•   شخصيات تختبىء وراء إدراكها
  • أريدك أن تصنع فيلماً عن معاناتي
  •  بركات الحضارة
  •  أشياؤه المفقودة
  •  كل الحيوانات تخرج ليلاً
  •  اللحظات المختلسة
  •  الفن والحب والحياة
  •  عن أحياءٍ لم يعودوا يحيون وأمواتٍ لا يموتون أبداً
  •  روسيا بوتن في شتائها الثاني عشر
  • أفكاره ومشهديته تجعله يستحق المشاهدة
  • الإضافة من خلال الحذف

الخميس، 9 مايو 2013

The Third Man

كتب : عماد العذري

بطولة : جوزيف كوتن ، تريفور هوارد ، أورسون ويلز
إخراج : كارول ريد

"في إيطاليا تحت حكم آل بورجيا كان لديهم (الحروب) و (الإرهاب) و (القتل) و (إراقة الدماء) ، لكنهم أنتجوا (مايكل أنجلو) و (ليوناردو دافينشي) و (عصر النهضة) ، بينما في سويسرا كان لديهم (المحبة) وكان لديهم 500 عامٍ من (الديمقراطية) و (السلام) ، وماذا أنتج ذلك ؟ (ساعة الوقواق) !!" بهذا الإقتباس العظيم الذي كتبه أورسون ويلز بنفسه يختزل غراهام غرين و كارول ريد شخصية رجلهم الثالث .

بالنسبة لي يبقى أصعب ما في عملية الكتابة عن السينما هو الكتابة عن فيلمٍ تحبه. ربما يعاني المرء قليلاً مع الأفلام العظيمة التي يقدّرها ، لكن تلك المعاناة تبلغ ذروتها مع الأفلام التي يحبها. من بين هذه الأفلام القليلة التي أحبها فعلاً تأتي تحفة كارول ريد هذه التي نحتت لذاتها ضمن أفلام النوار مكانةً غير قابلةٍ للمساس. من المثير جداً بالنسبة لي أن أفلام النوار التي وجدت مجدها وعظمتها في هوليوود قد أنتجت اثنين من أعظم المنجزات في تاريخها خارج أسوار هوليوود : فيلم الألماني الكبير فريتز لانغ M ، ومنجز كارول ريد العظيم The Third Man الذي لا أستطيع تخيل فيلمٍ آخر من افلام الصنف يوازيه في قيمته وعظمته وتكامله وتعريفيته بالفيلم النوار حتى وإن جاء في الأنفاس الأخيرة لمجده وسطوته.

القصة عن هولي مارتينز الروائي الأمريكي المغمور الذي يسافر إلى ڤيينا عقب الحرب العالمية الثانية حيث من المقرر أن يحصل على العمل الذي وعده به صديقه القديم هاري لايم. بمجرد وصوله يكتشف مارتينز بأن لايم قتل في حادثةٍ مروعة وأن جنازته أقيمت فوراً. في الجنازة يلتقي مارتينز بالممثلة آنا شميت ، الصديقة المقربة (المنهارة) لهاري لايم ، وبالرائد كالاوي من الشرطة البريطانية الذي يخبره بأن صديقه كان لصاً وقاتلاً وأنه من المرجح أنه ما يزال على قيد الحياة !

