الأحد، 7 يوليو 2013

Seven Samurai

كتب : عماد العذري

بطولة : تاكاشي شيمورا ، توشيرو ميفيوني
إخراج : أكيرا كوروساوا

هذا الفيلم من الأفلام القليلة جداً التي احب اعادتها من حينٍ لآخر بالرغم من أن مدتها تفوق الساعات الثلاث ، لا أفعل هذا كثيراً لكنني أستثني ندرةً من الأعمال منها تحفة كوروساوا هذه التي ألهمت حبكتها غير المسبوقة عن أفرادٍ يتم تجميعهم لتنفيذ مهمة عشرات الأعمال التي تلتها ابتداءً بـ The Magnificent Seven و The Guns of Navarone و The Dirty Dozen وصولاً إلى 13 Assassins مروراً طبعاً بشمس الزناتي و Bug’s Life .

مع هذه الحبكة إذا ما أضفنا اليها Rashomon و Yujimbo و The Hidden Fortess يثبت أكيرا كوروساوا بأنه و إن لم يكن المخرج الأكثر تأثيراً في السينما الا أنه – و دون صعوبةٍ في تقدير ذلك – قد يكون الأكثر تأثيراً على صعيد الحكاية السينمائية ، لا أستطيع أن أحصر كمّ الأفلام التي اقتبست أو استلهمت أو اعادت صياغة الحبكات التي قدمها كوروساوا على مدى مسيرته المظفرة ، و بعيداً عن حقيقة أن هذا الفيلم تحديداً هو أحد أكثر الأفلام اقتباساً و الهاماً على الاطلاق يبدو من الصعب تجاوز انه أيضاً واحدٌ من انتصارات السينما العظيمة للغاية و واحدٌ من تلك العلامات التي بقيت خالدةً و براقةً و ثابتة المذاق بالرغم من مرور ستين عاماً على اطلاقها ، معركته الختامية على سبيل المثال ما زالت بذات المذاق في كل مشاهدةٍ لي للفيلم ، لا يمكن الا أن أقر بذلك كل مرة .

الحكاية – كما يعرفها الكثيرون – عن ساموراي يدعى كامي ينقذ طفلاً مختطفاً فيثير اعجاب مجموعةٍ من المزارعين الحانقين و الذين يقترحون عليه الدفاع عن قريتهم من قطاع الطرق مقابل ثلاث وجباتٍ يومياً ، يوافق الرجل و سرعان ما يبدأ بتشكيلٍ فرقةٍ من الساموراي و تعزيز دفاعات القرية تمهيداً للمعركة الفاصلة .

النص كتبه أكيرا كوروساوا رفقة شينوبو هاشيموتو و هيديو أوغوني و هو مقسومٌ تقريباً الى نصفين – كحال معظم الأفلام التي استلهمته لاحقاً – في النصف الأول يتم تعريفنا بالمكان و بالشخصيات و بالمهمة التي من المقرر أن نعيشها معهم في النصف الثاني ، في العمق يغوص الفيلم جيداً في سيكولوجية الإلتجاء للقوة و سلوك الإستقواء بالآخر ، و في انهيار الإختلافات و الفوارق الاجتماعية مع صعود المجتمعات الراغبة بالإستقرار ، الفيلم يتطرق من أجل ذلك لثلاث طبقاتٍ اجتماعية : الساموراي بكل الهالة الإجتماعية المحيطة بهم ، و قطاع الطريق الذين ينتشرون كالطاعون الذي لا يبقي و لا يذر ، و المزارعين البسطاء اللذين لا حول لهم و لا قوة أمام كل معتدي ، حدود البطولة و الشرف المرتبطة بالأساس بالقوة تبدو هلاميةً الى حدٍ ما بين الساموراي و قاطع الطريق (كما هي تقريباً في سائر أعمال كوروساوا التي تناولتهم) ، كلا الطرفين مكروهٌ من قبل المزارعين لإعتبارٍ أو لآخر ، لكنها مع ذلك تبقى المبرر الذاتي الوحيد لدى المزارعين في عملية الإستقواء بالساموراي الذي لن يقاتل مجاناً طبعاً ، معاني الشرف لا تبدو واضحةً أو محركةً لأي شيءٍ في الصورة ، كل هذا يجري على خلفية الاعتقاد بالأمل الغامض لدى أولئك المزارعين بأن ما يجري يجري لهدف و أن المستقبل سيأتي على فترةٍ يكونون فيها قد تخلّصوا من حكم قطاع الطرق ، عندها لن يكونوا بحاجةٍ لقوة الساموراي ، هذا التفصيل يصر النص على جعله جلياً و في محور العمل ، لذلك يبقي عدم تقدير القرويين لشرف الساموراي فعالاً على خلاف تقديرهم لقوتهم و لقدرتهم على تخليصهم من الاستبداد ، معرفتهم بهم و خوف بعض المزارعين من تصرفاتهم و بطشتهم كل هذا يبدو في مقدمة الصورة ، لكنها مع ذلك علاقة الاستفادة من طرفين ، الأمن و الإستقرار من جهة و المقابل المادي المتناسب مع فكرة (إبحث عن ساموراي جائع) من جهةٍ أخرى ، و هذا يجعل العلاقة واضحةً للجميع ، فلا المزارعين يقدمون على ذلك بدافعٍ من ثقتهم بالساموراي بقدر ما هو دفع الضرر بالضرر الأخف ، و لا الساموراي يقدمون على ذلك بدافعٍ من مبادىء الشرف التي عرفت عنهم و التي تتبخر أمام وجبة أرزٍ تقدم لهم ثلاث مراتٍ يومياً .

