السبت، 23 مارس 2013

Ordinary People

كتب : عماد العذري

بطولة : دونالد ساذرلاند ، ماري تايلر مور ، تيموثي هوتون
إخراج : روبرت ريدفورد

في كثير من الأحيان يلعب الفوز بجائزة أوسكار دوراً مؤثراً في تعاملنا مع فيلمٍ ما مهما أنكرنا ذلك ، و هذا الدور قد يمنح الفيلم أهميةً يستحقها ، أو قد يجعله شيئاً مبالغاً به ، هذا الأمر يمكن حتى أن يتحقق لذات الفيلم فيما لو تواجد في عامين مختلفين نقدره و نكبره في أحدهما و ننتقده ونقلل من قيمته في عامٍ آخر ، منبع هذا الإختلاف الذي يولد كل هذا اللغط و الحديث هو المنافس ، و هذا في الواقع ما ولّد الجزء الأكبر من التعامل السلبي مع الفيلم الفائز بأوسكار أفضل فيلم عام 1980 على حساب ثور سكورسيزي الهائج .

على مدى سنوات قرأت الكثير مما تناول الفيلم بصورةٍ أو بأخرى ، لم أجد قراءةً واحدةً استطاعت أن تخرج هذا الفيلم من عباءة كونه الفيلم الفائز بالأوسكار على حساب تحفة مارتن سكورسيزي الشهيرة Raging Bull التي احتاجت لتسعة أعوامٍ أخرى لتعلن من قبل الكثيرين (أفضل أفلام الثمانينيات) ، هذا التناقض ليس جديداً و سبق أن خسر Citizen Kane أوسكار أفضل فيلم عام 1941 في حين لم يفز فرانسيس فورد كوبولا بأوسكار أفضل إخراج عام 1972 عن The Godfather ، حوادث خلقت رد فعلٍ سلبي - لا ذنب للفيلم به في الواقع – و حوّل الفوز بأوسكارٍ ما إلى شيءٍ يشبه اللعنة التي بقيت تلازمه للأبد .

لو شئتم رأيي فإنني أرى في تتويج هذا الفيلم بالجائزة واحداً من أكثر توجهات الأكاديمية غرابةً ( بالرغم من أنه لم يكن مفاجئاً قياساً لموسم الجوائز الذي فرض سيطرته عليه ) ، ليس لأنني أخالف رأي الأكاديمية في تتويجه و هذا يمكن أن يحدث في أي عام ، بل لأنني لا أراه يحقق أصلاً الصورة المعتادة للفيلم الفائز بالأوسكار أكثر مما يحققها فيلم سكورسيزي حتى بمقاييس الأكاديمية ذاتها ، بل أن فيلم سكورسيزي يتفوقعليه بصورةٍ واضحةٍ في تحقيق المعايير التقليدية للفيلم الفائز بالأوسكار حيث النص المحكم و قصة الصعود و الهبوط لشخصيةٍ حقيقية و التقلبات الدرامية العظيمة في الشخصية و الأداء الجبار لها و الشخصية البصرية القوية للفيلم والتي حقق من خلالها مارتن سكورسيزي ربما الأداء الإخراجي الأفضل في مسيرته ، حتى بمعايير الأكاديمية كان فيلم سكورسيزي أفضل و لم أجد في تبرير خسارته (إذا ما استثنينا موسم الجوائز) أي تفسيرٍ حقيقي حتى بالنظر للمبررات البسيطة و الساذجة أحياناً لجوائز الأكاديمية ، أتفهم أحياناً أن Citizen Kane بلغ مجده الحقيقي بالتقادم و لم يكن في عامه الأول قد بلغ ما بلغه بعد بضعة أعوام ، قد أتفهّم أن فيلم بوب فوسيه Cabaret كان قد فاز بسبع جوائز أوسكار أخرى في ليلة The Godfather و هذا قد يبرر فوزه بأوسكار الإخراج ، قد أتفهم أن جزءاً كبيراً من أعضاء الأكاديمية لم يكونوا يمتلكون الجرأة الكافية لتتويج Brokeback Mountain في عامٍ فعل فيه كل شيء الا الفوز بالأوسكار ، قد أتفهم تلك المبررات الساذجة ، لكنني لم أجد مبرراً حقيقياً كافياً يجعلني أقتنع بأن هذا الفيلم قد تفوّق على Raging Bull في شيء ، بدايةً من الورق وصولاً للمونتاج مروراً بالموضوع و المعالجة و الأداءات والعظمة الإخراجية ، و لذلك تحديداً أتفهم لماذا تحوّل ذلك الفوز الى شيء أشبه باللعنة .

