الأربعاء، 5 يونيو، 2013

Eternal Sunshine of the Spotless Mind

كتب : عماد العذري

بطولة : جيم كاري ، كيت وينسليت
إخراج : ميشيل غوندري (2004)

لو كانت الحياة بالأمنيات لتمنيت مشاهدة فيلمٍ يكتبه تشارلي كوفمان كل يوم ، لا يبدو اعتيادياً بالنسبة لي أن يهتم المشاهد السينمائي بالسيناريست الى درجة المتابعة ، هم يقدرونهم و يعجبون بهم و يرفعون لنصوصهم القبعات ، لكن بريق كل شيء يُسرق دائماً من قبل المخرج و نجم العمل ، وحده تشارلي كوفمان في هذا الزمان من يمكن أن يفرض وجوده في فيلمٍ يقوده جيم كاري و كيت وينسليت .

أتذكر تلك السهرة التاريخية أثناء مشاهدة حفل توزيع جوائز الأوسكار لعام 2004 ، كان الجميع متشوقاً لحضور الليلة الأشهر في عالم السينما كل عام ، هناك سيشاهدون تتويجاً منتظراً لمورغان فريمان ، أو خطاباً مل صاحبه تكراره في محافل الجوائز ذلك العام كخطاب جيمي فوكس ، أو لحظة الحقيقة أخيراً بالنسبة لمارتن سكورسيزي ، و لا أخفيكم بأن التحول الدرامي الأجمل في أي حفلٍ لتوزيع جوائز الأوسكار أشاهده على مدى العقدين الأخيرين قد حدث في الأمتار الثلاثة الأخيرة من الحفل و التي حوّلت دفة التتويج المرتقب من The Aviator إلى Million Dollar Baby ، أتذكر أنني صفقت بعنف عندما أعادت باربرا سترايسند تكريم كلينت إيستوود بعد 12 عاماً ، بالرغم من كل ذلك كنت أنتظر فقط لحظةً واحدةً في ذلك الحفل أشاهد فيها تشارلي كوفمان ينهض رفقة زميليه لنيل اكثر أوسكارات الليلة أحقيةً برأيي ، لن يستطيع احدٌ تخيل الى أي حدٍ ضربني نص هذا الفيلم عندما شاهدته أول مرة ، و كيف ما زال يفعل في كل مرة .

في فيلمه الثاني الذي يعيد فيه اللقاء مجدداً مع تشارلي كوفمان يحكي علينا الفرنسي ميشيل غوندري حكايةً مختلفةً عن جويل باريش الرجل الهاديء و المنطوي الذي يعلم مؤخراً أن حبيبته السابقة كليمنتاين كروزينسكي قد محت كل ذكرياتهما سويةً من ذاكرتها عن طريق عمليةٍ تجريبيةٍ قام بها الدكتور ميرزوياك في عيادةٍ تجريبية غامضة تدعى لاكونا ، و كرد فعلٍ يقرر جويل أن يتخذ الإجراء ذاته تجاهها ، لكنه في خضم العملية يكتشف الجزء الجميل و المشرق في ذكرياتهما معاً و يحاول إنقاذه من خلال الهرب الى ذاكرة طفولته حيث لا يمكن لتقنيات لاكونا ان تلتقطه هناك .

هذا النص عبقري ، لا أجد أي عبارةٍ يمكن بها اختزال كم هو عظيمٌ و مؤثرٌ و يضرب في العمق بطريقةٍ لا ترحم ، أجمل ما فيه ابتداءً هو التوازن المثير للدهشة و النادر جداً بين القيمة الرومانسية العالية للحكاية و بين قيمة الإثارة الذكية التي تسيرها ، مجرد التفكير بمحاولة ربط هذين الوترين البعيدين معاً تبعث على الأرق ، دائماً ما ستتغلب احدى القيمتين على الأخرى ، لكن هذا لا يحدث هنا بمقدار شعرة ، و هو لا يحدث برأيي في نصوص تشارلي كوفمان التي تتضرر – فيما لو حدث - بسبب ايقاعها الإخراجي و ليس بسبب القيمة التي تطرحها ، فعل ذلك بقوة في Being John Malkovich و Adaptation سابقاً و في Synecdoche New York لاحقاً .

