الخميس، 28 مارس 2013

The French Connection

كتب : عماد العذري

بطولة : جين هاكمان ، روي شريدر
إخراج : ويليام فريدكن

بين جميع الأصناف السينمائية تبقى أفلام الأكشن و مطاردات رجال الشرطة أكثر الأفلام ارتباطاً ببيئتها و أكثرها صلةً بالحقبة الزمنية التي ظهرت فيها ، و هذا يجعل من الصعب جداً ربما تقديرها على الوجه الأكمل بعد مرور فترةٍ زمنيةٍ طويلةٍ على اطلاقها ، و قلةٌ تلك الأفلام التي انتسبت لهذا الصنف و كسرت هذا الحاجز بناءً على تقديم ما هو أعمق و أكثر قيمةً من المفهوم المجرد و السطحي لفيلم الأكشن ، من ضمن تلك القلة يبرز فيلم ويليام فريدكن هذا .

لا يبدو لي منطقياً اطلاقاً التعامل مع هذا الفيلم من وجهة نظرٍ تنتسب الى هذه الحقبة ، و هذا ما يبرر بالنسبة لي التدرج الواضح في تقييمه على مستوى المشاهدات الثلاث التي منحتها له ، ما اختلف في الواقع بين تلك المشاهدات الثلاث هو الإدراك الذي يزداد وضوحاً لنوعية الافلام التي قدمها هذا الصنف قبله و الطريقة التي استطاع بها أن يبدو مختلفاً جداً عند ظهوره و مقدار الأثر الذي أحدثه في عددٍ من افلام الصنف بل و في نوعية مسلسلات الشرطة التي اشبعت الشاشة الصغيرة على مدى اربعة عقود .

جاء فيلم ويليام فريدكن هذا بعد 3 أعوامٍ على فيلمٍ يذكر الى جواره دائماً هو فيلم ستيف ماكوين الشهير Bullit ، ربط الناس بين نوعية الأكشن الذي يقدمه كلاهما ، و خصوصية ضابط الشرطة الذي يتصدر الصورة ، و مشهد المطاردة بالسيارة الذي يقدمه كلاهما و اللذين أصبحا بمرور الوقت المشهدين الأشهر من نوعهما على الاطلاق ، علاوةً على ذلك اطلق هذا الفيلم في العام ذاته الذي قدم فيه دون سيغل كلاسيكية رجل الشرطة الأخرى Dirty Harry ، كانت حقبةً ذهبيةً ربما لهذه النوعية من الأعمال ، مع ذلك يبقى هذا الفيلم هو الأكثر تذكراً بينها ، رشح لثمان جوائز أوسكار عام 1971 و فاز بالخماسية المثالية لفيلم الأكشن (أفضل فيلم و مخرج و ممثل و سيناريو مقتبس و مونتاج) ، و مضى بعيداً في إرثه و أثره كواحدٍ من أهم و أجود أفلام نوعه ، حتى وضعه معهد الفيلم الأمريكي في المرتبة الثالثة و التسعين لأعظم 100 فيلمٍ في تاريخ هوليوود .

يتناول فريدكن في هذا النص الذي كتبه إرنست تيديمان عن كتابٍ لروبن مور قصة جيمي دويل و بادي روسو الضابطين الميدانيين في شعبة مكافحة المخدرات بشرطة نيويورك ، و اللذين يحاولان تقفي مصدر المخدرات القادمة من مكانٍ ما في اوروبا و التي تكتسح الشوارع الخلفية للمدينة ، تتركز أنظارهما على مروج مخدراتٍ فرنسي يدعى آلن شارنييه و مساعده بيير نيكولي ، و للوصول اليهما عليهما تعقب سال بوكا و زوجته إنجي اللذين يشتبه بكونهما الطرف الأميركي لتجارة شارنييه ، و عندما تثمر المراقبة عن خبرٍ متعلقٍ بشحنة هيروين ضخمة مخبأةٍ في سيارةٍ دخلت الى نيويورك مؤخراً ، يصبح على الرجلين أن يستخدما كل مهارتهما في الإيقاع بالمشتبه بهم .

