الثلاثاء، 2 أبريل، 2013

Battleship Potemkin

كتب : عماد العذري

بطولة : أليكساندر أنتونوف ، فلاديمير بارسكي ، غريغوري أليكساندروف
إخراج : سيرجي إيزنشتين

هناك أفلامٌ ولدت لتعيش ، لا أقصد بالطبع تلك الأفلام التي نالت من التقدير و الثناء و الاحترام المقدار الذي جعلها تبقى في ذاكرة عشاق السينما للأبد ، بل أقصد تلك الأفلام التي كان مخرجوها يعلمون جيداً المدى الذي يمكن أن تبلغه و الأثر الذي يمكن أن تحدثه بالنظر لمعرفتهم الدقيقة بما يمكن أن تضيفه لهذا الفن ، أكاد اراهن أن السوفييتي الرائد سيرجي إيزنشتين صنع فيلمه هذا و هو يمتلك تلك المعرفة .

في الواقع إيزنشتين لم يستهدف صناعته أساساً ، كان العمل مجرّد مشروعٍ وطنيٍ لإحياء الذكرى العشرين للثورة الشعبية الموءودة عام 1905 و التي كانت الخطوة التمهيدية المبكرة للثورة البلشفية التي نجحت بعد ذلك بإثني عشر عاماً ، طُلب من الرفيق ابن السابعة و العشرين القيام بإخراج فيلمٍ يحيي هذه الذكرى و يبقيها عالقةً في النفوس ، و بالطبع سخّرت له الدولة الامكانيات المطلوبة و دعمته بجزءٍ من اسطولها البحري لصناعة ملحمة سينمائيةٍ غير مسبوقةٍ على صعيد الامكانيات وظفت مجاميع تجاوز عددهم الثلاثة آلاف كومبارس ، و في الواقع وجد إيزنشتين  في هذه المهمة فرصةً ثمينةً جداً لممارسة و تطبيق رؤيته الخاصة في انتاج الفيلم السينمائي ، بالطبع كان الرجل مدعوماً بنجاحه الملفت في في فيلم Strike الذي قدمه قبل عام ، لكنه كان يدرك أن هذه التجربة السينمائية ليست كأي عملٍ سبقها ، كان صافي الذهن جداً و هو يعمل على هذا الفيلم في تلك الحقبة المحورية جداً من تاريخ السينما قبل عامين فقط على ولادة السينما الناطقة في هوليوود ، و أعتقد أنه كان يدرك جيداً الى أي مدى سيكون أثر فيلمه هذا ، حقق الفيلم نجاحاً ساحقاً و قدم شيئاً غير اعتيادي على مستوى الوصول بقيمة المونتاج الى ذروتها لدرجة أصبح بالامكان اعتباره أكثر الأعمال تأثيراً في تطور فن المونتاج على الاطلاق ، مع أن تلك الثورية و الريادة لم تشفع له كيلا يُمنع من العرض أو التداول في عددٍ كبيرٍ من الدول التي اعتبرته فيلماً للدعاية السياسية و للترويج لانتصار الثورة البلشفية ، بل أنه مُنع في بلاده ذاتها في الحقبة الستالينية خوفاً من تأثيره التحريضي على الناس ، بالإضافة لذلك النجاح صمد الفيلم على قائمة مجلة Sight and Sound العقدية لأعظم الأفلام في تاريخ السينما على مدى ستة عقودٍ كاملة ، و ظهر فيها منذ قائمة عام 1952 و حتى عام 2002 قبل أن يتراجع الى المرتبة الحادية عشرة في قائمة 2012 و بفارق صوتٍ واحدٍ عن 8 and a Half الذي احتل المرتبة العاشرة ، و هو صمودٌ لم يتحقق سوى لرائعة جون رينوار العظيمة The Rules of The Games التي ظهرت في القائمة ست مراتٍ أيضاً ، ملأ الدنيا و شغل الناس على مدى قرابة تسعة عقود ، و حقق مجداً لا يكاد يضاهيه سوى القلة القليلة من كلاسيكيات السينما ، و الأهم بالنسبة لي أنه كان الفيلم الأفضل على الاطلاق لدى اثنين من المخرجين الذين أعشقهم و أقدر سينماهم كثيراً : شارلي شابلن و بيلي وايلدر.