في عمق الفيلم نطارد جويل باريش في اثارةٍ تحمل المذاق الهيتشكوكي بنكهة الألفية الجديدة ، نراه هناك يفر من هذا المأزق الذي وضع نفسه فيه في محاولته الرد بالمثل على ما فعلته كليمنتاين ، يغوص في ذكرياته معها و يكتشف كم كانت تلك الذكريات جميلةً و مشرقة فيحاول رفقة كليمنتاين الفرار بها من تقنيات لاكونا ، لا يجدان افضل من ذاكرة طفولته للحفاظ على ما تبقى منها ، النص يوظف هذه الإثارة المندفعة أثناء عملية الهروب ليخدم قيمة قصة الحب ذاتها و يغوص في عمقها من خلال العودة بها الى بداياتها ليجعل المشاهد يقف على عتبة التساؤل الأكثر جوهريةً في الموضوع كله : هل كان الأمر يستحق كل هذا ؟ ، ميشيل غوندري يجد في هذا النص تحديداً مرتعاً خصباً لنوعية الفانتازيات التي يميل لتقديمها ، فيبلغ من خلال رحلة الفرار هذه الذروة في التعبير عنها أفضل بكثير من تجربته السابقة مع كوفمان في Human Nature ، نراه (يخترع) بصرياً بالمعنى الحرفي للكلمة ، هو يولف تعبيراً بصرياً مختلفاً لقصةٍ لا نشاهد مثلها كل عقدٍ من الزمان ، و يقدم لنا من خلال الطريقة التي يعبر بها بصرياً عن الوقوع في الحب ثم عن التدمير التدريجي له متعةً بصريةً لا تجارى ، و من الصعوبة أن نستذكر شيئاً شبيهاً بها وضع على شريطٍ سينمائيٍ من قبل .

مع ذلك يتفوق النص على حس الإثارة البديع الذي يحققه غوندري بإمتياز في وضع اللبنات الأساسية لتغيرات الحبكة ، هو يجعلنا نهتم أعمق من ذلك ، العلاقة التي يقدمها بين جويل و كليمنتاين تأسر اهتمامنا و تعاطفنا فنغرق في التقاط تفاصيلها و الإنغماس فيها أكثر فأكثر ، يغرينا ذلك التناغم بين العاطفة الخجولة لجويل و التشويش المحبط الذي يصيب كليمنتاين ، الفيلم يرسم لوحةً مكتملة الإطار عن قسوة الفراق و عن اللحظة المؤلمة التي نقرر فيها أن كل شيءٍ قد انتهى للأبد ، و نرى فيها بأن السبيل الأكثر سهولة نحو السعادة هو أن ننسى كل شيءٍ ، و لا نبقي على أي شيء ، تبدو شخصياته متأثرةً بنيتشه ، يسمح لأفعالهم على هذا الصعيد بالتدفق بسلاسةٍ أمامنا ، و يقول من خلالها ببساطة أن القسوة التي (تتلو) ذلك الإنتهاء أكبر بكثيرٍ من قسوته ذاتها ، الفيلم يحفر بفخامة في اللحظات التي نرتد فيها الى الوراء لنجد في الحب الكثير مما كان يستحق التضحية لأجله ، و يمعن التأمل في جمال الحب الضائع في التفاصيل الصغيرة التي بالغنا في تقدير قيمتها ثم اكتشفنا بعد انتهاء كل شيء أنها لم تكن تساوي شيئاً أمام مرارة الفقد ، هو يجد كل ذلك كامناً في تحرر الحب من علاقته بالمتوقع أو استسلامه له ، يرى النص في حيثيات رحلة الهروب الفاتنة هذه أن التوقع هو آفة العاطفة ، و أن تحب شخصاً يعني أن تتقبله كما هو ، لا كما تتوقعه أن يكون ، لذلك هو يعري شخصية بطليه من خلال رحلة الهروب هذه و يكشف عيوبها و لا يظهر أياً منها بالصورة المثالية للآخر ، و انما بالصورة المكملة له ، جويل بهدوءه و عفويته و ضجره ، و كليمانتين بحيويتها و جنونها و تشويشها الدائمين ، هما أحبا بعضهما ابتداءً على هذه الشاكلة ، ثم عجزوا أثناء مضي هذه العلاقة قدماً عن تحريرها من المتوقع و بحثوا عن الصورة المثالية في الشريك عوضاً عن الصورة الحقيقية له ، ثم اكتشفوا عندما اوقعتهم الأقدار من جديد في هذه العاطفة بعدما قاما بعملية محو الذاكرة أن المسألة تفوق بكثير تلك الصورة النمطية المسطحة التي تعاملوا فيها مع الحب و رغبتهم الساذجة في القفز عليه من خلال النسيان ، النص يعري مفهوم نيتشه في استخلاص السعادة من خلال النسيان و ينظر أعمق في التجربة الإنسانية التي تجعل من ذلك عبثاً ، حيث نسيان الذكرى لا يعني القفز على موزاييك الدوافع و العواطف و الغرائز التي أنشأت تلك الذكرى ، و هو لا يكتفي بطرح ذلك عن طريق بطليه بل يدعمه بإمتياز من خلال شخصيتين ثانويتين : الأولى هي باتريك الموظف الذي يستغل عمله في لاكونا و معرفته بما فعلته كليمنتاين في استغلال الفراغ العاطفي المفاجيء الذي تعيشه من اجل ايقاعها في حبائله لكنها مع ذلك تعيش تشويشاً غريباً لا تدري له سبباً مع ظهور جويل في حياتها ، و الثانية هي ماري الموظفة في لاكونا و التي تكتشف الحقيقة الصادمة عن حبها السابق للدكتور ميرزوياك و حملها منه ثم اجهاضها قبل أن يزال ذلك من ذاكرتها ، تدرك كل ذلك عندما تبدأ من جديد في حبه ! ، النص يدعم بإمتياز التوازي بين القيمة المجردة للحب و القيمة الأعمق للذكرى و للتفاصيل التي ولدتها مع الزمن ، حيث الحب وحده يبدو أكبر و أجمل و أعظم من أن يكون شريطاً مسجلاً يزال في جلسة معالجة ، و أن قدريته و قيمة الذكرى التي يولدها تنبع - قبل الصدفة و القدر - من الدوافع و العواطف و الغرائز التي قادتنا - بشكلٍ أو بآخر - اليه ، يعود بنا الى الجوهر الخالص للحب حيث الروحان اللتان وجدتا في بعضهما الإلف و المكمّل فقررتا أن تسيرا معا حتى الختام - ثم يتجاوز ذلك الى ما هو أعمق : اكتشاف مكمن الخطأ و محاولة التأقلم و التعامل معه بدلاً من محاولةٍ خائبةٍ لتصحيحه بخطأ أكبر هو القضاء على كل شيء ، الرضا بعيوب المحبوب عوضاً عن فقدانه ، عظمة الحكاية على هذا الصعيد تكمن في اللحظات الأخيرة التي تنقل العمل ككل من مجرد فيلمٍ ممتازٍ عن الحب و قدريته الى كلاسيكيةٍ سينمائيةٍ عظيمةٍ و فاتنةٍ للغاية عن قيمة التضحية و التجاوز في سبيل استمراره ، و عندما يخبر جويل كليمنتاين قرب الختام بأنه لا يجد فيها ما لا يحبه ، فتجيبه بأنه سيفعل و سيجدان نفسيهما يعيدان الكرة مجدداً فلا يجدان بأساً في ذلك ، يصنع تشارلي كوفمان و ميشيل غوندري بالنسبة لي واحدةً من أجمل و أعمق اللحظات الرومانسية في تاريخ السينما كله.