أعظم ما في هذا النص أنه يكسر الصورة النمطية للبطل في فيلم الأكشن ، هو هنا كالمعتاد ذو مبادئ ، و ذو نهجٍ بطوليٍ واضح ، لكنه أيضاً يعمل بأساليب قذرة ، و يمكن أن يكون عنصرياً ، و همجياً ، و عنيفاً ، و غير ملتزمٍ بالقواعد ، و مجنوناً اذا لزم الأمر ، شخصية جيمي دويل هي واحدة من أهم شخصيات رجال الشرطة في تاريخ السينما كله ، يظهر لك هذا النص التناقضات الواضحة التي تؤثر على كل ما يقوم به الرجل في عمله ، يصور لك ألا وجود لرادعٍ أخلاقيٍ فيما يقوم به و هذا يُبقي نوعاً من التوتر بين الوسيلة و الغاية و لا يجعلك تدرك الى أي مدى يؤثر فيه البعد الأخلاقي للقيام بالواجب من خلال طرقٍ قد لا تكون أخلاقيةً أو رسمية ، بالمقابل هو يتماشى مع ذلك التوتر و لا يظهر للمشاهد أن الرجل يقوم بما يقوم به لمحاربة الجريمة بقدر ما هو يقوم به استجابةً للإستحواذ الواضح الذي يستولي به عمله عليه ، هو يقوم بما يفترضه العمل ، و كأنما هو يهرب من فكرة البقاء دون عمل أو مهمة ، لذلك هو يغمر نفسه في مهمته الى درجة الاستحواذ ، و النص لا يضع هذا بصورته المجردة و غير المبررة ، بل هو يعزوه لماضيه الذي تسبب فيه بمقتل أحد زملائه ذات يوم ، و هذا الماضي يبقى – ببراعة – في خلفية الصورة مما يمنح العمل ككل مذاقاً أكثر واقعيةً مما لو تم الكشف عن ملامح ذلك الماضي بوضوح في أي حوارٍ في الفيلم و قد يبدو النص ساذجاً نوعاً ما فيما لو فعل ، خصوصاً و أن الماضي بحد ذاته لا يهمنا كحكاية بقدر ما يهمنا وجوده كعاملٍ مؤثرٍ في صلب ما يقوم به جيمي دويل ، هذا يربط الصورة و الحدث ككل بحجم الأثر الذي يمارسه الماضي عليه ، هو يفني نفسه في واجبه أكثر من كونه يلتزم به و يعمل على تنفيذه ، هذا التناقض الأخلاقي للشخصية الرئيسية في فيلم الأكشن من غير السهل تمييزه و تقديره بالنظرة المجردة للفيلم ، كان عظيم الأثر و مختلفاً جداً في تقديم البطل في فيلم الشرطة عن كل شيءٍ آخر سبقه ، بالمقابل و على النقيض يبدو شريكه بادي روسو أكثر التزاماً بالجانب الأخلاقي للواجب ، و أقل حديةً من شريكه ، و أكثر عملاً وفقاً للقواعد ، لذلك يبقي النص على صراعٍ منسل و مدروس في خلفية المهمة بين الشريكين ، يغمره بوضوح صراعهما المشترك ضد خصومهما ، و هو بالرغم من هذا الاختلاف بين شخصية الشريكين لا يجعلنا نشك أبداً في كون شخصيتي البطلين هي شخصيةٌ جيدةً و ايجابية و الخير فيها واضح ، هو يصنع محور الاختلاف في الطريقة التي ينظر بها كلاهما للأمور و مقدار الحرية التي يمنحانها لنفسيهما من أجل تحقيق العدالة ، و هو من خلالهما يمنح فيلم الشرطي عموماً الكثير من الانسانية على اعتبار أنه يقرن تلك الحرية المتباينة بمقدار ثقة الشخصيتين بحدسها و توقعها و رؤيتها لما يجري ، و بالتالي يجردها من الروبوتية التي كانت معتادةً في شخصية الشرطي قبل هذا الفيلم ، و هو من خلال هذه الأنسنة يتجاوز الخط المرسوم للأفلام المماثلة في حقبته أو قبلها ، فيبدو بالنتيجة أقل بطوليةً منها ، و أكثر واقعية ، و أكثر تشاؤماً و سلبيةً أيضاً - خصوصاً على مستوى نهايته – و بالتالي يؤكد على أن قيمة فيلم الأكشن العظيم التي تضمن ديمومته - بالرغم من وقتية و لحظية الصنف - تكمن في قيمة الشخصيات التي يقدمها و عمقها و التناقضات التي تحكمها و تسيّرها ضمن هذه الحبكة المثيرة.

