الخميس، 28 فبراير 2013

Elena

كتب : عماد العذري

بطولة : ناداشدا ماركينا ، أندريه سميرنوف
إخراج : أندريه زفياغينتسيف

لا أتذكر على وجه الدقة كم عملاً استهلالياً لمخرجه اخترته ضمن قائمتي لأفضل الأفلام خلال العقد الماضي ، لكن The Return كان أحدها بالتأكيد ، لم يكن مجرّد باكورة أعمال مخرجٍ روسي شاب ، بل أيضاً عملاً مبشراً للسينما الروسية الجديدة و إمتداداً جيداً لسلسلةٍ طويلةٍ من المبدعين الروس الذين لطالما أمتعونا منذ سيرجي آيزنيشتين و أليكساندر دوفجينكو وصولاً إلى نيكيتا ميخالكوف و أليكساندر سوكوروف مروراً طبعاً بميخائيل كالاتزوف و أندريه تاركوفسكي .

كان حضوراً مهيباً لأندريه زفياغينتيسيف في ذلك الفيلم الذي ربح أسد فينيسيا الذهبي عام 2003 ، و بالرغم من أن آمالاً كهذه من الصعب أن تبنى على عملٍ واحد ، كان الإستقبال الفاتر لفيلمه الثاني The Banishment عام 2007 دافعاً خفياً لي لتجنب مشاهدته ، مع ذلك كان الأسلوب الذي حكى به الرجل حكايته الأولى حافزاً قوياً لي لإعتبار أن ما حدث لم يكن مجرّد مصادفة ، لذلك سعدت كثيراً عندما نال فيلمه الثالث Elena جائزةً تكريميةً خاصةً من مهرجان كان السينمائي الدولي عام 2011 ، لم يطلق الفيلم بعدها على نطاقٍ واسع ، و انتظرت لقائي به حتى عام 2012 عندما حظي بفرصته أخيراً للعرض حول العالم .

في هذا العمل يقص علينا زفياغينتسيف في هذا النص الذي كتبه رفقة أوليغ نيغن حكاية إيلينا ، ممرضةٌ في أواخر خمسينياتها أو أوائل ستينياتها وظّفت للعمل قبل عشرة أعوام مع ثريٍ عجوزٍ يدعى فلاديمير يعاني مشاكل صحية ، تفانيها في عملها سرعان ما أوقعه في حبها فتزوجها ، و مع ذلك بقيت علاقة الرعاية و التمريض هي الطاغية بينهما ، سيرجي ابنها من زواجٍ سابق هو عاطلٌ سكير و فلاديمير لا يأبه له بالرغم من ضائقاته المادية المتكررة ، مع ذلك تبقى إيلينا أماً تحاول مساعدة ابنها مادياً من خلال زوجها ، نظرياً تسير الأمور على ما يرام ، لكن عودة الود بين فلاديمير و ابنته الجافية كاتيا عقب الأزمة الصحية التي مرّ بها يقلب حياة إيلينا رأساً على عقب .