في باكورة أعماله الإخراجية يقتبس روبرت ريدفورد في نصٍ كتبه ألفن سارغنت عن روايةٍ لجوديث غيست قصة كونراد جاريت ، شابٌ من عائلةٍ ثريةٍ في شيكاغو يعيش عقدة ذنبٍ طويلة بعد غرق شقيقه الذي يكبره بعام عندما انقلب مركبهم في بحيرةٍ قريبة ، و بالرغم من العلاج النفسي الذي خضع له الا أنه حاول الإنتحار بعد خمسة أشهر و بذل جهداً كبيراً كي يعود لجلسات المعالجة النفسية هذه المرة مع طبيبٍ متفهم يدعى الدكتور بيرغر ، مع ذلك هو لا يستطيع مقاومة الإحساس بأنه كان يجب أن يموت بدلاً من أخيه و هو احساسٌ يزداد بفعل الإنشغال الدائم و الشرخ الذي أصاب حياة والديه كالفن و بيث جاريت.

كان هذا الفيلم واحداً من أنجح التجارب الإخراجية الأولى لأي مخرجٍ في تاريخ هوليوود ، أخرج روبرت ريدفورد 8 أفلامٍ بعد هذا الفيلم لعل أشهرها A River Runs Through it عام 1992 و Quiz Show عام 1994 ، مع ذلك لم يستطع في أي مناسبة على مدى ثلاثة عقود تجاوز النجاح الكبير الذي حققه في عمله الأول الذي أحدث ضربةً كبيرةً في شباك التذاكر الأمريكي و رشح لست جوائز أوسكار فاز بأربعةٍ منها ، مع ذلك بقي ضحيةً حقيقيةً لفوزه بالجائزة الكبرى على حساب Raging Bull ، و إذا ما وضعنا مسألة الأحقية جانباً فهذا فيلمٌ مهمٌ بالفعل ، لا يبدو في الكثير من تفاصيله هوليوودياً ، و لا أعتقد أن هوليوود مالت قبله لتقديم مواضيع كهذه عن تفكك عائلةٍ من الطبقة العليا نتيجة خسارة أحد أفرادها ، إلى حدٍ ما يبدو موضوعاً (أوروبياً) أو على أقل تقدير (لا هوليوودياً) بالرغم من أن هوليوود استنزفته لاحقاً على مدى ثلاثة عقود ، في هذا الفيلم يتأمل النص في مأساة الفقد – أي فقد – على حياة العائلة ، و يتحرى من خلال أطراف العائلة الثلاثة العواطف المكبوتة بينها ، و الحنق الدفين ، و كم المختبيء في النفوس ، و مقدار المقاومة تجاه التعبير عنه ، وصولاً الى تفكك و انهيار تلك الروابط الأزلية الفطرية التي جمعتهم ببعضهم .