هذا يتحقق للنص من خلال عملٍ غير بذخٍ على الشخصيات بما يتناسب و المدى المحدود للحفر فيها و السبر الذكي دون اسهاب في دواخلها على مشارف ما تقدم عليه ، هذا يغني الصورة و الحبكة بطريقةٍ مذهلة و يخفف من احتمال ان تكون شخصيات الساموراي نسخاً متطابقةً من بعضها ، الى حدٍ ما نشعر بكل مقاتلٍ و بطريقةٍ تفكيره و بما يعني له ما يحدث ، و نتفاعل مع قتله أو اصابته بمقدار مختلف ، ترى فيهم المجنون و المرتزق و المحترف و البشوش و العاشق و هذا يتيح للنص بوضوح القدر على تمييز شخصياته للمشاهد ، و بالتالي تجريدهم من المفهوم التقليدي للبطولة و من المعنى الأخلاقي للشرف ، و هو على هذا الصعيد يحقق دراسةً سلوكيةً جيدةً على مستوى شخصية الساموراي الغير قابلة للترويض و التي تطغى عليها دائماً روح الفردية في تقرير تصرفاتها ، ثم لا يلبث أن يجعل تلك الشخصيات تنزلق تدريجياً نحو روح الجماعة .

الجميل في الأمر أن ذلك لا يحدث بمنأى عن الرمزية التي من المنطقي أن يتناولها كوروساوا في فيلمٍ يحققه في يابان ما بعد الحرب العالمية الثانية ، نظرة الفيلم الاجتماعية هذه لا تبدو بعيدةً عن الصورة الكلية لليابان التي تنهض من تحت ركام الحرب ، نظرةٌ ربما في وسائل النهوض و مبررات تلك الوسائل ، و تأكيد على أن تلك الوسائل و مبرراتها سرعان ما ستتلاشى بمرور الوقت من منطلق كونها وسائل مرحليةً في أساسها ، هذا من جهة ، و من جهةٍ أخرى هو اسقاطٌ أيضاً على روح الفردية في مجتمعٍ ينهض من كارثة الحرب ، اللصوص هنا يضربون ضربتهم متحدين ، بينما عقلية الفرد لدى المجتمع القروي لا تسمن و لا تغني من جوع و نكاد نلحظها في معظم تصرفاتهم و قراراتهم ، و لجوئهم هنا لمقاتلي الساموراي تجسيدٌ غير مباشر لافتقارهم لهذه الروح ، و الأجمل أن تلك الفردية لا تنطبق فقط على التصرفات بل تتجلى واضحةً في المشاعر ذاتها ، و المزارعون هنا كما الساموراي لا يحققون مبتغاهم الا عندما يوحدون تلك المشاعر أو على أقل تقدير يفعّلون متشابهها أو يحيّدون مختلِفها ، و هذا يضرب في جوهر عظمة الفيلم عن الأثر المهول لروح الجماعة ، و هو الجوهر الذي قاربته الأفلام التي استلهمت العمل بمستوياتٍ مختلفة ، في الختام يقف الساموراي كامي رفقة شريكيه المتبقيين متأملاً عمل المزارعين في حقولهم بعد انتهاء المهمة ، يخبر صديقيه أنهم خسروا المعركة مجدداً ، و أن هؤلاء المزارعين هم من انتصروا ، عبارةٌ تلامس من جهة قيمة العمل الأساسية عن روح الجماعة في المجتمعات الصاعدة ، و من جهةٍ أخرى النظرة الرثائية التي يقدم بها كوروساوا هذه الشريحة المجتمعية الآيلة للإنقراض في عالمٍ مستقبليٍ لا يقوم على القوة بقدر ما يقوم على بناء الإنسان و استثماره ، هنا تكتمل صورة سيكولوجية الإستقواء بالآخر كمبررٍ للإستقرار و تؤتي ثمارها بتخلص القرية من قطاع الطرق ، بعد ذلك لن تكون هنالك حاجةٌ لقوة الساموراي.

