الأربعاء، 20 مارس 2013

Brief Encounter

كتب : عماد العذري

بطولة : سيليا جونز ، تريفور هوارد
إخراج : ديفيد لين

في الواقع لا أعلم على وجه الدقة كيف انحرفت مسيرة السير ديفيد لين من نوعية الأعمال التي قدمها في بداية مسيرته نحو الميل بإتجاه تقديم الملاحم السينمائية التي اقترن اسمه بها بعد ذلك ، كان يبدو لي جميلاً جداً في مسيرته المبكرة عندما قدم أعمال Great Expectations و Oliver Twist  و Hobson's Choice و Summertime قبل أن يصنع الكلاسيكيات الملحمية التي خلّدت إسمه ، مع هذا يبقى هذا الفيلم الذي لا تتجاوز مدته 86 دقيقة هو فيلمي المفضل للرجل .

إلى حدٍ ما يبدو قول هذا الأمر صعباً مع مخرجٍ مثل ديفيد لين ، لكن تقديري لهذا العمل هو استمرارٌ في الأساس لقناعتي قبل أي شيءٍ آخر بان هذا الفيلم هو واحدٌ من أعظم الرومانسيات التي قدمتها السينما ، و واحدٌ من أعظم انجازات السينما البريطانية عبر عصورها ، و عندما أقرن هاتين الفكرتين مع الصورة التقليدية لمسيرة الرجل أجد نفسي منجذباً جداً لهذا الفيلم أكثر من ملحمية ما قدمه في The Bridge on The River Kwai و Lawrence of Arabia و Doctor Zhivago ، و هذا الإنجذاب لا يمكن تفسيره بصورةٍ دقيقة و إن كان جزءٌ منه نابعاً من تقديري الشديد للمسيرة المبكرة – المتجاهلة نوعاً ما – للرجل و كذلك من الإختلاف الواضح لهذا الفيلم عن نوعية الأعمال التي برع الرجل في تقديمها .

في فيلمه الرابع و كلاسيكيته الأولى يعرض علينا لين من خلال هذا السيناريو ا- لذي كتبه رفقة أنتوني هافيلوك آلن و نويل كاوارد اقتباساً عن مسرحيةٍ من فصلٍ واحدٍ كتبها هذا الأخير تحت عنوان Still Life - قصة تعود لإنجلترا قبل الحرب العالمية الثانية حيث ربة منزلٍ بريطانية تدعى لورا جيسن تغادر مقهىً في محطة القطار في طريق العودة لمنزلها لكنها تشعر بذرة غبارٍ في عينها فتعود للمقهى طالبةً المساعدة حيث يتقدم الدكتور أليك هارفي لمساعدتها ، بضع دقائق تقودهما لاحقاً ليلتقيان مجدداً أثناء مرورهما الأسبوعي من ذات المحطة ، قبل أن يجدا نفسيهما في قصةٍ عاطفيةٍ متوترة استمرت على مدى سبعة لقاءاتٍ أسبوعية .

