الخميس، 30 مايو، 2013

Das Boot

كتب : عماد العذري

بطولة : يورغن بوركناو ، كلاوس فينيمان ، مارتن زاملروغ
إخراج : فولفغانغ بيترسن

شخصياً أقدر كثيراً الأفلام التي استطاعت أن تحفر لها مكاناً خاصاً ضمن نوعيةٍ محددةٍ و خاصة من الأعمال السينمائية ، كأفلام التجسس ، أو أفلام الطريق ، أو أفلام المكان الواحد و غيرها ، من تلك النوعيات الخاصة التي يفضل الكثيرون مشاهدة أفلامها ما اصطلح على تسميته ضمنياً بأفلام الغواصات ، حيث الثيم العام المتعلق بالأماكن المغلقة و الإثارة الحربية و الصراعات النفسية و رهبة العزلة و خطر الموت بين لحظةٍ و أخرى ، صنفٌ قدم للعالم أفلاماً مهمة مثل Run Silent Run Deep و The Hunt of Red October و Crimson Tide و K-19: The Widowmaker و غيرها ، بينها جميعاً فرض Das Boot نفسه الأعظم قاطبة حتى صار ذلك أشبه بجزءٍ من قيمته ذاتها .

فولفغانغ بيترسن حقق في هذا الفيلم الذي أخرجه مطلع الثمانينيات المنجز السينمائي الألماني الأكثر كلفة لسنواتٍ تلته ، لكنه حقق أيضاً واحداً من أعظم المنجزات في تاريخ السينما الألمانية ، ثلاث ساعاتٍ و نصف استطاعت أن تكسر المستحيل و تولّد اثارةً و تعاطفاً حقيقياً غير متوقع مع شخصياتٍ تمثل الجانب النازي من الحرب ، هذا التفصيل حقق للفيلم دوياً و استقبالاً مهماً لدى جمهور السينما خارج بلده الأم قادت الفيلم لاحقاً ليحصد ست ترشيحاتٍ لجوائز الأوسكار هو الرقم الأعلى الذي يناله فيلمٌ أجنبي في تاريخ الأكاديمية في حينها .

في العمق يحكي العمل قصةً بسيطة الحبكة عن روايةٍ للمصور الألماني لوثر غونتر بوخهايم يتناول فيها الليوتنانت هينريش ليمان فيلنبروك القائد المقدام لإحدى غواصات اليو ، مفخرة الأسطول البحري لألمانيا النازية ، و المهمة الدورية التي كلف بها مع فريقه في تمشيط المحيط الأطلسي ثم التوجه لاحقاً الى البحر الأبيض المتوسط عبر مضيق جبل طارق ، و التناوب الذي عاشه مع فريقه على مدى أشهر بين أن يكون الصياد حيناً ، و الفريسة أحيانا .