نجم هذا العمل هو النص المحترم الذي كتبه زفياغينتسيف و نيغن ، و نجم هذا النص ليس الحبكة و تطورها بقدر ما هو البناء العظيم للشخصيات و تطورها ضمن الحكاية و انعكاس ذلك التطور بإنسيابية شديدة على توليد الحدث ، يؤسس النص ببطءٍ لشخصياته و يتركها تتمدد و تتطور فعلاً إثر فعل ضمن متواليةٍ منطقيةٍ نابعةٍ من دواخلها و بطريقةٍ تجعله يبدو منطقياً جداً عندما يقدّم الإنقلاب الدرامي للحدث ، بطلة الفيلم إيلينا الممرضة التي أصبحت زوجة ، يقدّمها لنا النص منذ البداية و حتى النهاية أقرب الى مدبرة المنزل أكثر من كونها زوجة ، يعمل على التأسيس البطيء لأثر البون الإجتماعي بين إيلينا و فلاديمير و كيف انعكس هذا على العلاقة الزوجية التي نشأت في الأساس بناءً على علاقة مصلحةٍ و رعاية ، هذا لا يأتينا بصورةٍ مباشرة أو حتى عن طريق الحوار ، هو ينسل بذكاء ضمن الصور التكرارية التي يستهل بها النص تقديمنا للبيئة التي تحتوي البطلين ، تجواله في تلك الشقة الراقية في موسكو مطلع الفيلم يضعنا في صورة نوعية العلاقة التي تجمع إيلينا بفلاديمير دون الحاجة لما هو أكثر من ذلك ، في عمق البناء لا يحاول النص أن يجعل ايلينا تخفف أو تتجاوز رابطها العائلي ، و في الوقت ذاته لا يجعلها تقلل من حرصها على زوجها و لا حتى يجعل ذلك الحرص أو تلك الرعاية مصطنعةً مثلاً ، هذا يخدم طبيعية الشخصية التي تخدم السياق كثيراً لاحقاً ، و في الوقت ذاته لا يجعلها أيضاً تبرر تصرفات ابنها و رعونته و تسكعه لكنه مع ذلك يبقيها أماً ، بالمقابل فلاديمير رجلٌ صارمٌ من الطبقة الغنية ، لا يبدو لنا سيئاً اطلاقاً ، هو يعامل إيلينا بشكلٍ جيد ، لكنه على الطرف الآخر لا يروقه تعامل زوجته بهذا التسيّب مع ابنها الذي ساعده أكثر من مرة ، و حتى عندما لا يروقه هو لا يحاول أن يبدو فجاً أو يقلل من احترام زوجته ، علاوةً على ذلك يقدّم النص علاقةً حقيقيةً جداً بين فلاديمير و ابنته ، الشابة التي جافت والدها لسنوات ، يزول ذلك الجفاء عندما تزوره ، لا نعلم على وجه الدقة اذا ما كان قد زال فعلاً لكنه على الأقل زال للحظات في عيني فلاديمير و هذا هو الأهم لتطور الحدث ، يعيدنا النص للرابط الأزلي الذي جمع والداً بإبنته و كيف أن ذلك الرابط بحد ذاته قادرٌ على ازالة كل الرواسب بينهما ، النص من خلال العلاقتين اللتين ينسجهما على جانبي الشخصيتين الرئيسيتين (إيلينا بإبنها ، و فلاديمير بإبنته) لا يحاول ان يشعرك بالمقت تجاه ايلينا أو فلاديمير ، أنت تتقبلهما كشخصيتين اسستا بشكلٍ جيدٍ و قدمتا مبرراتهما بشكلٍ واضح ، لا تحتاج لتبريرٍ أكثر من كونها أماً ، أو أكثر من كونه أباً ، إيلينا تعلم بأنها الأمل الوحيد لإبنها و لحفيدها الذي سيضطر للإنضمام للجيش في حال لم يدفع والده رشوةً لأحدهم من أجل قبوله في جامعةٍ ما ، و فلاديمير يعلم – بعد النوبة القلبية التي داهمته – أن الوقت قد حان للتكفير عن التعامل السيء الذي كان مع ابنته على مدار سنوات نشأتها ، شعورنا بالشخصيتين عالٍ جداً ، صحيح أن النص ينهج في تأسيسه نهجاً لا أستسيغه يعتمد على الحوار المشبع ، لكنني أعترف أنه لا يجعله يبدو فائضاً في أي موضع ، و يضعه في المكان المناسب و بالكمية الصحيحة تماماً ، و ربما هذا ما يساعده على تجنب توليد تعاطفٍ حقيقيٍ كاملٍ تجاه الشخصيات في الفيلم ، في الواقع – ووفقاً لما يرينا النص – يكون من حق فلاديمير ألا يمنح شخصاً عاطلاً عن العمل المال من حينٍ لآخر ، و هو من أجل ذلك الشعور يرينا سيرجي ليجعلنا لا نستسيغه و نقتنع نوعاً ما بوجهة نظر فلاديمير ، إيلينا أيضاً لها وجهة نظرها ، إيلينا فعلاً خدمت الرجل ، و فعلاً تفانت بصدق في رعايته