أخرج ديفيد لين فيلمه هذا في فترةٍ لم يكن قريباً فيها من انتاجٍ عملٍ كهذا قياساً لأعماله الثلاثة الأولى ، مع ذلك حقق الفيلم فشلاُ صريحاُ في شباك التذاكر البريطاني و نجاحاً كبيراً لدى نقاد السينما سرعان ما ترجم بترشيح الفيلم عام 1945 لثلاث جوائز أوسكار بما فيها الترشيح الإخراجي الأول لديفيد لين ، قبل أن يحقق الجائزة الكبرى في مهرجان كان السينمائي الدولي عام 1946 رفقة عشرة أفلامٍ أخرى ، كان هذا مبهراً جداً للمخرج البريطاني الشاب ، كما هو مبهرٌ بالنسبة لي كشخصٍ يفضله على سائر أعمال الرجل ، و عندما أحاول الحديث عنه أو تناول قيمته أو التفكير بقول أي شيءٍ عنه لا أستطيع قبل كل شيء تجاوز حقيقة أنه واحدٌ من أعظم الأعمال التي ينطبق عليه وصف (السهل الممتنع) ، في ظاهره هو ميلودراما بسيطة يأخذ سردها المنظور الواحد و يقوم بشكلٍ رئيسيٍ على الفلاش باك ، تقدم هذه الميلودراما قصة حبٍ – غير معتادة سينمائياً في تلك الحقبة – تجري خارج اطار العلاقة الزوجية ، لكن في العمق الفيلم ليس تماماً كما يبدو عليه ظاهرياً ، هو قويٌ جداً في قيمته بالرغم من بساطته الآتية ربما من حقيقة أنه مقتبسٌ عن مسرحيةٍ قصيرةٍ من فصلٍ واحد ، و هذا يفسر الى حدٍ ما المينيماليزم الواضح في الفيلم بالرغم من اشباعه الكبير على صعيد ما يقدمه ، هو يبدأ قصته من يوم الوداع بين الحبيبين بعد سبعة لقاءاتٍ أسبوعيةٍ جمعتهم ، لكنه يعرض ذلك اللقاء من منظور المخرج ، فيخنق المشهد في البداية و يحاول أن يكون مختصراً جداً فيما يقدمه ، مع ذلك هو يشعرك - بالرغم من ذلك الاختصار - بأن هناك شيئاً مهماً يحدث في ذلك اللقاء ، يجعل مشاهده يفهم كل شيء و يصله بسلاسة الشعور بقهر الشخصيتين من تلك الصديقة الثرثارة و تشعر فعلاً بأنها امراةٌ مزعجةٌ حرمتهم لحظةُ حاسمةً و مهمةً بالنسبة لهم ، يصل كل هذا دون أن يكون لين قد قام بتقديم شخصياته للمشاهد أصلاً ، هو ينجح جداً على مستوى مقدمته التي تجذب المشاهد لها و تثير فضوله تجاه ما يجري ، بعد ذلك يسلّم كتاب النص العمل كله لصوت الراوي الذي تسرد فيه لورا قصة الأسابيع السبعة التي عرفت خلالها أليك ، تلبس الحكاية شكل الاعتراف الذاتي الذي تظهره لورا و كأنما هو بوحٌ مباشرٌ لزوجها بحقيقة ما جرى ، هي ربما أضعف من أن تفعل ذلك فعلاً ، و لذلك تخاطب ذاتها ، تجلس هناك في تلك الليلة المصيرية ، تتأمل في زوجها الجالس أمامها منهمكاً بحل الكلمات المتقاطعة ، و على صوت موسيقى سيرجي رخمانينوف تنهال ذكريات الأسابيع الماضية مثل شلال ، تقترب الكاميرا الثابتة ببطءٍ شديد من وجه لورا ثم تثبت مع قطعٍ على زوجها الجالس هناك ، ثم مونتاجٌ ذوباني ينقلنا الى المقهى و يبقي لورا في مكانها الأصلي في منزلها حتى ظهور الطبيب في المقهى حيث تتلاشى لورا (الراوية) و سرعان ما نميز لورا تجلس في المقهى ، هذه السلاسة البصرية الفاتنة في تقديم الفلاش باك و الطريقة التي توظف بها أكثر من مرة في الفيلم تخدم قيمة العمل القائم على التداخل بين الحدث كذكرى قريبة و هيكل السرد في الفيلم القائم على صوت الراوي ، و يبدو هذا فعالاً و غير نمطي قياساً على الفترة التي أطلق خلالها الفيلم .