في الفيلم يحكي علينا سيرجي إيزنشتين  عن نصٍ كتبته نينا أغداجانوفا شوتكو قصةً من خمسة فصول عن طاقم البارجة الروسية بوتمكين المستائين من القسوة المتطرفة من قبل ضباطهم و قادتهم و المعاملة اللا إنسانية التي يحظون بها أثناء أدائهم بواجبهم و الغذاء الذي لا يليق بالماشية الذي يحصلون عليه كل يوم ، ينظمون تمرداً عنيفاً على متن البارجة العائدة من الحرب الروسية اليابانية ، و يحرض ذلك التمرد ثورةً شعبيةً فاشلةً ضد النظام الحاكم في مدينة أوديسا على ساحل البحر الأسود ، حيث قامت قوات القيصر بقتل المتظاهرين ببربريةٍ على درجات المدينة الأمر الذي قاد في تداعيات طويلة الأمد لقيام الثورة البلشفية بعد إثني عشر عاماً .

بنيوياً لا يسير النص وفق تقاليد كتابة النصوص المتعارف عليها في تلك الحقبة ، هو يصنع قصةً مهمةً و مؤثرةً دون وجودٍ للشخصيات فيها ، و حتى دون حكايةٍ سينمائيةٍ بالمعنى التقليدي لها ، يبدو في بنيته الظاهرية أشبه بعمليةٍ توثيقيةٍ مصوّرة تكتسب الجزء الأكبر من عمقها في آلية تنفيذها و ليس من بنيتها القصصية ، علاوةً على ذلك لا يبدو النص حدياً في تعبيره على خلاف أفلام الحقبة – الأوروبية منها على أقل تقدير – التي عملت بحديةٍ شديدةٍ على تقسيم الشخصيات الى خيّرٍ و شرير ، و كانت تكثف بشدة العمل على الحركات الإيمائية للشخصيات لإعطاء هذا الإحساس في التأسيس للشخصيات ، متأثرةً بالطبع بالمجد الذي عاشته المدرسة التعبيرية الألمانية في تلك الحقبة ، النص يتمرد على ذلك القالب و يبدو بالنسبة لي أكثر حقيقيةً من أقرانه في العشرينيات ، هو يخرج من عباءة التعبيرية و الطريقة الحدية التي تقدم بها شخصياتها ، فيتخلى عن القالب التقليدي للشخصية و يكتفي بتقديم شخوصٍ يتحركون ضمن الحكاية و لا تتابعهم الحكاية ، يتجلى لنا هذا بوضوح في مرحلة ما قبل التمرد التي نلتمس من خلالها نوعية الحياة التي يعيشها البحارة على البارجة و نلامس المبررات التي يمكن أن تقودهم الى ما فعلوا دون أن نجد أنفسنا مشتركين بالإهتمام بشخصيةٍ بعينها ، و هذا يستمر لاحقاً طوال أحداث الفيلم ، يبقي الحبكة الرئيسية للعمل فضاءً رحباً تتحرك فيه شخوص الحكاية المجهولين بالنسبة لنا ، و لا ينحرف عن ذلك بتاتاً ، بل أنه لا ينسج أي حبكاتٍ ثانويةٍ أو حتى انحرافاتٍ بسيطةً عن خط الحبكة الرئيسي الذي لا يحيد عن تجسيد الصورة العامة للثورة ، أي ثورة ، و الكيفية التي تولد فيها كنتيجةٍ لإحتقان مسبق يغذيه تدهورٌ في الحالة الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية للبلاد ، قبل أن تفجره شرارةٌ صغيرةُ تتمثل بمقتل بحارٍ روسيٍ ظلماً و وصول جثته الى ساحل المدينة ، هو ينظر في صورته العامة في سيكولوجية الثورة عبر العصور كلها من خلال محاولته هذه لتكريم واحدةٍ من نماذجها المقموعة على مذبح التغيير ، و سبر الحاجة الملحّة و الأزلية لتكاتف القاعدة الشعبية مع القوة العسكرية لإحداث ذلك التغيير .