لكنها لحوحةٌ جداً فيما يخص ابنها العاطل و نجدها تحاور زوجها و تلومه أكثر من مرةٍ حول ذلك الموضوع ، لكنها بحنان الأم لا تحاول أن توجّه اللوم ذاته لإبنها المتسكع ، كما أن لوم إيلينا لفلاديمير و تذكيره بما يقوم به لإبنته الجافية يبدو أيضاً للمشاهد منطقاً أعوجاً على اعتبار أنها ابنته في كل الأحوال ، النص يجعلنا نشعر بذلك فعلاً و نفكر بهذه الطريقة ، يتبنى الرغبة الشديدة لدى فلاديمير في التكفير عن خطأه ، و يجعل تلك الرغبة تتجلى في طلبه رؤيتها في فراش المرض ، يلتقيان بعد سنين في غرفة المستشفى ، تخبره إبنته عن رأيها في الإنجاب و تجنبها له لأن الجينات ستلعب دورها و جيلٌ مريضٌ لن ينتج سوى شيءٍ مماثل ، تشير إليه و هذا يتم إسقاطه على الفيلم كله ، و كأنما تخبره أن التغيير يحدث في الأساس من السلف ، ينتقل بعد ذلك إلى الخلف ، و هو وحده من كان يستطيع تغييرها ، تماماً كما أن ايلينا هي وحدها من تستطيع تغيير سيرجي ، مشهد مصالحة فلاديمير و ابنته درسٌ حقيقيٌ في كتابة النص ، يتدرج من اللامبالاة ، إلى التجهّم ، إلى التهكم ، إلى اللوم ، إلى العتب ، إلى التقبل ، دون أن ينزلق إلى الرضا ، واحدٌ من أجمل مشاهد المصالحات التي قد تشاهدها في حياتك ، بمجرد أن تقارن كيف تدخله الشخصيتان و كيف تخرجان منها و كيف تتدرجان فيه تدرك جماليته و نفاذه و قدرته على احداث التحوّل الأهم في الفيلم من خلال مشهد الوصيّة التالي الذي هو أعظم و أذكى مشاهد الفيلم و خلاصة اللوحة التشكيلية التي رسمها النص بعناية لشخصيتيه قبله ، تحدث جريمة القتل بالطريقة التي تبدو لنا فيها ايلينا و كأنما تجيدها أو يمكن ان تكون حقيقية و مقنعةً بالنسبة لها و لتفكيرها ، لم يسمح لها عقلها المشوش و الذي يعمل الآن بسرعة مسرّعٍ فوتوني أن تفكر بغير تلك الطريقة ، و الأجمل عند هذه النقطة المحورية أن النص لم يكن قد صنع أي وترٍ رومانسيٍ حقيقيٍ بين الزوجين قد يضره درامياً أو قد يجعل التحول العنيف عند هذه النقطة مهزوزاً ، عقب الجريمة يكون رد فعل ايلينا مؤثراً جداً و حقيقياً ، هي ليست كما تبدو عليه فيه ، تبكي و تتأثر و تنهار لأن عالمها الذي ينهار فجأة هو ما دفعها لذلك ،  ترتكب جريمةً لا نلومها عليها كثيراً ، لكننا نستسخف دافعها ربما عندما نرى واقع الأشخاص اللذين جرى من أجلهم ما جرى ، تعود هنا معضلة الجينات للظهور ، يبقى الدافع الغريزي العاطفي للسلف المشكلة الأساسية للخلف ، لذلك كانت ايلينا هي الوحيدة القادرة على تغيير سيرجي لكنها لم تفعل ، و لذلك لا يختلف حفيدها ساشا عن ابنها سيرجي ان لم يتجاوزه في سوءه ، يؤكد النص وجهة نظره بهذا الخصوص لاحقاً عندما يعلن سيرجي أنه ينتظر مولوداً آخراً ، بينما تتابع الكاميرا في مشهدٍ رائعٍ ذو لقطةٍ طويلة ما يقوم به ساشا مع رفاق السوء في الجوار ، يضعنا النص في معضلةٍ أخلاقية تتجاوز حقيقة أن ما حدث هو جريمة قبل كل شيء : هل يستحق سيرجي أو ساشا أساساً ان نزهق روحاً لأجلهم ؟! ، الأجمل أن النص لا يضع في معضلته تلك أي محاكمةٍ لإيلينا ، لا يوجد في الفيلم أي محاكمةٍ شاعريةٍ لأبطاله ، هو يتركهم فقط – و منذ البداية - في دوامةٍ من الأهواء التي يحركها المال في خلفية الصورة دون أن يجعل تلك الخلفية تبرز للأمام و لو قليلاً ، لا يبدو فلاديمير بخيلاً لنا ، و لا تبدو إيلينا طماعةً أيضاً ، كلٌ يريد أن يضع المال في المكان الذي يراه مناسباً ، لذلك تتطور الأحداث بتلك الطريقة ، و لذلك هو لا ينتهي أيضاً كما تنتهي الأفلام على شاكلته ، لا يقول لك كم كان أي طرفٍ مخطئاً فيما فعل ، هو يقدّم وجهات نظرهم و لا يحاكمهم طالما أن المشاهد موجودٌ فعلاً و هو قادرٌ على ذلك .