و مع أنني أجد دائماً في تشارلي كوفمان النجم الأول لأفلامه و لا أجد مساحةً لأقول فيها أي شيءٍ عن أي شيءٍ آخر ، الا أن عظمة هذا النص تحديداً ما كانت لتتجلى لولا حس الإختراع الذي وظف من خلاله ميشيل غوندري رؤيته الفانتازية المختلفة القائمة على التجرد قدر المستطاع من المؤثرات الرقمية و الغوص من خلال لوحات المؤثرات الحقيقية لتفسير الصورة الخيالية التي يقدمها ، هذا ينجح تماماً في جعل عملية محو الذاكرة شيئاً لا يمحى من الذاكرة ، لا يقل عن ذلك الفتنة التي يخلقها من خلال عمله الأستاذي على الكاميرا المحمولة المهزوزة بلطفٍ شديد من حينٍ لآخر ، هذا يسحرني خصوصاً في المشهد متعدد الزوايا في اللقاء الأول في عربة القطار ، يخلق غوندري من خلال ذلك قوةً رهيبةً للحب المتواري ، يستغل هذا التعدد في الكادرات ليصنع - سينمائياً - الشعور بالغرابة و المفاجأة و الإحساس بأنك تعرف و لا تعرف و تشعر و لا تشعر مع لغة جسدٍ ممتازة و تغني المعنى من جيم كاري و كيت و ينسليت ، كاري من خلال مطاردةٍ جديدةٍ في مأزقٍ مماثل لما حدث في The Truman Show يتفوق على كل شيء و يحقق أفضل أداءٍ في مسيرته ، هدوءه و تجرده من نمطية اداءاته الكوميدية و انغماسه اللذيذ في الدور ممتع و جذاب للمشاهد ، و الأهم أنه فعال و مقنع أكثر مما يفترض من جيم كاري في دورٍ كهذا ، الى جواره تقدم كيت وينسليت أفضل أداءٍ في مسيرتها العظيمة ، واحدةٌ من أجود الممثلات في زماننا تقدم بسلاسةٍ مثيرةٍ للاعجاب حس التشويش و الشعور بالضياع و العاطفة المفقودة و تلك المستردة في خطٍ نفسيٍ واحد و مدروسٍ جداً ، هذه الفعالية لا تتوقف عندهما بل تصنع بينهما و حولهما درجةً مضبوطةً جداً من الكيمياء التي تقوى و تفتر بما يتناسب مع تحولات قصة الحب المؤودة و المنبعثة هذه ، لا أدري متى يمكن أن أتوقف – راضياً – عن الحديث عن عظمة هذا الفيلم و ما يعنيه ليه ، بالتأكيد شيءٌ لا نشاهده كل عقدٍ من الزمان ، و واحدٌ من أكثر الأعمال أصالةً في تاريخ السينما .

التقييم من 10 : 10