مع ذلك لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال اعتبار ان هذا الفيلم هو فيلمٌ عن الحكاية ، إيزنشتين  يستثمر حجم الامكانيات الضخمة التي وضعت تحت يده ليكون ثورياً جداً على صعيد صورته ، هو هنا يخلق الاحساس التوثيقي للحكاية من خلال المونتاج أكثر من اعتماده في ذلك على الربط التقليدي للمشاهد بالقصة ، جعل كيفية سردها أفضل و أهم للمشاهد مما تسرده ، و ربما وجد في مادة الفيلم ذاتها مجالاً خصباً لتطبيق توجهه الخاص في الوصول بالمونتاج الى أرفع مستويات تأثيره على خلاف السائد حينها ، قامت نظرية الرجل (المستمدة في جذورها من نظرية المونتاج السوفييتي الشهيرة) على أن عظمة الفيلم لا تنبع من قيمة الصور التي يرصفها الى جوار بعضها بل من قيمة الطريقة التي يرصفها بها ، و من قيمة الإيقاع الذي يحصل عليه من ذلك ، يصل هنا بما يسمّى (المونتاج الإيقاعي) الى ذروة تأثيره و أفضل استثمارٍ له في زمانه في مشهد درجات الأوديسا الشهير ، كما يعمل على توظيف أفكار المونتاج السوفييتي في توليف شيئين مختلفين تماماً لصناعة شيءٍ ثالث مختلف عنهما و أوسع اطاراً في معناه و غير قابلٍ للتجسيد بصرياً و انما يتم رسمه في ذهن المشاهد (تأثير كوليشوف) ، كل ذلك حقق ما أُسماه إيزنشتين لاحقاً بالـ Intellectual Montage أو المونتاج الذهني وحرر السينما من حدية التعبير المباشر المحسوسة إلى التجسيد غير المحسوس للفكرة من خلال الصور المرصوفة بجوار بعضها ، هذا الفكر وجد أفضل مرتعٍ له في هذا الفيلم الذي صور في أكثر من 1300 لقطة و هو رقم يفوق ضعف الرقم الاعتيادي لأفلام ذلك العصر ، تلك اللقطات استثمر فيها إيزنشتين  عمل مدير التصوير إدوارد تيسر - الحيوي جداً في زوايا التصوير و توظيف الضوء و الظلال – من خلال تصوير ذات المشهد من أكثر من زاوية لإعطاء شعور البعثرة و الفوضى (و هذا بحد ذاته كان سابقاً لعصره) ، ثم أعطى الصورة الختامية ذروة تأثيرها من خلال نظريته في المونتاج التي استخدم فيها معظم أساليب المونتاج المستخدمة اليوم و كثف جهوده على تجسيد التكرار إما من خلال القطع أكثر من مرة على ذات اللقطة كحال الافتتاحية التي تجسد غضب البحر (غضب البحّارة الكامن) من خلال لقطات مكررة لموجات تضرب الشاطيء ، أو من خلال القطع أكثر من مرة في المشهد ذاته بين لقطاتٍ بمستوى مختلف للتأكيد على القيمة الرمزية للمشهد كحال ما يحدث في افتتاحية الفصل الأول عندما نلتقط من زوايا متعددة اولئك البحارة النائمين (حرفياً و رمزياً) و الاستفزاز الذي يحدث لهم من قبل الضابط المسئول عن ايقاظهم ، هذا فعالٌ و يضرب في صميم نظرية إيزنشتين  ، و هو يحصل على ذلك تقنياً من خلال استخدامه المكثف للقطع السريع ، و في الحقيقة لست متأكداً و لا يوجد من وثّق ذلك بشكلٍ دقيق لكنني أعتقد أن القطع السريع بدأ فعلياً مع إيزنشتين  ، و هو من خلال استخدامه الرائد له هنا – كأسلوبٍ تعبيري أكثر من كونه مجرد أداةٍ تقنية - يسمح له بإختزال أكبر كميةٍ ممكنةٍ من الحدث في أقصر فترةٍ ممكنة ، و هذا برأيي يخدم إرث العمل ككل في الذاكرة السينمائية على ثلاثة أصعدة : الأول دون شك هو تأثيره العظيم في توظيف المونتاج و ترسيخ قيمته للسينما كلها من بعده و إثبات ذلك عملياً من خلال تجاوزه