قيمة النص الثانية بعد الشخصيات تكمن في نوعية و اختلاف الاكشن الذي يقدمه ، مطاردة القط و الفأر التي ينسجها بالكثير من النار الهادئة و الحوارات المشبعة و التحولات الدرامية هي واحدة من أفضل المطاردات في تاريخ السينما كله ، أعود في كل مشاهدة و اقر بذلك ، المطاردة التي يقدمها كانت شيئاً غير اعتياديٍ اطلاقاً في زمانها ، و ما زالت ممتعةً و مثيرةً بعد أربعة عقود ، و احساسنا بلعبة القط و الفأر عالٍ جداً بفعل النمط التلصصي الذي ينهجه النص في تأسيس حبكته و تقليله قدر المستطاع من المواجهات المباشرة التقليدية في أعمالٍ كهذه ، هو يشرك مشاهده في الأمر ، لذلك يغرينا بمتابعة الى اين سيمضي البطلان و ماذا سيفعلان ، و يفاجئنا من حينٍ لآخر بالتحولات التي تصادفهما ، و عندما يقدم المطاردة الشهيرة للقطار المعلق يضرب النص في جوهر شخصية جيمي دويل و يظهر جنونها و هوسها الذي لا ينكر بما تقوم به و انعدام التزامها الاخلاقي فيه و مقدار الخطر الواضح الذي تضع الآخرين فيه أثناء ذلك السباق المحموم بالسيارة فقط من اجل ارضاء ذاتها و تحقيق هدفها ، هذا التزاوج بين عمق الشخصية و نوعية الأكشن الذي يسخره النص من أجلها يفسر قيمة الفيلم كواحدٍ من أعظم أفلام الأكشن عبر العصور ، و يبرر مقدار التأثير الذي أحدثه في صنفه و التقليد الذي انتهجته العديد من أفلام النصف بعده في اقتباس روحه و خط الإثارة الذي قدمه ، على الأخص في سلسلة أفلام Lethal Weapon و أفلام Serpico و The Fugitive و غيرها ، علاوةً على الأثر الذي أحدثه في السلاسل التلفيزيونية الكثيرة التي ظهرت بعده و التي تناولت ثيمات الشرطة و التحقيقات و لعبة القط و الفأر و أصبحت موضةً دارجةً حتى يومنا هذا ، و بعد هذا الفيلم بالذات أصبحت أفلام الأكشن و أفلام الشرطة أكثر جرأة و أكثر سرعة و أكثر عنفاً من أي شيءٍ آخر شوهد قبل عقد السبعينيات .

لتقديم ذلك النص يستفيد ويليام فريدكن كثيراً من مرجعيته كمخرجٍ للأفلام الوثائقية و يحوّل مدينة نيويورك الى ما يشبه أكبر موقع تصويرٍ في تاريخ هوليوود !! ، يدرك فريدكن جيداً أن أفلاماً من هذه النوعية سرعان ما ستغادر الذاكرة بعد بضع سنوات ، و يدرك أن الثقل البصري الحقيقي لفيلم الأكشن أو لفيلم الشرطة يكمن في حيويته و اختلافه ، لذلك يعمل من خلال مدير التصوير أوين رويزمان على جعل الكاميرا جزءاً من القيمة التعبيرية للفيلم و أكبر من مجرد اداةٍ لالتقاط الحدث ، نراه يبدأ بالكاميرا المحمولة التي تتجول في أزقة مرسيليا مانحاً الصورة مذاقاً لا يمكن نسيانه ثم يسير على الخط ذاته عندما ينقل الحدث الى نيويورك و يبدأ مهرجانه التصويري هناك ، نراه يمنح الكاميرا مثلاً طابع مجاراة الممثلين ، كما لو أن المصور يفاجأ بما يجري فيلهث لمتابعته ، ثم يعمل على تصوير مطاردات الركض بكاميرا محمولة على سيارة ، و يعمل في المطاردات على البداية بلقطةٍ واسعةٍ ثم التدرج نحو لقطةٍ متوسطة تتوقف عندها الحركة كما تتوقف موسيقى دون أليس الباعثة على التوتر ، ثم يمارس اللعبة معكوسة أثناء المراقبة ليعطي كشفاً لمكان الحدث ، هذا يعطي احساساً عالياً بلعبة القط و الفأر ، علاوةً على ذلك هو يستخدم كل ما هو متاحٌ أمامه لمنح الصورة قيمتها و ديمومتها ، فنراه يصور عبر انعكاسات الزجاج لمنحنا الحس التلصصي ، و يلتقط التفاصيل بالمذاق التوثيقي للكاميرا التي تقترب و تبتعد دون معيارٍ واضحٍ أحياناً ، و يلتقط الصورة أحياناً من مستوى الأرض ليعطينا احساس التخفي ، و يستخدم الكاميرا الموضوعة على مقدمة السيارة أو على مقدمة القطار لاعطاء شعورٍ هيتشكوكي فعال تجاه ما يجري ، هذا فعال و يخدم احساس المشاهد بالأكشن و الإثارة أولاً و بالمكان ثانياً ، ربما هو يحاول من خلال احساسه العالي جداً بالمكان / مسرح الحدث أن يصنع شيئاً مختلفاً عن طقوس النوار التي طبعت الصنف منذ حقبة أمجادها في الاربعينيات و الخمسينيات و حتى فترة اطلاق الفيلم ، دائماً هناك لقطاتٌ منفردةٌ للمكان و أحياناً من أكثر من منظور تمنح مسرح الحدث قيمةً أعلى و تؤكد على قيمة كاميرا رويزمان التي يدعمها جداً العمل الاوسكاري المقدّر للمونتير جيري غرينبيرغ من خلال امساكه بهذه المادة المصورة مرهقة التوليف و الحفاظ من خلالها على ايقاع و خط اثارة الفيلم دون اهتزاز ، يصنع للمشاهد هدفاً واضحاً يسير عليه و يخدمها بكل تلك المادة المصورة دون خطأ في الإيقاع ، لذلك لا يفقد المشاهد احساسه بالنص أبداً .