عظمة هذا العمل - وإن كانت تتجلى في جميع أركانه دون استثناء - تقوم قبل كل شيءٍ على نصٍ عظيمٍ كتبه الأديب والروائي البريطاني غراهام غرين قبل قرابة 15 عاماً من فوزه بجائزة نوبل. يتأثر هذا النص من جهة بأدب الإثارة والغموض الذي برع فيه الإنجليز قبل غيرهم ويزاوج ذلك مع حسٍ يجاري نصوص أفلام هيتشكوك مع غنىً واضحٍ على صعيد مثلث العلاقات التي تراقص الحبكة ولا تتبعها صانعاً مما يجري تحت السطح غنياً ومتشعباً ومتعدد المستويات ورديفاً قوياً ومهماً لما يجري على السطح حيث مجرمٌ خطيرٌ يفر من العدالة في الجزء السوفييتي من ڤيينا. يتجلى ادراك غرين الواضح بأن فيلم النوار يمكن أن يتجاوز في قيمته وأهميته ارتباطه بالطقوس البصرية الشهيرة له إما من خلال قيمة الحبكة والشخصيات التي يقدمها أو من خلال قيمة الإيقاع الداخلي للحدث وللشخصيات أثناء اشتباكها ببعضها بحيث تتناوب الحكاية من جهة والشخصيات من جهة السيطرة على الحالة الشعورية لدى المشاهد في هارموني يضفي على كينونة ما نشاهده الكثير من الغموض ، فلا نعلم بوضوح - مع تقدم الحدث - ما هو الذي نطارده ونبحث عنه لكننا نعلم تماماً أنه هناك بطريقةٍ أو بأخرى! نص غرين لا يكتفي بأن يعمل على الغموض المتناوب - المتراقص - للحبكة والشخصيات بل - بطريقةٍ ما - يمسك الطرفين معاً بطريقةٍ تتفهم وتدرك إلى حدٍ بعيد كيف سيبدو كل شيءٍ على الشاشة الكبيرة. ما أن نقترب قليلاً من فهم (شخصيةٍ) ما ، يتدخل (الحدث) ليزيد الأمور غموضاً ، وتدفق الحدث وطريقة تفاعل الشخصيات المكتوبة معه مصممان ببراعةٍ لتلائما - بصرياً - قالب فيلمٍ نوارٍ عظيمٍ يعمل ورقه عامداً وفق الطقوس البصرية للفيلم النوار ولا يجعلها مجرد قشرةٍ شكليةٍ تغلفه. الفضل بالطبع يعود لعملٍ متفهمٍ جداً من كارول ريد الذي لا يكتفي هنا بإدارة أورسون ويلز فقط بل هو يتأثر به كثيراً ويستلهم الكثير من روح اورسون ويلز - المخرج الذي ذهب بلعبة الضوء والظلال إلى منتهاها قبل ثمانية أعوام في Citizen Kane - موجهاً ذلك في صناعةِ شيءٍ مختلفٍ ضمن صنفٍ يقوم طقسه البصري الأول على استغلال الضوء والظلال! وهي لعبةٌ ربما لن تشاهد مثيلاً لإجادتها بهذه العظمة والعبقرية في أي فيلم نوارٍ آخر !

