنشتين و مدرسة الميزانسين إبتداءً من الواقعية الشعرية وصولاً للموجة الفرنسية الجديدة المتوهجة حينها ، ما يفعله تاركوفسكي على هذا الصعيد عبقري ، هو من ناحية يعمل على تفكيك العلاقة بين اللقطة و المونتاج بطريقةٍ جعلته ينأى بفنه مبكراً من التبعية تجاه أعظم ما قدمته سينما بلاده حتى حينه من خلال أعمال سيرجي إيزنستين ، و في الوقت ذاته يقدّم رؤيةً بصريةً مختلفةً للميزانسين متحررةً بشكلٍ ملحوظ من تأثير الموجة الفرنسية عليه ، هو يعطي للمونتاج قيمته بقدر ما يمنح الميزانسين ، لكنه يزيح كلاهما الى الخلف قليلاً ليمنح الصدارة للعنصر الأهم في سينما تاركوفسكي و هو تجسيد الزمن في اللقطة السينمائية و المشهد السينمائي أو ما أسماه هو لاحقاً (النحت في الزمن) ، أنشأ تاركوفسكي هذا العنصر – إبتداءً من هذا الفيلم – من خلال توظيف عناصر الصورة للتحكم بالزمن أكثر مما يفعل الحدث ذاته ، و عناصر الصورة هنا تبلغ قيمةً جماليةً لم تعتدها السينما من قبل و أحدثت زلزالاً حقيقياً لدى مريدي السينما مع اطلاق الفيلم ، هي مع تاركوفسكي تتجاوز قيمتها التقليدية في خدمة البيئة الزمانية و المكانية للحدث او حتى في الرمزية و الإستعارة إلى خلق مودٍ معينٍ في المشهد هو من يحدد سير الزمن فيه ، تتظافر تفاصيل الصوت و الصورة لتخلق ذلك الإحساس علواً و إنخفاضاً ، و هو توظيفٌ نابعٌ في أساسه من القدرة على استلهام الذاكرة الشخصية و التجربة الحياتية لتاركوفسكي في التجربة المروية ، لذلك تتكرر تلك اللوحات و العناصر التي وظفها في أكثر من مناسبةٍ في جميع افلامه ، فنشاهد النهر و الغابة و الحائط و السهول و جذوع الأشجار و الخرائب ، الغابة في هذا الفيلم على سبيل المثال تلعب من ناحية دور عنصرٍ مكاني ، لكنه تبدو من خلال حركة كاميرا تاركوفسكي و مستوى كادراته أقرب إلى شخصية تساهم في خلقٍ مودٍ عامٍ للمشهد و تتفوق بصورةٍ لا تخطئها عين على الصورة النمطية للخلفية البصرية للمشهد أو للعنصر المكاني فيه ، تاركوفسكي لا يقفز من ناحية على قيمة المونتاج و يوظفه في مكانه خصوصاً في المشاهد الداخلية و مشاهد الأحلام ، و يتجرد من ناحيةٍ أخرى من أي تأثرٍ تقليدي بمدرسة الميزانسين ليمنحه قيمة أكبر من قيمته التقليدية تقوم هنا على علاقة الكاميرا بالتفاصيل الموجودة في المكان أكثر من حركة عناصر المشهد ضمن المكان ، صحيح أن هذه التجرد لا يكون كاملاً إلا أنه مع ذلك يبدو أكثر جمالاً من الصورة الإعتيادية له ، في الغابة على سبيل المثال عندما يلاحق الضابط خولين الممرضة ماشا ، نسير مع الضابط خولين بينما تبتعد ماشا عن الكادر حتى نعثر عليها لتصبح في عمق الكادر ، تقترب ماشا لتصبح محور الحديث في المشهد بينما يبتعد الضابط خولين بالمقدار ذاته و تتناوب هذه الحركة ثم تتكرر في أكثر من مشهدٍ لاحقٍ ، هذا التناوب بين عنصرٍ يملأ الكادر و عنصرٍ يبقى في عمقه ثم العكس يمارسه تاركوفسكي بتلذذ لا يخفي فيه اعترافه بقيمة الميزانسين لكن من منظورٍ مختلفٍ و غير اعتيادي قائمٍ على العمل المكثف على التقاط عناصر الصورة و تفاصيل المكان في لقطاتٍ طويلة – مع شريط صوتٍ لا يشابه أي شيءٍ آخر – و العمل بشكلٍ متطرف على الانتقال بين الكلوز آب و اللقطة الواسعة دون مونتاج في تفكيكٍ كامل و إعادة صياغة كاملة لمفهوم المساحة البصرية و فضاء الصورة قائم على التوازي بين (الطبيعة) و (عناصر المكان) و (الوجوه) و علاقة هذا المثلث ببعضه وتتاليه و طريقة وضعه ضمن كل اطار للصورة و التكثيف على خلق مود عام من خلال ذلك التتالي ، صحيح أنه لم يكن أول من ابتكره و أعتقد أنه تأثر بكينجي ميزغوتشي كثيراً على هذا الصعيد لكنه صنعه - ابتداءً من هذا الفيلم - وكأنه ملكه الخاص و إستثمره إلى أقصى حد لضبط ايقاع الحدث و التحكم بجريان الزمن فيه بصورةٍ لم يسبقه إليها أحدٌ في تاريخ السينما.

ربما لم تكن مدة هذا الفيلم و هي ساعةٌ و نصف كافيةً لتاركوفسكي لترسيخ النحت في الزمن بالصورة التي بلغها في تحفه اللاحقة ، مع ذلك يبقى Ivan’s Childhood أغنى من مدة عرضه بفضل عظمته السينمائية و لوحاته البصرية غير المسبوقة و الغزل البديع الذي يكتبه في الطبيعة و أسره الفريد لمفهوم الزمن في الفيلم السينمائي ، لا جدال على أنه كان اللبنة الأولى في وضع أسس الشاعرية الذاتية التي فجرها تاركوفسكي و قدمت للعالم روائع Andrei Rublev و The Mirror و Stalker و Solaris بعد أعوام.

التقييم من 10 : 9