و بالرغم من تقديري الشديد لقيمة هذا النص العظيم إلا أن أعظم ما في هذا الفيلم برأيي هو قدرته التي لم أشاهد لها مثيلاً في ربط المشاهد بتطور الحدث ضمن مكان و بيئة الحدث ، كل تفصيلٍ صغير في الخطة ، كل تعديلٍ عليها ، كل تطورٍ في الحدث ، يُزرع في عقولنا قبل حتى أن يُملى علينا ، نصبح بسهولة جزءاً من المكان و جزءاً من القرية ، نعلم بمداخلها و حامياتها و نقاط ضعفها و كيف من المتوقع ان يصيبها الهجوم و نبقى على تماسٍ متصل بالطبيعة التي تحيط بالحدث ، الفيلم برأيي واحدٌ من أعظم الأفلام على صعيد تواصل المشاهد مع الحدث و حركة الحدث ضمن البيئة المكانية و هي جزئيةٌ تبدو بالنسبة لي نوعاً من الاختصاص اجاده كوروساوا ، أعشقه كثيراً في طريقة تقديمه للمكان ، لقطاته الواسعة للبلدة و للتلال المحيطة بها ، جولاته فيها ، الطريقة التي يلتقط بها طرقاتها و منافذها مدروسةٌ و تستحق الدراسة ، كاميرا أساكازو ناكاي لا تتجلى هنا فحسب ، جمالية ما تقوم به تصنع بمفردها شيئاً لا يغادر الذاكرة بسهولة ، يروقني كيف يقتل كوروساوا أي منفذٍ للملل في فيلمٍ يمتد لقرابة ثلاث ساعاتٍ و نصف من خلال هذا الكم من التنوع البصري : التقاط التلال البعيدة و الضوء القادم من ورائها ، اللقطات القريبة للمجاميع (ولا أعلم اذا ما كان أحدهم قد فعل الشيء ذاته من قبل) ، القطع المتتالي أحياناً بكلوس آب و أحياناً بدونه ، الـ Slow-Motion في مشاهد القتل ، المشاهد المطرية الفاتنة ، و الكادرات المتنوعة للمشهد الواحد ، و الأهم الطريقة التي تتدفق بها الكاميرا مع مشاهد الأكشن تزيدها اكتساحاً دون أن يحدث ذلك صدمةً لدى المشاهد جراء القطع السريع و الحيوي جداً الذي نشاهده ، ربما لأن كوروساوا يولّف ذلك بإمتياز مع لقطاتٍ كثيرةٍ أخرى تأخذ تقليدية روح الموجة اليابانية الجديدة و لا تختلف في بصريتها كثيراً عما قدمه ميزوغوتشي و أوزو .

بعض الأفلام لا تنصفها الكلمات مطلقاً ، و هذا واحدٌ منها ، حجم الأثر و مقدار الالهام الذي أحدثه لا يمكن الجدال فيه ، مع ذلك هو قيمةٌ بمفرده بعيداً عن أي تبعاتٍ تاريخيةٍ لقيمته ، فيلمٌ عظيمٌ عن المجتمعات الصاعدة و عن تلك اللحظات المصيرية التي تضطر فيها تلك المجتمعات للإلتجاء للقوة أو الإستقواء بالآخر من أجل أن تستمر في صعودها على حساب مجتمعٍ مؤقت موشكٍ على الإنقراض قائمٍ على الغلبة و الاستفراد و عبودية القوة .

التقييم من 10 : 10