في الذكرى تتعرف لورا على أليك بسبب ذرة الغبار التي أخرجها من عينها ، لا يخلو الموضوع من رمزيةٍ جميلة يمكن أن تبدأ بها قصةٌ كهذه ، يسترسل النص لاحقاً في جعل تلك القصة لا تبتعد كثيراً عن هذا المعنى ، يرسم لنا صورةً شبه واضحةٍ عن حياة طرفي القصة ، و لا تبدو تلك الحياة كئيبةً أو سيئةً بأي حالٍ من الأحوال ، هو يضع كل ما يجري يصب في مجرى (ذرة الغبار) تلك ، شيءٌ أشبه بجلاء البصر أو محاولة استكشاف مالم يكن يرى لديهما ، تبدو الشخصيتان على مدى لقاءاتهما السبعة و كأنما تخرجان من قوقعتهما للمرة الأولى منذ زمن ، ليس لأن شيئاً فريداً أو خارقاً قد حدث ، و إنما لشعور الاختلاف الذي شعرا به للمرة الأولى منذ فترةٍ طويلة ، و لأن هذا هو الدافع الوحيد الذي يقوم بتحريك هذه العلاقة لا يتخلى النص هنا عن صراع الذات الذي من الطبيعي أن يطغى في علاقةٍ عابرةٍ كهذه ، ذلك الإدراك المسبق أن كل هذا لن يستمر طويلاً ، نرى أليك يسأل لورا ذاتَ لقاء (كم مرة حاولتِ مقاومة المجيء لرؤيتي ؟) ، تجيبه (عدة مراتٍ في اليوم) ، فيرد (و كذلك أنا) ، النص لا يتخلى عن هذه النبرة و يبقيها حيةً ومحوريةً طوال تلك اللقاءات ، يجعل ادراكَ طرفي العلاقة - بأن ما يحدث (غير صحيح) أو (في غير محله) أو (لن يدوم) – حياً و يقظاً على طول العلاقة ، و يحاول من خلال هذه االنبرة اظهار كيف تبدو الأشياء الجميلة أحياناً (كأن نحب) عنيفةً و قاسيةً جداً علينا عندما لا تكون في مكانها ، كيف تكون صعبة التقبل و التعامل عندما تصيب أشخاصاً بسيطين ، اعتياديين ، يسير كل يومٍ في حياتهم مثل سابقه دون جديدٍ يذكر ، هو يتحرى فقط من خلالهم التأثير العميق للعاطفة على أناسٍ كهؤلاء نلتقيهم كل يوم ، في الشارع أو في العمل أو في المقهى أو في وسيلة المواصلات ، أولئك الذين حرمتهم الظروف أو الوقت أو العمل أو هموم الحياة أو القدرة على التواصل مع الآخر أو الضغط الإجتماعي عن العثور على عاطفةٍ يحملها لهم شخصٌ آخر لا يختلف عنهم في لقاءٍ عابرٍ كهذا ، لذلك نستمع لزوج لورا يسألها في ختام الفيلم (أهناك ما يمكنني القيام به للمساعدة ؟) ، فترد (نعم فريد ، دائماً يمكنك المساعدة) ، هو يشير هنا لتلك الأمور البسيطة التي لا نعثر عليها في حياتنا فننبهر بأول من يقدمها لنا ، و هو يوظف لهذه الجزئية القصة الثانوية لمالكة المقهى و مراقب القطارات التي تدعم القصة الرئيسية عن المشاعر البسيطة جداً التي تضرب طالما وجدت متنفساً ، دون تفسير و دون معنى و ربما دون أملٍ أيضاً ، النص يتمسك ضمن مداه الزمني الضيق بهذه الجزئية و يبقيها محوره الأصلب ، لا يظهر في علاقتهما أي ملمحٍ لعلاقةٍ جسديةٍ بين الطرفين ، هو ينقي الشعور العاطفي الوليد من ذلك لدرجةٍ تبدو فيها القبلة مستغربةً و مخيفة ، حتى في عمق رومانسيته ذاته يبقي على ذات البساطة ، لا يجعلها عن الرغبة أو الجنس أو الفراغ أو انعدام التواصل مع الآخر ، يجعلها فقط عن الأشياء البسيطة التي لم نستمتع منذ زمن بالقيام بها : الغداء سوية ، الذهاب للسينما ، الخروج في رحلة ، ركوب قارب ، و استراق قبلةٍ في نفق ، يجعل بنية العلاقة بسيطة و قاسيةً و مخيفةً في آن ، و يجعل جوهر رومانسيتها بسيطاً و لحظياً جداً ، و الجميل أنه على خلاف كل الأفلام التي تنهج نهجاً كهذا قائماً على استذكار الجمال الذي حملته تلك العلاقة لحياة بطليها لا يحاول أن يبدو مبتذلاً أو استبكائياً أو مستجدياً لتعاطفنا ، هو يعرض علينا أن الأمر لن يكون بتلك البساطة ، خصوصاً من خلال المشهد الذي يجري في شقة صديق أليك (و هو المشهد الذي ألهم بيلي وايلدر تحفته The Apartment) ، صحيح أن هذا المشهد يخرج عن الإطار السردي الذي ينبع في تتاليه من ذاكرة لورا مع الحدث و هي هنا تغادر مسرح الحدث أساساً و يفترض ألا تعرف ما جرى طالما أن أليك يصر في حديثه لاحقاً بأنهم لم يتعرضوا في حديثهم لها ، مع ذلك تصالحت مع هذا التفصيل مع تتالي المشاهدات خصوصاً و أنه يمكن أن يفسر من منظور أنه يقدم (وجهة نظر) لورا لما جرى بعد مغادرتها هاربة ، و مع ذلك فالمشهد يؤتي تأثيره فعلاً و يرسم صورةً للقلق و التوتر و الخوف الذي سيحكم هذه القصة كلما تقدمت ، و النص لا يكتفي بالوقوف عند مشهدٍ هنا أو هناك بل يظهر لنا على طول الخط عائلتين مظلومتين أيضاً على طرفي الصراع ، عائلة أليك التي تنتظره ، و زوجاً محباً و ودوداً و ابناً يتعرض لإصابةٍ أثناء غياب والدته فتشعر بالذنب لذلك ، هو لا يتورع أن يظهر الجانب الآخر للعلاقة و يجردها من بعدها الشاعري ان لزم الأمر بدافعٍ من حس القلق و الحذر و الخوف الذي يبقيه مشتعلاً طوال تلك اللقاءات السبعة ، صحيح أن قيود الرقابة السينمائية البريطانية في التعامل مع الحب المحرم كانت مختلفةً عما هي عليه اليوم و ربما كان لها أثرٌ في توجيه النص بهذا الإتجاه ، لكن هذا لا ينفي ان النص يكتب بشكلٍ ممتاز بكل الأحوال ، هو يمعن في التكثيف فقط على الشعور ذاته و ليس على الظروف السيئة التي قادت لذلك الشعور ، بل هو لا يرسم أي صورةٍ أصلاً لأي ظروفٍ سيئةٍ تحكم العلاقة ، وحدها الفطرة و الخوف و الحذر و حقيقة أن هناك عائلتين ستدمران دون ذنب ما يجعل القصة تسير على ذلك النحو .