 النص يبدأ معالجته من النتيجة ، يخصص جزءاً مهماً من تأسيسه للتأمل في النتيجة قبل الحديث عن الأسباب ، و هذا الى حدٍ ما يروقني على اعتبار انه يخلّص الفيلم الى حدٍ ما من كآبته المبكرة أو مباشرته التي قد تجعله جافاً و تقليدياً ، من خلال النتيجة نتأمل حياة هذه العائلة ، الوالد هو كالفن جاريت المحامي الناجح الذي يعيش حياةً موسرةً في منزلٍ فخمٍ في شيكاغو و تتبدو مسيرته المهنية على خير ما يرام ، الأم بيث جاريت ربة منزل أنيقة و دقيقةٌ جداً و منظمة ، ودودة و مهتمةٌ بمنزلها ، و لها الكثير من الواجبات الإجتماعية ، و الإبن كونراد طالب الثانوية المحطم ، قليل الأكل ، سريع الغضب ، و القلق جداً من الداخل ، من خلال التأسيس لهذا المثلث تحسب للنص عدة أمور ، أولها الميزان الدقيق الذي يضعه بين ما يحاولون إظهاره للناس كعائلة و بين ما هم عليه في الواقع ، هو يهتم بهذا بعناية شديدة و بطريقةٍ مقنعة تجعلك تسترجع صور التصنع الإجتماعي التي قد تشاهدها من حولك في المجتمع ، و هو من خلال هذا الإهتمام لا يحدد على وجه الدقة ما إذا كانوا يخدعون الناس فعلاً و أن الناس يكترثون فعلاً لمظهرهم الإجتماعي أو ما إذا كانوا يخدعون أنفسهم و هل هم يدركون ذلك أم لا ، هذا يبقى مموهاً و هو شيءٌ يحسب للنص على اعتبار أنه يتحرى الشيء الذي ( لا يُحكى ) في مخلفات الفقد ، لذلك هو يتركه للجمهور و لا يحاول أن يقول الكثير فيه ، و ما يحسب له ثانياً أنه يتجاوز فكرة الحزن ذاتها للتعبير عن الروابط الأزلية التي تجمع افراد أي عائلة و التي تبدو هنا و كأنما ضمرت أو ماتت ، هو يرى أن وقت الحزن بحد ذاته قد مات منذ زمن و قد يبدو مبتذلاً جداً فيما لو اقحمه في الموضوع ، ما يحدث هنا وفقاً للنص هو ما خلّفه ذلك الحزن على تلك العائلة ، النص يلتزم البحث في النتائج و لا يحاول اقحام المسببات بصورةٍ مباشرة ، و ما يحسب له ثالثاً أنه يقدم مثالاً سهل التذكر لتحطّم عائلةٍ تعيش الحلم الأمريكي : ثرية لها وضعها الإجتماعي ، قادرة على القيام بأي شيء ، لها منزل كبير و فخم ، و لها نشاطاتها الإجتماعية ، مسيرةٌ مهنيةٌ ناجحة ، ولدان مشرقان ، ثم ينهار كل شيء ، هذه الصورة بحد ذاتها غير اعتيادية و لو أنها ابتذلت لاحقاً على مرور السنوات ، لكنها لم تكن مطروقة بهذه الصورة من قبل ، و مع ذلك فإن الفيلم لا يتجاوز من خلال هذه العائلة التي تجسد الحلم الأمريكي المفهوم البسيط الذي يحمله اسم الفيلم ، هم بالنتيجة أناسٌ عاديون ، و الطريقة التي تنهار بها عائلتهم و تتفسخ هي طريقة الناس العاديين ، لا تحصنهم ضدها مكانتهم الإجتماعية و لا سعادتهم الظاهرية و لا حالتهم المادية ، النص يعالج المنظومة العامة لإنهيار عائلة سعيدةٍ بسبب فقدان أحد أفرادها بصورةٍ متمكنةٍ و ذكيةٍ جداً و هذا أقدره فيه دون شك .