من أجل تحقيق ذلك الهارموني الغريب يخلق غراهام غرين أبعاداً حقيقيةً للشخصيات التي يقدمها وللدوافع التي تحركها دون أن يجعلها مكشوفةً لنا أو متجاوزةً من قبلنا. باكراً جداً يضعنا في الصورة الكبيرة للحقيقة المفترضة عن هاري لايم ، الرجل الفار من العدالة والذي لقي مصرعه للتو بطريقةٍ لم تقنع الشرطة البريطانية في الربع البريطاني من ڤيينا. تتهمه الشرطة بصفقة أدويةٍ فاسدةٍ أودت بحياة الكثير من الأطفال ولن يتوقف رجالها قبل الوقوف على حقيقة ما جرى. قبل أن يُشبع غرين هذه المساحة من الحكاية يفعّل بسرعة مجهره ليراقب العلاقة المتطورة بين هولي مارتينز و آنا شميت - في غياب هاري لايم عن الصورة - ويطوّر بحذر التحول الذي أصاب هولي مارتينز اثناء تلك الفترة التي قضاها في ڤيينا من شخصٍ بريءٍ مسالم جاء باحثاً عن لقمة العيش والبقاء بقربِ صديقه القديم إلى رجلٍ مختلف تتغير نظرته للصداقة والعدالة في هذه البيئة الغريبة المنقسمة حيث وحدها آنا شميت من تجعله يستمر في وضعٍ كهذا. صحيح أن الفضول يدفع هولي مارتينز بقوة للبقاء في ڤيينا من أجل كشف سر اختفاء صديقه ، لكن سيناريو غرين لا يمعن في جعل الفضول هو السبب المحرك لذلك وهذا بقدر ما يغني الغموض المقصود للشخصية يضرب في صميم تقدم الحدث عندما نصل إلى مرحلةٍ لا نستبين فيها تماماً السبب الذي يجعل مارتينز ينتظر في ڤيينا وربما مارتينز ذاته لم يعد يعرف السبب : هل هو فعلاً ينتظر الكشف عن حقيقة ما جرى ؟ أم أن سحر آنا شميت وفكرة الظفر بقلبها هي ما احتجزته ؟! هذه الحيرة في الواقع تغني عمق العمل القائم على الحفر بإسهاب في التصرفات التي تحركنا وفقاً لما (نبرره) لأنفسنا بعيداً عن (لعبة المبادىء والأخلاقيات) التي نغلف بها تصرفاتنا. تتغير طريقة تفكير مارتينز تدريجياً من اللهفة والدفاع عن صديقه الى تكريس نفسه من أجل الظفر بحب آنا حتى من خلال اعاقتها عن محاولة الاتصال بهاري! والفيلم من منظور فكرة (التبرير) التي يجعلها أرضيةً لتصرفات أبطاله (بما في ذلك المقارنة بين ايطاليا وسويسرا في عبارة هاري لايم الخالدة) ينساق وراء اعطاء انقسام مارتينز بين صداقته لهاري وحبه لآنا (بعداً أخلاقياً) ينبع من محاولته كشف حقيقة صديقه وابعاد آنا عن مستنقعه كمحاولةٍ (تبريريةٍ) تغلف وتواري حقيقة ذلك الإنقسام و (جوهره العاطفي) قبل كل شيء. هذا الهارموني بين غموض الشخصيات (السببي) وغموض الحدث (كنتيجة) لا يصنع فقط لا محوريةً غريبةً - وعظيمةً - بينهما ، بل يحرر أيضاً فيلمَ النوار - بعظمة - من قيد الكليشيهات المعروفة ، حيث تسلسل لعبة القط والفأر ثم ترتيب الأحجية ثم كشف الحقيقة المختبئة ، ويضع هذه الكليشيهات (التي يقدمها اساساً بعظمةٍ) ضمن قالبٍ مختلفٍ من الإقرار والإنكار والإظهار والإبطان لطالما حكم مثلث السينما الأزلي.

بالمقابل، يحقق العمل الاخراجي الكبير من كارول ريد برأيي المفخرة الأعظم على الإطلاق لأفلام النوار وأحد أكثر الأفلام اكتمالاً في تاريخ السينما. يُغني ريد تفوق ورق غراهام غرين على نمطية الصنف من خلال نجاحه في تحقيق تلك الرؤية البصرية للحكاية التي نشدها غرين في نصه ، متجاوزاً القبض على اهتمام المشاهد بخيوط القصة المنسوجة حول مثلث الشخصيات إلى جعل الصورة (مختلفة) بالمعنى التبسيطي للعبارة ليُعزز من خلال ذلك (الإختلاف) اللامحورية التي نشدها النص بين الحكاية والشخصيات. جزء من ذلك يأتي من تقديم كارول ريد المختلف لصورة ڤيينا المنقسمة والتي لا يهتم ريد كثيراً بتوليد شعورٍ لحظيٍ مباشر بصورتها المنقسمة قدر اهتمامه الواضح بجعلنا موجودين فيها فعلاً ، نعيشها ونتجوّل فيها ونرهبها دون أن تقفز الى اذهاننا صورتها كعاصمة للامبراطورية النمساوية العظيمة ، أو كمركزٍ مشع للأدب والثقافة في أوروبا ، أو حتى ذاكرتها كمهدٍ احتضن ثمار عبقرية موزارتڤيينا هنا مجرد صورةٍ ليليةٍ كابوسيةٍ لمدينةٍ تنهض تدريجياً عقب أعنف حروب البشرية. صورتها في خلفية الحدث رهيبة ومنعكسةٌ في كل شيء دون أن تطغى أو تبتذل. مزيج من حس الغربة والاختلاف والوحشة والغموض و لا أدرى الى أي مدى كان ريد يدرك كم سيخدمه العمل التصويري الجبار من مدير التصوير روبرت كريزر - الذي يفوز هنا بجائزة أوسكار - وخيار تصوير الفيلم في ڤيينا الحقيقية بعد أربع أعوامٍ فقط على وضع الحرب أوزارها ! يُتقن كريزر ثنائية الضوء والظلال ويُحفر اتقانه ذاك في ذاكرة المشاهد الذي بقدر ما سيقدر الصورة هنا بقدر ما سيستصعب تذكر شبيهٍ لها في عملٍ آخر. هذا المسعى في تجسيد كابوسية الصورة يدعمه العمل المكثف من ريد على استخدام ما يعرف باللقطة الألمانية - حيث الكاميرا المائلة المأخوذة أعلى أو أسفل مستوى وجه الممثل في لقطةٍ قريبة - تعطي مذاقاً مختلفاً عن أي توظيفٍ سابقٍ لهذه اللقطة حققته التعبيرية الألمانية ذاتها خصوصاً في المشهد الذي لا ينسى في مدينة الألعاب. لا تغادر ذاكرتي المنحوتات البصرية بالضوء والظلال التي أنجزها روبرت كريرز في الفيلم خصوصاً تلك التي تلتقط ڤيينا بطريقةٍ غير اعتياديةٍ لأي فيلمٍ يصوّر في الموقع في تلك الحقبة ، أو تلك التي تجثم فيها روح الغموض على الصورة بطريقة تفوق ربما القيمة التقليدية للغموض في أي فيلمٍ نوار ، أخص منها بالذكر مشهد بائع البالونات الشهير ، أو تلك اللقطات التي تتراصف لتصنع المطاردة الخالدة في ذروة الفيلم في مجارير ڤيينا ، يتوجها بالطبع كادر الختام المعبر أكثر مما يمكن للقطةٍ ان تقول !