ديفيد لين يسيطر تماماً على هذا النص و يبقيه على عتبة الميلودراما دون أن ينزلق فيها و ينقله بحذرٍ شديد من علاقة الصداقة الى الشعور العاطفي في اللحظة التي نشعر فيها تماماً بأن الأمر بدأ يسير في ذلك الإتجاه ، هذا ملحوظٌ جداً ، ليس هذا فحسب بل أنني أكاد أجزم بأن الرجل اختار سيليا جونز و تريفور هوارد بالذات عمداً للقيام بأدوار البطولة ، يبدو و كأنما بحث عن نقصٍ في الكاريزما لدى بطليه المرتقبين (قياساً لعملٍ رومانسي) و وجد غايته في سيليا جونز و تريفور هوارد (الذي كان يقدم عمله الثالث فقط في مسيرته) ، و هذا برأي يذهب في صميم عمق تلك العلاقة و يجسد بقوة أثر ذلك الإحساس العابر في حياة اناسٍ عاديين نلتقيهم كل يوم بعيداً عن وسامة و كاريزما أبطال القصص الرومانسية المعتادة ، و لذلك ربما يستخلص منهما أدائين بسيطين جداً و واقعيين و عاطفيين ، سهلي الوصول و سهلي التقبل لدى المشاهد .

في الختام يتكرر مشهد البداية في المقهى ، لكنه يأخذ منظوراً مختلفاً هو منظور المرأة / الراوي ، تختلف زاوية التصوير مع ايضاحٍ نصيٍ أكبر و مونتاجٍ أكثر حيويةً و حرية ، و عندما يغادر أليك الى قطاره و تتبعه لورا يصور ديفيد لين شعور التشويش ببراعة من خلال الكاميرا التي تميل ببطء على وجه لورا في المقهى قبل أن تلتقط بقربٍ وجهها المضاء عند اندفاعها خارج المقهى لترسم صورةً كابوسيةً لما يجري سرعان ما تخفت اضاءة وجهها عندما تدرك أن كل شيءٍ قد انتهى ، هنا – كما هو في أكثر من موضعٍ في الفيلم – يظهر لنا ديفيد لين تحكمه الجميل في الصورة و قدرته على جعلها مرادفاً لا يقل قوةً عن عمق قصته ، يستمد ربما الكثير من صور الوحشة و التكتم و القلق في تجسيد هذه العلاقة من الطقوس البصرية لأفلام النوار الوليدة حيث الشوارع المبتلة و المعاطف الطويلة و الممرات المظلمة و الاضاءة الخافتة ، و يزاوج ذلك مع الاحساس الكابوسي المتولد مع اقتراب لحظة الوداع خالقاً احساساً يذكرني بأعمال هيتشكوك المبكرة خصوصاً في Rebecca .

بالنتيجة Brief Encounter ليساً فيلماً عن الخيانة و الوفاء و صراعهما في علاقةٍ كهذه ، هو عن التأثير العظيم الذي يحدثه الحب - أي حب ، بمعناه البسيط و الأكثر بديهية - في النفس ، حس التجديد و الاختلاف الذي يبعثه فيها ، و كيف يجلوها كذرة الغبار تلك في عين لورا ، تجربةٌ من أعظم ما قد تشاهد في السهل الممتنع : لا كاريزما ممثلين ، لا أماكن براقة ، لا خطاباتٍ رنانة ، و لا لحظاتٍ رومانسيةٍ ناعمة ، و مع ذلك هو واحدٌ من أعظم الأفلام الرومانسية في تاريخ السينما .

التقييم من 10 : 10