علاوةً على ذلك يبرع فريدكن في صناعة المشهد ، و مشاهد كثيرةً أتذكرها دائماً من هذا الفيلم ، كمشهد القناص ، أو مشهد المداهمة في الحانة ، أو مشهد تفتيش السيارة و حس الملل و اليأس الذي يراودنا فيه كما يراود البطلين ، و الكلوس آب الرأئع على وجه جين هاكمان في منتصف مشهد الحانة عندما ندرك انه التقط طرف الخيط في قضيته ، و مشهد مترو الأنفاق الكلاسيكي الذي لا ينسى ، علاوةً طبعاً على مشهد مطاردة القطار الذي هو بالفعل واحدٌ من الأفضل من نوعه ، دفع الإثارة التي يضخها فيه فريدكن واضحٌ و لا مساومة فيه ، ينوع في تقديمه بين اللقطات القريبة و المتوسطة على وجه بطله و بين اللقطات الواسعة للشارع و المارة ، و حس الحقيقية الملموس فيه ( صوّره جين هاكمان بنفسه و في شوارع نيويورك و بطريقةٍ مفاجئة و دون اذن تصوير ) يجعله فريداً – و دون جدال – عن أي شيءٍ مرّ قبله في تاريخ هذا الصنف .

روح العمل دون شك هو جين هاكمان الذي يقدّم ربما الأداء الأفضل في مسيرته ، هاكمان حقيقي جداً في الدور ، تبدو الشخصية جزءاً من روحه ، مظهره بحد ذاته يبدو عنيفاً و متجهماً و بذيئاً و سريع الغضب ، عندما يتكلم أو يسأل أو ينفجر أو يداهم يبدو كشرطيٍ حقيقيٍ يستحوذ عليه عمله و يوتر أعصابه و يدفعه لما يقوم به ، انجازه الأدائي عظيمٌ بالفعل و لا أتذكر دوراً مماثلاً في فيلمٍ من هذا النوع حدث أن فاز بأوسكار أفضل ممثل .

بالنتيجة عندما يقال بأن هذا العمل هو أول فيلم R-Rated يفوز بأوسكار أفضل فيلم لا يبدو الأمر مستغرباً بالنسبة لي قياساً لمخرجٍ قدم أول فيلم رعبٍ على الاطلاق يرشح لأوسكار أفضل فيلم ، لا أدري حقيقةً لماذا انطفأ ويليام فريدكن بعد تحفته الأخلد The Exorcist ، بدى لي في عمليه هذين مطلع السبعينيات مخرجاً متمكناً و مدركاً جداً لأبعاد الصنف السينمائي الذي يتعامل معه و يكسر من خلاله قواعده ، و هو في فيلمه هذا يتجاوز الصورة النمطية لكل أفلام الشرطة و يقدم شيئاً غير اعتيادي على صعيد التوازن بين التناول المختلف للشخصية و نوعية الأكشن الذي يقدمه وصولاً الى نهايةٍ غير هوليوودية ، عندما أتحدث عن أفلام الأكشن التي تروقني فبالتأكيد هي من نوعية هذا الفيلم .

التقييم من 10 : 9