لا أقل من ذلك مقدار التأثير الذي يحققه الاختيار الغريب جداً من كارول ريد لموسيقى أنتون كاراس الذي يقدم من خلال القيثارة ربما أغرب موسيقى تصويرية لأي فيلمٍ نواريٍ على الإطلاق. كسرٌ صارخٌ جداً للعلاقة الأزلية التقليدية بين الأوركسترا وفيلم النوار من خلال الثقة بقدرة آلة موسيقيةٍ واحدة – وشرقيةٍ فوق ذلك – على احداث الفارق وخلق بصمةٍ - يسهل تمييزها - لشريط الصوت تليق بفرادة وتميّز العمل ككل.

علاوةً على ذلك ، هناك العلاقة الحميمية بين اخراج كارول ريد و كاريزما أورسون ويلز. هاري لايم لا يظهر على الشاشة لأكثر من ثلث مدة الفيلم ، لكن كاريزما أورسون ويلز تجعل روح وشخصية الرجل طاغيةً على كل شيء. تكاد تشعر بوجوده منذ مشهد الجنازة يقف هناك ويراقب كل شيء. وعندما يظهر للمرة الأولى تصنع تلك الكاريزما والتوليفة البصرية الصوتية العظيمة واحدة من أعظم لحظات الظهور الأول في تاريخ السينما كله ومنحت الفيلم جزءاً لا يستهان به من عظمته وقيمته وخلوده!

لا أجد أحياناً ما أقول عن الأفلام التي احبها، أحياناً تركها هكذا يفوق ربما أي حديثٍ عنها. شاهدت هذا الفيلم ربما أربع مراتٍ حسبما أتذكر ، وفي كل مرة كنت أزداد ثقةً أن شعوري الأول تجاهه لم يكن لحظياً. شعورٌ بعظمة الصنعة السينمائية فيه وبتحقيقه الغاية الأساسية التي تطورت السينما من أجلها : أن تصنع فيلماً قيماً ومهماً وعميقاً ولا يتأثر بفعل عوامل التعرية ونحت الزمن. وهنا، واحدٌ من أكثر الأفلام اكتمالاً في تاريخ السينما ، وبالتأكيد أكثر نماذج النوار كلاسيكيةً وامتيازاً وربما أعظمها على الإطلاق .

التقييم من 10 : 10


0 تعليقات:

إرسال تعليق

free counters