من وجهة نظري الشخصية أجد من الصعب أن يمد نصٌ ما حبكةً صغيرةً جداً عن مجموعةٍ من البحارة في غواصة لتصبح عرضاً من ثلاث ساعاتٍ و نصف و يحقق من خلال ذلك شيئاً ذو قيمة ، تحولات هذا النص معدودةٌ جداً و مكرورةٌ في غالبها ، هي تراقب في جل وقتها انعكاس ما يجري خارج الغواصة (و هو الجزء غير المرئي من الحكاية) على نفسيات و أحوال طاقم الغواصة ، و الملفت أن ذلك الإنعكاس لا يحتمل الكثير من التحولات الدرامية أو التغيرات النفسية ، مع ذلك ينجح النص في جعل ذلك الحيز المحدود شيئاً عظيماً بالفعل ، فيقدم تلك التحولات و الإنعكاسات المكرورة كل مرةٍ بطريقةٍ مختلفةٍ و مثيرةٍ و باعثةٍ على الترقب ، هذا عظيم و لا يمكن نكرانه و يحقق برأيي واحداً من أعظم أفلام الحروب و أكثرها تميزاً و أصالةً على الاطلاق ، الفيلم – و بإمتياز – لا يكتفي بأن يقول الكثير عن الحرب ، هو يتجنب التأمل ، و الذكرى ، و حالات الإدراك الوجداني التي نجدها في أفلام الحروب عادةً ، هو يضع ذلك جانباً و يستخدم الأسلوب الأكثر فعاليةً كفيلمٍ من افلام الـ Anti-War فيجعلك تعيش الحدث بدلاً من تأمله ، و قدرته على هذا الصعيد يكاد لا يضاهيها برأيي فيلمٌ آخر في تاريخ الأفلام الحربية سوى تحفة ستيفن سبيلبيرغ Saving Private Ryan ، في جميع أفلام الحروب - بما في ذلك تلك العظيمة جداً منها – نتأمل ، و نراقب ، و ندرك ، و نشكل صورةُ حقيقةً لما يجري و قد نشرك أحياناً في تشكيل احساس المقاتل ، نادراً جداً ما نتخلى عن ذلك من أجل أن نعيش التجربة بحذافيرها و نصبح جزءاً منها ، في سائر الأفلام الحربية العظيمة لا نستطيع أبداً مراوغة حس الإثارة الواضح الذي يغرينا بمتابعة الحدث و الإنتقال معه من مرحلةٍ الى أخرى ، و هذا التفصيل مهما بلغت جودة تقديمه يقف معترضاً جوهر أفلام الحروب كأفلام Anti-War قبل كل شيء ، أن يثيرك شيءٌ يُفترض بك أن تنبذه ، من النادر أن يسحبك فيلمٌ من نكهة الإثارة المعتادة ليجعلك تعيش الجو الخانق و الممل و الضغط الهائل لأن تكون في معركة الى الدرجة التي لا تصدق متى تنتهي دوامة الأحداث تلك ، تماماً كشعور المقاتل في تلك المعركة ، فقط فيلما بيترسن و سبيلبيرغ هما من جعلاني أنسل من الرغبة التأملية الإعتيادية عند مشاهدتي لفيلمٍ حربي ، الى رغبة الانعتاق مما يجري ، ايصال المشاهد الى هذا الشعور في فيلم Anti-War يستحق الإشادة بمفرده ، و في هذا الفيلم نعيش ذلك الإحساس لأننا نصبح جزءاً مما يجري عوضاً عن الإكتفاء بالتأمل ، نعيش الجو الخانق للغواصة و حالة النشوة ضمن طاقمها ، ثم نبدأ تدريجياً ندرك بُعدنا عن كل شيء و انقطاعنا الكامل عن العالم ، و ندرك شيئاً فشيئاً أن اتصالنا بكل ما يجري أصبح تلك الأصوات المبهمة التي يلتقطها السونار ، يصبح لإشعال الضوء الأزرق في الغواصة معنى ، و لإشعال الضوء الأحمر معنى ، و تصبح لحظات الصعود للسطح مبهجةً بقدر ما هي مقلقةٌ أيضاً ، و سرعان ما يصبح ترقبنا للأصوات العميقة للمراكب التي تعلو الغواصة أو صوت صرير جسم الغواصة عند زيادة حجم الضغط ، كل تلك التفاصيل تصبح جزءاً نعيشه بالفعل على مدى الساعات الثلاث ، يصبح لها معنىً لدينا كما هي لأفراد الطاقم ، لذلك هو لا يهتم بمن فاز أو خسر هذه الحرب ، و إنما بكم بقي من روح أولئك الأفراد اللذين عاشوا تلك التجربة ، هذا التفصيل لا يمكن انكاره و هو الركن الأساس برأيي في عظمة هذا العمل و خلوده .