عمق العمل يكمن في شخصياته و طريقة توليف رد فعلها تجاه ما جرى ضمن المنظومة العامة للعائلة ، الأب كالفن جاريت بالرغم من انشغاله الدائم بعمله يبدو و كأنما يحاول امتصاص ما يحدث لإبنه الوحيد من خلال التفهم ، هو يتفهم كل ما يقوله و كل ما يقوم به ، أو هو على الأقل يتظاهر بذلك محاولاً امتصاص الصدمة التي خلفتها محاولة الإنتحار قبل خمسة اشهر ، مع ذلك لديه غضبه الخاص و استيائه مما يجري خصوصاً في علاقة زوجته بإبنها ، على النقيض منه تبدو الأم بيث جاريت ، لا تشعر بأن هناك شيئاً قد اختلف ، ردة الموت العنيفة هزتها بشكلٍ ساحقٍ من الداخل ، تحاول أن تبدو متماسكةً و مسيطرةً على الأمور ، لكنها مع ذلك لا تستطيع أن تنكر من حينٍ لآخر أن كل شيءٍ قد تغير للأبد ، بينما كونراد شابٌ مرفوضٌ على كل الاصعدة ، هو مرفوضٌ من قبل ذاته بسبب ما حدث لشقيقه ، و مرفوضٌ من قبل أمه بسبب نفورها منه نتيجة ما حدث لإبنها ( المفضّل ) ، و مرفوضٌ في مدرسته بسبب محاولة الإنتحار و جلسات المعالجة التي يخضع لها ، عقدة الفيلم تنشأ هنا ، بين عقدة الذنب التي تستحوذ على الإبن بسبب ما جرى و الردة التي تشكلها الأم تجاه ابنها المتبقي و البرود الذي تقابله به و موقف الأب الحزين و الغاضب مما يحدث ، تبدو العلاقة بين الأم و ابنها أشبه بعلاقة الحب التي تحوّلت الى فرضٍ أو أداء واجب ، نسمعها تقول ( الأمهات لا يستطعن ألا يحببن أبنائهن ) ، لكنها تتصرف – لا ارادياً – بطريقةٍ تتعارض و ذلك ، تأخذ وجبة الإفطار من أمامه لأنه ليس جائعاً ، لا يخفى أنها تعده جزءاً من صورتها الاجتماعية أيضاً ، لا تكترث لكل ما يقوم به ، لا تكترث لمعالجته ، لتحسنه الدراسي ، لتقدمه في تمارين السباحة ، بل أنها ترفض الحديث معه ذات مرة من أجل ان تتحدث على الهاتف ، و تنزعج في محاولة انتحاره من تخريبه لسجادة الحمام ، و النص لا يحاول أن يجعل ذلك يتغير على طول الخط ، هو يضعك في صورة أن الكسر ذاتي أكثر من كونه نابعاً من الحادثة ، تبدو الحادثة و كأنما صنعت الشرخ فقط و تركته يتمدد بمرور الأيام ليصبح كسراً ، و جميع الشخصيات الثلاث تدرك ذلك دون أن تبوح به ، لذلك يحاول الأب كالفن أن يكون بعيداً عن المواجهة كيلا يزيد ذلك الكسر اتضاحاً ، بينما يجد كونراد في طبيبه النفسي ملاذاً لتفريغ شحناته السلبية ، و ينعشه كذلك لقاء صديقته كارين التي حاولت الإنتحار سابقاً و كانت زميلته في المصح ، و تصبح علاقته مع زميلته جيانين أشبه بمتنفس ، تسأله جيانين عندما ترى مكان القطع في رسغه ( لماذا فعلت ذلك ؟ ) فيخبرها ( لم يسأل أحدٌ عن ذلك من قبل ؟ ) ، هو صادقٌ جداً فيما يقول ، خمسة أشهر لم يفكر أحدٌ في معرفة السبب لأنهم يعرفون السبب ، النص يبقى على ذات الخط في تتبع النتائج دون اكتراثٍ للمسببات ، لذلك يغرينا من خلال تأمل العلاقة الفاترة بين الأم و ولدها أكثر من حفره في سبب الفتور ، و هو ينجح و يفشل في آن على هذا الصعيد ، أولاً ينجح إلى حدٍ ما على مستوى دراسة النتيجة على اعتبار أنه يصور الأم بالرغم من صلابتها شخصاً ضعيفاً و هشاً جداً ، غير قادرٍ على مواجهة الواقع فتقوم برفضه ، و هي بالرغم من كل قوتها الظاهرية اضعف بكثير من ابنها كونراد الذي خرج من محاولة الهروب من الواقع بالإنتحار لمحاولة النهوض بحياته و التقدم بها للأمام و كسر طوق العزلة الذي فرض عليه ، و ثانياً يفشل إلى حدٍ ما على مستوى دراسة الأسباب من خلال تجنبه معالجة أسباب الردة بوضوح لدى الأم ، بالرغم من أنه يغازل فكرة التمييز الذي كان بين الأخوين في أكثر من مناسبة ، لكنه يفرض كونراد ضحيةً مسحوقةً جداً لما يجري دون مقاربةٍ حقيقيةٍ لسبب ذلك الإضطهاد الممارس عليه ، و هذا يلقي بثقلٍ كبيرٍ على أدائي مور و هوتون لتعويض الجزء الناقص في علاقتهما و جعلها أكثر قبولاً و تصديقاً .