في صورته ينهج زفياغينتسيف ذات النهج الذي وضعه لـ The Return ، تناوله للتباين الإجتماعي مدروسٌ و حذر ، يعمل من خلال كاميرا مصوّره ميخائيل كريشمان على خلق تباينٍ بصريٍ بين البيئتين دون أن يجعل ذلك صارخاً في الصورة ، هذا يليق و يتناسب جداً مع واقعية الفيلم و تقدمه البطيء و صدق شخصياته ، لذلك لا يستحوذ الفارق الإجتماعي بين البيئتين على الصورة ، هو يعمل على ذلك من خلال الإنسيابية العالية لحركة الكاميرا في شقة فلاديمير و التي تبدو و كأن الكاميرا تطفو فيها على سطحٍ زلق ، تخلق رحابةً محببةً للنفس في هذا المكان ، ثم تقيّد تماماً في المشاهد الأخرى في منزل سيرجي ، هذا فعال دون أن يكون صارخاً و يخلق لدينا احساساً ممتازاً بالمكان دون أن يولّد فينا أي حميميةٍ تجاهه ، خصوصاً مع اللقطات المكررة لروتين إيلينا اليومي مطلع الفيلم .

في الروح طبعاً هناك إيلينا ، تجسدها ناداشدا ماركينا بإحساسٍ عالٍ جداً بالدور الذي يبدو نابعاً من صميم ذاتها ، خصوصاً في رسم التباين غير المبتذل بين بهجات إيلينا البسيطة في منزل سيرجي ، و ملامحها الملولة في منزل فلاديمير ، أداءٌ ممتازٌ لدورٍ هاديء – أكثر من كونه قليل الحوار – لكنه واضح الأفكار و مبرر العواطف ، و بالرغم من أنها تدير المشهد وحدها تقريباً إلا أن يلينا ليادوفا تبرز بوضوح في كافة مشاهدها ، أداءها لدور كاتيا يولّد في الشخصية إيقاعاً حذراً من الوقوع في فخ الكراهية لدى المشاهد بطريقةٍ قد تجعل من الصعب تقبل مبرراتها كفتاةٍ لم يعاملها والدها كما يجب ، نحن نلومها بقدر ما نتفهمها أيضاً ، و هذا امتيازٌ من ليادوفا في الدور .

قد لا يكون Elena فيلماً عن الغني و الفقير أو عن البون الإجتماعي في موسكو المعاصرة بالرغم من وضوح ذلك في الخلفية البعيدة للصورة ، هو فيلمٌ عن الناس ، عن اطلاق العنان لرغباتهم للتعبير عنها ، و عن الدروب التي تقودنا فيها تلك الرغبات عندما لا نتمكن من التحكم فيها دون أن يكون فيلماً عن العواقب التي تنتج عنها ، راقني على أكثر من صعيد ، تأسيس شخصياته العظيم و تطورها البطيء و توازنه عندما يحدث تحول حكايته الأهم ، تصويره الأنيق و الموسيقى الهيتشكوكية التي يبدعها فيليب غلاس فيه ، معضلته الأخلاقية و لغته الشرقية و بناءه العظيم لم يجعلني استطع مراوغة الإحساس بأنه مقطوعةٌ منقوصةٌ معصرنة من رائعة كيشلوفسكي العظيمة The Decalogue ، هذا الإحساس بحد ذاته يستحق التهنئة بالنسبة لي .

التقييم من 10 : 9