بالإضافة الى ذلك لا يتماهى الفيلم مع الكليشيهات التي من المحتمل أن تصنع حبكاتٍ ثانويةً يمكن أن تغذي حبكته الرئيسية البسيطة ، يتجلى ذلك على محورين ، المحور الأول من خلال التفاصيل التقليدية التي اعتدنا مشاهدتها مع شخصياتٍ تعيش وطأة المعركة ، سنشاهد شاباً ينتظر ارسال رسالةٍ الى صديقته الفرنسية الحبلى ، لكن تلك الرسالة لا ترسل و لا يهتم النص بمعرفة ما جرى بعد ذلك ، هو يبتر الحكاية لكيلا يضيف شعوراً استبكائياً استنزفته الكثير من الأفلام الحربية الأخرى ، و نرى أيضاً المهندس الرئيسي للغواصة ينتظر الإذن للذهاب و البقاء بجوار زوجته المريضة لكننا نكتفي بمشاهدة قرار الموافقة و هو يسقط ثم لا نعرف ما جرى بهذا الخصوص ، النص لا يذهب بنا أبعد من الغواصة ، يقول أن لكل فردٍ هنا مشكلته الخاصة في الخارج ، لكنها ليست مهمةً بالنسبة لنا ، هم الآن داخل الغواصة ، و كل شيء خارجها لا يهم في الوقت الراهن ، و المحور الثاني هو التكثيف الذي يمارسه النص في تقديم مباديء قائد الغواصة مطلع الفيلم و التي تعطينا صورةً مختلفةً عن الصورة التقليدية لرجلٍ يعمل لصالح النازيين ، هذا التكثيف يسهم في جعلنا نقع رهن التشويش عندما نراه يتخلى – كقائدٍ عسكري – عن أولئك البحارة الخصوم اللذين قضوا غرقاً أمام ناظريه بعد اشتعال مركبهم ، هو يجرد شخصية القائد الحربي من أسطورتها المعتادة في الأفلام الحربية ، فنراه هنا يخطيء المرة تلو الأخرى و ندرك خطأه بمجرد حدوثه ، لكن عمله يستمر لأن الحرب لا تسمح لأحد بمراجعة حساباته أو تعديلها ، النص دائماً يسير مع الكليشيهات لكنه لا يتماهي في ذلك ، لا من خلال شخصية القائد و لا من خلال أفراد طاقمه ، يرينا بصورةٍ مجردة بأن هذه هي قسوة الحرب دون أن يستنزف الكثير من الكلمات لقول ذلك .

كل هذه العظمة النادر تحقيقها في فيلمٍ من هذا النوع تتحقق بفضل فولفغانغ بيترسن الذي لا أدري في أي مزاجٍ كان عندما أقدم على اخراج فيلمه هذا ، خصوصاً و أنه فقد ذلك المزاج على مدى العقود الثلاثة التالية فلم يحقق ما يمكن أن يرتقي حتى لملامسة المجد الذي وصله هنا ، أعظم ما في عمله هو ذلك الهارموني الذي لا يخطئه المشاهد بين العمل التصويري العظيم ليوست فاكانو و المونتاج الحيوي لهانز نيكل اللذين حملا على عاتقهما جعل هذه الحبكة المكرورة في هذا المكان الضيق و على مدى ثلاث ساعاتٍ و نصف شيئاً مهماً و مؤثراً و يضرب في عمق قيمته كفيلم Anti-War ، فاكانو يخنق الصورة و يعمل بإنسيابية تستحق الثناء على خلق وحدةٍ مكانيةٍ للحدث ، نراه ينسل بسلاسة ضمن فتحات الغواصة و في الممرات و عبر السلالم و في غرف النوم و بين المولدات ليخلق رهبةً غير مبالغٍ بها تجاه الغواصة كمكانٍ ضيق ، هذا الضيق نشعر به دون أن ننفر منه و هذا أهم ما في الأمر ، و مع كل حالة استنفار في الغواصة تلتقطها كاميرا فاكانو و مونتاج نيكل الحيوي نشعر أكثر فأكثر بأننا متورطون بما يجري و بأن علينا أن ننتهي من ذلك سريعاً كما هي رغبة كل فردٍ هناك .

عندما أستذكر بيضة الديك السينمائية لا أجد أفضل من هذا الفيلم العظيم الذي حققه بيترسن و لم يستطع أن يرتقي إليه مجدداً ، قليلةٌ جداً تلك الأفلام الحربية التي شعرت معها بشعوري أثناء مشاهدة هذه الكلاسيكية ، Das Boot ليس مجرد واحدٍ من أعظم أفلام الحروب التي قدمتها الشاشة الكبيرة ، بل هو واحداً من أكثر تميزاً و اختلافاً و اصالة .

التقييم من 10 : 10