الواضح لقيمة و أهمية الحكاية السينمائية أو حتى أهميته كفيلم من أفلام الدعاية السياسية ، و من الصعب أن يتم تذكر هذا الفيلم كحكاية أو الحديث عنه كدعاية سياسية قبل الحديث عن تأثيره العظيم في ترسيخ قيمة المونتاج السينمائي كأداةٍ تعبيرية ، و الثاني أنه قدّم مثالاً مبكراً جداً على طريقة التحكم بعواطف الجمهور و توجيهها في الحكاية دون التعامل مع الحدية التي طبعت أفلام التعبيرية الألمانية في حقبة السينما الصامتة ، و ربما ساعده في توجيه ذلك تأثير مرجعيته الانتاجية كفيلم دعايةٍ سياسية في المقام الأول ، و الثالث هو قدرته من خلال هذا النهج الاخراجي المختلف على صناعة تتالٍ ممتاز من المشاهد السينمائية القابلة للدراسة لدرجة أن الكم الذي نتذكره منه في الختام يفوق في الواقع طاقة عملٍ سينمائيٍ مدته 69 دقيقةً فقط ، و هذا كله في الواقع مرتبطٌ في الأساس بالجزئية الأولى المتعلقة بالمونتاج و المزاوجة التي لا تنسى بين توليف اللقطات المختلفة للمشهد الواحد ضمن رؤيته للمونتاج و دعمها بطاقةٍ كبيرةٍ تأتي من الموسيقى العظيمة التي وضعها إدموند مايسل للفيلم و التي تعوض الكثير من قيمة الحوار المنطوق حتى بمقياس التأثير التقليدي للموسيقى في الأفلام الصامتة ، هذا الهارموني العالي للصوت و الصورة يتجلى بشكلٍ ممتاز في المشاهد المتوترة للفصل الخامس من الحكاية عندما تطوّق سفن الأسطول البارجة بوتمكين ، و يصل ذروة تأثيره قبل ذلك في مشهد (درجات أوديسا) الذي من النادر أن نجد فيلماً ارتبط بمشهدٍ فيه كما ارتبط هذا الفيلم بهذا المشهد ، وصل فيه إيزنشتين الى ذروة ما قام بتطبيقه و تجربته طوال الفيلم ، جلب مادةً متنوعةً جداً على مستوى طول لقطاتها و نوعياتها ، و عمل بشكلٍ مدروس جداً على استخراج التأثير الأعظمي لسيناريو المشهد (المبتدع أثناء التصوير في الواقع و الذي لم يكن مكتوباً اساساً في النص) ، هذا يحدث من خلال المونتاج الإيقاعي و القطع السريع بين اللقطات المتنوعة مع الفوكسة على شخصياتٍ بعينها ضمن المشهد (الأم المكلومة أو عربة الطفل) من أجل أن يعود اليها من حينٍ لآخر ضمن هذه المعمعة البصرية ، هذا يخلق تأثيراً مرعباً و لا يمكن تخيّل أثره بالنسبة لفيلمٍ يطلق في عشرينيات القرن الماضي ، و لا عجب ذلك التأثر الكبير لدى عددٍ من كبار صناع السينما في العالم - مثل فرانسيس فورد كوبولا و برايان دي بالما و تيري غيليام - بنوعية الايقاع الباعث على التوتر الذي رسّخ حضوره سيرجي إيزنشتين  في هذا المشهد العظيم ، و لا يمكننا بالطبع أن ننسى التحية البديعة للمشهد في فيلم برايان دي بالما الشهير The Untouchables .

برأيي المتواضع هذا الفيلم قصةٌ مختلفة ، مشاهدته من أجل الحكاية بذاتها أو من أجل أداءات ممثليه (و جميعهم هواة) أو من أجل المقومات التقليدية للشخصيات فيه ظلم شديدٌ له ، هو مختلفٌ حتى بمنظور أفلام حقبته على هذا الصعيد ، لكنه عوّض عن ذلك فجعل من القصة شيئاً عظيماً و مؤثراً بفعل توظيفه الرائد للمونتاج الإيقاعي أكثر من كونه حقق ذلك من خلال السيناريو أو تطور الشخصيات أو الأداءات ، هو ليس فيلماً لتحبه بقدر ما هو فيلمٌ لتدرسه و تتعلم منه و تقدره ، و هنا تحديداً تكمن عظمة ما قدّمه سيرجي إيزنشتين  للسينما .

التقييم من 10 : 10