إخراجياً يتركز جهد روبرت ريدفورد في جانبين : الجانب الأول هو الضبط الجيد لإيقاع الفيلم و حفاظه على مستوى ملموس من عاطفة داخلية موجودة في صميم الشخصيات دون أن يجعلها تظهر بصورتها الصريحة و الواضحة على السطح و هذا يمنح فيلمه قيمة أكبر و ديمومة أكبر بدلاً من الإنجراف في اظهار المشاعر و تحقيق انحياز شعوري لدى المشاهد ، لذلك تبدو الأم بالرغم من كل ذلك أماً و زوجة ، و يبدو الزوج أباً و زوجاً ، و يبدو كونراد على طرف الصراع كإبن وليس كخصم ، و لا يبدو أي طرف في المسألة خصماً ، هذا مردّه في الجوهر يعود الى تحكم روبرت ريدفورد الجيد بضبط النفس لدى شخصياته و جعل التفسخ العائلي ينسل تدريجياً بذكاء ، و هو بذلك يغذي من ناحية الخلفية الإجتماعية للعائلة و الطبقة التي تنتمي اليها و التي تبدو أكثر قدرة على ممارسة الماكياج الاجتماعي أمام الآخرين و بالتالي اطالة أمد ذلك النخر الذي يصيب العائلة ، و من ناحية هو يبقي اهتمام المشاهد بشخصياته قائماً حتى النهاية و من الصعب على المشاهد التنبؤ بالسبيل الذي ستسلكه الأحداث مع تقدمها ، يخدمه في ذلك كثيراً امتيازه الذي لا يمكن انكاره في صناعة المشهد ، و كثيرةٌ تلك المشاهد التي سنتذكرها هنا على الأخص مشاهد المعالجة النفسية أو مشهد اللقاء مع كارن في المطعم أو المشهد الشهير لالتقاط الصورة الفوتوغرافية ، مع ذلك لم ترقني نهاية الفيلم تماماً ، رأيت أن قصصاً كهذه تحتاج لما هو أكثر حقيقيةً و ما هو أسهل و أكثر وضوحاً مما جرى ، على الأقل لتغذية الدراما الموجودة فيه و التي تبدو شبه مبتورةٍ هنا ، و الإنفصال بين كالفن و بيث في ختام الفيلم يحدث – على عكس ما يفترض -  في المرحلة التي يبدو فيها كونراد و قد بدأ يصبح أفضل .

الجانب الثاني في جهد ريدفورد الإخراجي يكمن في إدارته الممتازة لأبطاله التي تخدم دون شك الجانب الأول ، دونالد ساذرلاند فيه الكثير من شغف الأب و احساسه بالمسئولية و تفهمه و حبه لعائلته و رغبته فعل أي شيءٍ من شأنه المرور بإبنه الوحيد عبر هذه المحنة ، يبدو موفقاً جداً في ضبط ميزان عاطفته تجاه عائلته و حزنه تجاه ولده و غضبه و استياءه من علاقة زوجته بولدها ، ماري تايلر مور رائعة في الدور ، إدراكها لتفاصيل الشخصية حساسٌ جداً و دقيقٌ في التقاط ما بين سطور الشخصية ، لا تستطيع ان تحدد فصلاً حقيقياً بين احساسها الداخلي بأمومتها و صورتها الاجتماعية و ضعفها المكابر و حزنها العميق على ما جرى ، بالمقابل يقدم جود هيرش أداءاً ممتازاً لدور الدكتور بيرغر ، و يتألق تيموثي هوتون في الدور الأول في مسيرته ، أداءه واقعي جداً و قريبٌ جداً من القلب ، كمن يمسك بشخصيةٍ تكاد تتفتت و يحاول ألا يجعلها تفلت منه و يلامس شعور المشاهد فعلاً حتى دون الحاجة لحوار ، و لا أدري حقيقةً لماذا سارت الأكاديمية في التعامل مع أداءات الفيلم وفقاً للتسلسل العائلي فرشّحت مور في فئة التمثيل الرئيسي بالرغم من صغر مساحة دورها قياساً بدور تيموثي هوتون الذي كرّم بأوسكار أفضل ممثل مساعد ، و ربما كان هذا من حسن حظه .

روبرت ريدفورد ذهب ضحيةً ربما لـ Raging Bull ، عندما شاهدت الفيلم أول مرة أدهشتني مقدار جودته بالنظر لكم السلبية التي وصلتني عنه ، و هي ربما القاعدة الأهم في التعامل مع هذا الفيلم ، بالنتيجة تفوّق روبرت ريدفورد على خبرته الاخراجية المعدومة و على نصه المعتمد بشكلٍ واضح على دواخل الشخصيات و قدّم فيلماً يستحق المشاهدة و الإستذكار من حينٍ لآخر ، بالتأكيد واحدٌ من أفضل أفلام صنفه .

التقييم من 10 : 8.5